هكذا تعرّضت للخطف

هكذا تعرّضت للخطف

عندما حدث الاجتياح الإسرائيليّ للبنان العام 1982، والّذي كنّا نعيش أجواءه وتهاويله، لم أكن في لبنان، بل كنت في زيارة لإيران لحضور احتفالات بذكرى انتصار الثورة الإيرانيّة، وحصل الاجتياح وأنا هناك، فعقدنا، ونحن هناك، اجتماعاً للعلماء اللّبنانيّين من السنّة والشّيعة، وتداولنا في الأمر، وأصدرنا بياناً نرفض فيه الاجتياح، وبادرنا إلى العودة إلى لبنان بسرعة، ولكنّنا فوجئنا بأنّ أغلب مداخل بيروت مغلقة من قِبل الجيش الإسرائيليّ من جهة، ومن قبل القوى المتحالفة معه من جهة أخرى، وقد حاولنا الوصول إلى بيروت، فتجاوزنا الحاجز الإسرائيلي من الجهة الشرقيّة لبيروت، ووصلنا إلى الحاجز الكتائبيّ القريب منه، فاستوقفنا وفتّشنا مع سيارتنا، فلاحظ وجود بعض الأوراق والمقابلات الصحفيّة معنا.

عند ذلك، قادنا هذا الحاجز الكتائبي إلى مكتب الكتائب في منطقة الحازمية، حيث أجلسونا هناك، وكان معي ولدي "علي" وبعض المرافقين وإخواننا، وعشنا لأوّل مرة معنى الاختطاف، فحاولنا أن نتحدّث مع خاطفينا بطريقة عقلانيّة وإنسانيّة، لكنّهم بدوا لنا غير مستعدّين لسماعنا ومناقشتنا، لأنهم كانوا يتلقّون التعليمات وينتظرونها، فجاءتهم بأن ينقلونا إلى أحد الأقبية، وأخذونا إلى هناك.

وسمعنا بعض النّاس الذين شاهدونا وهم ينقلوننا كالأسرى أو السبايا، يقولون لبعضهم البعض: "خميني" وما إلى ذلك، فوصلنا إلى القبو الكبير الذي وضعونا فيه، وحاولنا أن نجد من يتكلّم معنا، عندما حشرنا في هذا المكان بانتظار ما سيحدث، فكان الجميع يرفضون التحدّث معنا أو مناقشتنا، ولم نكن في ذلك الوقت نعيش آفاق الخطف ونتائجه، ولكنّنا كنا في حيرة مما يحدث.

ومن حُسن حظّنا، أنّ بعض أقربائنا شاهد عمليّة خطفنا في بدايتها، فجاء إلى بيروت الغربيّة، والضّاحية الجنوبيّة منها، وأخبر النّاس بما حدث، وكانت في ذلك الوقت تجري اجتماعات في القصر الجمهوري بإشراف الموفد الأمريكي فيليب حبيب، لجمع الطوائف اللّبنانيّة حول بعض المشاريع، وعلمت بعد ذلك أنّ خبر خطفنا قد أحدث هزّة، بحيث جعل الوضع يتحرّك باتجاه تعقيد كلّ الجوّ السياسيّ آنذاك، وهنا فوجئنا بأنّ الّذين خطفونا جاؤوا يعتذرون إلينا، وينقلوننا عبر منطقة المتحف إلى الضّاحية الجنوبيّة.

هذه الحادثة قد لا يعرفها الكثيرون من الناس، وهذه الحادثة هي الّتي جعلتني أتعقّد من كلّ عمليات الخطف، لأنّني شعرت من خلال التجربة الحيّة، ما معنى أن يعيش الإنسان البريء إنسانيته المخطوفة، دون أن يملك مسألة أن يريد أو لا يريد ذلك، من دون أيّة محاكمة أو تهمة، ليلقى به كميّة مهملة في أحد الأقبية أو الزّنازين، لينتظر المسألة السياسيّة التي يمكن أن تخرجه أو تقتله. ولذلك فإنني عندما كنت أتحدّث عن مسألة الخطف في بعدها الإنساني، كنت أنطلق من قناعة، ولم أكن أنطلق من موقع سياسيّ لتبرير ذاتي من التّهم التي كانت توجّه إليَّ من أنّني أقود هذه العمليّة أو أنّني أشرف عليها.

كنت أحاول أن أناقش المسألة، على مستوى شموليّة الواقع، ولكنّني لم أبرّر ذلك في ذاته، وحتى الآن، فإنني لا أجد الخطف، سواء كان خطف الغربيّين أو اللّبنانيّين، يصلح لأن يكون وسيلة من وسائل الاحتجاج السياسيّ، أو من وسائل الإعلام السياسيّ إذا كان المخطوف بريئاً.

[المصدر: كتاب "العلامة فضل الله وتحدّي الممنوع"] .

عندما حدث الاجتياح الإسرائيليّ للبنان العام 1982، والّذي كنّا نعيش أجواءه وتهاويله، لم أكن في لبنان، بل كنت في زيارة لإيران لحضور احتفالات بذكرى انتصار الثورة الإيرانيّة، وحصل الاجتياح وأنا هناك، فعقدنا، ونحن هناك، اجتماعاً للعلماء اللّبنانيّين من السنّة والشّيعة، وتداولنا في الأمر، وأصدرنا بياناً نرفض فيه الاجتياح، وبادرنا إلى العودة إلى لبنان بسرعة، ولكنّنا فوجئنا بأنّ أغلب مداخل بيروت مغلقة من قِبل الجيش الإسرائيليّ من جهة، ومن قبل القوى المتحالفة معه من جهة أخرى، وقد حاولنا الوصول إلى بيروت، فتجاوزنا الحاجز الإسرائيلي من الجهة الشرقيّة لبيروت، ووصلنا إلى الحاجز الكتائبيّ القريب منه، فاستوقفنا وفتّشنا مع سيارتنا، فلاحظ وجود بعض الأوراق والمقابلات الصحفيّة معنا.

عند ذلك، قادنا هذا الحاجز الكتائبي إلى مكتب الكتائب في منطقة الحازمية، حيث أجلسونا هناك، وكان معي ولدي "علي" وبعض المرافقين وإخواننا، وعشنا لأوّل مرة معنى الاختطاف، فحاولنا أن نتحدّث مع خاطفينا بطريقة عقلانيّة وإنسانيّة، لكنّهم بدوا لنا غير مستعدّين لسماعنا ومناقشتنا، لأنهم كانوا يتلقّون التعليمات وينتظرونها، فجاءتهم بأن ينقلونا إلى أحد الأقبية، وأخذونا إلى هناك.

وسمعنا بعض النّاس الذين شاهدونا وهم ينقلوننا كالأسرى أو السبايا، يقولون لبعضهم البعض: "خميني" وما إلى ذلك، فوصلنا إلى القبو الكبير الذي وضعونا فيه، وحاولنا أن نجد من يتكلّم معنا، عندما حشرنا في هذا المكان بانتظار ما سيحدث، فكان الجميع يرفضون التحدّث معنا أو مناقشتنا، ولم نكن في ذلك الوقت نعيش آفاق الخطف ونتائجه، ولكنّنا كنا في حيرة مما يحدث.

ومن حُسن حظّنا، أنّ بعض أقربائنا شاهد عمليّة خطفنا في بدايتها، فجاء إلى بيروت الغربيّة، والضّاحية الجنوبيّة منها، وأخبر النّاس بما حدث، وكانت في ذلك الوقت تجري اجتماعات في القصر الجمهوري بإشراف الموفد الأمريكي فيليب حبيب، لجمع الطوائف اللّبنانيّة حول بعض المشاريع، وعلمت بعد ذلك أنّ خبر خطفنا قد أحدث هزّة، بحيث جعل الوضع يتحرّك باتجاه تعقيد كلّ الجوّ السياسيّ آنذاك، وهنا فوجئنا بأنّ الّذين خطفونا جاؤوا يعتذرون إلينا، وينقلوننا عبر منطقة المتحف إلى الضّاحية الجنوبيّة.

هذه الحادثة قد لا يعرفها الكثيرون من الناس، وهذه الحادثة هي الّتي جعلتني أتعقّد من كلّ عمليات الخطف، لأنّني شعرت من خلال التجربة الحيّة، ما معنى أن يعيش الإنسان البريء إنسانيته المخطوفة، دون أن يملك مسألة أن يريد أو لا يريد ذلك، من دون أيّة محاكمة أو تهمة، ليلقى به كميّة مهملة في أحد الأقبية أو الزّنازين، لينتظر المسألة السياسيّة التي يمكن أن تخرجه أو تقتله. ولذلك فإنني عندما كنت أتحدّث عن مسألة الخطف في بعدها الإنساني، كنت أنطلق من قناعة، ولم أكن أنطلق من موقع سياسيّ لتبرير ذاتي من التّهم التي كانت توجّه إليَّ من أنّني أقود هذه العمليّة أو أنّني أشرف عليها.

كنت أحاول أن أناقش المسألة، على مستوى شموليّة الواقع، ولكنّني لم أبرّر ذلك في ذاته، وحتى الآن، فإنني لا أجد الخطف، سواء كان خطف الغربيّين أو اللّبنانيّين، يصلح لأن يكون وسيلة من وسائل الاحتجاج السياسيّ، أو من وسائل الإعلام السياسيّ إذا كان المخطوف بريئاً.

[المصدر: كتاب "العلامة فضل الله وتحدّي الممنوع"] .

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير