دور ثورة الحسين(ع) في تحقيق الإصلاح

دور ثورة الحسين(ع) في تحقيق الإصلاح

ألقى سماحة العلامة السيِّد محمد حسين فضل الله، خطبة الجمعة من على منبر مسجد الإمام الرّضا(ع) في بئر العبد، بتاريخ: 15/8/1410هـ/ الموافق: 12 آذار 1990م، بحضور حشدٍ من المؤمنين، ومما جاء فيها:

في هذه الأيّام في بداية شهر شعبان، نلتقي بعدَّة مناسبات إسلاميَّة تمثِّل شخصيّات إسلاميَّة كبيرة في حجمها وعطائها وفي كلِّ إيحاءاتها على مستوى الحياة كلِّها والإنسان كلّه، وهذه الشَّخصيات الَّتي تمثّلها هذه المناسبات، اجتمعت في كربلاء. ففي اليوم الثّالث، كانت ولادة الحسين بن عليّ(ع)، وفي اليوم الرّابع من شعبان، كانت ولادة أبي الفضل العبَّاس بن عليّ(ع)، وفي اليوم الخامس منه، كانت ولادة الإمام زين العابدين(ع).

صلابة الحسين(ع) في الموقف

وقد اجتمع هؤلاء؛ الأب والابن والأخ، في كربلاء، ونحن عندما نقف أمام هذا التَّاريخ لنأخذ منه زاداً لحياتنا، عندما تفتقد حياتنا الرّوحانيَّة، فإنَّنا نجد فيهم روحانيَّة الإسلام، وعندما تفتقد حياتنا مواقع التحدّي والشَّجاعة، فإنَّنا نجد فيهم بطولة الإسلام، وعندما تتحرَّك حياتنا لتبحث عن الخطِّ المستقيم، فإنَّنا نجد الخطَّ المستقيم عند كلِّ هؤلاء.

وفي هذا الجوِّ، نبدأ من الإمام الحسين(ع) الَّذي لا بدَّ من أن ندرس حياته عندما كان يعيش مع أبيه، وفي كلِّ التحدِّيات الّتي عاشها، والمواقع الَّتي واجهها في كلِّ ساحات الصِّراع الإسلاميَّة، عندما أراد الإمام عليّ(ع) أن يؤكِّد موقف الإسلام على أساس الصَّلابة في الموقف، والاستقامة في الخطّ، ولذلك قالوا عنه كما يُقال الآن، إنَّه متشدِّد، وإنّه لو ولي الخلافة لحمل النّاس على المحجَّة البيضاء، لأنَّه كان يتحرَّك في خطِّ الحقّ..

وهكذا أخذ الإمام الحسين(ع) درس الصَّلابة في الموقف، والشَّجاعة في قول الحقّ، ومواجهة كلِّ ساحات الصِّراع من أبيه، وعاش التَّجربة مع أخيه الحسن(ع)، والَّتي فهم فيها النَّاس فهماً حقيقيّاً، عندما انطلقوا يلفّون ويدورون لخذلان الحقّ، والعمل ليربطوا بينهم وبين الباطل بجسرٍ من تنازلاتهم، ورأى أنّه لا بدَّ من تجميد الحرب لمصلحة الإسلام، حتى يبرز الموقف بفرصةٍ جديدة، وهكذا دافع الإمام الحسين عن صلح الإمام الحسن. ولهذا علينا أن لا نستسلم أمام بعض التَّعبيرات الّتي تقول إنَّ هناك طريقة حسنيَّة وطريقة حسينيَّة. لقد انطلق الإمام الحسن والإمام الحسين(ع) من أسلوبٍ واحد، ولكن كانت هناك مرحلة في حياة الإمام الحسن فرضت هذا الأسلوب، الَّذي هو أسلوب حسنيّ وحسينيّ، وهو أسلوب إسلاميّ، ثم جاءت مرحلة أخرى فرضت أن يقف الإمام الحسين وقفة رائعة ليصدم الواقع الإسلاميّ بثورته الإسلاميّة.

وفي ضوء هذا، فيما نريد أن نتمثَّله من ثورة الحسين(ع)، والنَّاس عادةً يأخذون من ذلك الموقف الجهاديّ العسكريّ، ولا يأخذون الخطَّ الجهاديَّ في المسألة الرّساليَّة، فعندما نريد أن ندرس حركة الإمام الحسين(ع)، فإنَّنا لا نستطيع أن نفصل بين الخطِّ السّياسيّ والخطِّ الجهاديّ والخطّ الرّوحيّ، فالحسين مجمع هذه الخطوط كلّها، لأنَّه انطلق من موقع الإسلام في تكامله، وانفتح على الله في كلِّ روحانيَّة العبادة.. وهكذا أراد الإسلام للنّاس أن يتحركوا في خطِّ الدَّعوة معه تعالى، كما أراد لهم أن يجاهدوا عندما تُفرَض عليهم المعارك من أجل الدِّفاع عن الإسلام والمسلمين وحقوق المستضعفين في كلِّ مكان.

لهذا نحن لا ننظر إلى موقف الإمام الحسين(ع) من خلال الصِّراع العسكريّ في كربلاء فحسب، فعندما نستذكر يوم عرفة، نرى كيف عبَّر في دعائه في هذا اليوم عن تواضعه لله وانسحاق إرادته أمامه، وكيف تحدَّث الرّواة عنه، حيث كان الإمام الحسين(ع) يدعو، والنَّاس يدعون ويضجّون بالبكاء؛ هذا الموقف الّذي يبدأ بالانفتاح على الله، ويعبّر فيه عن حبّ الله الّذي عاش في قلبه حتّى مثَّل ذلك عمق شخصيّته، ولها نراه وهو يتلقَّى دماء ابنه الرّضيع يقول: "هوّن عليَّ ما نزل بي أنَّه بعين الله"[1]، وعندما سقط عن فرسه قال: "باسم الله وبالله وعلى ملَّة رسول الله"[2].

الإصلاح هدف الثَّورة

هذه هي الرّوح الّتي عاشها الإمام الحسين مع الله، وهذه الرّوح هي الَّتي دفعت الإمام الحسين إلى أن يتحرَّك وينطلق، فوقف أمام النَّاس ليقول: "إنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، ولكن خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدِّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"[3]، لم يطلب ملكاً، وإن كان الملك من حقِّه، فهو لم يفهم الملك امتيازاً ذاتيّاً، بل كان يفهمه كما فهمه أبوه عليّ(ع) عندما قال لابن عبّاس عندما كان يخصف نعله: "لهي أحبّ إليَّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلاً".

وهكذا كانت قضيَّة الإمام الحسين(ع) أنّه خرج لطلب الإصلاح في أمَّة جدّه، لأنَّ الواقع الإسلاميّ في تلك المرحلة كان واقع النَّاس الَّذين يصلّون من دون أن يكون للصَّلاة معنى في تقوى الله، وهكذا في الصَّوم والحجّ وكلِّ العبادات، كانوا يمارسون العبادات، ولكنَّهم كانوا يقفون موقف الحياد في الصِّراع بين الحقِّ والباطل، وكانوا يفكِّرون في سلامة حياتهم أكثر مما يفكِّرون في مسألة آخرتهم.

وخاطب الإمام الحسين(ع) النّاس، ودعاهم إلى نصرته على أساس إصلاح الواقع وإحقاق الحقّ، ووقف النّاس بين جماعتين: جماعة أشفقت عليه، وكانوا يحدِّثونه عن سلامته ونفسه، وهو كان يحدِّثهم عن سلامة الإسلام ورسالته. ووعندما انطلق في مسيره، وساروا معه وهم يُخيَّل إليهم أنَّه سيحصل على الملك، قال لهم إنَّ الطّريق في نهايته لا يحمل فرص النَّصر، بل فرص الشَّهادة، وهكذا تفرَّق عنه النَّاس الّذين ساروا معه في مكَّة، ولكنَّه سار بهذه القلَّة الّتي كانت صفوة المجتمع الإسلاميّ.

وجماعة وقفت ضدّه، والَّتي كانت الأكثريَّة؛ أكثريَّة العدوّ، حيث كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، ككثيرٍ من الأكثريَّات في ساحات الصِّراع في الواقع.

وهكذا ربط الإمام الحسين(ع) ثورته بمسألة الإصلاح في أمَّة رسول الله، وانطلق ليؤكِّد عمق حركته في الواقع الإسلامي، وركَّز لنا العنوان السّياسيّ الَّذي ننطلق فيه في كلّ مواقع الصّراع: "إلا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلَّة والذلّة، وهيهات منا الذّلّة..!"[4]. وهكذا ترك خطّاً لكلِّ الثّائرين من أجل الحقّ، ولكلِّ الّذين يتمرَّدون على كلّ واقع يريد أن يفرض عليهم الذّلّ والظّلم والانحراف.

الالتزام بخطِّ الإسلام

ذلك هو الخطّ الحسينيّ الّذي يتحرَّك في الخطّ الإسلاميّ كلّه. وفي داخل هذا الخطّ، تحرَّك أبو الفضل العباس(ع)، الّذي يضرب المثل ببطولته ووفائه، والَّذي دافع عن الدِّين وعن إمام هذا الدّين.. وهكذا كان العباس مثالاً لكلِّ هؤلاء الشّباب الذين تحوَّلت الرسالة إلى مواقف في حياتهم، وهكذا نلتقي بالإمام زين العابدين(ع) الَّذي كان مريضاً في كربلاء، واستمرَّت به هذه السّلسلة من أهل البيت(ع)، وانطلق بعد ذلك ليعطي النّاس من أخلاقه وعلمه وروحانيّته. وعلى هذا الأساس كلّه، نعرف أنَّ طريق الإسلام في خطِّ أهل البيت(ع)، هو الطّريق الّذي يعطينا كلَّ عناصر الوعي والروحانيّة واللّقاء بالله.

إنَّ أهل البيت(ع) عاشوا رسالتهم بكلِّ الوسائل الَّتي يملكونها، وعلينا أن نعيش رسالتهم بكلِّ الوسائل الّتي نملكها، لقد كان الإسلام عنوان رسالتهم وسياستهم وجهادهم، وعلينا أن نسير على خطّهم لنحبّهم حبَّ الإسلام، لا حبّاً ذاتيّاً.

وعندما تريدون أن تخلصوا لأهل البيت(ع)، وأن تلتزموا ولاية أهل البيت(ع)، فإنَّ الإخلاص لهم هو الإخلاص للإسلام، وإنَّ ولايتهم هي الولاية للإسلام، وقد قالها الإمام الباقر(ع): "من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ"[5].. ليست مسألة الولاية مسألة عصبيَّة، وإنما هي خطّ في خطّ الإسلام، من أخذ به نجا، حتى ولو كان كلّ أجداده كفّاراً، ومن انحرف عنه سقط، حتّى لو كان كلّ أجداده مؤمنين.. ليست المسألة مسألةً وراثيَّةً أو جغرافيّة، بل كيف تفكِّر وماذا تعمل ومن هو قدوتك في الحياة.

لقد حمل أهل البيت الرِّسالة، وأعطوا كلَّ ما عندهم في سبيلها.. حملوها دعوةً وعلماً وجهاداً، حتّى أعطوا كلَّ ما عندهم في هذا الخطّ، فماذا نصنع نحن؟ لقد عاش الإمام الحسين ثورته، وعاش العبّاس بطولته، وعاش الإمام زين العابدين إمامته في خطِّ الإسلام، فماذا عنّا نحن؟

التزام الإسلام كمنهجٍ للحياة

لا بدَّ من أن نلتزم الإسلام كخطٍّ ومنهجٍ للثَّورة ضدّ الباطل كلِّه والاستكبار كلِّه، على أساس أنَّ الإسلام أراد لنا أن نكون مع العادلين ضدَّ الظَّالمين، ومع المحقِّين ضدَّ المبطلين. ولهذا، فإنَّ المسألة هي أن نلتزم الإسلام كلّه، وأن لا نلتزمه طائفيّاً فيما تتحدَّث فيه لغة الأوضاع الطائفيَّة، وعلينا أن نشعر بالانفتاح على كلّ قضايا المسلمين في العالم، وأن لا نسمح لأيِّ أحدٍ بأن يلعب في حياة المسلمين وعلاقاتهم ببعضهم البعض، ليقال، كما سمعنا أخيراً من بعض المسؤولين الفرنسيّين، إنَّ هناك إسلاماً عربيّاً وإسلاماً غير عربي، فالإسلام العربيّ مبنيّ على التَّسامح والمرونة، والإسلام غير العربيّ مبنيّ على التطرّف والتّشتّت! ولذلك، كان هذا البعض يقول: لا بدَّ للعرب المسلمين من أن يؤكِّدوا معنى التَّسامح والمرونة في حركتهم، وعليهم أن لا يتبعوا المسلمين غير العرب الَّذين يتحركون في الإسلام بطريقة غير عربيَّة.

هذا المنطق قالوه عندما أريد أن يُفصل العرب عن الإسلام في أيّام هجوم أوروبّا على الدّولة الإسلاميَّة، كانوا يقولون للعرب: لماذا تتحركون على أساس العقليّة الإسلاميّة التركيّة، فلا بدَّ من أن تتحركوا من خلال العقليّة الإسلاميّة العربيّة؟

ولكن يدرك كلّ الّذين يتحركون في السياسة الغربيّة، أنَّ المشكلة هي في الصّلة بين المسلمين العرب وبين إيران والإسلام. إنهم يريدون أن يقولوا إنَّ الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، الّذي انطلق في الثّورة على أساس الإسلام، كان يفهم الإسلام بطريقة متشدِّدة وضيّقة ولا تعرف معنى التَّسامح. أما أنتم أيّها العرب، الَّذين عشتم التَّسامح، فلا بدَّ من أن يكون خطّكم شيئاً وخطّ الإمام شيئاً آخر. وهذا هو المنطق الَّذي يراد أن يفرض نفسه على الواقع الإسلاميّ، والكثيرون يتحدّثون: ما دخل الإيرانيّين في بلادنا؟ الإيرانيّون لا دخل لهم في ذلك، ولكنَّ الأميركيّين والفرنسيّين لا بدّ من أن يدخلوا إلى بلادنا ويحلّوا مشكلتنا، وحتى بعض الدّول العربيّة التي تحركت في أجواء قمّة الدّار البيضاء، إنما تحركت على أساس الذهنيّة الأميركيّة. كلّ النّاس يحقّ لها أن تتدخّل في علاقاتنا إلا إيران الإسلاميّة، فلا يحقّ لها ذلك؟!

عندما نتحدَّث في مجال العلاقات، فإنَّ علينا أن نسلم قيادنا للمسلمين الآخرين تسليماً أعمى، ولكنّ هناك أسساً للحوار في القضايا الإسلاميّة المشتركة، وكلّ القضايا مشتركة، وكلّ أمور المسلمين تمثّل جذور المصلحة الإسلاميّة، ولكن عندما تكون لدينا القيادة الإسلاميَّة الشّرعيَّة، فليس هناك شيء اسمه عربيّ وقيادة عربية، بل هناك قيادة إسلاميَّة، والقيادة الإسلاميّة تتحرّك على أساس الشّورى، ولا تظلم ولا تستبدّ.

إنّنا نريد أن نقول لكلِّ هؤلاء، إذا كانوا يقصدون في حديثهم ما يسمّونه بالإسلام الأصوليّ الَّذي يقولون عنه إنّه متشدِّد ومتصلِّب: لماذا كلّ هذا الحديث عن الإسلام الأصولي؟! هل هم المسلمون الأصوليّون ـ في المصطلح السياسي ـ الّذين يقفون ضدّ الخمر والرّبا والخلاعة؟ فحتى المسلمون التقليديّون الرجعيّون السّائرون في الخطّ الأميركيّ يقولون هذا حلال وهذا حرام.

ما الَّذي يفرّق من يسمّونهم الأصوليِّين عن كلِّ المسلمين غير الملتزمين في العالم؟ ليس هناك من فرق بينهم إلا مسألة الضَّوابط في الأحكام الشرعيَّة، فما يعتبره الغرب تشدّداً في مسألة الإسلام هو الأحكام الشرعيّة التي أجمع عليها المسلمون، والّذي يفرّق المسلمين الأصوليّين، حسب اصطلاح الغرب عن غيرهم ـ وكلّ المسلمين أصوليّون إذا ساروا في خطّ الإسلام ـ هو أنهم يلتزمون خطَّ مواجهة الاستكبار العالمي وخطّ الوقوف ضدّ كلّ قوّة استكبارية تريد أن تفرض نفسها على واقع المستضعفين لتستبعدهم وتصادر حرياتهم وثرواتهم، وسنعمل على منعهم من تقرير مصيرهم في خطّ الحريّة بكلّ قوّة.

إنّ المسلمين الأصوليّين يقولون: لا بدَّ من أن نعمل على أن لا نرتبط في قرارنا السياسيّ بالشّرق والغرب، ولا بد من أن نمد يدنا للعالم من موقع مستقل مع موقع آخر مستقل، فهم لا يرفضون أن يقيموا علاقات مع العالم، ولكنهم لا يريدون للعالم أن يضطهدهم.

إنّنا نقول للعالم: كما أنّكم تحبّون الحريَّة، ولا تريدون لأحدٍ أن يصادرها منكم، فنحن أيضاً نحبُّ أن نكون أحراراً، ولا نريد لأحدٍ أن يصادر حريَّاتنا..

إنَّ المسألة في كلِّ هذا الحديث عن التطرّف والتعصّب، هي أنّ هناك أناساً يتمسّكون بحريَّتهم ولا يريدون أن يبيعوها، وهناك أناس يريدون أن يبيعوا حرّيّتهم. والّذين يريدون أن يبيعوا حرّيتهم، يريدون أن يحطِّموا كلّ الّذين يحملون لواء الحريَّة بكلّ قوّة، لأنَّ ذلك يكون شاهداً على عبوديّتهم.

إنّ المسألة أنّ هناك إسلاماً يتحرّك في خطّ الثّورة، وأنَّ هناك إسلاماً يراد أن يتحرّك وتُزوَّر هويته لينطلق في طريق الخنوع، فإذا كانت الثّورة على الصهيونيّة وكلّ الاستكبار والظّلم والاستعمار، تسمّى تطرّفاً، فنحن يشرّفنا أن نكون متطرّفين، وإذا كان الذّلّ والخضوع لقرارات المستكبرين يمثّل واقعيّة واعتدالاً، فيشرّفنا أن لا نكون من المعتدلين، إنّنا نفهم الاعتدال توازناً في حركتنا نحو الأهداف، وليس استسلاماً للأمر الواقع.

نحن متسامحون، ولكن في النّطاق الأخلاقيّ الّذي نعيش فيه مع الآخرين، ونفتح قلوبنا لكلّ النّاس، حتى الّذين نختلف معهم لنتحاور معهم، ولنؤكِّد التزامنا بما نؤمن به، وليؤكّدوا التزامهم بما يؤمنون به، ونقول لهم كما قال الله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[6].

إنّنا ـ كإسلاميّين ـ ولو وصفونا بالأصوليّين، نؤمن بالحوار مع أهل الكتاب، وحتى مع الّذين لا يؤمنون بالله، لأنَّ مسألة الإيمان لا بدَّ من أن تنطلق من الحوار، بل إنّ التّاريخ الإسلاميّ كلّه هو تاريخ وجود أهل الكتاب في المجتمع الّذي يحكمه الإسلام.

إنّ العالم الإسلاميّ كلّه يشتمل على مسيحيّين ويهود في إيران وتركيا وإندونسيا وغيرها. وفي العالم العربي، كان المسلمون كلّهم يعيشون التّسامح مع أهل الكتاب، لأنّ الإسلام هو الذي ركّز على ذلك، وليس لأنّ هناك عقليّة عربيّة مع التّسامح، وعقليّة أخرى ضدّ التّسامح.

لا تسامح مع العدوّ

لكنَّ التَّسامح في المسألة الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة شيءٌ، والتّسامح في مسألة الحريّة شيءٌ آخر، فأيّ تسامح مع الّذين يريدون أن يجعلوك هاجساً من هواجسهم السياسيَّة والاقتصاديّة؟! وأيّ شعبٍ في العالم يحترم نفسه ويتسامح مع الّذين يضطهدون حريَّته!؟ لماذا يفرض علينا أن نتسامح مع إسرائيل الّتي احتلَّت أرض فلسطين؟ ولماذا يفرض علينا أن نتسامح مع الخطِّ الاستسلاميِّ والخطِّ الاستعماريّ الغربيّ؟ لماذا لا يُطلَب من الشعوب الغربيّة أن تتسامح في حريَّتها؟ ما هي مسألة أمريكا في باناما ونيكاراغوا؟ إنَّ أميركا تتحدَّث عن الحريَّة، وإنَّ هناك حكماً يقهر الحرية، ولا بدَّ من أن تتدخَّل لذلك.

لماذا لا تتحدَّث أميركا مع الشَّعب البانامي عن التَّسامح مع الطَّاغية الَّذي كان يحكم، كما نعتبره؟ لأنَّ المسألة هي مسألة حرّيّة الأمن الأميركيّ لا حريَّة الشّعوب، وهكذا نجد أنَّ أميركا الّتي تنطلق هنا وهناك، انطلقت لتبرِّر للاتحاد السوفياتي ضربه وقهره للمسلمين في أفغانستان. إنّنا لا نفهم التَّسامح في المسألة السياسيّة الجهاديّة إذا كانت في خطِّ الحريّة، فكيف نطلب من الشعب الفلسطيني أن يتسامح مع إسرائيل الّتي احتلّت أرضه وتعمل لطرده من كلّ فلسطين؟

لقد جرَّبت منظَّمة التَّحرير من خلال الدّول العربيَّة التي ضغطت عليها والّتي توافقت معها، أن تترك السِّلاح، وأمسكت بغصن الزّيتون، ولكنّ أمريكا لا تقبل أن تتحدَّث مع منظمة التحرير إلا إذا اعترفت بإسرائيل، ومن دون أن تعترف إسرائيل بالمنظَّمة. وقبلت منظّمة التّحرير، واعترفت بالقرار 242، وقدَّمت التّنازلات، ولا تزال، وأصبحت المسألة الفلسطينيّة هي مسألة الانتخابات في الضّفّة الغربيّة وغزّة.

لقد ألغيت القضيَّة الفلسطينيّة، وأصبحت المسألة في التّفاصيل، ولا تزال إسرائيل تعمل على اضطهاد المسلمين الفلسطينيّين، ولا سيّما في المدّة الأخيرة، حيث قامت بحملات وحشيَّة في رفح وغيرها، ومع ذلك، لم تتحرّك أميركا إلا من خلال الأسى والكلمات الّتي لا معنى لها.

والآن، شربت أميركا حليب السّباع، وتحدّثت عن ضرورة أن تقبل إسرائيل مبدئيّاً بالحوار مع الفلسطينيّين، وأن تُسكن اليهود السّوفيات في الضفّة والقطاع، ولكنّنا تعوَّدنا أن تسحب إسرائيل كلّ الشّروط الأمريكيّة، وهي قليلة جدّاً.

كيف يمكن أن نتسامح مع إسرائيل وأن نوقف الانتفاضة، وأن نوقف المقاومة، فيما إسرائيل تفكِّر في أن تحتلَّ أيَّ أرض تقع تحت قبضتها؟!

إنَّ هجرة اليهود السوفيات الّتي يقال إنّها ستصل إلى مليون يهودي، تمثّل حركة جديدة في قوّة إسرائيل التي ستدخل في عصر القوّة أكثر عندما يأتيها هذا العدد الهائل الّذي يملك الخبرة والتقنيّة، ونحن لا نزال نمارس الاحتجاجات فقط، ولا نلاحظ أنَّ هناك أيَّ محاولة للضّغط بالمعنى الاقتصادي أو السياسي، أو بمعنى دعم المقاومين في خطِّ الانتفاضة في فلسطين أو في لبنان، ولو بشكلٍ ظاهر، ولا نلاحظ أنَّ الدّول العربيّة تقف لتقول إنّنا ندعم المقاومة والانتفاضة، حتى ولو في خطِّ الاستعراض، فحتى هذا هم غير مستعدّين له، لأنهم تعوّدوا على خطِّ "التّسامح"، وأن يمارسوا كلّ شدّة ضدّ شعوبهم، فأيّ بلدٍ عربيّ يملك النّاس فيه حريّة سياسيَّة؟! تصادَر كلّ حريّة الشّعوب، ولكن تعطى الحريّة لكلّ المستكبرين الّذين يصادرون حريّة الشّعوب كلّها.

ونحن عندما نؤكِّد كلَّ مواقفنا ونحن نثير ذكرى أهل البيت(ع)، نريد أن نؤكِّد إسلامنا، ونؤكِّد أنَّ القيادة الإسلاميّة تلتزم هذا الإسلام. لقد لفتني الحديث الّذي انطلق به آية الله السيّد علي الخامنئي، الّذي وقف أمام الحملة السياسيَّة العالميَّة الّتي تحاول أن تقول إنّ إيران ستبتعد عن خطِّ الإسلام وخطِّ الإمام، وإنّ هناك متشدّدين ومعارضين، وإنَّ هناك عميلاً في داخل إيران يريد أن يبعد المسلم الإيرانيّ عن الإسلام.

لقد وقف أمام المسلمين كلّهم ليقول: إني أتعهَّد باتّباع طريق الثّورة وطريق الإمام الخميني، ثم قال: وإنّ إسلامنا التقيّ يدعم المستضعفين المحرومين في العالم، وهذا ما يدعو الاستكبار العالمي إلى التصدّي له. إنَّ الاستكبار العالمي يتصدَّى لإيران لأنها تلتزم خطَّ الثّورة والخطَّ الإسلاميّ في كلّ مكان، كما أنّ الاستكبار يتصدّى لكلّ الإسلاميّين في لبنان وكلّ العالم العربي، لأنهم يتكاملون مع إيران في خطّ الإسلام الثوري الأصيل.

إنَّنا نريد أن نكون مسلمين كما قال رسول الله: "من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"[7]، ونريد أن ننطلق على هذا الأساس، ولهذا فنحن نتكامل مع كلِّ قضايا المسلمين في العالم، وليس معنى ذلك أن نتحدَّث عن إسلامٍ يتعقَّد من غير المسلمين. إنّنا نعتقد أنَّ مسألة الحريّة واحدة، فعندما لا يكون للمسلمين أيّة حريّة في أيِّ موقع، فإنّ الحريّة عند الكثيرين تنقص، لأنّ الحريّة ترتبط ببعضها البعض، لأنّنا نجد أنّ الاستكبار العالميّ كما يضطهد المستضعفين من المسلمين، يضطهد المستضعفين في العالم، حتى ولو كانوا من غير المسلمين.

سياسة تفتيت لبنان

وعندما نعيش الواقع اللّبنانيّ الَّتي تثار فيه الحروب بين وقتٍ وآخر وموقعٍ وآخر، فكما نرفض المأساة في واقعنا الإسلامي، فإنَّنا نشعر الشّعور نفسه عندما تتحرّك المأساة في غير واقعنا الإسلامي. إنّ عمق مسألة الحريّة هي أنَّ الاستكبار العالميَّ عندما يطبق بسياسته على لبنان، فإنّه يطبق بسياسته على الجميع، وقد يكون له عملاؤه هنا وهناك، ولكنّ الأكثريّة تعيش تحت بطشه وعسفه.

ولذلك، إنّنا ننظر بكلِّ استنكارِ إلى هذه الحرب المدمِّرة في المنطقة الشَّرقيَّة، كما ننظر إلى هذه الحرب المدمّرة الّتي عاشت في مناطقنا الإسلاميَّة، لأنَّ المسألة في حركة الحرب في لبنان ليست مسألة خلافات اللّبنانيّين، وإن كان لها أثر في بعض مجريات الحرب، لكنَّ المسألة هي أنَّ هناك سياسة دوليّة تريد أن تنتج لبناناً على طريقتها، ويراد لكلِّ لبنان أن يتفتَّت. ولذلك، ليس هناك حلّ للمشكلة اللّبنانيَّة، هناك تخديرٌ لها ريثما تفتح الفتنة من جديد، وهذا ما تحدَّثنا به قبل سنين.

لقد انطلق لبنان في كثيرٍ من مواقعه السياسيَّة المتنوِّعة، ولا سيَّما الموقف الإسلاميّ المتحرِّك في خطِّ الثَّورة ضدّ الاستكبار العالمي، ليكون شاهداً على كلّ التخلّف السّياسيّ والظّلم السياسيّ في البلاد العربيّة. ولذلك، كانت مشكلة كلِّ حكّام العرب سابقاً، هي قضيّة الحريّة السياسيّة الّتي تنتقد هذا وذاك، وكان اللّبنانيون وحدهم هم الَّذين حملوا عبء القضيّة الفلسطينيّة ولا يزالون يحملونها، وهم وحدهم الّذين فتحوا للفلسطينيّين كلّ ساحاتهم من خلال ذلك.

لذلك، أريد للبنان أن يؤدَّب سياسياً وعسكرياً، حتى لا يرفع رأسه ويعترض على أيِّ واقعٍ في المنطقة وأيّ وضعٍ سياسيّ يراد ترتيبه في داخله، والنّظام الدّوليّ الّذي يراد فرضه في المنطقة الآن على أساس السّياسة الأميركيّة الّتي أصبحت تملك أكثر الأوراق بعد التطوّرات في الاتحاد السّوفياتيّ وأوروبا الشّرقيّة.

إنَّ هناك صيغة لهذا النِّظام يراد تركيبها في خطَّين: الخطّ الأوَّل هو إسقاط كلِّ الّذين يفكِّرون في مواجهة إسرائيل، وهذا ما نلاحظه في ساحة الّذين يواجهون إسرائيل بصدق. والخطّ الثَّاني، هو تفتيت كلّ البنية العسكريّة، حتى لا يظلَّ هناك من يعترض على البنية السياسيّة القادمة، ولهذا حاولوا أن يدمّروا اللّبنانيين ويشرّدوهم من أرضهم في كلّ الحروب ـ وهذا ما نعيشه الآن في تجويع اللّبنانيين ـ من خلال الضَّربات الاقتصادية المدمِّرة التي تحاول أن تدمّر للبنانيين كلّ شروطهم الحياتيّة الضروريّة، ولهذا نحن نواجه الآن فقدان كلّ حاجات النّاس بفعل ضغوط خارجيّة وداخليّة.

إنَّ المطلوب أن ينطلق النّاس جميعاً، شرقيةً وغربيةً، وإسلامياً ووطنياً، ليطلبوا من أميركا أن تحلّ مشكلتهم، هذا هو المطلوب الآن. ولهذا حدِّق في عمق ساحات الصِّراع، فستجد أنَّ اليد الأميركيَّة تحرّك أكثر من طرف، وتقف وراء أكثر من طرف. ولهذا، لا بدَّ من أن نفهم اللّعبة، ونقول للمسيحيّين والمسلمين، ممن يفسحون المجال للأجنبي أو الّذين يعيشون كضحايا لخططه: لقد كانت تجارب الحرب اللّبنانيّة دليلاً على أنَّ الّذين يثيرون الحرب، لم يحصلوا على نتائج إيجابيّة لحسابهم، بل إنَّ النّتائج السَّلبيَّة كانت طاغية، فلم يربح أحد من الحرب اللّبنانيَّة حتى الآن، إلا فيما يحاول كلّ فريقٍ أن يقوله ليبرّر خسائره.

إنّنا نلاحظ أنَّ الَّذين يفرضون الحرب، لن يربحوا من فرضها شيئاً، بل إنَّ المسألة أنّ الهيكل عندما تتحرَّك العواصف حوله، سوف يسقط على رؤوس الجميع. وهذه الحروب الّتي دمَّرت أخلاقنا وروحيّتنا قبل أن تدمّر أجسادنا وبيوتنا، سواء كانت حرباً إعلاميّة أو غير ذلك، وسواء كانت في المسألة الإسلاميَّة أو المسيحيّة، تمثِّل ما وصلنا إليه من البذاءة والكذب والشَّتم والانحطاط السياسي. إنَّ الحصيلة هي أنَّ الواقع السياسيّ اللّبنانيّ لا أخلاق له ولا قضايا كبيرة له، ولذلك نقول للجميع: إذا كنتم تفكّرون في مأساة النَّاس ومستقبل البلد، فإنَّ المسألة هي أن تجلسوا لتتحاوروا وتبحثوا، لتحصلوا من خلال الحوار على ما لا تستطيعون أن تحصلوا عليه من خلال الحرب، لأنَّ كلَّ الحروب اللّبنانيّة تضع الدّول الكبرى وغيرها خطوطاً "حمراً" فيها، فلماذا نعذِّب أنفسنا ونعيش في غير ما تريده القضايا الكبيرة؟

إنَّ إسرائيل تخطِّط لتحتوي يهود العالم، وستزحف لتأخذ مياهنا وأرضنا، ولتسيطر على مقدِّراتنا، وهكذا كلّ السّياسة الاستكباريّة في العالم. لذلك، علينا أن نتعلَّم من كلِّ هذه الجراح والآلام كيف نستطيع أن نركّز هذا البلد على أساس الحوار والتّعايش والوحدة في القضايا الكبرى.

إنَّ علينا أن نكفَّ عن كثير من كلمات اللّغو والعبث الَّتي نتحدَّث فيها ضدّ كلِّ واقعنا، فهذا شأن المتخلّفين والسّفهاء، وليس شأن الّذين يفكِّرون في المستقبل الكبير على أساس القضايا الكبيرة.


[1] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 45، ص 47.

[2] المصدر نفسه، ج 45، ص 53.

[3] المصدر نفسه، ج 44، ص 329.

[4] المصدر نفسه، ج 74، هامش ص 162.

[5] الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 75.

[6] [آل عمران: 64].

[7] الكافي، ج 2، ص 164.

ألقى سماحة العلامة السيِّد محمد حسين فضل الله، خطبة الجمعة من على منبر مسجد الإمام الرّضا(ع) في بئر العبد، بتاريخ: 15/8/1410هـ/ الموافق: 12 آذار 1990م، بحضور حشدٍ من المؤمنين، ومما جاء فيها:

في هذه الأيّام في بداية شهر شعبان، نلتقي بعدَّة مناسبات إسلاميَّة تمثِّل شخصيّات إسلاميَّة كبيرة في حجمها وعطائها وفي كلِّ إيحاءاتها على مستوى الحياة كلِّها والإنسان كلّه، وهذه الشَّخصيات الَّتي تمثّلها هذه المناسبات، اجتمعت في كربلاء. ففي اليوم الثّالث، كانت ولادة الحسين بن عليّ(ع)، وفي اليوم الرّابع من شعبان، كانت ولادة أبي الفضل العبَّاس بن عليّ(ع)، وفي اليوم الخامس منه، كانت ولادة الإمام زين العابدين(ع).

صلابة الحسين(ع) في الموقف

وقد اجتمع هؤلاء؛ الأب والابن والأخ، في كربلاء، ونحن عندما نقف أمام هذا التَّاريخ لنأخذ منه زاداً لحياتنا، عندما تفتقد حياتنا الرّوحانيَّة، فإنَّنا نجد فيهم روحانيَّة الإسلام، وعندما تفتقد حياتنا مواقع التحدّي والشَّجاعة، فإنَّنا نجد فيهم بطولة الإسلام، وعندما تتحرَّك حياتنا لتبحث عن الخطِّ المستقيم، فإنَّنا نجد الخطَّ المستقيم عند كلِّ هؤلاء.

وفي هذا الجوِّ، نبدأ من الإمام الحسين(ع) الَّذي لا بدَّ من أن ندرس حياته عندما كان يعيش مع أبيه، وفي كلِّ التحدِّيات الّتي عاشها، والمواقع الَّتي واجهها في كلِّ ساحات الصِّراع الإسلاميَّة، عندما أراد الإمام عليّ(ع) أن يؤكِّد موقف الإسلام على أساس الصَّلابة في الموقف، والاستقامة في الخطّ، ولذلك قالوا عنه كما يُقال الآن، إنَّه متشدِّد، وإنّه لو ولي الخلافة لحمل النّاس على المحجَّة البيضاء، لأنَّه كان يتحرَّك في خطِّ الحقّ..

وهكذا أخذ الإمام الحسين(ع) درس الصَّلابة في الموقف، والشَّجاعة في قول الحقّ، ومواجهة كلِّ ساحات الصِّراع من أبيه، وعاش التَّجربة مع أخيه الحسن(ع)، والَّتي فهم فيها النَّاس فهماً حقيقيّاً، عندما انطلقوا يلفّون ويدورون لخذلان الحقّ، والعمل ليربطوا بينهم وبين الباطل بجسرٍ من تنازلاتهم، ورأى أنّه لا بدَّ من تجميد الحرب لمصلحة الإسلام، حتى يبرز الموقف بفرصةٍ جديدة، وهكذا دافع الإمام الحسين عن صلح الإمام الحسن. ولهذا علينا أن لا نستسلم أمام بعض التَّعبيرات الّتي تقول إنَّ هناك طريقة حسنيَّة وطريقة حسينيَّة. لقد انطلق الإمام الحسن والإمام الحسين(ع) من أسلوبٍ واحد، ولكن كانت هناك مرحلة في حياة الإمام الحسن فرضت هذا الأسلوب، الَّذي هو أسلوب حسنيّ وحسينيّ، وهو أسلوب إسلاميّ، ثم جاءت مرحلة أخرى فرضت أن يقف الإمام الحسين وقفة رائعة ليصدم الواقع الإسلاميّ بثورته الإسلاميّة.

وفي ضوء هذا، فيما نريد أن نتمثَّله من ثورة الحسين(ع)، والنَّاس عادةً يأخذون من ذلك الموقف الجهاديّ العسكريّ، ولا يأخذون الخطَّ الجهاديَّ في المسألة الرّساليَّة، فعندما نريد أن ندرس حركة الإمام الحسين(ع)، فإنَّنا لا نستطيع أن نفصل بين الخطِّ السّياسيّ والخطِّ الجهاديّ والخطّ الرّوحيّ، فالحسين مجمع هذه الخطوط كلّها، لأنَّه انطلق من موقع الإسلام في تكامله، وانفتح على الله في كلِّ روحانيَّة العبادة.. وهكذا أراد الإسلام للنّاس أن يتحركوا في خطِّ الدَّعوة معه تعالى، كما أراد لهم أن يجاهدوا عندما تُفرَض عليهم المعارك من أجل الدِّفاع عن الإسلام والمسلمين وحقوق المستضعفين في كلِّ مكان.

لهذا نحن لا ننظر إلى موقف الإمام الحسين(ع) من خلال الصِّراع العسكريّ في كربلاء فحسب، فعندما نستذكر يوم عرفة، نرى كيف عبَّر في دعائه في هذا اليوم عن تواضعه لله وانسحاق إرادته أمامه، وكيف تحدَّث الرّواة عنه، حيث كان الإمام الحسين(ع) يدعو، والنَّاس يدعون ويضجّون بالبكاء؛ هذا الموقف الّذي يبدأ بالانفتاح على الله، ويعبّر فيه عن حبّ الله الّذي عاش في قلبه حتّى مثَّل ذلك عمق شخصيّته، ولها نراه وهو يتلقَّى دماء ابنه الرّضيع يقول: "هوّن عليَّ ما نزل بي أنَّه بعين الله"[1]، وعندما سقط عن فرسه قال: "باسم الله وبالله وعلى ملَّة رسول الله"[2].

الإصلاح هدف الثَّورة

هذه هي الرّوح الّتي عاشها الإمام الحسين مع الله، وهذه الرّوح هي الَّتي دفعت الإمام الحسين إلى أن يتحرَّك وينطلق، فوقف أمام النَّاس ليقول: "إنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، ولكن خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدِّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"[3]، لم يطلب ملكاً، وإن كان الملك من حقِّه، فهو لم يفهم الملك امتيازاً ذاتيّاً، بل كان يفهمه كما فهمه أبوه عليّ(ع) عندما قال لابن عبّاس عندما كان يخصف نعله: "لهي أحبّ إليَّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلاً".

وهكذا كانت قضيَّة الإمام الحسين(ع) أنّه خرج لطلب الإصلاح في أمَّة جدّه، لأنَّ الواقع الإسلاميّ في تلك المرحلة كان واقع النَّاس الَّذين يصلّون من دون أن يكون للصَّلاة معنى في تقوى الله، وهكذا في الصَّوم والحجّ وكلِّ العبادات، كانوا يمارسون العبادات، ولكنَّهم كانوا يقفون موقف الحياد في الصِّراع بين الحقِّ والباطل، وكانوا يفكِّرون في سلامة حياتهم أكثر مما يفكِّرون في مسألة آخرتهم.

وخاطب الإمام الحسين(ع) النّاس، ودعاهم إلى نصرته على أساس إصلاح الواقع وإحقاق الحقّ، ووقف النّاس بين جماعتين: جماعة أشفقت عليه، وكانوا يحدِّثونه عن سلامته ونفسه، وهو كان يحدِّثهم عن سلامة الإسلام ورسالته. ووعندما انطلق في مسيره، وساروا معه وهم يُخيَّل إليهم أنَّه سيحصل على الملك، قال لهم إنَّ الطّريق في نهايته لا يحمل فرص النَّصر، بل فرص الشَّهادة، وهكذا تفرَّق عنه النَّاس الّذين ساروا معه في مكَّة، ولكنَّه سار بهذه القلَّة الّتي كانت صفوة المجتمع الإسلاميّ.

وجماعة وقفت ضدّه، والَّتي كانت الأكثريَّة؛ أكثريَّة العدوّ، حيث كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، ككثيرٍ من الأكثريَّات في ساحات الصِّراع في الواقع.

وهكذا ربط الإمام الحسين(ع) ثورته بمسألة الإصلاح في أمَّة رسول الله، وانطلق ليؤكِّد عمق حركته في الواقع الإسلامي، وركَّز لنا العنوان السّياسيّ الَّذي ننطلق فيه في كلّ مواقع الصّراع: "إلا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلَّة والذلّة، وهيهات منا الذّلّة..!"[4]. وهكذا ترك خطّاً لكلِّ الثّائرين من أجل الحقّ، ولكلِّ الّذين يتمرَّدون على كلّ واقع يريد أن يفرض عليهم الذّلّ والظّلم والانحراف.

الالتزام بخطِّ الإسلام

ذلك هو الخطّ الحسينيّ الّذي يتحرَّك في الخطّ الإسلاميّ كلّه. وفي داخل هذا الخطّ، تحرَّك أبو الفضل العباس(ع)، الّذي يضرب المثل ببطولته ووفائه، والَّذي دافع عن الدِّين وعن إمام هذا الدّين.. وهكذا كان العباس مثالاً لكلِّ هؤلاء الشّباب الذين تحوَّلت الرسالة إلى مواقف في حياتهم، وهكذا نلتقي بالإمام زين العابدين(ع) الَّذي كان مريضاً في كربلاء، واستمرَّت به هذه السّلسلة من أهل البيت(ع)، وانطلق بعد ذلك ليعطي النّاس من أخلاقه وعلمه وروحانيّته. وعلى هذا الأساس كلّه، نعرف أنَّ طريق الإسلام في خطِّ أهل البيت(ع)، هو الطّريق الّذي يعطينا كلَّ عناصر الوعي والروحانيّة واللّقاء بالله.

إنَّ أهل البيت(ع) عاشوا رسالتهم بكلِّ الوسائل الَّتي يملكونها، وعلينا أن نعيش رسالتهم بكلِّ الوسائل الّتي نملكها، لقد كان الإسلام عنوان رسالتهم وسياستهم وجهادهم، وعلينا أن نسير على خطّهم لنحبّهم حبَّ الإسلام، لا حبّاً ذاتيّاً.

وعندما تريدون أن تخلصوا لأهل البيت(ع)، وأن تلتزموا ولاية أهل البيت(ع)، فإنَّ الإخلاص لهم هو الإخلاص للإسلام، وإنَّ ولايتهم هي الولاية للإسلام، وقد قالها الإمام الباقر(ع): "من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ"[5].. ليست مسألة الولاية مسألة عصبيَّة، وإنما هي خطّ في خطّ الإسلام، من أخذ به نجا، حتى ولو كان كلّ أجداده كفّاراً، ومن انحرف عنه سقط، حتّى لو كان كلّ أجداده مؤمنين.. ليست المسألة مسألةً وراثيَّةً أو جغرافيّة، بل كيف تفكِّر وماذا تعمل ومن هو قدوتك في الحياة.

لقد حمل أهل البيت الرِّسالة، وأعطوا كلَّ ما عندهم في سبيلها.. حملوها دعوةً وعلماً وجهاداً، حتّى أعطوا كلَّ ما عندهم في هذا الخطّ، فماذا نصنع نحن؟ لقد عاش الإمام الحسين ثورته، وعاش العبّاس بطولته، وعاش الإمام زين العابدين إمامته في خطِّ الإسلام، فماذا عنّا نحن؟

التزام الإسلام كمنهجٍ للحياة

لا بدَّ من أن نلتزم الإسلام كخطٍّ ومنهجٍ للثَّورة ضدّ الباطل كلِّه والاستكبار كلِّه، على أساس أنَّ الإسلام أراد لنا أن نكون مع العادلين ضدَّ الظَّالمين، ومع المحقِّين ضدَّ المبطلين. ولهذا، فإنَّ المسألة هي أن نلتزم الإسلام كلّه، وأن لا نلتزمه طائفيّاً فيما تتحدَّث فيه لغة الأوضاع الطائفيَّة، وعلينا أن نشعر بالانفتاح على كلّ قضايا المسلمين في العالم، وأن لا نسمح لأيِّ أحدٍ بأن يلعب في حياة المسلمين وعلاقاتهم ببعضهم البعض، ليقال، كما سمعنا أخيراً من بعض المسؤولين الفرنسيّين، إنَّ هناك إسلاماً عربيّاً وإسلاماً غير عربي، فالإسلام العربيّ مبنيّ على التَّسامح والمرونة، والإسلام غير العربيّ مبنيّ على التطرّف والتّشتّت! ولذلك، كان هذا البعض يقول: لا بدَّ للعرب المسلمين من أن يؤكِّدوا معنى التَّسامح والمرونة في حركتهم، وعليهم أن لا يتبعوا المسلمين غير العرب الَّذين يتحركون في الإسلام بطريقة غير عربيَّة.

هذا المنطق قالوه عندما أريد أن يُفصل العرب عن الإسلام في أيّام هجوم أوروبّا على الدّولة الإسلاميَّة، كانوا يقولون للعرب: لماذا تتحركون على أساس العقليّة الإسلاميّة التركيّة، فلا بدَّ من أن تتحركوا من خلال العقليّة الإسلاميّة العربيّة؟

ولكن يدرك كلّ الّذين يتحركون في السياسة الغربيّة، أنَّ المشكلة هي في الصّلة بين المسلمين العرب وبين إيران والإسلام. إنهم يريدون أن يقولوا إنَّ الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، الّذي انطلق في الثّورة على أساس الإسلام، كان يفهم الإسلام بطريقة متشدِّدة وضيّقة ولا تعرف معنى التَّسامح. أما أنتم أيّها العرب، الَّذين عشتم التَّسامح، فلا بدَّ من أن يكون خطّكم شيئاً وخطّ الإمام شيئاً آخر. وهذا هو المنطق الَّذي يراد أن يفرض نفسه على الواقع الإسلاميّ، والكثيرون يتحدّثون: ما دخل الإيرانيّين في بلادنا؟ الإيرانيّون لا دخل لهم في ذلك، ولكنَّ الأميركيّين والفرنسيّين لا بدّ من أن يدخلوا إلى بلادنا ويحلّوا مشكلتنا، وحتى بعض الدّول العربيّة التي تحركت في أجواء قمّة الدّار البيضاء، إنما تحركت على أساس الذهنيّة الأميركيّة. كلّ النّاس يحقّ لها أن تتدخّل في علاقاتنا إلا إيران الإسلاميّة، فلا يحقّ لها ذلك؟!

عندما نتحدَّث في مجال العلاقات، فإنَّ علينا أن نسلم قيادنا للمسلمين الآخرين تسليماً أعمى، ولكنّ هناك أسساً للحوار في القضايا الإسلاميّة المشتركة، وكلّ القضايا مشتركة، وكلّ أمور المسلمين تمثّل جذور المصلحة الإسلاميّة، ولكن عندما تكون لدينا القيادة الإسلاميَّة الشّرعيَّة، فليس هناك شيء اسمه عربيّ وقيادة عربية، بل هناك قيادة إسلاميَّة، والقيادة الإسلاميّة تتحرّك على أساس الشّورى، ولا تظلم ولا تستبدّ.

إنّنا نريد أن نقول لكلِّ هؤلاء، إذا كانوا يقصدون في حديثهم ما يسمّونه بالإسلام الأصوليّ الَّذي يقولون عنه إنّه متشدِّد ومتصلِّب: لماذا كلّ هذا الحديث عن الإسلام الأصولي؟! هل هم المسلمون الأصوليّون ـ في المصطلح السياسي ـ الّذين يقفون ضدّ الخمر والرّبا والخلاعة؟ فحتى المسلمون التقليديّون الرجعيّون السّائرون في الخطّ الأميركيّ يقولون هذا حلال وهذا حرام.

ما الَّذي يفرّق من يسمّونهم الأصوليِّين عن كلِّ المسلمين غير الملتزمين في العالم؟ ليس هناك من فرق بينهم إلا مسألة الضَّوابط في الأحكام الشرعيَّة، فما يعتبره الغرب تشدّداً في مسألة الإسلام هو الأحكام الشرعيّة التي أجمع عليها المسلمون، والّذي يفرّق المسلمين الأصوليّين، حسب اصطلاح الغرب عن غيرهم ـ وكلّ المسلمين أصوليّون إذا ساروا في خطّ الإسلام ـ هو أنهم يلتزمون خطَّ مواجهة الاستكبار العالمي وخطّ الوقوف ضدّ كلّ قوّة استكبارية تريد أن تفرض نفسها على واقع المستضعفين لتستبعدهم وتصادر حرياتهم وثرواتهم، وسنعمل على منعهم من تقرير مصيرهم في خطّ الحريّة بكلّ قوّة.

إنّ المسلمين الأصوليّين يقولون: لا بدَّ من أن نعمل على أن لا نرتبط في قرارنا السياسيّ بالشّرق والغرب، ولا بد من أن نمد يدنا للعالم من موقع مستقل مع موقع آخر مستقل، فهم لا يرفضون أن يقيموا علاقات مع العالم، ولكنهم لا يريدون للعالم أن يضطهدهم.

إنّنا نقول للعالم: كما أنّكم تحبّون الحريَّة، ولا تريدون لأحدٍ أن يصادرها منكم، فنحن أيضاً نحبُّ أن نكون أحراراً، ولا نريد لأحدٍ أن يصادر حريَّاتنا..

إنَّ المسألة في كلِّ هذا الحديث عن التطرّف والتعصّب، هي أنّ هناك أناساً يتمسّكون بحريَّتهم ولا يريدون أن يبيعوها، وهناك أناس يريدون أن يبيعوا حرّيّتهم. والّذين يريدون أن يبيعوا حرّيتهم، يريدون أن يحطِّموا كلّ الّذين يحملون لواء الحريَّة بكلّ قوّة، لأنَّ ذلك يكون شاهداً على عبوديّتهم.

إنّ المسألة أنّ هناك إسلاماً يتحرّك في خطّ الثّورة، وأنَّ هناك إسلاماً يراد أن يتحرّك وتُزوَّر هويته لينطلق في طريق الخنوع، فإذا كانت الثّورة على الصهيونيّة وكلّ الاستكبار والظّلم والاستعمار، تسمّى تطرّفاً، فنحن يشرّفنا أن نكون متطرّفين، وإذا كان الذّلّ والخضوع لقرارات المستكبرين يمثّل واقعيّة واعتدالاً، فيشرّفنا أن لا نكون من المعتدلين، إنّنا نفهم الاعتدال توازناً في حركتنا نحو الأهداف، وليس استسلاماً للأمر الواقع.

نحن متسامحون، ولكن في النّطاق الأخلاقيّ الّذي نعيش فيه مع الآخرين، ونفتح قلوبنا لكلّ النّاس، حتى الّذين نختلف معهم لنتحاور معهم، ولنؤكِّد التزامنا بما نؤمن به، وليؤكّدوا التزامهم بما يؤمنون به، ونقول لهم كما قال الله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[6].

إنّنا ـ كإسلاميّين ـ ولو وصفونا بالأصوليّين، نؤمن بالحوار مع أهل الكتاب، وحتى مع الّذين لا يؤمنون بالله، لأنَّ مسألة الإيمان لا بدَّ من أن تنطلق من الحوار، بل إنّ التّاريخ الإسلاميّ كلّه هو تاريخ وجود أهل الكتاب في المجتمع الّذي يحكمه الإسلام.

إنّ العالم الإسلاميّ كلّه يشتمل على مسيحيّين ويهود في إيران وتركيا وإندونسيا وغيرها. وفي العالم العربي، كان المسلمون كلّهم يعيشون التّسامح مع أهل الكتاب، لأنّ الإسلام هو الذي ركّز على ذلك، وليس لأنّ هناك عقليّة عربيّة مع التّسامح، وعقليّة أخرى ضدّ التّسامح.

لا تسامح مع العدوّ

لكنَّ التَّسامح في المسألة الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة شيءٌ، والتّسامح في مسألة الحريّة شيءٌ آخر، فأيّ تسامح مع الّذين يريدون أن يجعلوك هاجساً من هواجسهم السياسيَّة والاقتصاديّة؟! وأيّ شعبٍ في العالم يحترم نفسه ويتسامح مع الّذين يضطهدون حريَّته!؟ لماذا يفرض علينا أن نتسامح مع إسرائيل الّتي احتلَّت أرض فلسطين؟ ولماذا يفرض علينا أن نتسامح مع الخطِّ الاستسلاميِّ والخطِّ الاستعماريّ الغربيّ؟ لماذا لا يُطلَب من الشعوب الغربيّة أن تتسامح في حريَّتها؟ ما هي مسألة أمريكا في باناما ونيكاراغوا؟ إنَّ أميركا تتحدَّث عن الحريَّة، وإنَّ هناك حكماً يقهر الحرية، ولا بدَّ من أن تتدخَّل لذلك.

لماذا لا تتحدَّث أميركا مع الشَّعب البانامي عن التَّسامح مع الطَّاغية الَّذي كان يحكم، كما نعتبره؟ لأنَّ المسألة هي مسألة حرّيّة الأمن الأميركيّ لا حريَّة الشّعوب، وهكذا نجد أنَّ أميركا الّتي تنطلق هنا وهناك، انطلقت لتبرِّر للاتحاد السوفياتي ضربه وقهره للمسلمين في أفغانستان. إنّنا لا نفهم التَّسامح في المسألة السياسيّة الجهاديّة إذا كانت في خطِّ الحريّة، فكيف نطلب من الشعب الفلسطيني أن يتسامح مع إسرائيل الّتي احتلّت أرضه وتعمل لطرده من كلّ فلسطين؟

لقد جرَّبت منظَّمة التَّحرير من خلال الدّول العربيَّة التي ضغطت عليها والّتي توافقت معها، أن تترك السِّلاح، وأمسكت بغصن الزّيتون، ولكنّ أمريكا لا تقبل أن تتحدَّث مع منظمة التحرير إلا إذا اعترفت بإسرائيل، ومن دون أن تعترف إسرائيل بالمنظَّمة. وقبلت منظّمة التّحرير، واعترفت بالقرار 242، وقدَّمت التّنازلات، ولا تزال، وأصبحت المسألة الفلسطينيّة هي مسألة الانتخابات في الضّفّة الغربيّة وغزّة.

لقد ألغيت القضيَّة الفلسطينيّة، وأصبحت المسألة في التّفاصيل، ولا تزال إسرائيل تعمل على اضطهاد المسلمين الفلسطينيّين، ولا سيّما في المدّة الأخيرة، حيث قامت بحملات وحشيَّة في رفح وغيرها، ومع ذلك، لم تتحرّك أميركا إلا من خلال الأسى والكلمات الّتي لا معنى لها.

والآن، شربت أميركا حليب السّباع، وتحدّثت عن ضرورة أن تقبل إسرائيل مبدئيّاً بالحوار مع الفلسطينيّين، وأن تُسكن اليهود السّوفيات في الضفّة والقطاع، ولكنّنا تعوَّدنا أن تسحب إسرائيل كلّ الشّروط الأمريكيّة، وهي قليلة جدّاً.

كيف يمكن أن نتسامح مع إسرائيل وأن نوقف الانتفاضة، وأن نوقف المقاومة، فيما إسرائيل تفكِّر في أن تحتلَّ أيَّ أرض تقع تحت قبضتها؟!

إنَّ هجرة اليهود السوفيات الّتي يقال إنّها ستصل إلى مليون يهودي، تمثّل حركة جديدة في قوّة إسرائيل التي ستدخل في عصر القوّة أكثر عندما يأتيها هذا العدد الهائل الّذي يملك الخبرة والتقنيّة، ونحن لا نزال نمارس الاحتجاجات فقط، ولا نلاحظ أنَّ هناك أيَّ محاولة للضّغط بالمعنى الاقتصادي أو السياسي، أو بمعنى دعم المقاومين في خطِّ الانتفاضة في فلسطين أو في لبنان، ولو بشكلٍ ظاهر، ولا نلاحظ أنَّ الدّول العربيّة تقف لتقول إنّنا ندعم المقاومة والانتفاضة، حتى ولو في خطِّ الاستعراض، فحتى هذا هم غير مستعدّين له، لأنهم تعوّدوا على خطِّ "التّسامح"، وأن يمارسوا كلّ شدّة ضدّ شعوبهم، فأيّ بلدٍ عربيّ يملك النّاس فيه حريّة سياسيَّة؟! تصادَر كلّ حريّة الشّعوب، ولكن تعطى الحريّة لكلّ المستكبرين الّذين يصادرون حريّة الشّعوب كلّها.

ونحن عندما نؤكِّد كلَّ مواقفنا ونحن نثير ذكرى أهل البيت(ع)، نريد أن نؤكِّد إسلامنا، ونؤكِّد أنَّ القيادة الإسلاميّة تلتزم هذا الإسلام. لقد لفتني الحديث الّذي انطلق به آية الله السيّد علي الخامنئي، الّذي وقف أمام الحملة السياسيَّة العالميَّة الّتي تحاول أن تقول إنّ إيران ستبتعد عن خطِّ الإسلام وخطِّ الإمام، وإنّ هناك متشدّدين ومعارضين، وإنَّ هناك عميلاً في داخل إيران يريد أن يبعد المسلم الإيرانيّ عن الإسلام.

لقد وقف أمام المسلمين كلّهم ليقول: إني أتعهَّد باتّباع طريق الثّورة وطريق الإمام الخميني، ثم قال: وإنّ إسلامنا التقيّ يدعم المستضعفين المحرومين في العالم، وهذا ما يدعو الاستكبار العالمي إلى التصدّي له. إنَّ الاستكبار العالمي يتصدَّى لإيران لأنها تلتزم خطَّ الثّورة والخطَّ الإسلاميّ في كلّ مكان، كما أنّ الاستكبار يتصدّى لكلّ الإسلاميّين في لبنان وكلّ العالم العربي، لأنهم يتكاملون مع إيران في خطّ الإسلام الثوري الأصيل.

إنَّنا نريد أن نكون مسلمين كما قال رسول الله: "من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"[7]، ونريد أن ننطلق على هذا الأساس، ولهذا فنحن نتكامل مع كلِّ قضايا المسلمين في العالم، وليس معنى ذلك أن نتحدَّث عن إسلامٍ يتعقَّد من غير المسلمين. إنّنا نعتقد أنَّ مسألة الحريّة واحدة، فعندما لا يكون للمسلمين أيّة حريّة في أيِّ موقع، فإنّ الحريّة عند الكثيرين تنقص، لأنّ الحريّة ترتبط ببعضها البعض، لأنّنا نجد أنّ الاستكبار العالميّ كما يضطهد المستضعفين من المسلمين، يضطهد المستضعفين في العالم، حتى ولو كانوا من غير المسلمين.

سياسة تفتيت لبنان

وعندما نعيش الواقع اللّبنانيّ الَّتي تثار فيه الحروب بين وقتٍ وآخر وموقعٍ وآخر، فكما نرفض المأساة في واقعنا الإسلامي، فإنَّنا نشعر الشّعور نفسه عندما تتحرّك المأساة في غير واقعنا الإسلامي. إنّ عمق مسألة الحريّة هي أنَّ الاستكبار العالميَّ عندما يطبق بسياسته على لبنان، فإنّه يطبق بسياسته على الجميع، وقد يكون له عملاؤه هنا وهناك، ولكنّ الأكثريّة تعيش تحت بطشه وعسفه.

ولذلك، إنّنا ننظر بكلِّ استنكارِ إلى هذه الحرب المدمِّرة في المنطقة الشَّرقيَّة، كما ننظر إلى هذه الحرب المدمّرة الّتي عاشت في مناطقنا الإسلاميَّة، لأنَّ المسألة في حركة الحرب في لبنان ليست مسألة خلافات اللّبنانيّين، وإن كان لها أثر في بعض مجريات الحرب، لكنَّ المسألة هي أنَّ هناك سياسة دوليّة تريد أن تنتج لبناناً على طريقتها، ويراد لكلِّ لبنان أن يتفتَّت. ولذلك، ليس هناك حلّ للمشكلة اللّبنانيَّة، هناك تخديرٌ لها ريثما تفتح الفتنة من جديد، وهذا ما تحدَّثنا به قبل سنين.

لقد انطلق لبنان في كثيرٍ من مواقعه السياسيَّة المتنوِّعة، ولا سيَّما الموقف الإسلاميّ المتحرِّك في خطِّ الثَّورة ضدّ الاستكبار العالمي، ليكون شاهداً على كلّ التخلّف السّياسيّ والظّلم السياسيّ في البلاد العربيّة. ولذلك، كانت مشكلة كلِّ حكّام العرب سابقاً، هي قضيّة الحريّة السياسيّة الّتي تنتقد هذا وذاك، وكان اللّبنانيون وحدهم هم الَّذين حملوا عبء القضيّة الفلسطينيّة ولا يزالون يحملونها، وهم وحدهم الّذين فتحوا للفلسطينيّين كلّ ساحاتهم من خلال ذلك.

لذلك، أريد للبنان أن يؤدَّب سياسياً وعسكرياً، حتى لا يرفع رأسه ويعترض على أيِّ واقعٍ في المنطقة وأيّ وضعٍ سياسيّ يراد ترتيبه في داخله، والنّظام الدّوليّ الّذي يراد فرضه في المنطقة الآن على أساس السّياسة الأميركيّة الّتي أصبحت تملك أكثر الأوراق بعد التطوّرات في الاتحاد السّوفياتيّ وأوروبا الشّرقيّة.

إنَّ هناك صيغة لهذا النِّظام يراد تركيبها في خطَّين: الخطّ الأوَّل هو إسقاط كلِّ الّذين يفكِّرون في مواجهة إسرائيل، وهذا ما نلاحظه في ساحة الّذين يواجهون إسرائيل بصدق. والخطّ الثَّاني، هو تفتيت كلّ البنية العسكريّة، حتى لا يظلَّ هناك من يعترض على البنية السياسيّة القادمة، ولهذا حاولوا أن يدمّروا اللّبنانيين ويشرّدوهم من أرضهم في كلّ الحروب ـ وهذا ما نعيشه الآن في تجويع اللّبنانيين ـ من خلال الضَّربات الاقتصادية المدمِّرة التي تحاول أن تدمّر للبنانيين كلّ شروطهم الحياتيّة الضروريّة، ولهذا نحن نواجه الآن فقدان كلّ حاجات النّاس بفعل ضغوط خارجيّة وداخليّة.

إنَّ المطلوب أن ينطلق النّاس جميعاً، شرقيةً وغربيةً، وإسلامياً ووطنياً، ليطلبوا من أميركا أن تحلّ مشكلتهم، هذا هو المطلوب الآن. ولهذا حدِّق في عمق ساحات الصِّراع، فستجد أنَّ اليد الأميركيَّة تحرّك أكثر من طرف، وتقف وراء أكثر من طرف. ولهذا، لا بدَّ من أن نفهم اللّعبة، ونقول للمسيحيّين والمسلمين، ممن يفسحون المجال للأجنبي أو الّذين يعيشون كضحايا لخططه: لقد كانت تجارب الحرب اللّبنانيّة دليلاً على أنَّ الّذين يثيرون الحرب، لم يحصلوا على نتائج إيجابيّة لحسابهم، بل إنَّ النّتائج السَّلبيَّة كانت طاغية، فلم يربح أحد من الحرب اللّبنانيَّة حتى الآن، إلا فيما يحاول كلّ فريقٍ أن يقوله ليبرّر خسائره.

إنّنا نلاحظ أنَّ الَّذين يفرضون الحرب، لن يربحوا من فرضها شيئاً، بل إنَّ المسألة أنّ الهيكل عندما تتحرَّك العواصف حوله، سوف يسقط على رؤوس الجميع. وهذه الحروب الّتي دمَّرت أخلاقنا وروحيّتنا قبل أن تدمّر أجسادنا وبيوتنا، سواء كانت حرباً إعلاميّة أو غير ذلك، وسواء كانت في المسألة الإسلاميَّة أو المسيحيّة، تمثِّل ما وصلنا إليه من البذاءة والكذب والشَّتم والانحطاط السياسي. إنَّ الحصيلة هي أنَّ الواقع السياسيّ اللّبنانيّ لا أخلاق له ولا قضايا كبيرة له، ولذلك نقول للجميع: إذا كنتم تفكّرون في مأساة النَّاس ومستقبل البلد، فإنَّ المسألة هي أن تجلسوا لتتحاوروا وتبحثوا، لتحصلوا من خلال الحوار على ما لا تستطيعون أن تحصلوا عليه من خلال الحرب، لأنَّ كلَّ الحروب اللّبنانيّة تضع الدّول الكبرى وغيرها خطوطاً "حمراً" فيها، فلماذا نعذِّب أنفسنا ونعيش في غير ما تريده القضايا الكبيرة؟

إنَّ إسرائيل تخطِّط لتحتوي يهود العالم، وستزحف لتأخذ مياهنا وأرضنا، ولتسيطر على مقدِّراتنا، وهكذا كلّ السّياسة الاستكباريّة في العالم. لذلك، علينا أن نتعلَّم من كلِّ هذه الجراح والآلام كيف نستطيع أن نركّز هذا البلد على أساس الحوار والتّعايش والوحدة في القضايا الكبرى.

إنَّ علينا أن نكفَّ عن كثير من كلمات اللّغو والعبث الَّتي نتحدَّث فيها ضدّ كلِّ واقعنا، فهذا شأن المتخلّفين والسّفهاء، وليس شأن الّذين يفكِّرون في المستقبل الكبير على أساس القضايا الكبيرة.


[1] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 45، ص 47.

[2] المصدر نفسه، ج 45، ص 53.

[3] المصدر نفسه، ج 44، ص 329.

[4] المصدر نفسه، ج 74، هامش ص 162.

[5] الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 75.

[6] [آل عمران: 64].

[7] الكافي، ج 2، ص 164.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية