تفسير
25/01/2024

s-2-a-172-173

s-2-a-172-173

‏ ‏

‏ معاني المفردات‏

{ أُهِلّ } : الإهلال في الذّبيحة: رفع الصّوت، وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها، ويقولون: باسم اللاّت أو باسم العزّى. قال الرّاغب: «الإهلال: رفع الصّوت عند رؤية الهلال، ثمّ استُعمل لكلِّ صوتٍ»‏1‏ . ‏

{ اُضْطُرّ } : الاضطرار: كلُّ فعلٍ لا يمكن المفعول به الامتناع منه، وذلك كالجوع، فلا يمكن الامتناع منه. قال الطّبرسيُّ: «والفرق بين الاضطرار والإلجاء، أنّ الإلجاء قد تتوفّر معه الدّواعي إلى الفعل من جهة الضّرر والنّفع، وليس كذلك الاضطرار»‏‎ ‎2‏. ‏

{ باغٍ } : البغي: تجاوز الاقتصاد في ما يتحرّى. وبغى: تكبّر؛ وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له. قال الطّباطبائيُّ: «غير باغٍ ولا عادٍ، أي: غير ظالمٍ ولا متجاوزٍ حدّه»‏3‏. ‏

{ عادٍ } : العدو: التّجاوز، ومنافاة الالتئام، فتارةً يُعتبر بالقلب، فيقال له: العداوة والمعاداة، وتارةً بالمشي، فيقال له: العدو، وتارةً في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان والعدو. «وقيل: غير باغٍ على الإمام، ولا عادٍ في المعصية طريق المخبتين»‏4‏ . ‏

‏حِلُّ الطّيِّبات وتحريم الخبائث‏

‏في هذه الآية نداءٌ للمؤمنين بإباحة طيِّبات الرِّزق، والدّعوة إلى شكر الله على ذلك، وتحريم بعض الأشياء عليهم؛ لأنّ ذلك كلّه من نتائج الإيمان بالله؛ فإنّ المؤمنين بالله هم الّذين يُقبلون على ما رزقهم الله من طيِّبات الحياة إقبال الواعين لمصدر الرِّزق، العارفين بما يشتمل عليه من نعمةٍ وافرةٍ وفضلٍ عظيم، بما توفِّره له من رخاء الحياة ولذّتها وسعادتها، فيندفعون - من عمق إيمانهم - إلى الشُّكر العظيم لله؛ باعتبار أنّ الشُّكر العمليّ يمثِّل التّجسيد الحيّ للشُّعور العميق بعبوديّتهم لله وخضوعهم له، وإيمانهم بأنّه أهلٌ للعبادة؛ لأنّه مصدر الخير كلِّه للإنسان في وجوده الممتدِّ بكلِّ النِّعم والألطاف. ‏

‏وقد يوحي أسلوب الآية الأولى، بضميمة الآية الثّانية، أنّ الله قد أباح للإنسان كلّ الطّيِّبات، فلم يحرِّم عليه شيئًا منها ممّا اعتاد النّاس أن يأكلوه ويستطيبوه ويتلذّذوا به، فكأنّه يقول لهم إنّ بإمكانهم أن يمارسوا حرِّيّتهم في الأكل من هذه الطّيِّبات، فلا يحرموا أنفسهم شيئًا منها؛ لأنّها من رزق الله الّذي أراد منه أن يبني للإنسان حياته. ‏

‏ثمّ عدّد المحرّمات، وحصرها في هذه الأربع؛ انطلاقًا من الأضرار الجسديّة والرُّوحيّة المترتِّبة عليها، فقد ذكر المختصُّون أنّ في الثّلاثة الأولى: {الْميْتة و الدّم و لحْم الْخِنْزِيرِ} ، أضرارًا صحيّةً تفسد على الإنسان سلامة بدنه؛ أمّا الرّابعة منها، والمقصود منه ما ذبح على غير اسم الله، كالمذبوح على الأصنام، أو لها، فهو لا يتناسب مع المعنى الرُّوحيِّ الّذي يريد الإسلام للإنسان أن يعيشه في مأكولاته الّتي يريدها أن تكون على اسم الله ولا تكون على غير اسمه؛ لأنّ في ذلك تأثيرًا على جانب الإحساس الرُّوحيِّ بالانتماء إلى الله في ما يأكل الإنسان أو يشرب، ما يوجب أن يكون في الذّبيحة معنًى روحيٌّ ينطلق من حصول الذّبح على اسم الله. ‏

‏وإذا كان التّحريم والتّحليل يتحرّكان في خطِّ مصلحة الإنسان الرُّوحيّة والمادِّيّة ومراعاة حاجاته الأساسيّة في ما يجلب له الرّاحة في حياته، فمن الطّبيعيِّ أن يكون للتّشريع في حالات التّحريم حدٌّ يقف عنده، وذلك في حالة الاضطرار الّتي لا يملك الإنسان معها سدّ رمقه بالمحلّل من المأكولات، لعدم وجودها أو لتعذُّر حصوله عليها، فكانت الإباحة في هذه الحالة منسجمةً مع خطِّ السّماحة والسُّهولة في الشّريعة الإسلاميّة، ولكنّها ليست لكلِّ مضطرٍّ، بل هي للمضطرِّ الّذي لا يكون باغيًا ولا عاديًا. ‏

‏وقد اختلف المفسِّرون في ما هو المراد من هاتين الكلمتين: {غيْر باغٍ و لا عادٍ} ؛ فاختار بعضهم أن تكون حدًّا للمدى الّذي يحلُّ فيه الأكل، وهو أن لا يتجاوز حالة الضّرورة، فيكتفي بسدِّ رمقه، فلا يزيد على ذلك انطلاقًا من القاعدة المعروفة: «الضّرورات تقدّر بقدرها». ‏

‏واختار بعضهم أن تكون تمييزًا بين نوعين من المضطر: فهناك النّوع الّذي يحصل له الاضطرار في الحالات الطّبيعيّة الّتي يعيشها النّاس في أوضاع اليُسر والعُسر، من دون أن يكون الاضطرار ناشئًا من حالة بغيٍ أو عدوانٍ ضدّ الآخرين؛ وهناك النّوع الّذي يضطرُّ إلى ذلك في ظروف البغي والعدوان الّتي سعى إليها بنفسه، وذلك كما في اللِّصِّ والظّالم والغاصب والخارج على الإمام وغير ذلك؛ فالنّوع الأوّل هو الّذي لا يكون آثمًا في تناوله للمحرّم، بينما يظلُّ الإثم ثابتًا في فعل الثّاني؛ لأنّ مقدِّماته غير شرعيّةٍ، فلا يتناول العذر في ما لو توقّفت الحياة على ذلك‏5‏ . ‏

‏ولعلّ الوجه الثّاني أقرب إلى جوِّ الآية؛ لأنّ طبيعة الاضطرار لا توحي بتناول الزّائد عن مقدار الحاجة، ولا سيّما في مثل هذه الأمور الّتي لا تهشُّ لها نفس المؤمن. كما أنّ الأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام قد ركّزت على المعنى الثّاني‏‏6‏ . ‏

‏وقد جاء ختام الآية بصفة الغفور الرّحيم؛ للتّدليل على أنّ علاقة الله بعباده في ما يحلُّه لهم أو يحرِّمه عليهم، وفي ما يرتكبونه منها في ظروفٍ طبيعيّةٍ أو غير طبيعيّةٍ، هي علاقة المغفرة والرّحمة الّتي تشمل العاصين والمطيعين؛ لأنّه الغفور الرّحيم. ‏

‏بين الحلال الطّيِّب والمحرّمات ‏

{يا أيُّها الّذِين آمنُوا كُلُوا مِنْ طيِّباتِ ما رزقْناكُمْ} ؛ فقد أحلّ الله لكم كلّ طيِّبٍ تستلذُّونه وتنتفعون به، من اللُّحوم وغيرها، ممّا يشتمل على اللّذّة في المذاق، والطّيِّب في خصائصه وعناصره بما تستطيبه حياتكم في نموِّها وقوّتها، {و اُشْكُرُوا لِلّهِ} على هذه النِّعم الّتي لا تعدُّ ولا تحصى، ممّا يبني لكم أجسادكم وعقولكم، ويسهِّل لكم حياتكم ويكفل لكم الاستقرار، {إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تعْبُدُون} ؛ لأنّ من وسائل العبادة التّعبير عن الشُّكر للنِّعم الإلهيّة بمختلف الوسائل الّتي تمثِّل الاعتراف بالمنّة الإلهيّة في ما أعطاه سبحانه. ‏

{إِنّما حرّم عليْكُمُ الْميْتة} ، أي: أكلها. والظّاهر أنّ المراد بالميتة ما مات حتف أنفه؛ بقرينة مقابلته - في هذه الآية - بما {أُهِلّ بِهِ لِغيْرِ اللّهِ} ، ممّا هو داخلٌ في التّذكية غير الشّرعيّة؛ لفقدانه للتّسمية، أو للتّسمية عليه بغير اسم الله. كما أنّ الميتة ذُكرت في سورة المائدة في مقابل ما أُهلّ لغير الله به، والمنخنقةِ - وهي الّتي ماتت بالخنق-، والموقوذةِ - وهي المضروبة بخشبٍ أو حجر -، والمُتردِّيةِ- أي: الّتي تردّت من علوٍّ إلى بئرٍ فماتت -، ‏

‏والنّطيحةِ - وهي الّتي تنطحها أخرى، فتموت -؛ وذلك هو قوله تعالى: {حُرِّمتْ عليْكُمُ الْميْتةُ و الدّمُ و لحْمُ الْخِنْزِيرِ و ما أُهِلّ لِغيْرِ اللّهِ بِهِ و الْمُنْخنِقةُ و الْموْقُوذةُ و الْمُتردِّيةُ و النّطِيحةُ و ما أكل السّبُعُ إِلاّ ما ذكّيْتُمْ و ما ذُبِح على النُّصُبِ و أنْ تسْتقْسِمُوا بِالْأزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3]. ‏

‏وهذا هو ما يُستفاد من الحديث المرويِّ عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام في بيان حكمة تحريم الميتة قال: «أمّا الميتة فإنّه لا يُدمنها أحدٌ إلاّ ضعُف بدنه، ونحل جسمه، وذهبت قوّته، وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلاّ فجأة»‏7‏ ؛ فإنّ هذه الخصائص السّلبيّة من مستلزمات الموت حتف الأنف، لا من خصائص الفاقد لبعض شروط التّذكية الشّرعيّة. أمّا إلحاق غير المذكّى بالميتة في الحرمة، فهو من خلال ما قد يُستفاد من آية المائدة، أو من الأحاديث الواردة في السُّنّة الشّريفة. ‏

{ و الدّم } وقد ذكر البعض‏‏8‏ أنّ الدّم وسطٌ مستعدٌّ لتكاثر أنواع الميكروبات، فالميكروبات الّتي تدخل البدن تتّجه أوّل ما تتّجه إلى الدّم، وتتّخذه مركزًا لنشاطها. ولذلك اتّخذت الكريات البيضاء مواقعها في الدّم للوقوف بوجه توغُّل هذه الأحياء المجهريّة في الدّم المرتبط بكلِّ أجزاء الجسم، وحين يتوقّف الدّم عن الحركة وتنشلُّ الحياة فيه، يتوقف نشاط الكريات البيض أيضًا، ويصبح الدّم بذلك وسطًا صالحًا لتكاثر الميكروبات من دون أن تواجه عقبةً في التّكاثر. ولذلك نستطيع أن نقول: إنّ الدّم حين يتوقّف عن الحركة يكون أكثر أجزاء جسم الإنسان والحيوان تلوُّثًا. ‏

‏ومن جهةٍ أخرى، ثبت اليوم في علم الأغذية، أنّ الأغذية لها تأثيرٌ على الأخلاق والمعنويّات، عن طريق التّأثير في الغُدد وإيجاد الهرمونات. ومنذ القديم ثبت تأثير شرب الدّم على تشديد قسوة الإنسان. وقد جاء في تتمّة الرِّواية السّابقة عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام قوله: «وأمّا الدّم فإنّه يورث آكله الماء الأصفر، ويُبخِرُ الفم، ويُنتِنُ الرِّيح، ويُسي‏ء الخُلُق، ويورث الكلب والقسوة في القلب، وقلّة الرّأفة والرّحمة، حتّى لا يُؤْمن أن يقتل ولده ووالديه، ولا يُؤْمن على حميمه، ولا يؤمن على من يصحبه». ‏

{و لحْم الْخِنْزِيرِ} . وقد ذُكر‏9‏ أنّه يشتمل على بعض الدِّيدان الخطرة على الصِّحّة العامّة للإنسان، من خلال طبيعتها الضّارّة، ومنها دودة التّريشين [{‏‎L Treichine L‎‏} ]الّتي تعيش في لحم هذا الحيوان وتتكاثر بسرعةٍ مدهشةٍ، وتضع في الشّهر خمسة عشر ألف بيضة، وتسبِّب للإنسان أمراضًا متنوِّعة، كفقر الدّم، والغثيان، والحمّى خاصّةً، والإسهال، وآلام المفاصل، وتوتُّر الأعصاب، والحكّة، وتجمُّع الشُّحوم داخل البدن، والإحساس بالتّعب، وصعوبة مضغ الطّعام وبلعه والتّنفس و...، وقد يوجد في كيلو واحد من لحم الخنزير 400 مليون دودة من هذه الدِّيدان. ويضيفون إلى مضارِّه تأثيره في التّحلُّل الجنسيِّ للإنسان. ‏

{و ما أُهِلّ بِهِ لِغيْرِ اللّهِ} . وهو الحيوان الّذي يُذبح على اسم غير اسم الله، كالأصنام ونحوها ممّا يعبده المشركون. ولعلّ التّحريم في هذا النّوع ناشئٌ من العناصر الرُّوحيّة التّربويّة؛ لأنّ الله يريد للإنسان أن ينطلق في استحلاله للحيوانات من خلال اسم الله، ليعيش في نفسه أنّ الانطلاق من اسم الله تعالى هو الأساس في كلِّ حركته الغذائيّة في الحياة. ‏

{فمنِ اُضْطُرّ} ، بأن توقّفت حياته على أكل هذه المحرّمات، أو استلزم تركها الوقوع في حرجٍ شديدٍ لا يُتحمّل عادةً في الواقع الطّبيعيِّ للإنسان، ممّا يصدق عليه مفهوم الاضطرار عرفًا. { غيْر باغٍ } أي: ظالم سائرٍ في طريق البغي، أو متجاوزٍ للحدود المرسومة له في حركته في سفره أو حضرِه، أو باغٍ على السُّلطة الشّرعيّة. { و لا عادٍ } أي: غاصبٍ، أو سارقٍ، أو عاصٍ آخذٍ بالمعصية، أو معتدٍ على العباد، {فلا إِثْم عليْهِ} ؛ لأنّ الله أحلّ الحرام للمضطرِّ، ولم يجعل في دينه حرجًا على النّاس. ‏

‏والوجه في استثناء الباغي والعادي، هو أنّ الإباحة للمضطرِّ تمثِّل لطفًا من الله بعباده ورحمةً لهم، فلا ينالها إلاّ الإنسان الّذي لا يحارب الله ورسوله، ولا يتعدّى حدوده في طريق اضطراره، فلو كان اضطراره في خطِّ البغي والعدوان لم يكن معذورًا، بل يزداد إثمًا. وهذا كما في وجوب الإتمام في السّفر على من كان عاصيًا في سفره؛ لأنّه لا يستحقُّ اللُّطف بالتّخفيف في الصّلاة بالقصر في السّفر. ‏

{إِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ} ، فالرُّخصة فيه مظهرٌ لعفوه ومغفرته، من باب رفع موضوع الذّنب بالطّريقة الّتي تلتقي فيها بالمغفرة. والله العالم. ‏

‏ وجه حصر المحرّمات في الأربعة ‏

‏وقد يثور أمامنا سؤالٌ: ما معنى هذا الحصر للمحرّمات في هذه الآية، الّتي تلتقي بالآية الأخرى في سورة الأنعام: {قُلْ لا أجِدُ فِي ما أُوحِي إِليّ مُحرّماً على‏ طاعِمٍ يطْعمُهُ إِلاّ أنْ يكُون ميْتةً أوْ دماً مسْفُوحاً أوْ لحْم خِنزِيرٍ فإِنّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقاً أُهِلّ لِغيْرِ} ـ ‏

{اللّهِ بِهِ فمنِ اُضْطُرّ غيْر باغٍ و لا عادٍ فإِنّ ربّك غفُورٌ رحِيمٌ} [الأنعام: 145]، مع أنّ المحرّمات - ولا سيّما في اللُّحوم - كثيرةٌ جدًّا، كما في الكلب والحشرات والسِّباع، وغيرها؟ ‏

‏والجواب: إنّ القضيّة قد تكون واردةً في مورد الحصر الإضافيِّ، الّذي ينظر إلى بعض الأمور الّتي كان يثيرها أهل الكتاب ممّا هو حلالٌ في شرع الله، فيحكمون بتحريمها، غير مستندين في ذلك إلى حجّةٍ صحيحةٍ. فهي واردةٌ في مجال نفي تحريم ما حرّموه وإثبات تحريم هذه الأمور الّتي كانوا يأكلونها عند قلّة الطّعام - كما قيل‏‏10‏ -، فكأنّه يقول: إنّ المحرّمات هي هذه، لا ما حرّموه من اللُّحوم الطّيِّبة، وليس المقصود أنّ هذه المحرّمات هي وحدها الّتي تعلّق بها التّحريم لا غيرها، مطلقًا، كما هو الحصر الحقيقيُّ. فكانت هاتان الآيتان من أجل إيضاح الحقِّ في ما هو حلالٌ وحرامٌ ممّا أوحى الله به إلى نبيِّه محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم . وهذا لا ينفي أن تكون هناك محرّماتٌ أخرى لم تقع موضوع النِّزاع والخلاف بينهم، فلذلك لا مجال للدُّخول في عمليّة النّفي والإثبات من جهتها. ‏

‏ولعلّ هذا الجواب أفضل ممّا ذهب إليه البعض من المفسِّرين‏‏11‏، الّذين اعتبروا الأسلوب القرآنيّ واردًا في مورد العامِّ والخاصِّ، حيث يأتي المتكلِّم بلفظٍ عامٍّ مثبتٍ أو منفيٍّ، ثمّ يُتبعه بالتّخصيص في دليلٍ آخر؛ لأنّ طبيعة الجوِّ في هذه الآية أو تلك لا توحي بوجود حالةٍ منتظرةٍ في ما بعد ذلك. ‏

‏وقد يُؤيّد ما أجبنا به بالآية اللاّحقة الّتي تحدّثت عن أهل الكتاب وكتمانهم ما أنزل الله فيه، من حلاله وحرامه؛ فإنّ في هذا إيحاءً بأنّ حصر المحرّمات بالأربعة إنّما هو جارٍ على أساس الرّدِّ على ما أثاره أهل الكتاب من المحرّمات من عند أنفسهم. والله العالم. ‏

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‏1.‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 544.‏

‏2.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 475.‏

‏3.‏‏السّيِّد الطّباطبائي، الميزان، م. س، ج 1، ص 426.‏

‏4.‏‏الرّاغب الأصفهاني، م. ن، ص 327.‏

‏5.‏‏انظر: الشّيخ الطُّوسي، التِّبيان، م. س، ج 2، ص 86. الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص‏476 - 477.‏

‏6.‏‏ورد في: الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 3، ص 438، ح 7، عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام - في قول الله عزّ وجلّ: {فمنِ اُضْطُرّ غيْر باغٍ و لا عادٍ} - قال: «الباغي: باغي الصّيد، والعادي: السّارق. وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها، هي عليهما حرامٌ، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصِّرا في الصّلاة». راجع أيضًا: م. ن، ج 6، ص 265، باب ذكر الباغي والعادي، ح 1.‏

‏7.‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 6، ص 242، ح 1.‏

‏8.‏‏الشّيخ الشِّيرازي، الأمثل، م. س، ج 1، ص 488.‏

‏9.‏‏م. ن، ص 489.‏

‏10.‏‏انظر: الشّيخ الشِّيرازي، الأمثل، م. س، ج 1، ص 486. الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج 14، ص‏246.‏

‏11.‏‏انظر: الفاضل المقداد، جمال الدِّين المقداد بن عبدالله السّيوري (ت‏826هـ-)، كنز العرفان في فقه القرآن، ط 1، تحقيق السّيِّد محمد القاضي، نشر المجمع العالمي للتّقريب بين المذاهب الإسلاميّة في إيران، 1419 هـ-، ج 2، ص 303.‏

‎ ‎

‏ ‏

‏ معاني المفردات‏

{ أُهِلّ } : الإهلال في الذّبيحة: رفع الصّوت، وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها، ويقولون: باسم اللاّت أو باسم العزّى. قال الرّاغب: «الإهلال: رفع الصّوت عند رؤية الهلال، ثمّ استُعمل لكلِّ صوتٍ»‏1‏ . ‏

{ اُضْطُرّ } : الاضطرار: كلُّ فعلٍ لا يمكن المفعول به الامتناع منه، وذلك كالجوع، فلا يمكن الامتناع منه. قال الطّبرسيُّ: «والفرق بين الاضطرار والإلجاء، أنّ الإلجاء قد تتوفّر معه الدّواعي إلى الفعل من جهة الضّرر والنّفع، وليس كذلك الاضطرار»‏‎ ‎2‏. ‏

{ باغٍ } : البغي: تجاوز الاقتصاد في ما يتحرّى. وبغى: تكبّر؛ وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له. قال الطّباطبائيُّ: «غير باغٍ ولا عادٍ، أي: غير ظالمٍ ولا متجاوزٍ حدّه»‏3‏. ‏

{ عادٍ } : العدو: التّجاوز، ومنافاة الالتئام، فتارةً يُعتبر بالقلب، فيقال له: العداوة والمعاداة، وتارةً بالمشي، فيقال له: العدو، وتارةً في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان والعدو. «وقيل: غير باغٍ على الإمام، ولا عادٍ في المعصية طريق المخبتين»‏4‏ . ‏

‏حِلُّ الطّيِّبات وتحريم الخبائث‏

‏في هذه الآية نداءٌ للمؤمنين بإباحة طيِّبات الرِّزق، والدّعوة إلى شكر الله على ذلك، وتحريم بعض الأشياء عليهم؛ لأنّ ذلك كلّه من نتائج الإيمان بالله؛ فإنّ المؤمنين بالله هم الّذين يُقبلون على ما رزقهم الله من طيِّبات الحياة إقبال الواعين لمصدر الرِّزق، العارفين بما يشتمل عليه من نعمةٍ وافرةٍ وفضلٍ عظيم، بما توفِّره له من رخاء الحياة ولذّتها وسعادتها، فيندفعون - من عمق إيمانهم - إلى الشُّكر العظيم لله؛ باعتبار أنّ الشُّكر العمليّ يمثِّل التّجسيد الحيّ للشُّعور العميق بعبوديّتهم لله وخضوعهم له، وإيمانهم بأنّه أهلٌ للعبادة؛ لأنّه مصدر الخير كلِّه للإنسان في وجوده الممتدِّ بكلِّ النِّعم والألطاف. ‏

‏وقد يوحي أسلوب الآية الأولى، بضميمة الآية الثّانية، أنّ الله قد أباح للإنسان كلّ الطّيِّبات، فلم يحرِّم عليه شيئًا منها ممّا اعتاد النّاس أن يأكلوه ويستطيبوه ويتلذّذوا به، فكأنّه يقول لهم إنّ بإمكانهم أن يمارسوا حرِّيّتهم في الأكل من هذه الطّيِّبات، فلا يحرموا أنفسهم شيئًا منها؛ لأنّها من رزق الله الّذي أراد منه أن يبني للإنسان حياته. ‏

‏ثمّ عدّد المحرّمات، وحصرها في هذه الأربع؛ انطلاقًا من الأضرار الجسديّة والرُّوحيّة المترتِّبة عليها، فقد ذكر المختصُّون أنّ في الثّلاثة الأولى: {الْميْتة و الدّم و لحْم الْخِنْزِيرِ} ، أضرارًا صحيّةً تفسد على الإنسان سلامة بدنه؛ أمّا الرّابعة منها، والمقصود منه ما ذبح على غير اسم الله، كالمذبوح على الأصنام، أو لها، فهو لا يتناسب مع المعنى الرُّوحيِّ الّذي يريد الإسلام للإنسان أن يعيشه في مأكولاته الّتي يريدها أن تكون على اسم الله ولا تكون على غير اسمه؛ لأنّ في ذلك تأثيرًا على جانب الإحساس الرُّوحيِّ بالانتماء إلى الله في ما يأكل الإنسان أو يشرب، ما يوجب أن يكون في الذّبيحة معنًى روحيٌّ ينطلق من حصول الذّبح على اسم الله. ‏

‏وإذا كان التّحريم والتّحليل يتحرّكان في خطِّ مصلحة الإنسان الرُّوحيّة والمادِّيّة ومراعاة حاجاته الأساسيّة في ما يجلب له الرّاحة في حياته، فمن الطّبيعيِّ أن يكون للتّشريع في حالات التّحريم حدٌّ يقف عنده، وذلك في حالة الاضطرار الّتي لا يملك الإنسان معها سدّ رمقه بالمحلّل من المأكولات، لعدم وجودها أو لتعذُّر حصوله عليها، فكانت الإباحة في هذه الحالة منسجمةً مع خطِّ السّماحة والسُّهولة في الشّريعة الإسلاميّة، ولكنّها ليست لكلِّ مضطرٍّ، بل هي للمضطرِّ الّذي لا يكون باغيًا ولا عاديًا. ‏

‏وقد اختلف المفسِّرون في ما هو المراد من هاتين الكلمتين: {غيْر باغٍ و لا عادٍ} ؛ فاختار بعضهم أن تكون حدًّا للمدى الّذي يحلُّ فيه الأكل، وهو أن لا يتجاوز حالة الضّرورة، فيكتفي بسدِّ رمقه، فلا يزيد على ذلك انطلاقًا من القاعدة المعروفة: «الضّرورات تقدّر بقدرها». ‏

‏واختار بعضهم أن تكون تمييزًا بين نوعين من المضطر: فهناك النّوع الّذي يحصل له الاضطرار في الحالات الطّبيعيّة الّتي يعيشها النّاس في أوضاع اليُسر والعُسر، من دون أن يكون الاضطرار ناشئًا من حالة بغيٍ أو عدوانٍ ضدّ الآخرين؛ وهناك النّوع الّذي يضطرُّ إلى ذلك في ظروف البغي والعدوان الّتي سعى إليها بنفسه، وذلك كما في اللِّصِّ والظّالم والغاصب والخارج على الإمام وغير ذلك؛ فالنّوع الأوّل هو الّذي لا يكون آثمًا في تناوله للمحرّم، بينما يظلُّ الإثم ثابتًا في فعل الثّاني؛ لأنّ مقدِّماته غير شرعيّةٍ، فلا يتناول العذر في ما لو توقّفت الحياة على ذلك‏5‏ . ‏

‏ولعلّ الوجه الثّاني أقرب إلى جوِّ الآية؛ لأنّ طبيعة الاضطرار لا توحي بتناول الزّائد عن مقدار الحاجة، ولا سيّما في مثل هذه الأمور الّتي لا تهشُّ لها نفس المؤمن. كما أنّ الأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام قد ركّزت على المعنى الثّاني‏‏6‏ . ‏

‏وقد جاء ختام الآية بصفة الغفور الرّحيم؛ للتّدليل على أنّ علاقة الله بعباده في ما يحلُّه لهم أو يحرِّمه عليهم، وفي ما يرتكبونه منها في ظروفٍ طبيعيّةٍ أو غير طبيعيّةٍ، هي علاقة المغفرة والرّحمة الّتي تشمل العاصين والمطيعين؛ لأنّه الغفور الرّحيم. ‏

‏بين الحلال الطّيِّب والمحرّمات ‏

{يا أيُّها الّذِين آمنُوا كُلُوا مِنْ طيِّباتِ ما رزقْناكُمْ} ؛ فقد أحلّ الله لكم كلّ طيِّبٍ تستلذُّونه وتنتفعون به، من اللُّحوم وغيرها، ممّا يشتمل على اللّذّة في المذاق، والطّيِّب في خصائصه وعناصره بما تستطيبه حياتكم في نموِّها وقوّتها، {و اُشْكُرُوا لِلّهِ} على هذه النِّعم الّتي لا تعدُّ ولا تحصى، ممّا يبني لكم أجسادكم وعقولكم، ويسهِّل لكم حياتكم ويكفل لكم الاستقرار، {إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تعْبُدُون} ؛ لأنّ من وسائل العبادة التّعبير عن الشُّكر للنِّعم الإلهيّة بمختلف الوسائل الّتي تمثِّل الاعتراف بالمنّة الإلهيّة في ما أعطاه سبحانه. ‏

{إِنّما حرّم عليْكُمُ الْميْتة} ، أي: أكلها. والظّاهر أنّ المراد بالميتة ما مات حتف أنفه؛ بقرينة مقابلته - في هذه الآية - بما {أُهِلّ بِهِ لِغيْرِ اللّهِ} ، ممّا هو داخلٌ في التّذكية غير الشّرعيّة؛ لفقدانه للتّسمية، أو للتّسمية عليه بغير اسم الله. كما أنّ الميتة ذُكرت في سورة المائدة في مقابل ما أُهلّ لغير الله به، والمنخنقةِ - وهي الّتي ماتت بالخنق-، والموقوذةِ - وهي المضروبة بخشبٍ أو حجر -، والمُتردِّيةِ- أي: الّتي تردّت من علوٍّ إلى بئرٍ فماتت -، ‏

‏والنّطيحةِ - وهي الّتي تنطحها أخرى، فتموت -؛ وذلك هو قوله تعالى: {حُرِّمتْ عليْكُمُ الْميْتةُ و الدّمُ و لحْمُ الْخِنْزِيرِ و ما أُهِلّ لِغيْرِ اللّهِ بِهِ و الْمُنْخنِقةُ و الْموْقُوذةُ و الْمُتردِّيةُ و النّطِيحةُ و ما أكل السّبُعُ إِلاّ ما ذكّيْتُمْ و ما ذُبِح على النُّصُبِ و أنْ تسْتقْسِمُوا بِالْأزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3]. ‏

‏وهذا هو ما يُستفاد من الحديث المرويِّ عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام في بيان حكمة تحريم الميتة قال: «أمّا الميتة فإنّه لا يُدمنها أحدٌ إلاّ ضعُف بدنه، ونحل جسمه، وذهبت قوّته، وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلاّ فجأة»‏7‏ ؛ فإنّ هذه الخصائص السّلبيّة من مستلزمات الموت حتف الأنف، لا من خصائص الفاقد لبعض شروط التّذكية الشّرعيّة. أمّا إلحاق غير المذكّى بالميتة في الحرمة، فهو من خلال ما قد يُستفاد من آية المائدة، أو من الأحاديث الواردة في السُّنّة الشّريفة. ‏

{ و الدّم } وقد ذكر البعض‏‏8‏ أنّ الدّم وسطٌ مستعدٌّ لتكاثر أنواع الميكروبات، فالميكروبات الّتي تدخل البدن تتّجه أوّل ما تتّجه إلى الدّم، وتتّخذه مركزًا لنشاطها. ولذلك اتّخذت الكريات البيضاء مواقعها في الدّم للوقوف بوجه توغُّل هذه الأحياء المجهريّة في الدّم المرتبط بكلِّ أجزاء الجسم، وحين يتوقّف الدّم عن الحركة وتنشلُّ الحياة فيه، يتوقف نشاط الكريات البيض أيضًا، ويصبح الدّم بذلك وسطًا صالحًا لتكاثر الميكروبات من دون أن تواجه عقبةً في التّكاثر. ولذلك نستطيع أن نقول: إنّ الدّم حين يتوقّف عن الحركة يكون أكثر أجزاء جسم الإنسان والحيوان تلوُّثًا. ‏

‏ومن جهةٍ أخرى، ثبت اليوم في علم الأغذية، أنّ الأغذية لها تأثيرٌ على الأخلاق والمعنويّات، عن طريق التّأثير في الغُدد وإيجاد الهرمونات. ومنذ القديم ثبت تأثير شرب الدّم على تشديد قسوة الإنسان. وقد جاء في تتمّة الرِّواية السّابقة عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام قوله: «وأمّا الدّم فإنّه يورث آكله الماء الأصفر، ويُبخِرُ الفم، ويُنتِنُ الرِّيح، ويُسي‏ء الخُلُق، ويورث الكلب والقسوة في القلب، وقلّة الرّأفة والرّحمة، حتّى لا يُؤْمن أن يقتل ولده ووالديه، ولا يُؤْمن على حميمه، ولا يؤمن على من يصحبه». ‏

{و لحْم الْخِنْزِيرِ} . وقد ذُكر‏9‏ أنّه يشتمل على بعض الدِّيدان الخطرة على الصِّحّة العامّة للإنسان، من خلال طبيعتها الضّارّة، ومنها دودة التّريشين [{‏‎L Treichine L‎‏} ]الّتي تعيش في لحم هذا الحيوان وتتكاثر بسرعةٍ مدهشةٍ، وتضع في الشّهر خمسة عشر ألف بيضة، وتسبِّب للإنسان أمراضًا متنوِّعة، كفقر الدّم، والغثيان، والحمّى خاصّةً، والإسهال، وآلام المفاصل، وتوتُّر الأعصاب، والحكّة، وتجمُّع الشُّحوم داخل البدن، والإحساس بالتّعب، وصعوبة مضغ الطّعام وبلعه والتّنفس و...، وقد يوجد في كيلو واحد من لحم الخنزير 400 مليون دودة من هذه الدِّيدان. ويضيفون إلى مضارِّه تأثيره في التّحلُّل الجنسيِّ للإنسان. ‏

{و ما أُهِلّ بِهِ لِغيْرِ اللّهِ} . وهو الحيوان الّذي يُذبح على اسم غير اسم الله، كالأصنام ونحوها ممّا يعبده المشركون. ولعلّ التّحريم في هذا النّوع ناشئٌ من العناصر الرُّوحيّة التّربويّة؛ لأنّ الله يريد للإنسان أن ينطلق في استحلاله للحيوانات من خلال اسم الله، ليعيش في نفسه أنّ الانطلاق من اسم الله تعالى هو الأساس في كلِّ حركته الغذائيّة في الحياة. ‏

{فمنِ اُضْطُرّ} ، بأن توقّفت حياته على أكل هذه المحرّمات، أو استلزم تركها الوقوع في حرجٍ شديدٍ لا يُتحمّل عادةً في الواقع الطّبيعيِّ للإنسان، ممّا يصدق عليه مفهوم الاضطرار عرفًا. { غيْر باغٍ } أي: ظالم سائرٍ في طريق البغي، أو متجاوزٍ للحدود المرسومة له في حركته في سفره أو حضرِه، أو باغٍ على السُّلطة الشّرعيّة. { و لا عادٍ } أي: غاصبٍ، أو سارقٍ، أو عاصٍ آخذٍ بالمعصية، أو معتدٍ على العباد، {فلا إِثْم عليْهِ} ؛ لأنّ الله أحلّ الحرام للمضطرِّ، ولم يجعل في دينه حرجًا على النّاس. ‏

‏والوجه في استثناء الباغي والعادي، هو أنّ الإباحة للمضطرِّ تمثِّل لطفًا من الله بعباده ورحمةً لهم، فلا ينالها إلاّ الإنسان الّذي لا يحارب الله ورسوله، ولا يتعدّى حدوده في طريق اضطراره، فلو كان اضطراره في خطِّ البغي والعدوان لم يكن معذورًا، بل يزداد إثمًا. وهذا كما في وجوب الإتمام في السّفر على من كان عاصيًا في سفره؛ لأنّه لا يستحقُّ اللُّطف بالتّخفيف في الصّلاة بالقصر في السّفر. ‏

{إِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ} ، فالرُّخصة فيه مظهرٌ لعفوه ومغفرته، من باب رفع موضوع الذّنب بالطّريقة الّتي تلتقي فيها بالمغفرة. والله العالم. ‏

‏ وجه حصر المحرّمات في الأربعة ‏

‏وقد يثور أمامنا سؤالٌ: ما معنى هذا الحصر للمحرّمات في هذه الآية، الّتي تلتقي بالآية الأخرى في سورة الأنعام: {قُلْ لا أجِدُ فِي ما أُوحِي إِليّ مُحرّماً على‏ طاعِمٍ يطْعمُهُ إِلاّ أنْ يكُون ميْتةً أوْ دماً مسْفُوحاً أوْ لحْم خِنزِيرٍ فإِنّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقاً أُهِلّ لِغيْرِ} ـ ‏

{اللّهِ بِهِ فمنِ اُضْطُرّ غيْر باغٍ و لا عادٍ فإِنّ ربّك غفُورٌ رحِيمٌ} [الأنعام: 145]، مع أنّ المحرّمات - ولا سيّما في اللُّحوم - كثيرةٌ جدًّا، كما في الكلب والحشرات والسِّباع، وغيرها؟ ‏

‏والجواب: إنّ القضيّة قد تكون واردةً في مورد الحصر الإضافيِّ، الّذي ينظر إلى بعض الأمور الّتي كان يثيرها أهل الكتاب ممّا هو حلالٌ في شرع الله، فيحكمون بتحريمها، غير مستندين في ذلك إلى حجّةٍ صحيحةٍ. فهي واردةٌ في مجال نفي تحريم ما حرّموه وإثبات تحريم هذه الأمور الّتي كانوا يأكلونها عند قلّة الطّعام - كما قيل‏‏10‏ -، فكأنّه يقول: إنّ المحرّمات هي هذه، لا ما حرّموه من اللُّحوم الطّيِّبة، وليس المقصود أنّ هذه المحرّمات هي وحدها الّتي تعلّق بها التّحريم لا غيرها، مطلقًا، كما هو الحصر الحقيقيُّ. فكانت هاتان الآيتان من أجل إيضاح الحقِّ في ما هو حلالٌ وحرامٌ ممّا أوحى الله به إلى نبيِّه محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم . وهذا لا ينفي أن تكون هناك محرّماتٌ أخرى لم تقع موضوع النِّزاع والخلاف بينهم، فلذلك لا مجال للدُّخول في عمليّة النّفي والإثبات من جهتها. ‏

‏ولعلّ هذا الجواب أفضل ممّا ذهب إليه البعض من المفسِّرين‏‏11‏، الّذين اعتبروا الأسلوب القرآنيّ واردًا في مورد العامِّ والخاصِّ، حيث يأتي المتكلِّم بلفظٍ عامٍّ مثبتٍ أو منفيٍّ، ثمّ يُتبعه بالتّخصيص في دليلٍ آخر؛ لأنّ طبيعة الجوِّ في هذه الآية أو تلك لا توحي بوجود حالةٍ منتظرةٍ في ما بعد ذلك. ‏

‏وقد يُؤيّد ما أجبنا به بالآية اللاّحقة الّتي تحدّثت عن أهل الكتاب وكتمانهم ما أنزل الله فيه، من حلاله وحرامه؛ فإنّ في هذا إيحاءً بأنّ حصر المحرّمات بالأربعة إنّما هو جارٍ على أساس الرّدِّ على ما أثاره أهل الكتاب من المحرّمات من عند أنفسهم. والله العالم. ‏

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‏1.‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 544.‏

‏2.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 475.‏

‏3.‏‏السّيِّد الطّباطبائي، الميزان، م. س، ج 1، ص 426.‏

‏4.‏‏الرّاغب الأصفهاني، م. ن، ص 327.‏

‏5.‏‏انظر: الشّيخ الطُّوسي، التِّبيان، م. س، ج 2، ص 86. الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص‏476 - 477.‏

‏6.‏‏ورد في: الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 3، ص 438، ح 7، عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام - في قول الله عزّ وجلّ: {فمنِ اُضْطُرّ غيْر باغٍ و لا عادٍ} - قال: «الباغي: باغي الصّيد، والعادي: السّارق. وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها، هي عليهما حرامٌ، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصِّرا في الصّلاة». راجع أيضًا: م. ن، ج 6، ص 265، باب ذكر الباغي والعادي، ح 1.‏

‏7.‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 6، ص 242، ح 1.‏

‏8.‏‏الشّيخ الشِّيرازي، الأمثل، م. س، ج 1، ص 488.‏

‏9.‏‏م. ن، ص 489.‏

‏10.‏‏انظر: الشّيخ الشِّيرازي، الأمثل، م. س، ج 1، ص 486. الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج 14، ص‏246.‏

‏11.‏‏انظر: الفاضل المقداد، جمال الدِّين المقداد بن عبدالله السّيوري (ت‏826هـ-)، كنز العرفان في فقه القرآن، ط 1، تحقيق السّيِّد محمد القاضي، نشر المجمع العالمي للتّقريب بين المذاهب الإسلاميّة في إيران، 1419 هـ-، ج 2، ص 303.‏

‎ ‎

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير