مخطّط اغتيال المرجع فضل الله هدف إلى تصفية الخطّ المقاوم

مخطّط اغتيال المرجع فضل الله هدف إلى تصفية الخطّ المقاوم
 

 

 خلفيّة المجزرة وأبعادها

 س: ما حقيقة الخلفيات الَّتي دفعت المخابرات الأميركية إلى التخلّص من سماحة العلامة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله(ره)، وفي إطار أيِّ مرحلةٍ جاء هذا الاستهداف لسماحته؟

 ج: عندما غزت إسرائيل لبنان في العام 1982، وأخرجت المقاومة الفلسطينيَّة منه، تصورت أميركا وإسرائيل أنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة وضعت على طريق التَّصفية النهائيَّة، وأنَّه بعد خروج المقاومة الفلسطينيَّة، لن يكون   هناك مقاومة، ولن يكون هناك سلاح يشهر في وجه العدوّ الصهيوني، لأنَّ مصر، وكما يعلم الجميع، كانت قد وقَّعت اتفاقيَّة السّلام، والجيوش العربيَّة تعتبر أنَّ لا حرب من غير مصر، فتكون العمليَّة العسكريَّة الإسرائيليَّة الَّتي أخرجت الفلسطينيين وسلاحهم من لبنان إلى تونس، قد وضعت حداً في رأي الغرب لأيِّ تهديدٍ عسكريّ لإسرائيل بالجيوش أو بالمقاومات الشعبيَّة.لكنَّ هذا التصوّر الَّذي ثبَّته الأميركيّ بالإملاء على لبنان باتفاقيّة 17 أيار، لم يكن تصوّراً في محلِّه على أرض الواقع، لأنَّ هناك مقاومةً انطلقت في لبنان متعدِّدة المنطلقات الفكريَّة والعقائديَّة، منها الدّيني ومنها العلماني   ومنها القومي ومنها الوطني، وقد اتَّجهت هذه المقاومات كلّها نحو قتال إسرائيل، ولكن كان لا بدَّ لها من مستلزماتٍ للفعل والاستمرار، وأهمّها الفكر والتَّنظير والكشف الَّذي يثبِّت المقاوم، ويدفعه ويصوِّب مسيرته، ويحدِّد له طريقه، ويرشده إلى المخاطر الَّتي قد تواجهه.

في ظلِّ هذه الأجواء، برز سماحة العلامة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله(ره) كصوتٍ مدوٍّ في موقعه الفكريّ والفقهيّ والتنظيريّ، وهو الَّذي لم ترهبه الآلة العسكريَّة الإسرائيليَّة، ولم يغره كلّ ما يطرح على إنسان من مغريات، بل كان متمسّكاً بفكرته المركزيَّة، وهي أنَّ إسرائيل عدوّ مطلق وشرّ دائم، وأنَّ مقاومتها لا تكون بالتّمنّي، ودفع احتلالها لا يكون بالتَّفاوض أو بالتملّق أو باللّجوء إلى هذا وذاك، بل إنَّ مقاومتها تكون بالفكر وفي الميدان، وبشتّى الوسائل المتاحة.

كان سماحة السيّد فضل الله متمسّكاً بفكرته المركزيَّة، وهي أنَّ إسرائيل عدوّ مطلق وشرّ دائم، وأنَّ مقاومتها لا تكون بالتّمنّي، بل بالفكر وفي الميدان، وبشتّى الوسائل المتاحة

كان العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره) قائداً فكريّاً للتيّار المقاوم، لم ينشئ مقاومةً تختصّ به، أو فصيلاً مقاوماً يكون هو قائده العسكريّ، بل كان أباً للمقاومين وللفكر المقاوم في لبنان في تلك المرحلة، وقد بنى فكره في هذا المجال على تراكماتٍ سابقة. وهنا نذكر سماحة السيِّد موسى الصَّدر، الَّذي أطلق أفواج المقاومة اللّبنانيَّة "أمل"، والَّتي رأى فيها الطَّريق السَّليم لبناء مجتمعٍ مقاوم، ولكن بعد تغيّر الظروف بعد العام 1982؛ ولا سيّما أنَّ ظروف "أمل" كانت محكومةً بوجود الفلسطينيّين في لبنان، برز مشهد آخر، واتجاه آخر للعمل المقاوم، وكان السيِّد محمَّد حسين فضل الله(ره) في هذا الإطار، هو الرّائد الفكريّ والفقهيّ للتيّار المقاوم.

انطلاقاً من هذه المعطيات، ولأنَّ إسرائيل وأميركا صدمتا بهذه المفاجأة، وخصوصاً أنَّهم كانوا يعرفون مكمن قوّة المقاومة، كان استهداف سماحة السيِّد(ره)، والتّخطيط لاغتياله في تلك المجزرة الكارثيَّة، ضمن عمليَّة إرهابيَّة بشعة.

أسباب الاستهداف

س: ما هو بالتَّحديد التَّهديد الّذي مثّله سماحة العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره) على السِّياسات الأميركيَّة، وما هي أبرز ملامح تلك الشّخصيَّة في بعدها الاستراتيجيّ والسِّياسي والفكري؟

ج: كان العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره) يشكِّل تهديداً للسِّياسة الأميركيَّة، وخصوصاً أنَّه برز كعقلٍ وكفكرٍ مقاوم في الشّأن الميداني، لكنَّ هناك أمرين آخرين بالغي الأهميَّة، وعتهما أميركا ووعت الخطر الّذي يمثّله السيِّد فيهما؛ الأوّل هو تحريكه فكرة الإسلام الحركي الميداني، لإخراج الإسلام من الكهوف إلى الميدان، في الوقت الّذي كانت أميركا تتمسَّك بفكرة الإسلام المبتذل، الَّذي كانت ترى فيه أطراً وقيوداً تحبس المسلمين في المساجد، وتعطِّل الفكر عن مواكبة شؤون الحياة، وتغمض العيون عن الظّلمة والظّالمين.

وهناك الطّاقة الشَّبابيَّة الَّتي سعى السيِّد للاتّصال بها والتَّواصل معها، باعتبارها الأساس في العمل، فكان مجلسه شبابيّاً، وكان مسجده تجمّعاً للشَّباب المسلم. ولأنَّ اندفاع شباب الأمّة باتجاهٍ معيّن، يؤكّد فاعليّة الأمّة وقابليّتها للتّغيير، خافت أميركا من تحريك العنصر الشَّبابي، وإطلاق فكرة الإسلام الحركيّ الميدانيّ، فبدل أن يكون الإسلام كما هو الحال في بعض الدّول العربيَّة، وخصوصاً الخليجيَّة، إسلاماً لتقييد النّاس وغلّ أيديهم، كان الإسلام في لبنان بفكر سماحة العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره)، إسلاماً للحياة والحريَّة والحفاظ على الحقوق؛ وليس لتقييد النّاس. وبالتّالي، بين إسلامٍ حقيقيّ يحرّك الطّاقات ويطلقها، وإسلامٍ مشوَّهٍ محرَّفٍ تريده أميركا لمصادرة الطّاقات، نجد أنَّ سماحة المرجع فضل الله(ره) كان في خطِّ الإسلام الحركيّ، ولذلك رأت فيه أميركا خطراً عليها.

كما أنَّ السيِّد لم ينخرط في وظيفةٍ رسميّةٍ أو في موقعٍ رسميٍّ يقيِّده، بل أطلق المؤسَّسات الاجتماعيَّة الَّتي تنظّم المجتمع، والَّتي تعتبر مصدر قوَّة له، وفي الوقت ذاته، تشكّل خطراً على وجود المستعمر، وبما أنَّ فكر المقاومة فكر حركيّ تنظيميّ، كان وجوده خطراً على الاستعمار.

وقد تميَّز العلامة المرجع فضل الله(ره) بشخصيّة قياديّة تعبويّة تستطيع أن تقود بفكرها، وأن تطلق الحركة بصوتها وبرأيها، وأن تنظّم بحكمتها.

هاجس إنجاح المخطّط

س: لمجزرة بئر العبد أبعاد ميَّزتها عن باقي المجازر على السّاحة المحليَّة. ما هي هذه الأبعاد؟

ج: إنَّ الهاجس الأوّل لمخطّط مجزرة بئر العبد كان النَّجاح، حيث كان شعار العمليّة "الخطأ ممنوع"، ولأنَّ الفرصة قد لا تتكرَّر، استعملوا من المتفجّرات ما يفوق الحاجة لقتل شخصٍ واحد، وأرادوا أن يحدثوا حالةً من الرّعب بحجم الضَّحايا الَّذين سقطوا عند استهدافهم سماحة العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره)، لذلك عندما خطَّطوا لهذه المجزرة، وضعوا كميّات إضافيَّة تستطيع أن تقتل بدائرة 200 متر، حتّى يضمنوا نجاح العمليَّة.

إذاً كان الهاجس الأوّل هو النَّجاح، والهاجس الثّاني هو قتل أكبر عددٍ ممكنٍ من المواطنين المدنيّين، وبذلك، تكون المقاومة هي الّتي جلبت هذا الخراب، فيقتل عندها السيِّد فضل الله(ره) كشخصٍ وكفكرة.

جريمة ضدّ الإنسانيّة

س: نرى أنَّ الغرب دائماً يطرح شعارات حقوق الإنسان وينادي بها، في الوقت الّذي حاول اغتيال سماحة السيِّد وقتل الأبرياء من الأطفال والنّساء. أين المتابعة القانونيَّة والمحليَّة والدوليَّة لتلك القضيَّة الَّتي تعدّ فعلاً، إذا رجعنا إلى أرشيفها، جريمةً ضدّ الإنسانيَّة؟

ج: إنَّ فكرة مطالبة الغرب بحقوق الإنسان فكرة خاطئة، فالغرب يستعمل شعار حقوق الإنسان من أجل انتهاك حقوق الإنسان، ويرفع شعار التدخّل الإنسانيّ لخدمة الإنسان المحاصر في العالم وينقلب في تطبيقه، ودائماً ما يرفع الشِّعار ويطبِّق عكسه، والأمثلة على ذلك ليست بقليلة، فعندما رفع هذا الشِّعار في العراق، كانت النّتيجة تدمير العراق، وكذلك الأمر في أفغانسان، كما أنَّ شعار تحرير ليبيا من القذّافي، أدّى إلى قتل 130 ألف ليبي.

إنَّ مجزرة بئر العبد هي في المواصفات والمعايير القانونيَّة، عمل إجراميّ إرهابيّ بكلِّ ما للكلمة من معنى

إنَّ الغرب لا تعنيه كرامة الإنسان، ولا يعنيه الإنسان الآخر بكليَّته، لا وجوداً ولا كرامةً ولا شرفاً، ولا يعنيه إلا نفسه، ومن أجل نفسه يستبيح كرامة الإنسان تحت عنوان "خدمة الإنسان". فعلى سبيل المثال، اعتقلت إسرائيل حوالى 10 الآف أسير فلسطيني، دون أن يتحرّك الغرب للمطالبة بحقوقهم. كما نقلت أميركا المعتقلين من الشَّرق إلى غوانتانامو على بعد آلاف الكيلومترات، وحاصرتهم وضيَّقت عليهم، ولم يطالبها أحد بشيء، ثمَّ وعد أوباما بتحريرهم، ولكنَّه لم يفعل، لأنَّهم منافقون كاذبون.

وبالتّالي، فإنَّ مجزرة بئر العبد هي في المواصفات والمعايير القانونيَّة، عمل إجراميّ إرهابيّ بكلِّ ما للكلمة من معنى، ففي هذه المجزرة، كان يعرف من خطّط لها أنَّ هناك بريئاً سيقتل، وأنَّ هناك وسيلةً غير مشروعة ستستعمل، ومع ذلك، قتل من غير حقّ، واستعمل أداةً غير مشروعة بغير حقّ، لأنَّ مصالحه هي الَّتي تأمره، وليست حقوق الإنسان.

س: في ختام هذه الأسئلة، ماذا تقول في أجواء ذكرى مجزرة بئر العبد؟

ج: ينبغي أن تكون هذه المجزرة درساً وعِبرةً وموقفاً، ولا سيَّما أنّها كانت عملاً إرهابياً أكَّد أنَّ أميركا وإسرائيل لا تريدان خيراً لأحد، ولا ترعيان في المسلمين ولا في العرب إلاًّ ولا ذمّةً. وأنا أقول لكلِّ من يثق بهؤلاء: عودوا إلى رشدكم، وعدّلوا في مسيركم، لأنَّكم عندما تثقون بهما، فإنّكم تسيرون في الخطِّ الخطر.

هذا في مضمون المجزرة، ولكنَّ الدَّرس الأكبر كان بعدها، فالعلامة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله(ره) لم ترهبه المجزرة، بل اشتدَّ بعدها صلابةً، وارتفع صوته صارخاً بالحقِّ، وشكَّل حالةً فريدةً في المجتمع اللّبنانيّ والإسلاميّ في مسألة احتضانه المقاومة والفكر المقاوم، وبقائه متمسِّكاً بالقضيَّة الأمّ؛ قضيَّة الأمَّة؛ قضيَّة فلسطين، وهذا التمسّك رافقه حتّى النَّفس الأخير من حياته، حيث قال: "لن أرتاح إلا إذا سقطت إسرائيل واستعدنا فلسطين"، فكانت راحته مقترنة بإزالة الخطر الأمّ، وهو اغتصاب فلسطين، لذلك فإنَّ المجزرة الَّتي وقعت قبل 25 سنة، لم تغيِّر من قناعاته، بل جذّرت فيه هذه القناعات. من هنا أقول، إنَّ هذه المجزرة في ذاتها، وفيما تلاها، ينبغي أن تكون موقفاً وعبرة للأحرار.

 
 

 

 خلفيّة المجزرة وأبعادها

 س: ما حقيقة الخلفيات الَّتي دفعت المخابرات الأميركية إلى التخلّص من سماحة العلامة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله(ره)، وفي إطار أيِّ مرحلةٍ جاء هذا الاستهداف لسماحته؟

 ج: عندما غزت إسرائيل لبنان في العام 1982، وأخرجت المقاومة الفلسطينيَّة منه، تصورت أميركا وإسرائيل أنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة وضعت على طريق التَّصفية النهائيَّة، وأنَّه بعد خروج المقاومة الفلسطينيَّة، لن يكون   هناك مقاومة، ولن يكون هناك سلاح يشهر في وجه العدوّ الصهيوني، لأنَّ مصر، وكما يعلم الجميع، كانت قد وقَّعت اتفاقيَّة السّلام، والجيوش العربيَّة تعتبر أنَّ لا حرب من غير مصر، فتكون العمليَّة العسكريَّة الإسرائيليَّة الَّتي أخرجت الفلسطينيين وسلاحهم من لبنان إلى تونس، قد وضعت حداً في رأي الغرب لأيِّ تهديدٍ عسكريّ لإسرائيل بالجيوش أو بالمقاومات الشعبيَّة.لكنَّ هذا التصوّر الَّذي ثبَّته الأميركيّ بالإملاء على لبنان باتفاقيّة 17 أيار، لم يكن تصوّراً في محلِّه على أرض الواقع، لأنَّ هناك مقاومةً انطلقت في لبنان متعدِّدة المنطلقات الفكريَّة والعقائديَّة، منها الدّيني ومنها العلماني   ومنها القومي ومنها الوطني، وقد اتَّجهت هذه المقاومات كلّها نحو قتال إسرائيل، ولكن كان لا بدَّ لها من مستلزماتٍ للفعل والاستمرار، وأهمّها الفكر والتَّنظير والكشف الَّذي يثبِّت المقاوم، ويدفعه ويصوِّب مسيرته، ويحدِّد له طريقه، ويرشده إلى المخاطر الَّتي قد تواجهه.

في ظلِّ هذه الأجواء، برز سماحة العلامة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله(ره) كصوتٍ مدوٍّ في موقعه الفكريّ والفقهيّ والتنظيريّ، وهو الَّذي لم ترهبه الآلة العسكريَّة الإسرائيليَّة، ولم يغره كلّ ما يطرح على إنسان من مغريات، بل كان متمسّكاً بفكرته المركزيَّة، وهي أنَّ إسرائيل عدوّ مطلق وشرّ دائم، وأنَّ مقاومتها لا تكون بالتّمنّي، ودفع احتلالها لا يكون بالتَّفاوض أو بالتملّق أو باللّجوء إلى هذا وذاك، بل إنَّ مقاومتها تكون بالفكر وفي الميدان، وبشتّى الوسائل المتاحة.

كان سماحة السيّد فضل الله متمسّكاً بفكرته المركزيَّة، وهي أنَّ إسرائيل عدوّ مطلق وشرّ دائم، وأنَّ مقاومتها لا تكون بالتّمنّي، بل بالفكر وفي الميدان، وبشتّى الوسائل المتاحة

كان العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره) قائداً فكريّاً للتيّار المقاوم، لم ينشئ مقاومةً تختصّ به، أو فصيلاً مقاوماً يكون هو قائده العسكريّ، بل كان أباً للمقاومين وللفكر المقاوم في لبنان في تلك المرحلة، وقد بنى فكره في هذا المجال على تراكماتٍ سابقة. وهنا نذكر سماحة السيِّد موسى الصَّدر، الَّذي أطلق أفواج المقاومة اللّبنانيَّة "أمل"، والَّتي رأى فيها الطَّريق السَّليم لبناء مجتمعٍ مقاوم، ولكن بعد تغيّر الظروف بعد العام 1982؛ ولا سيّما أنَّ ظروف "أمل" كانت محكومةً بوجود الفلسطينيّين في لبنان، برز مشهد آخر، واتجاه آخر للعمل المقاوم، وكان السيِّد محمَّد حسين فضل الله(ره) في هذا الإطار، هو الرّائد الفكريّ والفقهيّ للتيّار المقاوم.

انطلاقاً من هذه المعطيات، ولأنَّ إسرائيل وأميركا صدمتا بهذه المفاجأة، وخصوصاً أنَّهم كانوا يعرفون مكمن قوّة المقاومة، كان استهداف سماحة السيِّد(ره)، والتّخطيط لاغتياله في تلك المجزرة الكارثيَّة، ضمن عمليَّة إرهابيَّة بشعة.

أسباب الاستهداف

س: ما هو بالتَّحديد التَّهديد الّذي مثّله سماحة العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره) على السِّياسات الأميركيَّة، وما هي أبرز ملامح تلك الشّخصيَّة في بعدها الاستراتيجيّ والسِّياسي والفكري؟

ج: كان العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره) يشكِّل تهديداً للسِّياسة الأميركيَّة، وخصوصاً أنَّه برز كعقلٍ وكفكرٍ مقاوم في الشّأن الميداني، لكنَّ هناك أمرين آخرين بالغي الأهميَّة، وعتهما أميركا ووعت الخطر الّذي يمثّله السيِّد فيهما؛ الأوّل هو تحريكه فكرة الإسلام الحركي الميداني، لإخراج الإسلام من الكهوف إلى الميدان، في الوقت الّذي كانت أميركا تتمسَّك بفكرة الإسلام المبتذل، الَّذي كانت ترى فيه أطراً وقيوداً تحبس المسلمين في المساجد، وتعطِّل الفكر عن مواكبة شؤون الحياة، وتغمض العيون عن الظّلمة والظّالمين.

وهناك الطّاقة الشَّبابيَّة الَّتي سعى السيِّد للاتّصال بها والتَّواصل معها، باعتبارها الأساس في العمل، فكان مجلسه شبابيّاً، وكان مسجده تجمّعاً للشَّباب المسلم. ولأنَّ اندفاع شباب الأمّة باتجاهٍ معيّن، يؤكّد فاعليّة الأمّة وقابليّتها للتّغيير، خافت أميركا من تحريك العنصر الشَّبابي، وإطلاق فكرة الإسلام الحركيّ الميدانيّ، فبدل أن يكون الإسلام كما هو الحال في بعض الدّول العربيَّة، وخصوصاً الخليجيَّة، إسلاماً لتقييد النّاس وغلّ أيديهم، كان الإسلام في لبنان بفكر سماحة العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره)، إسلاماً للحياة والحريَّة والحفاظ على الحقوق؛ وليس لتقييد النّاس. وبالتّالي، بين إسلامٍ حقيقيّ يحرّك الطّاقات ويطلقها، وإسلامٍ مشوَّهٍ محرَّفٍ تريده أميركا لمصادرة الطّاقات، نجد أنَّ سماحة المرجع فضل الله(ره) كان في خطِّ الإسلام الحركيّ، ولذلك رأت فيه أميركا خطراً عليها.

كما أنَّ السيِّد لم ينخرط في وظيفةٍ رسميّةٍ أو في موقعٍ رسميٍّ يقيِّده، بل أطلق المؤسَّسات الاجتماعيَّة الَّتي تنظّم المجتمع، والَّتي تعتبر مصدر قوَّة له، وفي الوقت ذاته، تشكّل خطراً على وجود المستعمر، وبما أنَّ فكر المقاومة فكر حركيّ تنظيميّ، كان وجوده خطراً على الاستعمار.

وقد تميَّز العلامة المرجع فضل الله(ره) بشخصيّة قياديّة تعبويّة تستطيع أن تقود بفكرها، وأن تطلق الحركة بصوتها وبرأيها، وأن تنظّم بحكمتها.

هاجس إنجاح المخطّط

س: لمجزرة بئر العبد أبعاد ميَّزتها عن باقي المجازر على السّاحة المحليَّة. ما هي هذه الأبعاد؟

ج: إنَّ الهاجس الأوّل لمخطّط مجزرة بئر العبد كان النَّجاح، حيث كان شعار العمليّة "الخطأ ممنوع"، ولأنَّ الفرصة قد لا تتكرَّر، استعملوا من المتفجّرات ما يفوق الحاجة لقتل شخصٍ واحد، وأرادوا أن يحدثوا حالةً من الرّعب بحجم الضَّحايا الَّذين سقطوا عند استهدافهم سماحة العلامة المرجع السيِّد فضل الله(ره)، لذلك عندما خطَّطوا لهذه المجزرة، وضعوا كميّات إضافيَّة تستطيع أن تقتل بدائرة 200 متر، حتّى يضمنوا نجاح العمليَّة.

إذاً كان الهاجس الأوّل هو النَّجاح، والهاجس الثّاني هو قتل أكبر عددٍ ممكنٍ من المواطنين المدنيّين، وبذلك، تكون المقاومة هي الّتي جلبت هذا الخراب، فيقتل عندها السيِّد فضل الله(ره) كشخصٍ وكفكرة.

جريمة ضدّ الإنسانيّة

س: نرى أنَّ الغرب دائماً يطرح شعارات حقوق الإنسان وينادي بها، في الوقت الّذي حاول اغتيال سماحة السيِّد وقتل الأبرياء من الأطفال والنّساء. أين المتابعة القانونيَّة والمحليَّة والدوليَّة لتلك القضيَّة الَّتي تعدّ فعلاً، إذا رجعنا إلى أرشيفها، جريمةً ضدّ الإنسانيَّة؟

ج: إنَّ فكرة مطالبة الغرب بحقوق الإنسان فكرة خاطئة، فالغرب يستعمل شعار حقوق الإنسان من أجل انتهاك حقوق الإنسان، ويرفع شعار التدخّل الإنسانيّ لخدمة الإنسان المحاصر في العالم وينقلب في تطبيقه، ودائماً ما يرفع الشِّعار ويطبِّق عكسه، والأمثلة على ذلك ليست بقليلة، فعندما رفع هذا الشِّعار في العراق، كانت النّتيجة تدمير العراق، وكذلك الأمر في أفغانسان، كما أنَّ شعار تحرير ليبيا من القذّافي، أدّى إلى قتل 130 ألف ليبي.

إنَّ مجزرة بئر العبد هي في المواصفات والمعايير القانونيَّة، عمل إجراميّ إرهابيّ بكلِّ ما للكلمة من معنى

إنَّ الغرب لا تعنيه كرامة الإنسان، ولا يعنيه الإنسان الآخر بكليَّته، لا وجوداً ولا كرامةً ولا شرفاً، ولا يعنيه إلا نفسه، ومن أجل نفسه يستبيح كرامة الإنسان تحت عنوان "خدمة الإنسان". فعلى سبيل المثال، اعتقلت إسرائيل حوالى 10 الآف أسير فلسطيني، دون أن يتحرّك الغرب للمطالبة بحقوقهم. كما نقلت أميركا المعتقلين من الشَّرق إلى غوانتانامو على بعد آلاف الكيلومترات، وحاصرتهم وضيَّقت عليهم، ولم يطالبها أحد بشيء، ثمَّ وعد أوباما بتحريرهم، ولكنَّه لم يفعل، لأنَّهم منافقون كاذبون.

وبالتّالي، فإنَّ مجزرة بئر العبد هي في المواصفات والمعايير القانونيَّة، عمل إجراميّ إرهابيّ بكلِّ ما للكلمة من معنى، ففي هذه المجزرة، كان يعرف من خطّط لها أنَّ هناك بريئاً سيقتل، وأنَّ هناك وسيلةً غير مشروعة ستستعمل، ومع ذلك، قتل من غير حقّ، واستعمل أداةً غير مشروعة بغير حقّ، لأنَّ مصالحه هي الَّتي تأمره، وليست حقوق الإنسان.

س: في ختام هذه الأسئلة، ماذا تقول في أجواء ذكرى مجزرة بئر العبد؟

ج: ينبغي أن تكون هذه المجزرة درساً وعِبرةً وموقفاً، ولا سيَّما أنّها كانت عملاً إرهابياً أكَّد أنَّ أميركا وإسرائيل لا تريدان خيراً لأحد، ولا ترعيان في المسلمين ولا في العرب إلاًّ ولا ذمّةً. وأنا أقول لكلِّ من يثق بهؤلاء: عودوا إلى رشدكم، وعدّلوا في مسيركم، لأنَّكم عندما تثقون بهما، فإنّكم تسيرون في الخطِّ الخطر.

هذا في مضمون المجزرة، ولكنَّ الدَّرس الأكبر كان بعدها، فالعلامة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله(ره) لم ترهبه المجزرة، بل اشتدَّ بعدها صلابةً، وارتفع صوته صارخاً بالحقِّ، وشكَّل حالةً فريدةً في المجتمع اللّبنانيّ والإسلاميّ في مسألة احتضانه المقاومة والفكر المقاوم، وبقائه متمسِّكاً بالقضيَّة الأمّ؛ قضيَّة الأمَّة؛ قضيَّة فلسطين، وهذا التمسّك رافقه حتّى النَّفس الأخير من حياته، حيث قال: "لن أرتاح إلا إذا سقطت إسرائيل واستعدنا فلسطين"، فكانت راحته مقترنة بإزالة الخطر الأمّ، وهو اغتصاب فلسطين، لذلك فإنَّ المجزرة الَّتي وقعت قبل 25 سنة، لم تغيِّر من قناعاته، بل جذّرت فيه هذه القناعات. من هنا أقول، إنَّ هذه المجزرة في ذاتها، وفيما تلاها، ينبغي أن تكون موقفاً وعبرة للأحرار.

 
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير