الهجرة في سبيل نشر الإسلام والحفاظ عليه

الهجرة في سبيل نشر الإسلام والحفاظ عليه

كان حديثنا فيما سبق حول الهجرة في جانبها الإسلاميّ التاريخيّ، وتحديداً في بداية الدّعوة، حيث انطلق المسلمون في الهجرة الأولى إلى الحبشة، من أجل مواجهة الضّغوط الصّعبة الّتي كانوا يعيشونها في مكّة، لتثبيت إيمانهم في خطّ الإسلام، وتلتها الهجرة الثّانية إلى المدينة. وقد عاش المسلمون هاجس الهجرة هذه في الفتوحات التي انطلقوا فيها إلى أقاصي العالم، أو في أغراضهم التجارية والثقافية، أو ما إلى ذلك، لينفتحوا على العالم وينشروا فيه الإسلام. ربما لم يكن الكثيرون منهم علماء دين أو من فئة الدعاة إلى الله بالمعنى الرسمي الديني، ولكنهم كانوا يملكون وعي الإسلام في الدعوة، ويتحسَّسون إسلامهم في الإنسان الآخر، من منطلق شعورهم بالمسؤولية في نقل هذا الإسلام إلى الآخرين بكلّ ما يملكونه من وسائل.

وهكذا، نلاحظ أن انتشار الإسلام في العالم قد حصل من خلال هذه الهجرات، سواء كانت هجرات عسكرية في خط الفتوحات، أو كانت هجرات اقتصادية في خطّ حركة التجار والعمال المسلمين، الذين قد يتحرك العلماء المسلمون معهم إلى تلك البلاد، أو من خلال أنهم كانوا يستقدمون طلاباً للعلم في حواضر الإسلام العلمية، ليرجعوا إلى أهلهم، ليثقفوهم بالإسلام، وليدعوهم إليه، فكان امتداد الإسلام من خلال هذه الهجرات الاقتصادية والثقافية أكثر من امتداده في الفتوحات، وهذا ما نلاحظه من خلال حركة الإسلام في البلدان الإسلامية الآسيوية التي يعيش فيها مئات الملايين من المسلمين. ولذلك، ربحنا شعوباً إسلامية لم يكن لها عهد بالإسلام.

دوافع الهجرة الحديثة

أما في تاريخنا الحديث، فقد عاش المسلمون في بداية القرن الماضي خلال الحرب العالمية الأولى، أزمات اقتصادية وأمنية، فتعرضوا لمجاعات قاسية في أكثر من بلد من بلدان العالم الإسلامي، ما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة إلى بلاد الغرب، إلى أميركا أو إلى بعض دول أوروبا. وكنتيجة للجهل الذي كان يعيشه هؤلاء، وفقدان أي موقع إسلامي في البلاد التي هاجروا إليها، فقد قطع التواصل بينهم وبين البلدان الإسلامية الأخرى، وبذلك خسرنا الكثير من المسلمين المهاجرين في تلك المرحلة، وتحولت مئات من العائلات المسلمة في الأرجنتين، وتشيلي، وكوبا، وفي غيرها من دول أميركا اللاتينية، إلى عائلات غير إسلامية، وإن كانت المشكلة بشكل أقلّ في أميركا، حيث كان التواصل قائماً بين أميركا والمناطق الشرقية، ولا سيما بين لبنان وسوريا اللتين كثرت الهجرة منهما إلى أميركا.

ونلاحظ اليوم أنّ الهجرات المتعاقبة بعد ذلك، بدأت تنطلق إلى بلاد الغرب، ولكن من خلال أكثر من سبب، من خلال الظّروف الأمنيّة تارةً، أو من خلال الأزمات الاقتصاديّة الّتي تطبق على العالم الإسلاميّ بفعل نقاط الضّعف الاقتصاديّ الموجودة في داخله، وبفعل الخطط السّياسيّة الّتي قام بها المستعمرون الّذين استعمروا العالم الإسلامي، من أجل إفقاره وتحويله إلى أسواق استهلاكيّة للغرب، تارةً أخرى، أو من خلال تحويله إلى مواقع استراتيجية لصراعاته، أو إلى هوامش سياسية لسياساته أو ما إلى ذلك، أو نتيجة للسياسات المتبقّية، من أجل تجهيل العالم الإسلامي، وإفقاد جامعاته المستوى الذي يمكّن طلابه من الحصول على مستويات متقدّمة، أو من خلال الأدمغة التي نملكها في شتّى أنواع العلوم، التي لم تجد أيّة فرصة لخدمة شعوبها بهذا العلم. وبهذا، فقد وقعنا في مشكلة هجرة الأدمغة العلميّة إلى بلاد الغرب، ولم يبق عندنا إلا الّذين لم تسمح لهم ظروفهم بأن يهاجروا، أو لأنهم لم يدخلوا في سوق شراء الأدمغة من قبل أميركا وأوروبّا، هذا إلى جانب الهزّات السياسيّة الّتي فرضت نفسها على الكثيرين من بلدان العالم الإسلاميّ.

وقد وصلنا إلى نتيجة مخيفة، وهي أنّه ما من بلد من بلدان العالم الإسلاميّ كلّه، إلا وهناك مئات الألوف، بل الملايين، ممن هاجروا منه لأسباب أمنيّة واقتصاديّة وسياسيّة إلى سائر أنحاء العالم. فنحن عندما نراقب الإحصاءات الموجودة في دول الغرب الآن، نجد أنّ في فرنسا وحدها ما يقارب خمسة ملايين مسلم، وفي بريطانيا ما يقارب ثلاثة أو أربعة ملايين مسلم، وفي أميركا ما يقارب عشرة ملايين مسلم، وفي أستراليا قد يبلغون أكثر من مليون، والهجرة إلى أستراليا ـ  كما هو معلوم ـ هجرة جديدة، وهكذا إلى البرازيل ودول أميركا اللاتينية، إضافةً إلى بعض المجموعات الأخرى في إيطاليا وبلجيكا وغيرها من الدّول، بحيث أصبحت لدينا مجتمعات إسلاميّة من خلال كثرة عدد المسلمين في تلك البلدان.

مشاكل الهجرة الإسلاميَّة

ومن هنا، برزت مشكلة الهجرة الإسلاميَّة إلى بلاد الغرب، والّتي أفرزت آلاف المشاكل، وخصوصاً من النّاحية الإسلاميّة في ما يواجهه المسلمون من تحدّيات على مستوى عقيدتهم. وقد انطلق الكثيرون من المبشّرين بأديان أخرى لإخراج المسلمين وفتنتهم عن دينهم، مستغلّين كلّ الإغراءات الماديّة وغير الماديّة، وهكذا واجهنا مشاكل الانحراف الأخلاقيّ والانحراف السياسيّ في توظيف جيش من المسلمين في أجهزة المخابرات الدّوليّة، فأصبح هؤلاء بموجب ذلك عيوناً على المسلمين هناك، وعلى المسلمين في بلدهم، في عمليّة استغلال للواقع الاقتصاديّ الّذي يعيشونه، أو لبعض الأوضاع الأمنيّة الّتي تعترضهم.

وفي ضوء ذلك، أصبحت الهجرة الإسلاميّة مسألة تحتاج إلى دراسة متأنّية ومعالجة هادئة، لأننا ربما إذا استطعنا أن نبقي الجيل الأوّل على إسلامه، فإننا لا نضمن بقاء الجيل الثاني أو الجيل الثالث على الإسلام، لأنهم يعيشون في مناخٍ غير إسلاميّ. فكيف نواجه هذه المشكلة؟! إنّ علينا من حيث المبدأ، دراسة الجانب الشرعي للهجرة، ثم التوجّه إلى معالجة المشاكل الأخرى، وهذا الأمر لا تنحصر مسؤوليته بالعلماء والمراجع فحسب، بل تتحمّل مسؤوليته كلّ الفعاليات الإسلاميّة الّتي تفكّر في مستقبل الإسلام والمصلحة الإسلاميّة العليا.

التطلّع إلى الأمن

ولنبدأ في دراسة الهجرة من خلال الضغوط الأمنية، وما أكثرها في بلادنا الإسلامية التي يحكمها في الأكثر طغاةٌ وظفتهم المخابرات الدولية، ليكونوا حكاماً على الناس، وليحرسوا المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للمستكبرين! لأن دراستنا للخلفيات التي تحكم أكثرية هؤلاء، تفيد أن معظم هؤلاء الحكام كانوا قد درسوا في مواقع المخابرات الدولية منذ نشأتهم بشكل مباشر وغير مباشر، حتى إن بعضهم وظفوا في موقع الحكم بشروط معينة. وهذا ما نلاحظه على هذه الأنظمة، التي تصادر حريّات شعوبها، وتمارس عليها حياة القهر والإرهاب، حتى أصبح الإنسان يخاف أن يضبط نفسه وهو يفكّر بحريّة، لأنّه يخشى أن يملك هؤلاء أجهزة تستطيع أن تراقب فكره. لذلك، فإنّ الكثير من المسلمين، ولا سيّما من الأحرار في دينهم، وفي وطنيّتهم، والكثير من قضايا شعوبهم، واجهوا خياراً صعباً، إمّا الموت صبراً وإمّا الهجرة.

وهنا، نستطيع أن نستوحي معاني هجرة الحبشة في هذه الهجرات، فنورد بعض الآيات القرآنيّة، إذ يقول الله في كتابه الكريم، وهو يتحدّث عن هؤلاء: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}[1]. وكلمة القرية ـ هنا ـ تعبّر عن مكّة في خصوصيّة موقع هؤلاء، ولكنّها تمثّل في امتدادها العلميّ التّعبير عن الموقع الّذي يعيشه هذا الإنسان أو تلك الجماعة من الّذين أطبق الظّلم عليهم، وأقفلت بوجههم المخارج، ولذلك، يطلبون من الله أن يجعل لهم من أمرهم مخرجاً. ويقول تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}[2]، وقد أُخرجوا إما اختياراً وإما اضطراراً، ونحن نعلم أن هناك كثيراً من الأنظمة في العالم الإسلامي، تعمد إلى نزع جنسيات بعض مواطنيها، وتتركهم في متاهات الضياع، بل أكثر من ذلك، فإنها تمنع بعض مواطنيها من الذين ينتمون إلى الوطن، أن يدخلوا بلدهم أو يرجعوا إليه.

هذا النموذج كان موجوداً في التاريخ، وتحديداً في عهد الدعوة، وفي نطاق مكة وما حولها، وهو موجود الآن في أكثر من بلد إسلامي: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، وهكذا نقرأ في الكتاب الكريم عن نموذج آخر من هؤلاء الناس، {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}[3]، بمعنى أنه أطبق الظلم عليهم، ولم يستطيعوا البقاء في بلادهم، مخافة أن يظلموا، لأنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا التحديات، أو يدخلوا في عمل انتفاضي أو ثوري، لأن الظروف حاصرتهم من جميع الجهات: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}[4]، لأنهم كانوا المظلومين، وخيّروا بأن يبقوا ليفتنهم هؤلاء عن دينهم بسبب الضغط والظلم، أو يخرجوا فراراً بدينهم وبحريتهم وكرامتهم، فاختاروا الثانية. ثم نقرأ أيضاً: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ}، فعاشوا الاختبار والفتنة عن دينهم، وربما اهتزت بعض أفكارهم، وضعف بعض إيمانهم بفعل الضغط القاسي، {ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ}، أي جاهدوا أنفسهم، {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}[5]، فيغفر لهم هذا الضعف الذي عاشوه، وهذا الاهتزاز الذي وقعوا تحته.

من خلال هذه الآيات التي تعطي القيمة الإيمانيّة للّذين انفتحوا على الهجرة فراراً من الظّلم الداخليّ الذي يريد أن يفرض عليهم مفاهيمه المنحرفة، أو يخرجهم من دينهم، أو من إنسانيّتهم، ويريد أن يجعلهم جنوداً للظّلم ينصرونه ضدّ مواقع العدل، نستوحي أن هناك الكثير من الأحرار اختاروا البقاء في بلدهم ليعملوا فيما لديهم من طاقة في سبيل تغيير الواقع الداخلي في بلادهم، فقتل من قتل منهم، وسجن من سجن منهم، وجرح من جرح منهم، وتحوّل بلدهم إلى سجن كبير أغلقت كلّ أبوابه وكلّ نوافذه، فعاشوا الموقف الحسيني الّذي نفّذوه، بطرق وأساليب تقترب من الموقف الحسيني، والّذي تجلّى في قول الإمام الحسين(ع): "ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذّلّة"[6]، إمّا الموت وإمّا الإذلال تحت مفاهيم الطّغيان، وتحت وسائل الطّغاة. وانعدمت الفرص أمام أيّ موقف ثوريّ، بسبب الحصار الّذي أطبق على كلّ مواقع الثورة، سواء كان داخلياً أو خارجياً، ولهذا، انطلق هؤلاء ليفتشوا عن أرض جديدة يستطيعون من خلالها أن يرجعوا إلى بلدهم بقوة جديدة، لأنهم قرأوا قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}[7]، وقرأوا قوله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً}[8]. وقد خاطب الله الّذين سقطوا أمام ضغط المستكبرين، واتبعوهم في دينهم وفي مخططاتهم وفي سياستهم، لأنهم كانوا يعيشون الضعف الداخلي، فاستضعفوا أنفسهم، فكانت الآية بمثابة القاعدة الإسلامية التي تعالج مسألة الهجرة، فتفرض الهجرة على فريق، وتعذر فريقاً آخر لعدم الهجرة، وتوجّه الناس إلى أن الهجرة ليست شراً، بل تكون بمثابة انطلاقة جديدة يقوم بها الناس إذا فقدوا حرية الحركة، من خلال فقدانهم للقوة في بلادهم، حيث يحصلون على حرية الحركة في بلاد أخرى، وقد يحصلون على قوة جديدة يملكونها هناك، ليرجعوا إلى بلادهم من موقع قوة يسقطون فيه الطغيان كله، وهذا هو سر قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}، أي ظلموا أنفسهم بالانحراف عن خط الإسلام، فاختاروا الكفر على الإسلام، وظلموا أنفسهم في تنفيذ خطط الظالمين ضد العادلين، وظلموا أنفسهم في الانحراف عن خطوط القيم الأخلاقية والقيم الروحية والإنسانية في المسائل السياسية والاجتماعية والأمنية وما إلى ذلك، {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ}، فما هي ظروفكم التي فرضت عليكم أن تظلموا أنفسكم، بأن توجهوها في غير ما يرضي الله، وفي غير ما يكفل لكم النّجاة؟ {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}، لم نكن متمرّدين من خلال اختيارنا للتمرّد على الدين وعلى شريعة الله، ولا على القيم الإسلاميّة الأصيلة، ولم يكن ذلك من خلال فكر نختاره، ولكن كانت المسألة أنّنا كنا مستضعفين في الأرض،  وكان المستكبرون يملكون القوّة، وكنا بحاجة إليهم وإلى أموالهم وإلى مواقعهم، ولم نكن نملك أيّ موقع للقوّة لنواجههم أو لنحصل على ما نريد خارج نطاق ما يملكونه من مواقع ومن فرص، وخيّل إليهم أنّ ضعفهم يمثّل عذراً، {قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}، إنّ الله يقول لكم: يا عبادي، إن أرضي واسعة، وإنكم إذا لم تستطيعوا أن تعبدوا الله في أرض، أو أن تكونوا أحراراً، فإنّ عليكم أن تنتقلوا إلى أرض أخرى تجدون فيها الحريّة في عبادة الله، وإذا لم تستطيعوا أن تجدوا الاستقامة في أرض، لأنّ هناك من يفرض عليكم الانحراف، فإنّكم تملكون أن تحصلوا على الاستقامة أو تلتزموا خطّ الاستقامة في أرض أخرى، وهكذا في مسألة الحرية، وفي مسألة الكرامة الإنسانيّة، وفي كلّ ما يرتفع بمستوى الإنسان عن مواقع الانحطاط، إن هناك أرضاً أخرى لا يسيطر عليها المستكبرون، بإمكانكم أن تحصلوا فيها على هذه الحرية، حتى لو كانت هناك بعض السلبيات. {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً}، هؤلاء الذين استراحوا للاستسلام تحت ضغط المستكبرين، وانطلقوا معهم في خط الانحراف، فإنّ ضعفهم ليس مبرراً ما داموا يملكون الاختيار في الجانب الآخر، {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ}، هؤلاء الذين أطبق عليهم الضعف من جميع الجهات، فكانوا في أكثر من زنزانة لا يملكون فيها أن يتحركوا، لأن الطرق أمامهم مسدودة من كل جانب، {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً}، حتى ينفذوا من خلالها إلى الفضاء الواسع، {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} طريقاً يستطيعون أن ينفتحوا من خلاله على أرض أخرى، أو على تجربة أخرى، أو على ثورة، أو على انتفاضة، أو ما إلى ذلك. هؤلاء الذين أطبق السجن عليهم من كل جانب، {فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}[9]. ونلاحظ أن الله وهو يتحدّث عن هؤلاء أنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، يقول: {عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ}، حتى لا يعطيهم الضوء الأخضر في العذر كله، ليبقوا في حالة استنفار للبحث عن حيلة أو البحث عن سبيل، لأن الإنسان حينما يرى نفسه معذوراً، فإنه لا يبحث عن وسائل جديدة، فقد يكون اليوم محاصراً، ولكنه غداً قد يجد ثغرة هنا وثغرة هناك، لذلك، فإن الله جعلها في دائرة الإمكان والأمل والتمني، فقال: {فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}، ولم يجعلها بشكل حاسم، حتى يبقوا في حالة استنفار حركي، واستنفار نفسي في البحث عن حل.

خير البلاد ما حملك

وقد أراد الله سبحانه أن يبيّن أن الهجرة ليست وسيلة يشعر فيها الإنسان بالإحباط أو بالسقوط، لأنه ترك ملاعب صباه ومنازل أهله، حيث يرتبط الإنسان عادةً بالأرض الّتي ولد فيها وعاش أجداده فيها، لأنه جزء من ترابها، وتنشّق هواءها وماءها، وأكل من غذائها، لذلك، فإن مسألة علاقة الإنسان بوطنه وبأرضه، هي علاقة تدخل في تكوينه الجسدي، وفي كلّ تطلّعاته الروحية والفكرية، لكنّ الله يقول للإنسان إن إنسانيتك أفضل من مزاجك، وأفضل من كل أحلامك، لأن قيمة الأحلام إنما تكون بمقدار ما تقوّي إنسانيتك، وتفتح لها آفاقاً واسعة، وإن قيمة المشاعر هي بمقدار ما تروي ظمأ إنسانيّتك.

أما إذا كانت المسألة أن تسقط إنسانيّتك لتبقي مشاعرك المزاجية، فإن ذلك لا يمثل كرامة لك. وقد ذكرنا لكم في المحاضرة السابقة كلمة الإمام عليّ(ع): "ليس بلد بأحقّ بك من بلد"، لأنَّ البلد موقعٌ، وليس قيمةً في ذاته، وقيمة البلد الذي تسكنه بمقدار ما يحفظ إنسانيتك: "خير البلاد ما حملك"[10]، فإنك إنسان لا بدّ من أن تعيش حريتك وكرامتك وعزتك. ولذلك، ابحث عن كلّ ما يحفظ هذه الكرامة، ويقوّي هذه الحرية، وينطلق بك نحو إنسانيّتك. إنّ عليّاً(ع) في إيحاءات هذه الكلمة، لا يريد أن يبعدنا عن الارتباط بأوطاننا، بل يريد أن لا نجعل أوطاننا أصناماً نعبدها، بل أن تكون مواقع لإنسانيّتنا، لأنّ أرض الله واسعة، ولذلك، فإذا ضاقت بنا الأرض، فإنّ الله فتح لنا أرضاً أخرى. وعندما ندرس كلّ الشعوب التي تقيم في مواطنها، فإننا نجد أنَّ وجودها في هذا البلد لم يكن منذ الأبد ومنذ الأزل، بل كان وجوداً طارئاً، وكثير من الناس كانوا من بلد، وهاجروا واستوطنوا بلاداً أخرى.

ونحن من خلال إيماننا بالقيم الإنسانية والأخلاقية والروحية، لا بدّ لنا من أن ندافع عن بلدنا، وأن ننقذه، لأننا نريد أن ننقذ الإنسان، حتى إنني قلت في أكثر من حديث، إن علينا أن نؤنسن الأرض، بمعنى أن نعطي الأرض بعداً إنسانياً، لتكون حريتها من حريتنا، وليكون استقلالها من استقلالنا، ولكن علينا أن نكون واقعيّين في ذلك كلّه، ولو على مستوى المرحلة، يقول الله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً}، أي مذهباً وطريقاً وفرصة. وعليه، إذا ضاقت أرضك، فستجد فرصاً في أرض أخرى، وكلمة {فِي سَبِيلِ اللّهِ}، تعني أن تهاجر لحفظ دينك وحريتك وكرامتك وأهلك وأمّتك، لأنّ في كلّ ذلك رضا لله، وقال تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ}، ليحقّق الأهداف التي يرضاها الله ورسوله، {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، وكلمة {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، كلمة ليس فوقها كلمة في مستوى الأجر الذي يعطيه الله، وقوله تعالى: {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، أي بلا حساب، لأنه خرج في سبيل الله، ومن أجل قضية يحبّها الله ورسوله. ولذلك، فإن الله هو الذي يتكفّل بأجره، ولا حساب لأجره. وإيحاءات هذه الكلمة {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، يعني لا حساب لأجره، {وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}[11].

وقد يكون من المفيد البحث عما يمكن أن ينقذ هجرتنا الإسلاميّة إلى بلاد الكفر، ليحفظ هذه الهجرات في الأجيال من الكفر والضّلال، ولتستهدف إنشاء مجتمعات إسلاميّة، لأنّ دورنا هو أن نؤسلم العالم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[12]، و{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[13]. قد نكون مستضعفين الآن، ولكن ما يدرينا، ربما ننطلق فيما بعد، بعد قرن أو قرنين، فقد نستطيع أن نكون أسياد العالم، أي أسياده بالإسلام وبالعدل وبالحكمة والموعظة الحسنة. ألسنا نتطلّع إلى من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً؟ ويبقى الأمل كبيراً، حتى لو أحاط اليأس بكلّ مواقعنا.

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة


[1]  [النساء: 75].

[2]  [الحج: 40].

[3]  [النحل: 41].

[4]  [النحل: 41].

[5]  [النحل: 10].

[6]  ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 2، ص 983.

[7]  [العنكبوت: 56].

[8]  [النساء: 97].

[9]  [النساء: 97 ـ 99].

[10]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 103.

[11]  [النساء: 100].

[12]  [الأنبياء: 107].

[13]  [سبأ: 28].


كان حديثنا فيما سبق حول الهجرة في جانبها الإسلاميّ التاريخيّ، وتحديداً في بداية الدّعوة، حيث انطلق المسلمون في الهجرة الأولى إلى الحبشة، من أجل مواجهة الضّغوط الصّعبة الّتي كانوا يعيشونها في مكّة، لتثبيت إيمانهم في خطّ الإسلام، وتلتها الهجرة الثّانية إلى المدينة. وقد عاش المسلمون هاجس الهجرة هذه في الفتوحات التي انطلقوا فيها إلى أقاصي العالم، أو في أغراضهم التجارية والثقافية، أو ما إلى ذلك، لينفتحوا على العالم وينشروا فيه الإسلام. ربما لم يكن الكثيرون منهم علماء دين أو من فئة الدعاة إلى الله بالمعنى الرسمي الديني، ولكنهم كانوا يملكون وعي الإسلام في الدعوة، ويتحسَّسون إسلامهم في الإنسان الآخر، من منطلق شعورهم بالمسؤولية في نقل هذا الإسلام إلى الآخرين بكلّ ما يملكونه من وسائل.

وهكذا، نلاحظ أن انتشار الإسلام في العالم قد حصل من خلال هذه الهجرات، سواء كانت هجرات عسكرية في خط الفتوحات، أو كانت هجرات اقتصادية في خطّ حركة التجار والعمال المسلمين، الذين قد يتحرك العلماء المسلمون معهم إلى تلك البلاد، أو من خلال أنهم كانوا يستقدمون طلاباً للعلم في حواضر الإسلام العلمية، ليرجعوا إلى أهلهم، ليثقفوهم بالإسلام، وليدعوهم إليه، فكان امتداد الإسلام من خلال هذه الهجرات الاقتصادية والثقافية أكثر من امتداده في الفتوحات، وهذا ما نلاحظه من خلال حركة الإسلام في البلدان الإسلامية الآسيوية التي يعيش فيها مئات الملايين من المسلمين. ولذلك، ربحنا شعوباً إسلامية لم يكن لها عهد بالإسلام.

دوافع الهجرة الحديثة

أما في تاريخنا الحديث، فقد عاش المسلمون في بداية القرن الماضي خلال الحرب العالمية الأولى، أزمات اقتصادية وأمنية، فتعرضوا لمجاعات قاسية في أكثر من بلد من بلدان العالم الإسلامي، ما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة إلى بلاد الغرب، إلى أميركا أو إلى بعض دول أوروبا. وكنتيجة للجهل الذي كان يعيشه هؤلاء، وفقدان أي موقع إسلامي في البلاد التي هاجروا إليها، فقد قطع التواصل بينهم وبين البلدان الإسلامية الأخرى، وبذلك خسرنا الكثير من المسلمين المهاجرين في تلك المرحلة، وتحولت مئات من العائلات المسلمة في الأرجنتين، وتشيلي، وكوبا، وفي غيرها من دول أميركا اللاتينية، إلى عائلات غير إسلامية، وإن كانت المشكلة بشكل أقلّ في أميركا، حيث كان التواصل قائماً بين أميركا والمناطق الشرقية، ولا سيما بين لبنان وسوريا اللتين كثرت الهجرة منهما إلى أميركا.

ونلاحظ اليوم أنّ الهجرات المتعاقبة بعد ذلك، بدأت تنطلق إلى بلاد الغرب، ولكن من خلال أكثر من سبب، من خلال الظّروف الأمنيّة تارةً، أو من خلال الأزمات الاقتصاديّة الّتي تطبق على العالم الإسلاميّ بفعل نقاط الضّعف الاقتصاديّ الموجودة في داخله، وبفعل الخطط السّياسيّة الّتي قام بها المستعمرون الّذين استعمروا العالم الإسلامي، من أجل إفقاره وتحويله إلى أسواق استهلاكيّة للغرب، تارةً أخرى، أو من خلال تحويله إلى مواقع استراتيجية لصراعاته، أو إلى هوامش سياسية لسياساته أو ما إلى ذلك، أو نتيجة للسياسات المتبقّية، من أجل تجهيل العالم الإسلامي، وإفقاد جامعاته المستوى الذي يمكّن طلابه من الحصول على مستويات متقدّمة، أو من خلال الأدمغة التي نملكها في شتّى أنواع العلوم، التي لم تجد أيّة فرصة لخدمة شعوبها بهذا العلم. وبهذا، فقد وقعنا في مشكلة هجرة الأدمغة العلميّة إلى بلاد الغرب، ولم يبق عندنا إلا الّذين لم تسمح لهم ظروفهم بأن يهاجروا، أو لأنهم لم يدخلوا في سوق شراء الأدمغة من قبل أميركا وأوروبّا، هذا إلى جانب الهزّات السياسيّة الّتي فرضت نفسها على الكثيرين من بلدان العالم الإسلاميّ.

وقد وصلنا إلى نتيجة مخيفة، وهي أنّه ما من بلد من بلدان العالم الإسلاميّ كلّه، إلا وهناك مئات الألوف، بل الملايين، ممن هاجروا منه لأسباب أمنيّة واقتصاديّة وسياسيّة إلى سائر أنحاء العالم. فنحن عندما نراقب الإحصاءات الموجودة في دول الغرب الآن، نجد أنّ في فرنسا وحدها ما يقارب خمسة ملايين مسلم، وفي بريطانيا ما يقارب ثلاثة أو أربعة ملايين مسلم، وفي أميركا ما يقارب عشرة ملايين مسلم، وفي أستراليا قد يبلغون أكثر من مليون، والهجرة إلى أستراليا ـ  كما هو معلوم ـ هجرة جديدة، وهكذا إلى البرازيل ودول أميركا اللاتينية، إضافةً إلى بعض المجموعات الأخرى في إيطاليا وبلجيكا وغيرها من الدّول، بحيث أصبحت لدينا مجتمعات إسلاميّة من خلال كثرة عدد المسلمين في تلك البلدان.

مشاكل الهجرة الإسلاميَّة

ومن هنا، برزت مشكلة الهجرة الإسلاميَّة إلى بلاد الغرب، والّتي أفرزت آلاف المشاكل، وخصوصاً من النّاحية الإسلاميّة في ما يواجهه المسلمون من تحدّيات على مستوى عقيدتهم. وقد انطلق الكثيرون من المبشّرين بأديان أخرى لإخراج المسلمين وفتنتهم عن دينهم، مستغلّين كلّ الإغراءات الماديّة وغير الماديّة، وهكذا واجهنا مشاكل الانحراف الأخلاقيّ والانحراف السياسيّ في توظيف جيش من المسلمين في أجهزة المخابرات الدّوليّة، فأصبح هؤلاء بموجب ذلك عيوناً على المسلمين هناك، وعلى المسلمين في بلدهم، في عمليّة استغلال للواقع الاقتصاديّ الّذي يعيشونه، أو لبعض الأوضاع الأمنيّة الّتي تعترضهم.

وفي ضوء ذلك، أصبحت الهجرة الإسلاميّة مسألة تحتاج إلى دراسة متأنّية ومعالجة هادئة، لأننا ربما إذا استطعنا أن نبقي الجيل الأوّل على إسلامه، فإننا لا نضمن بقاء الجيل الثاني أو الجيل الثالث على الإسلام، لأنهم يعيشون في مناخٍ غير إسلاميّ. فكيف نواجه هذه المشكلة؟! إنّ علينا من حيث المبدأ، دراسة الجانب الشرعي للهجرة، ثم التوجّه إلى معالجة المشاكل الأخرى، وهذا الأمر لا تنحصر مسؤوليته بالعلماء والمراجع فحسب، بل تتحمّل مسؤوليته كلّ الفعاليات الإسلاميّة الّتي تفكّر في مستقبل الإسلام والمصلحة الإسلاميّة العليا.

التطلّع إلى الأمن

ولنبدأ في دراسة الهجرة من خلال الضغوط الأمنية، وما أكثرها في بلادنا الإسلامية التي يحكمها في الأكثر طغاةٌ وظفتهم المخابرات الدولية، ليكونوا حكاماً على الناس، وليحرسوا المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للمستكبرين! لأن دراستنا للخلفيات التي تحكم أكثرية هؤلاء، تفيد أن معظم هؤلاء الحكام كانوا قد درسوا في مواقع المخابرات الدولية منذ نشأتهم بشكل مباشر وغير مباشر، حتى إن بعضهم وظفوا في موقع الحكم بشروط معينة. وهذا ما نلاحظه على هذه الأنظمة، التي تصادر حريّات شعوبها، وتمارس عليها حياة القهر والإرهاب، حتى أصبح الإنسان يخاف أن يضبط نفسه وهو يفكّر بحريّة، لأنّه يخشى أن يملك هؤلاء أجهزة تستطيع أن تراقب فكره. لذلك، فإنّ الكثير من المسلمين، ولا سيّما من الأحرار في دينهم، وفي وطنيّتهم، والكثير من قضايا شعوبهم، واجهوا خياراً صعباً، إمّا الموت صبراً وإمّا الهجرة.

وهنا، نستطيع أن نستوحي معاني هجرة الحبشة في هذه الهجرات، فنورد بعض الآيات القرآنيّة، إذ يقول الله في كتابه الكريم، وهو يتحدّث عن هؤلاء: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}[1]. وكلمة القرية ـ هنا ـ تعبّر عن مكّة في خصوصيّة موقع هؤلاء، ولكنّها تمثّل في امتدادها العلميّ التّعبير عن الموقع الّذي يعيشه هذا الإنسان أو تلك الجماعة من الّذين أطبق الظّلم عليهم، وأقفلت بوجههم المخارج، ولذلك، يطلبون من الله أن يجعل لهم من أمرهم مخرجاً. ويقول تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}[2]، وقد أُخرجوا إما اختياراً وإما اضطراراً، ونحن نعلم أن هناك كثيراً من الأنظمة في العالم الإسلامي، تعمد إلى نزع جنسيات بعض مواطنيها، وتتركهم في متاهات الضياع، بل أكثر من ذلك، فإنها تمنع بعض مواطنيها من الذين ينتمون إلى الوطن، أن يدخلوا بلدهم أو يرجعوا إليه.

هذا النموذج كان موجوداً في التاريخ، وتحديداً في عهد الدعوة، وفي نطاق مكة وما حولها، وهو موجود الآن في أكثر من بلد إسلامي: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، وهكذا نقرأ في الكتاب الكريم عن نموذج آخر من هؤلاء الناس، {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}[3]، بمعنى أنه أطبق الظلم عليهم، ولم يستطيعوا البقاء في بلادهم، مخافة أن يظلموا، لأنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا التحديات، أو يدخلوا في عمل انتفاضي أو ثوري، لأن الظروف حاصرتهم من جميع الجهات: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}[4]، لأنهم كانوا المظلومين، وخيّروا بأن يبقوا ليفتنهم هؤلاء عن دينهم بسبب الضغط والظلم، أو يخرجوا فراراً بدينهم وبحريتهم وكرامتهم، فاختاروا الثانية. ثم نقرأ أيضاً: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ}، فعاشوا الاختبار والفتنة عن دينهم، وربما اهتزت بعض أفكارهم، وضعف بعض إيمانهم بفعل الضغط القاسي، {ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ}، أي جاهدوا أنفسهم، {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}[5]، فيغفر لهم هذا الضعف الذي عاشوه، وهذا الاهتزاز الذي وقعوا تحته.

من خلال هذه الآيات التي تعطي القيمة الإيمانيّة للّذين انفتحوا على الهجرة فراراً من الظّلم الداخليّ الذي يريد أن يفرض عليهم مفاهيمه المنحرفة، أو يخرجهم من دينهم، أو من إنسانيّتهم، ويريد أن يجعلهم جنوداً للظّلم ينصرونه ضدّ مواقع العدل، نستوحي أن هناك الكثير من الأحرار اختاروا البقاء في بلدهم ليعملوا فيما لديهم من طاقة في سبيل تغيير الواقع الداخلي في بلادهم، فقتل من قتل منهم، وسجن من سجن منهم، وجرح من جرح منهم، وتحوّل بلدهم إلى سجن كبير أغلقت كلّ أبوابه وكلّ نوافذه، فعاشوا الموقف الحسيني الّذي نفّذوه، بطرق وأساليب تقترب من الموقف الحسيني، والّذي تجلّى في قول الإمام الحسين(ع): "ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذّلّة"[6]، إمّا الموت وإمّا الإذلال تحت مفاهيم الطّغيان، وتحت وسائل الطّغاة. وانعدمت الفرص أمام أيّ موقف ثوريّ، بسبب الحصار الّذي أطبق على كلّ مواقع الثورة، سواء كان داخلياً أو خارجياً، ولهذا، انطلق هؤلاء ليفتشوا عن أرض جديدة يستطيعون من خلالها أن يرجعوا إلى بلدهم بقوة جديدة، لأنهم قرأوا قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}[7]، وقرأوا قوله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً}[8]. وقد خاطب الله الّذين سقطوا أمام ضغط المستكبرين، واتبعوهم في دينهم وفي مخططاتهم وفي سياستهم، لأنهم كانوا يعيشون الضعف الداخلي، فاستضعفوا أنفسهم، فكانت الآية بمثابة القاعدة الإسلامية التي تعالج مسألة الهجرة، فتفرض الهجرة على فريق، وتعذر فريقاً آخر لعدم الهجرة، وتوجّه الناس إلى أن الهجرة ليست شراً، بل تكون بمثابة انطلاقة جديدة يقوم بها الناس إذا فقدوا حرية الحركة، من خلال فقدانهم للقوة في بلادهم، حيث يحصلون على حرية الحركة في بلاد أخرى، وقد يحصلون على قوة جديدة يملكونها هناك، ليرجعوا إلى بلادهم من موقع قوة يسقطون فيه الطغيان كله، وهذا هو سر قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}، أي ظلموا أنفسهم بالانحراف عن خط الإسلام، فاختاروا الكفر على الإسلام، وظلموا أنفسهم في تنفيذ خطط الظالمين ضد العادلين، وظلموا أنفسهم في الانحراف عن خطوط القيم الأخلاقية والقيم الروحية والإنسانية في المسائل السياسية والاجتماعية والأمنية وما إلى ذلك، {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ}، فما هي ظروفكم التي فرضت عليكم أن تظلموا أنفسكم، بأن توجهوها في غير ما يرضي الله، وفي غير ما يكفل لكم النّجاة؟ {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}، لم نكن متمرّدين من خلال اختيارنا للتمرّد على الدين وعلى شريعة الله، ولا على القيم الإسلاميّة الأصيلة، ولم يكن ذلك من خلال فكر نختاره، ولكن كانت المسألة أنّنا كنا مستضعفين في الأرض،  وكان المستكبرون يملكون القوّة، وكنا بحاجة إليهم وإلى أموالهم وإلى مواقعهم، ولم نكن نملك أيّ موقع للقوّة لنواجههم أو لنحصل على ما نريد خارج نطاق ما يملكونه من مواقع ومن فرص، وخيّل إليهم أنّ ضعفهم يمثّل عذراً، {قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}، إنّ الله يقول لكم: يا عبادي، إن أرضي واسعة، وإنكم إذا لم تستطيعوا أن تعبدوا الله في أرض، أو أن تكونوا أحراراً، فإنّ عليكم أن تنتقلوا إلى أرض أخرى تجدون فيها الحريّة في عبادة الله، وإذا لم تستطيعوا أن تجدوا الاستقامة في أرض، لأنّ هناك من يفرض عليكم الانحراف، فإنّكم تملكون أن تحصلوا على الاستقامة أو تلتزموا خطّ الاستقامة في أرض أخرى، وهكذا في مسألة الحرية، وفي مسألة الكرامة الإنسانيّة، وفي كلّ ما يرتفع بمستوى الإنسان عن مواقع الانحطاط، إن هناك أرضاً أخرى لا يسيطر عليها المستكبرون، بإمكانكم أن تحصلوا فيها على هذه الحرية، حتى لو كانت هناك بعض السلبيات. {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً}، هؤلاء الذين استراحوا للاستسلام تحت ضغط المستكبرين، وانطلقوا معهم في خط الانحراف، فإنّ ضعفهم ليس مبرراً ما داموا يملكون الاختيار في الجانب الآخر، {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ}، هؤلاء الذين أطبق عليهم الضعف من جميع الجهات، فكانوا في أكثر من زنزانة لا يملكون فيها أن يتحركوا، لأن الطرق أمامهم مسدودة من كل جانب، {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً}، حتى ينفذوا من خلالها إلى الفضاء الواسع، {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} طريقاً يستطيعون أن ينفتحوا من خلاله على أرض أخرى، أو على تجربة أخرى، أو على ثورة، أو على انتفاضة، أو ما إلى ذلك. هؤلاء الذين أطبق السجن عليهم من كل جانب، {فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}[9]. ونلاحظ أن الله وهو يتحدّث عن هؤلاء أنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، يقول: {عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ}، حتى لا يعطيهم الضوء الأخضر في العذر كله، ليبقوا في حالة استنفار للبحث عن حيلة أو البحث عن سبيل، لأن الإنسان حينما يرى نفسه معذوراً، فإنه لا يبحث عن وسائل جديدة، فقد يكون اليوم محاصراً، ولكنه غداً قد يجد ثغرة هنا وثغرة هناك، لذلك، فإن الله جعلها في دائرة الإمكان والأمل والتمني، فقال: {فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}، ولم يجعلها بشكل حاسم، حتى يبقوا في حالة استنفار حركي، واستنفار نفسي في البحث عن حل.

خير البلاد ما حملك

وقد أراد الله سبحانه أن يبيّن أن الهجرة ليست وسيلة يشعر فيها الإنسان بالإحباط أو بالسقوط، لأنه ترك ملاعب صباه ومنازل أهله، حيث يرتبط الإنسان عادةً بالأرض الّتي ولد فيها وعاش أجداده فيها، لأنه جزء من ترابها، وتنشّق هواءها وماءها، وأكل من غذائها، لذلك، فإن مسألة علاقة الإنسان بوطنه وبأرضه، هي علاقة تدخل في تكوينه الجسدي، وفي كلّ تطلّعاته الروحية والفكرية، لكنّ الله يقول للإنسان إن إنسانيتك أفضل من مزاجك، وأفضل من كل أحلامك، لأن قيمة الأحلام إنما تكون بمقدار ما تقوّي إنسانيتك، وتفتح لها آفاقاً واسعة، وإن قيمة المشاعر هي بمقدار ما تروي ظمأ إنسانيّتك.

أما إذا كانت المسألة أن تسقط إنسانيّتك لتبقي مشاعرك المزاجية، فإن ذلك لا يمثل كرامة لك. وقد ذكرنا لكم في المحاضرة السابقة كلمة الإمام عليّ(ع): "ليس بلد بأحقّ بك من بلد"، لأنَّ البلد موقعٌ، وليس قيمةً في ذاته، وقيمة البلد الذي تسكنه بمقدار ما يحفظ إنسانيتك: "خير البلاد ما حملك"[10]، فإنك إنسان لا بدّ من أن تعيش حريتك وكرامتك وعزتك. ولذلك، ابحث عن كلّ ما يحفظ هذه الكرامة، ويقوّي هذه الحرية، وينطلق بك نحو إنسانيّتك. إنّ عليّاً(ع) في إيحاءات هذه الكلمة، لا يريد أن يبعدنا عن الارتباط بأوطاننا، بل يريد أن لا نجعل أوطاننا أصناماً نعبدها، بل أن تكون مواقع لإنسانيّتنا، لأنّ أرض الله واسعة، ولذلك، فإذا ضاقت بنا الأرض، فإنّ الله فتح لنا أرضاً أخرى. وعندما ندرس كلّ الشعوب التي تقيم في مواطنها، فإننا نجد أنَّ وجودها في هذا البلد لم يكن منذ الأبد ومنذ الأزل، بل كان وجوداً طارئاً، وكثير من الناس كانوا من بلد، وهاجروا واستوطنوا بلاداً أخرى.

ونحن من خلال إيماننا بالقيم الإنسانية والأخلاقية والروحية، لا بدّ لنا من أن ندافع عن بلدنا، وأن ننقذه، لأننا نريد أن ننقذ الإنسان، حتى إنني قلت في أكثر من حديث، إن علينا أن نؤنسن الأرض، بمعنى أن نعطي الأرض بعداً إنسانياً، لتكون حريتها من حريتنا، وليكون استقلالها من استقلالنا، ولكن علينا أن نكون واقعيّين في ذلك كلّه، ولو على مستوى المرحلة، يقول الله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً}، أي مذهباً وطريقاً وفرصة. وعليه، إذا ضاقت أرضك، فستجد فرصاً في أرض أخرى، وكلمة {فِي سَبِيلِ اللّهِ}، تعني أن تهاجر لحفظ دينك وحريتك وكرامتك وأهلك وأمّتك، لأنّ في كلّ ذلك رضا لله، وقال تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ}، ليحقّق الأهداف التي يرضاها الله ورسوله، {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، وكلمة {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، كلمة ليس فوقها كلمة في مستوى الأجر الذي يعطيه الله، وقوله تعالى: {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، أي بلا حساب، لأنه خرج في سبيل الله، ومن أجل قضية يحبّها الله ورسوله. ولذلك، فإن الله هو الذي يتكفّل بأجره، ولا حساب لأجره. وإيحاءات هذه الكلمة {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}، يعني لا حساب لأجره، {وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}[11].

وقد يكون من المفيد البحث عما يمكن أن ينقذ هجرتنا الإسلاميّة إلى بلاد الكفر، ليحفظ هذه الهجرات في الأجيال من الكفر والضّلال، ولتستهدف إنشاء مجتمعات إسلاميّة، لأنّ دورنا هو أن نؤسلم العالم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[12]، و{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[13]. قد نكون مستضعفين الآن، ولكن ما يدرينا، ربما ننطلق فيما بعد، بعد قرن أو قرنين، فقد نستطيع أن نكون أسياد العالم، أي أسياده بالإسلام وبالعدل وبالحكمة والموعظة الحسنة. ألسنا نتطلّع إلى من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً؟ ويبقى الأمل كبيراً، حتى لو أحاط اليأس بكلّ مواقعنا.

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة


[1]  [النساء: 75].

[2]  [الحج: 40].

[3]  [النحل: 41].

[4]  [النحل: 41].

[5]  [النحل: 10].

[6]  ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 2، ص 983.

[7]  [العنكبوت: 56].

[8]  [النساء: 97].

[9]  [النساء: 97 ـ 99].

[10]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 103.

[11]  [النساء: 100].

[12]  [الأنبياء: 107].

[13]  [سبأ: 28].

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية