كتابات
27/07/2023

الإسلام ومثليّو الجنس

الإسلام ومثليو الجنس

يرفض الإسلام الزواج المثليّ، بحسب المصطلح الآن، رفضاً مطلقاً، ويعتبر أنَّ هذه العلاقة علاقة تتضمَّن المعصية لله سبحانه وتعالى بشكلٍ كبير، بحيث تعدُّ من الكبائر الَّتي يستحقّ الإنسان عليها عقاب الله سبحانه وتعالى، بما في ذلك دخول النَّار، ويتمثَّل هذا العنوان في دائرتين:

1- دائرة الشّذوذ الجنسي الّذي يسمَّى اللّواط.

2- والدائرة الثَّانية، دائرة الشّذوذ الجنسي المؤنَّث، والَّذي يسمَّى السحاق.

في اللّواط، نحن نعرف أنَّ هناك نصّاً قرآنيّاً يتعرَّض لقوم في التاريخ أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم نبيّاً هو لوط، وكان من بعض ما قالة لهم بحسب القرآن الكريم: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ}[الأعراف: 81]، وقد واجه هذا النَّبيّ في دعوته قومه إلى ترك هذه العلاقة الكثير، حتى أدَّى الأمر إلى أن يعاقبهم الله بالعذاب في الدنيا.

أمَّا الدائرة الثَّانية، فهي دائرة السُّحاق، وهي علاقة الأنثى بالأنثى جنسياً، وهي تساوي في التَّشريع الإسلامي الزنا الَّذي يستحقّ عليه الطَّرفان أيضاً العقوبة.

الإعدادُ الجسديُّ للعلاقة

وعندما ندرس المسألة من حيث طبيعتها، نجد أنَّ المسألة الجنسيَّة ليست مجرَّد مسألة مزاجيَّة يمكن للإنسان أن يختار في ممارستها ما يحلو له، بل هي مسألة واقعيَّة، لأنَّ قضيَّة الجنس بين شخصين ترتبط بالإعداد الجسدي لحركيَّة هذه العلاقة، وذلك من خلال طبيعة العضوين الجنسيّين لدى الرَّجل والمرأة. فنحن نعرف أنَّ العضو الجنسيَّ للمرأة معدٌّ إعداداً طبيعياً لاستقبال العضو الجنسي للرَّجل، من حيث طبيعة حركة العضو الجنسي للمرأة في تمدّده، وفي العناصر الموجودة داخله لاستقبال العضو الجنسي للرَّجل، بحيث يمكن أن يحصل التفاعل على مستوى اللذَّة وإطفاء الشَّهوة، والوصول إلى نتيجة هذا النَّوع من الاتحاد بينهما، والَّذي يحمل أيضاً في طبيعته الشكليَّة هذا النَّوع من التلاقي بين الرَّجل والمرأة؛ الوجه بالوجه، والجسد بالجسد، بحيث ينفعل كلّ واحد منهما بالآخر، بحيث يذوب في الآخر أو يلبس الآخر، كما عبَّر القرآن الكريم في تعبير لافت: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}[البقرة: 187]. فالرجل يلبس المرأة عندما يحتضنها، وهي تلبس الرَّجل عندما تحتضنه وتتَّحد به في عمليَّة تداخل هذا العضو بذلك العضو.    

حالةُ اللّواط

أمّا الشذوذ الجنسي المذكَّر، فإنَّنا نجد أنَّ العضو الذي تمارس فيه هذه العلاقة، ليس معدَّاً في طبيعته لاستقبال عضو الرَّجل الجنسيّ، وخصوصاً من جهة ضيق المكان والآلام الملازمة، بحيث يحتاج الأمر إلى ما يشبه العمليَّة الجراحيَّة لايجإد مكان يمكن أن يتحرَّك فيه العضو الجنسيّ للرَّجل، هذا فضلاً عن أنَّ هذا العضو الَّذي أعدَّ لإخراج الغائط من الرَّجل، يعطي نوعاً من أنواع التقزّز النفسي بشكل طبيعي، إلَّا إذا عاش الإنسان في حالة غيبوبة عنه بفعل اللّذَّة التى يحصل عليها، أو بفعل العادة الَّتي ربما يكون قد خضع لها من الناحية النفسيَّة أو من نواح أخرى محيطة بظروفه الجنسيَّة، كما أنَّه لا يحدث هناك تفاعل كبير بالمعنى الجسديّ بين الرَّجل والرَّجل الآخر، مساوٍ في حجمه وطبيعته للتَّفاعل بين الرجل والمرأة، لتكون المسألة مجرَّد حالة يقذف فيها الرَّجل في دبر الرَّجل الآخر نطفته، من دون أيِّ تفاعلٍ روحيّ ونفسيّ في هذا المجال.

إنَّ العمليَّة الجنسيَّة الطبيعيَّة تجعل الطَّرفين فاعلاً ومنفعلاً في العمليَّة الجنسيَّة، ولو كان ذلك من جهة هذا التجاذب الرّوحيّ والتجاذب الشَّهوي المشترك فيما بينهما، إنها تمثل حالة شراكة بين الطَّرفين، بينما لا تمثّل حالة اللّواط ذلك، وذلك إضافةً إلى ما قد اكتشفه الطبّ أخيراً، من أنَّ الشّذوذ الجنسيّ المذكَّر قد يساهم في إيجاد بعض الأمراض المعروفة، كالسيدا، وما إلى ذلك، بفعل بعض التفاعلات التي يعرّفها الطبّ في هذا المجال.

حالةُ السّحاق

وكذلك نجد أنَّ السّحاق بين المرأة والمرأة يمثِّل نوعاً من أنواع تقمّص إحدى المرأتين لدور الرَّجل، لتكون المرأة الثانية تعيش أنوثتها. ولكنَّ المسألة لا تمثِّل نوعاً من أنواع الوضع الطبيعي للعلاقة الجنسيَّة، لأنها تكون مجرَّد احتكاك جسدٍ بجسد، ولا تكون مسألة اتحاد الجسد بجسد. وإذا كانت بعض النّساء يستخدمن العضو الصّناعي للرَّجل، فإنَّ ذلك لا يعني مسألة طبيعيَّة فيما هو الشَّخص الّذي يمثّل دور الرّجل، أو الشخص الذي يمثَّل دور المرأة في العمليَّة الجنسيَّة.

لذلك، فالوضع لا يستطيع أن يحقِّق هذا النَّوع من الحصول على عمق الإحساس الجنسيّ بالشَّكل الَّذي يمثِّل الاندماج والاتحاد والوصول إلى ما يمثِّله الجنس، عندما يتصاعد في الإحساس الإنسانيّ إلى مستوى ما يسمَّى القمَّة وما إلى ذلك.

ولذلك، فإنَّ المسألة تنطلق من ظروف معيَّنة لدى الرَّجل والمرأة قد لا تكون طبيعيَّة في كثير من الحالات، وقد تكون مرضيَّة في بعض الحالات. وهكذا نلاحظ أنَّها لا تمثِّل أيَّ نتاج في ما أعدَّ له الرَّجل والمرأة من مسألة التَّناسل الَّذي هو أمر طبيعيّ فى النموّ الإنساني في امتداده وما إلى ذلك، لتعود المسألة الجنسيَّة مجرَّد مسألة ذاتيَّة تماماً، تنطلق من عناصر ذاتيَّة معيَّنة في هذا المجال.

رغباتٌ مزاجيّةٌ ومرضيَّة

وإذا كان الغرب قد أدخل هذه المسألة في العلاقات الإنسانيَّة التى يحاول أن يجعلها قانونيَّة في تشريع الزواج المثلي، فإنَّنا نتصوَّر أنَّ هذا الزواج لا يمثِّل معناه الإنساني في اندماج إنسان بإنسان، ومشاركة إنسان لإنسان بالمعني الجسديّ، إنَّما مجرَّد حالات نفسيَّة يخيَّل فيها إلى هذا الطَّرف أنّه زوج للطَّرف الآخر، والعكس صحيح. لهذا نعتقد أنَّ العلاقات الإنسانيّة لا تنطلق من مجرّد حالات مزاجيّة تتحرَّك في نطاق الرغبات الطارئة للإنسان، أو الرغبات المرضيَّة للإنسان، فلا بدَّ من أن ترتكز على حالة في واقع التكوين الإنساني الّذي تلتقي فيه الرغبة الطبيعيَّة بالتكوين الواقعي في هذا المجال.

ولذلك، فنحن لا نرفض هذه المسألة من ناحية دينيَّة على مستوى التّعبّد، ولكنّنا نفلسفها من خلال الواقع الطّبيعيّ للإنسان في مسألة اللّذّة وما إلى ذلك.

إنَّ هذا قد يشبه في بعض الحالات الجنس الفموي الَّذي يحاول فيه الرّجل مثلاً أن يمارس عمليَّة القذف في فم المرأة، ما قد يمثِّل حالة سلبيَّة بالنّسبة إلى المرأة في استقبالها لعضو الرَّجل، لأنَّ الفم لم يوضع لذلك. إنَّنا نعتقد أنَّ تكوين الإنسان الجسدي في تنوّع الرجل والمرأة قد أعدَّ لمثل هذا، إن من خلال الوصول باللَّذَّة إلى مستوى القمَّة الذي يطفئ عطش الرَّجل والمرأة للشَّهوة، وأيضاً من أجل امتداد النّموّ الإنساني في هذا أو ذاك.

تحريمُ الزّواجِ المثليّ

وإذا كان هناك من يعتبر أنَّ التحريم الشرعي للزواج المثلي يمسّ بحريَّة الاختيار الإنساني، فإنَّنا نرى أنَّه في ضوء خروج هذا الزواج عن سنَّة التكوين والطبيعة، والأضرار الروحيَّة والمعنويَّة والجسديَّة الّتي يلحقها بالإنسان، فضلاً عن تشويه جمال الصّورة الإنسانيَّة نفسها... إضافةً إلى الأسباب التي ذكرنا، فإنَّ الدين يلحظ المصالح الإنسانيَّة العامَّة في تشريعاته، فيحرِّم هذا الزَّواج لحماية الإنسان من نفسه ومن الغير، ولا يخضع في ذلك لبعض الحالات الطارئة، مرضيّة أو مزاجيّة، على الرّغم من حرصه على سلامة أصحاب هذه الحالات، ودعوته إلى معالجتهم نفسيّاً وبيولوجيّاً.

من خصائص علاقة الله بالإنسان ولطفه به ورحمته له، أنَّه يحميه من نفسه كما يحميه من الآخرين، فالله سبحانه وتعالى لا يرضى لإنسان أن يظلم إنساناً في كلّ شؤونه، وهو في الوقت نفسه، لا يرضى للإنسان أن يقتل نفسه، وذلك قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[البقرة: 195]. حتى إنَّنا نجد في هذه الآية والنّصوص الأخرى رفضاً لما يسمَّى بالموت الرَّحيم، وأنَّ الإنسان لا يملك حريَّة اختيار أن يقتل نفسه، حتى لو كان ذلك تخلّصاً من بعض الآلام. وإذا أردنا أن نؤكِّد ذلك في العقيدة، فإنَّ الحياة هي ملك الله سبحانه وتعالى، وكما لا يجوز لنا أن نقتل أيَّ إنسانٍ إلا بالحقّ الَّذي أوصى به الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه، لأنَّه لا فرق بين نفس الانسان ونفس غيره في هذا التَّشريع.

كما أننا نستوحي من النصوص الدينيَّة المتنوّعة في الكتاب والسنَّة، أنه لا يجوز للإنسان أن يضرَّ نفسه الضَّرر البالغ، سواء كان ذلك في عقله أو في جسده أو ما إلى ذلك. ونحن نعرف أنَّ الكثير من التَّشريعات النَّاهية عن بعض الأعمال، انطلق من حرمة إضرار الإنسان بنفسه.

فالقضيَّة هي أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان حرَّاً في كلِّ حاجاته المشروعة، ولكنَّه لم يجعل له حريَّة الاختيار في الإساءة إلى نفسه، لأنَّ الحريَّة للإنسان إنما هي لحماية حياة الإنسان، ولتأكيد ما يصلحه في كلِّ أموره، فلا حريَّة له في ما يفسد أمره. ولعلَّنا نقدِّم وسيلة إيضاح في هذا المورد، هي أنَّنا مع أطفالنا، عندما نجد أنَّ الطفل يحاول أن يندفع إلى ما يحبّه ويرغبه ويشتهيه مما هو مضرٌّ له، فإنَّنا نتدخَّل بكلِّ قوَّة لمنعه من ذلك.

إنَّ الفرق بين الإسلام والقوانين الوضعيَّة، هو أنَّ القوانين الوضعيَّة لا تحترم في الإنسان ما يحمي إنسانيَّته، ولذلك فإنَّها لا تتدخَّل قانونياً في مسألة إقدام الإنسان على الانتحار، أو إقدام الإنسان على تناول ما يضرّه، وبذلك تسيء فهم معنى الحريَّة، لأنَّ قضيَّة الحريَّة هي تأكيد القيم الإيجابيَّة الإنسانيَّة للإنسان، فلا يمكن أن تسمح بإسقاط هذه القيم، واستبدال القيم السلبيَّة بها في هذا المجال.

وفي ضوء ذلك، فإنّنا لا نقصر قضيَّة تقييد الحريَّة بما اذا اصطدمت بحريَّة الإنسان الآخر، بل نضيف إليها قيداً آخر، وهو تقييد الحريَّة في ما إذا اصطدمت بحياة الإنسان نفسه في هذا المجال، إذ أيّ فرق بين حياة الإنسان في أصل وجوده وحياة الإنسان الآخر؟! وهكذا يمكن أن نشير إلى هذه النّقطة، وهي أنَّ القوانين التي تصنع لتقييد حركيَّة الإنسان في كثير من القضايا، فعلى أساس أنَّها تصدم مصلحة المجتمع. ونحن نتساءل: أيّ فرقٍ بين مصلحة المجتمع ومصلحة الحياة؟! إنَّ كلَّ القوانين تنطلق من أجل حماية الحياة، فكيف يمكن لنا أن نقنِّن قانوناً يسقط الحياة في ذاتيَّة الإنسان لنفسه لمجرَّد حالة يأس أو حالة ضيق؟!

أسبابٌ مرضيَّة!

ربما نتفهَّم قول بعض الأوساط العلميَّة بأنَّ الارتباط بالمثل لا يكون بناءً على حالة مزاجيَّة فحسب، بل ثمَّة أسباب جينيَّة بيولوجيَّة أو هرمونيَّة أو نفسيَّة ضاغطة خارجة عن إرادته، وليس له الطَّاقة على مواجهتها. لكنَّنا مع تأكيدنا دور الجينات في كثير من عناصر شخصيَّة الإنسان، أو في بعض جوانب حركيَّته، نعتقد أنها لا تمثِّل الحتميَّة التي تشلّ الإنسان عن تغييرها بطريقة وبأخرى، ونحن نعرف أنَّ الإنسان يمكن أن يتدخَّل في بعض شؤون هذه الجينات وغيرها من الحالات الهرمونيّة أو النفسيّة، ويتصرَّف فيها بطريقة علميَّة موضوعيَّة، وذلك بما يؤدّي إلى علاج الحالات المرضيَّة.

لهذا، فإنَّنا لا نعتقد أنَّ بعض تأثيرات هذه الجينات وغيرها من الأسباب المرضيَّة يمكن أن تشلَّ قدرة الإنسان عن عمليَّة السيطرة على هذا الفعل وذاك، وإذا كانت المسألة تواجه جهداً، فإننا نعرف أنَّ الكثير من علاج الأمراض النفسيَّة أو علاج الأمراض الجسديَّة يمثّل جهداً كبيراً قد يستوعب الكثير من أوضاع الإنسان في حياته.

إنَّ القضية هي أنّ الإرادة الإنسانيَّة تتحدَّى حالة الاستسلام لما يمكن أن يقتل في الإنسان ذاته، أو يقتل في الإنسان قيمه، أو يفسد على الإنسان مبادئه وأوضاعه. لذلك، إنَّ الجينات قد تهيِّئ المناخ لبعض الأمور السلبيَّة في عمل الإنسان، لكنَّها لا تصادر المناخ كلَّه، وتبقى الإرادة الإنسانيَّة المتحركة في خطِّ العقل الإنساني، وفي الوسائل الَّتي يمكن للإنسان أن يستخدمها من أجل تغيير نفسه أو تغيير بعض أوضاعه.

وأخيراً، قد يكون التَّحريم أو المنع هو خطوة أولى في طريق مساعدة هذا الإنسان للعمل على معالجة نفسه، حيث من الطبيعي أنَّ الممنوعات الشرعيَّة تمثِّل عمليَّة إيحائيَّة للإنسان بأنَّ انسانيَّتك هي أقوى من كثير من المؤثّرات الكامنة في بعض عناصر ذاتيّاتك الوراثيَّة او الجينيَّة، لأنَّ الإنسان الَّذي جعل الله سبحانه وتعالى له المسؤوليَّة في أن يحكم الكون، كيف لا يتمكَّن من أن يحكم نفسه؟!


* المقال منشور في جريدة النَّهار، بتاريخ: 25 تمّوز 2004م.

يرفض الإسلام الزواج المثليّ، بحسب المصطلح الآن، رفضاً مطلقاً، ويعتبر أنَّ هذه العلاقة علاقة تتضمَّن المعصية لله سبحانه وتعالى بشكلٍ كبير، بحيث تعدُّ من الكبائر الَّتي يستحقّ الإنسان عليها عقاب الله سبحانه وتعالى، بما في ذلك دخول النَّار، ويتمثَّل هذا العنوان في دائرتين:

1- دائرة الشّذوذ الجنسي الّذي يسمَّى اللّواط.

2- والدائرة الثَّانية، دائرة الشّذوذ الجنسي المؤنَّث، والَّذي يسمَّى السحاق.

في اللّواط، نحن نعرف أنَّ هناك نصّاً قرآنيّاً يتعرَّض لقوم في التاريخ أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم نبيّاً هو لوط، وكان من بعض ما قالة لهم بحسب القرآن الكريم: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ}[الأعراف: 81]، وقد واجه هذا النَّبيّ في دعوته قومه إلى ترك هذه العلاقة الكثير، حتى أدَّى الأمر إلى أن يعاقبهم الله بالعذاب في الدنيا.

أمَّا الدائرة الثَّانية، فهي دائرة السُّحاق، وهي علاقة الأنثى بالأنثى جنسياً، وهي تساوي في التَّشريع الإسلامي الزنا الَّذي يستحقّ عليه الطَّرفان أيضاً العقوبة.

الإعدادُ الجسديُّ للعلاقة

وعندما ندرس المسألة من حيث طبيعتها، نجد أنَّ المسألة الجنسيَّة ليست مجرَّد مسألة مزاجيَّة يمكن للإنسان أن يختار في ممارستها ما يحلو له، بل هي مسألة واقعيَّة، لأنَّ قضيَّة الجنس بين شخصين ترتبط بالإعداد الجسدي لحركيَّة هذه العلاقة، وذلك من خلال طبيعة العضوين الجنسيّين لدى الرَّجل والمرأة. فنحن نعرف أنَّ العضو الجنسيَّ للمرأة معدٌّ إعداداً طبيعياً لاستقبال العضو الجنسي للرَّجل، من حيث طبيعة حركة العضو الجنسي للمرأة في تمدّده، وفي العناصر الموجودة داخله لاستقبال العضو الجنسي للرَّجل، بحيث يمكن أن يحصل التفاعل على مستوى اللذَّة وإطفاء الشَّهوة، والوصول إلى نتيجة هذا النَّوع من الاتحاد بينهما، والَّذي يحمل أيضاً في طبيعته الشكليَّة هذا النَّوع من التلاقي بين الرَّجل والمرأة؛ الوجه بالوجه، والجسد بالجسد، بحيث ينفعل كلّ واحد منهما بالآخر، بحيث يذوب في الآخر أو يلبس الآخر، كما عبَّر القرآن الكريم في تعبير لافت: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}[البقرة: 187]. فالرجل يلبس المرأة عندما يحتضنها، وهي تلبس الرَّجل عندما تحتضنه وتتَّحد به في عمليَّة تداخل هذا العضو بذلك العضو.    

حالةُ اللّواط

أمّا الشذوذ الجنسي المذكَّر، فإنَّنا نجد أنَّ العضو الذي تمارس فيه هذه العلاقة، ليس معدَّاً في طبيعته لاستقبال عضو الرَّجل الجنسيّ، وخصوصاً من جهة ضيق المكان والآلام الملازمة، بحيث يحتاج الأمر إلى ما يشبه العمليَّة الجراحيَّة لايجإد مكان يمكن أن يتحرَّك فيه العضو الجنسيّ للرَّجل، هذا فضلاً عن أنَّ هذا العضو الَّذي أعدَّ لإخراج الغائط من الرَّجل، يعطي نوعاً من أنواع التقزّز النفسي بشكل طبيعي، إلَّا إذا عاش الإنسان في حالة غيبوبة عنه بفعل اللّذَّة التى يحصل عليها، أو بفعل العادة الَّتي ربما يكون قد خضع لها من الناحية النفسيَّة أو من نواح أخرى محيطة بظروفه الجنسيَّة، كما أنَّه لا يحدث هناك تفاعل كبير بالمعنى الجسديّ بين الرَّجل والرَّجل الآخر، مساوٍ في حجمه وطبيعته للتَّفاعل بين الرجل والمرأة، لتكون المسألة مجرَّد حالة يقذف فيها الرَّجل في دبر الرَّجل الآخر نطفته، من دون أيِّ تفاعلٍ روحيّ ونفسيّ في هذا المجال.

إنَّ العمليَّة الجنسيَّة الطبيعيَّة تجعل الطَّرفين فاعلاً ومنفعلاً في العمليَّة الجنسيَّة، ولو كان ذلك من جهة هذا التجاذب الرّوحيّ والتجاذب الشَّهوي المشترك فيما بينهما، إنها تمثل حالة شراكة بين الطَّرفين، بينما لا تمثّل حالة اللّواط ذلك، وذلك إضافةً إلى ما قد اكتشفه الطبّ أخيراً، من أنَّ الشّذوذ الجنسيّ المذكَّر قد يساهم في إيجاد بعض الأمراض المعروفة، كالسيدا، وما إلى ذلك، بفعل بعض التفاعلات التي يعرّفها الطبّ في هذا المجال.

حالةُ السّحاق

وكذلك نجد أنَّ السّحاق بين المرأة والمرأة يمثِّل نوعاً من أنواع تقمّص إحدى المرأتين لدور الرَّجل، لتكون المرأة الثانية تعيش أنوثتها. ولكنَّ المسألة لا تمثِّل نوعاً من أنواع الوضع الطبيعي للعلاقة الجنسيَّة، لأنها تكون مجرَّد احتكاك جسدٍ بجسد، ولا تكون مسألة اتحاد الجسد بجسد. وإذا كانت بعض النّساء يستخدمن العضو الصّناعي للرَّجل، فإنَّ ذلك لا يعني مسألة طبيعيَّة فيما هو الشَّخص الّذي يمثّل دور الرّجل، أو الشخص الذي يمثَّل دور المرأة في العمليَّة الجنسيَّة.

لذلك، فالوضع لا يستطيع أن يحقِّق هذا النَّوع من الحصول على عمق الإحساس الجنسيّ بالشَّكل الَّذي يمثِّل الاندماج والاتحاد والوصول إلى ما يمثِّله الجنس، عندما يتصاعد في الإحساس الإنسانيّ إلى مستوى ما يسمَّى القمَّة وما إلى ذلك.

ولذلك، فإنَّ المسألة تنطلق من ظروف معيَّنة لدى الرَّجل والمرأة قد لا تكون طبيعيَّة في كثير من الحالات، وقد تكون مرضيَّة في بعض الحالات. وهكذا نلاحظ أنَّها لا تمثِّل أيَّ نتاج في ما أعدَّ له الرَّجل والمرأة من مسألة التَّناسل الَّذي هو أمر طبيعيّ فى النموّ الإنساني في امتداده وما إلى ذلك، لتعود المسألة الجنسيَّة مجرَّد مسألة ذاتيَّة تماماً، تنطلق من عناصر ذاتيَّة معيَّنة في هذا المجال.

رغباتٌ مزاجيّةٌ ومرضيَّة

وإذا كان الغرب قد أدخل هذه المسألة في العلاقات الإنسانيَّة التى يحاول أن يجعلها قانونيَّة في تشريع الزواج المثلي، فإنَّنا نتصوَّر أنَّ هذا الزواج لا يمثِّل معناه الإنساني في اندماج إنسان بإنسان، ومشاركة إنسان لإنسان بالمعني الجسديّ، إنَّما مجرَّد حالات نفسيَّة يخيَّل فيها إلى هذا الطَّرف أنّه زوج للطَّرف الآخر، والعكس صحيح. لهذا نعتقد أنَّ العلاقات الإنسانيّة لا تنطلق من مجرّد حالات مزاجيّة تتحرَّك في نطاق الرغبات الطارئة للإنسان، أو الرغبات المرضيَّة للإنسان، فلا بدَّ من أن ترتكز على حالة في واقع التكوين الإنساني الّذي تلتقي فيه الرغبة الطبيعيَّة بالتكوين الواقعي في هذا المجال.

ولذلك، فنحن لا نرفض هذه المسألة من ناحية دينيَّة على مستوى التّعبّد، ولكنّنا نفلسفها من خلال الواقع الطّبيعيّ للإنسان في مسألة اللّذّة وما إلى ذلك.

إنَّ هذا قد يشبه في بعض الحالات الجنس الفموي الَّذي يحاول فيه الرّجل مثلاً أن يمارس عمليَّة القذف في فم المرأة، ما قد يمثِّل حالة سلبيَّة بالنّسبة إلى المرأة في استقبالها لعضو الرَّجل، لأنَّ الفم لم يوضع لذلك. إنَّنا نعتقد أنَّ تكوين الإنسان الجسدي في تنوّع الرجل والمرأة قد أعدَّ لمثل هذا، إن من خلال الوصول باللَّذَّة إلى مستوى القمَّة الذي يطفئ عطش الرَّجل والمرأة للشَّهوة، وأيضاً من أجل امتداد النّموّ الإنساني في هذا أو ذاك.

تحريمُ الزّواجِ المثليّ

وإذا كان هناك من يعتبر أنَّ التحريم الشرعي للزواج المثلي يمسّ بحريَّة الاختيار الإنساني، فإنَّنا نرى أنَّه في ضوء خروج هذا الزواج عن سنَّة التكوين والطبيعة، والأضرار الروحيَّة والمعنويَّة والجسديَّة الّتي يلحقها بالإنسان، فضلاً عن تشويه جمال الصّورة الإنسانيَّة نفسها... إضافةً إلى الأسباب التي ذكرنا، فإنَّ الدين يلحظ المصالح الإنسانيَّة العامَّة في تشريعاته، فيحرِّم هذا الزَّواج لحماية الإنسان من نفسه ومن الغير، ولا يخضع في ذلك لبعض الحالات الطارئة، مرضيّة أو مزاجيّة، على الرّغم من حرصه على سلامة أصحاب هذه الحالات، ودعوته إلى معالجتهم نفسيّاً وبيولوجيّاً.

من خصائص علاقة الله بالإنسان ولطفه به ورحمته له، أنَّه يحميه من نفسه كما يحميه من الآخرين، فالله سبحانه وتعالى لا يرضى لإنسان أن يظلم إنساناً في كلّ شؤونه، وهو في الوقت نفسه، لا يرضى للإنسان أن يقتل نفسه، وذلك قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[البقرة: 195]. حتى إنَّنا نجد في هذه الآية والنّصوص الأخرى رفضاً لما يسمَّى بالموت الرَّحيم، وأنَّ الإنسان لا يملك حريَّة اختيار أن يقتل نفسه، حتى لو كان ذلك تخلّصاً من بعض الآلام. وإذا أردنا أن نؤكِّد ذلك في العقيدة، فإنَّ الحياة هي ملك الله سبحانه وتعالى، وكما لا يجوز لنا أن نقتل أيَّ إنسانٍ إلا بالحقّ الَّذي أوصى به الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه، لأنَّه لا فرق بين نفس الانسان ونفس غيره في هذا التَّشريع.

كما أننا نستوحي من النصوص الدينيَّة المتنوّعة في الكتاب والسنَّة، أنه لا يجوز للإنسان أن يضرَّ نفسه الضَّرر البالغ، سواء كان ذلك في عقله أو في جسده أو ما إلى ذلك. ونحن نعرف أنَّ الكثير من التَّشريعات النَّاهية عن بعض الأعمال، انطلق من حرمة إضرار الإنسان بنفسه.

فالقضيَّة هي أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان حرَّاً في كلِّ حاجاته المشروعة، ولكنَّه لم يجعل له حريَّة الاختيار في الإساءة إلى نفسه، لأنَّ الحريَّة للإنسان إنما هي لحماية حياة الإنسان، ولتأكيد ما يصلحه في كلِّ أموره، فلا حريَّة له في ما يفسد أمره. ولعلَّنا نقدِّم وسيلة إيضاح في هذا المورد، هي أنَّنا مع أطفالنا، عندما نجد أنَّ الطفل يحاول أن يندفع إلى ما يحبّه ويرغبه ويشتهيه مما هو مضرٌّ له، فإنَّنا نتدخَّل بكلِّ قوَّة لمنعه من ذلك.

إنَّ الفرق بين الإسلام والقوانين الوضعيَّة، هو أنَّ القوانين الوضعيَّة لا تحترم في الإنسان ما يحمي إنسانيَّته، ولذلك فإنَّها لا تتدخَّل قانونياً في مسألة إقدام الإنسان على الانتحار، أو إقدام الإنسان على تناول ما يضرّه، وبذلك تسيء فهم معنى الحريَّة، لأنَّ قضيَّة الحريَّة هي تأكيد القيم الإيجابيَّة الإنسانيَّة للإنسان، فلا يمكن أن تسمح بإسقاط هذه القيم، واستبدال القيم السلبيَّة بها في هذا المجال.

وفي ضوء ذلك، فإنّنا لا نقصر قضيَّة تقييد الحريَّة بما اذا اصطدمت بحريَّة الإنسان الآخر، بل نضيف إليها قيداً آخر، وهو تقييد الحريَّة في ما إذا اصطدمت بحياة الإنسان نفسه في هذا المجال، إذ أيّ فرق بين حياة الإنسان في أصل وجوده وحياة الإنسان الآخر؟! وهكذا يمكن أن نشير إلى هذه النّقطة، وهي أنَّ القوانين التي تصنع لتقييد حركيَّة الإنسان في كثير من القضايا، فعلى أساس أنَّها تصدم مصلحة المجتمع. ونحن نتساءل: أيّ فرقٍ بين مصلحة المجتمع ومصلحة الحياة؟! إنَّ كلَّ القوانين تنطلق من أجل حماية الحياة، فكيف يمكن لنا أن نقنِّن قانوناً يسقط الحياة في ذاتيَّة الإنسان لنفسه لمجرَّد حالة يأس أو حالة ضيق؟!

أسبابٌ مرضيَّة!

ربما نتفهَّم قول بعض الأوساط العلميَّة بأنَّ الارتباط بالمثل لا يكون بناءً على حالة مزاجيَّة فحسب، بل ثمَّة أسباب جينيَّة بيولوجيَّة أو هرمونيَّة أو نفسيَّة ضاغطة خارجة عن إرادته، وليس له الطَّاقة على مواجهتها. لكنَّنا مع تأكيدنا دور الجينات في كثير من عناصر شخصيَّة الإنسان، أو في بعض جوانب حركيَّته، نعتقد أنها لا تمثِّل الحتميَّة التي تشلّ الإنسان عن تغييرها بطريقة وبأخرى، ونحن نعرف أنَّ الإنسان يمكن أن يتدخَّل في بعض شؤون هذه الجينات وغيرها من الحالات الهرمونيّة أو النفسيّة، ويتصرَّف فيها بطريقة علميَّة موضوعيَّة، وذلك بما يؤدّي إلى علاج الحالات المرضيَّة.

لهذا، فإنَّنا لا نعتقد أنَّ بعض تأثيرات هذه الجينات وغيرها من الأسباب المرضيَّة يمكن أن تشلَّ قدرة الإنسان عن عمليَّة السيطرة على هذا الفعل وذاك، وإذا كانت المسألة تواجه جهداً، فإننا نعرف أنَّ الكثير من علاج الأمراض النفسيَّة أو علاج الأمراض الجسديَّة يمثّل جهداً كبيراً قد يستوعب الكثير من أوضاع الإنسان في حياته.

إنَّ القضية هي أنّ الإرادة الإنسانيَّة تتحدَّى حالة الاستسلام لما يمكن أن يقتل في الإنسان ذاته، أو يقتل في الإنسان قيمه، أو يفسد على الإنسان مبادئه وأوضاعه. لذلك، إنَّ الجينات قد تهيِّئ المناخ لبعض الأمور السلبيَّة في عمل الإنسان، لكنَّها لا تصادر المناخ كلَّه، وتبقى الإرادة الإنسانيَّة المتحركة في خطِّ العقل الإنساني، وفي الوسائل الَّتي يمكن للإنسان أن يستخدمها من أجل تغيير نفسه أو تغيير بعض أوضاعه.

وأخيراً، قد يكون التَّحريم أو المنع هو خطوة أولى في طريق مساعدة هذا الإنسان للعمل على معالجة نفسه، حيث من الطبيعي أنَّ الممنوعات الشرعيَّة تمثِّل عمليَّة إيحائيَّة للإنسان بأنَّ انسانيَّتك هي أقوى من كثير من المؤثّرات الكامنة في بعض عناصر ذاتيّاتك الوراثيَّة او الجينيَّة، لأنَّ الإنسان الَّذي جعل الله سبحانه وتعالى له المسؤوليَّة في أن يحكم الكون، كيف لا يتمكَّن من أن يحكم نفسه؟!


* المقال منشور في جريدة النَّهار، بتاريخ: 25 تمّوز 2004م.

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير