محاضرات
24/11/2023

أعظمُ الخيانةِ مؤازرةُ الظَّالمينَ والمستكبرينَ

العدالة

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، إذا كنتم مؤمنين، هذا هو إيحاء النِّداء {لاَ تَخُونُواْ الله}، وخيانة الله معصيته، وخيانته الانحراف عن خطِّه، وخيانته موالاة أعدائه ومعاداة أوليائه، وخيانةُ الله هي العمل مع الحركة التي تقوّي الكفر وتضعف الإسلام.
{لاَ تَخُونُواْ الله}، ولكن كما قال الله لبني إسرائيل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}[البقرة: 40] لأنَّ الإيمان هو عهدٌ بين الله وبين عباده، فأنت تعاهد الله من خلال إيمانك على أنَّك توحِّده ولا تشرك به شيئاً في الربوبيَّة والعبادة والطَّاعة، وأنّك تؤمن برسله وبرسالاته وباليوم الآخر، فإذا وفيت بعهد الله، فإنَّ الله يفي لكَ بعهده، بأنْ يرحمك في الدنيا والآخرة، وأن يمنحك رضوانه ومغفرته وعفوه ونعيمه في دار الخلد وفي دار السَّلام.
{لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ}، وخيانة الرَّسول تتمثَّل في عصيانه فيما بلّغه عن الله، وفيما شرَّعه بأمرٍ من الله، وفيما أوصى به، وفيما خطَّط له، وفي الأمانة الَّتي وضعها بين أيدينا.. وهي أمانة الإسلام، بأن نكون الدّعاة إليه بعد انتقاله إلى رحاب ربِّه، وأن نكون العاملين من أجله والمجاهدين في سبيله، وأن لا يضعف الإسلام أمامنا ونحن في حالة الاسترخاء، بل أن يكون الإسلام مسؤوليَّتنا في عقيدته بأن نحمي عقيدته، وفي شريعته بأنْ نعمل على تركيزها في حياتنا العامَّة والخاصَّة، وفي كلّ أهدافه فيما يريد الله للحياة أن تقوم على العدل، وعلى الحريَّة، وعلى العزّة والكرامة.
{وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[الأنفال: 27]، وللنَّاس أمانات بعضهم مع بعض، فكلّ عقد من العقود في أيّ شأن من الشّؤون الماليّة أو الزوجيّة أو في الشؤون السياسيّة، أيّ عقد بينك وبين إنسان آخر إذا كان مستجمعاً للشروط الشرعيّة، فإنّه أمانة الله عندك، وأمانة النَّاس عندك.
أمانة الله عندك لأنَّه يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}[المائدة: 1]، {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً}[النَّحل: 91]، وأمانة النَّاس عندك لأنَّ أيّ إنسان التزم معك والتزمت معه بأنْ أعطيته كلمتك وأعطاك كلمته، فلا تنقض عهدك إذا أضاع الإنسان وثيقة العقد الَّذي بينك وبينه، ولا تنكر دَيْنَه إذا أضاع السَّند الذي كتبت له الدَّين فيه.
وهكذا إذا عقدت على امرأة من دون أن تسجِّل ذلك العقد بطريقة رسميَّة، فلا تنكر عقدك معها إذا اصطدمت ببعض المشاكل، فالعقد التزام والالتزام أمانة، وعليك أن لا تخون أمانتك، أمانة النَّاس عندك، فإذا لم تفِ بالعقود الَّتي عقدتها مع النَّاس، فأنت خائن لأمانات الناس.
ثم إنَّ السرَّ أمانة، فإذا أودع الإنسان عندك سرّاً، أيّ سرّ كان، فإنّك إذا أفشيته كنت خائناً لأمانة أخيك، وربّما كانت أمانة السرّ أكثر خطورةً من أمانة المال، لأنَّ سرَّ الإنسان قد يقتله إذا افتضح فيه، ولا سيَّما إذا أعطي السرّ للظَّالم، وهنا تأتي مسألة أن يكون الإنسان مخبراً للظَّالم أو جاسوساً للمستكبرين؛ إنّه بذلك يكون خائناً لأخيه ولله ورسوله.
لذلك، حذارِ.. حذار من أن يكون الإنسان عيناً أو جاسوساً للكافرين والظَّالمين والمستكبرين من أعداء الله ورسوله، لأنّه يخون الله ورسوله في المواقع الكبرى أو المواقع الصغرى...
وهكذا في خيانة المال، فليس لك أن تخون المال إذا أودعه إنسان عندك حتى لو خانك... فما دمت قد قبلت أمانته، فعليك أن تؤدِّي له أمانته، حتى لو كان خائناً، لأنك إذا خنته، فأنتَ مثله، والمؤمن لا يخون...
فمسألة الأمانة حاسمة وخطيرة، فهناك أيضاً أمانات الأمَّة عليك، لأنَّ عليّاً (ع) يقول: "أعظم الخيانة خيانة الأُمّة"(1). وخيانة الأمَّة تحصل بالفتنة بين أفراد الأمَّة، ولا سيَّما في الأوضاع التي تعيش فيها الأمَّة أخطر أزماتها، عندما تتحرَّك لتثير مشكلة تخلق فتنة ولتطرح موضوعاً يشعل حرباً، ولتجعل الواقع يخوض في أمور هامشيَّة لا تمثّل قضايا المصير، فيما العدوّ يدقَّ الباب ليدخل أرضك وبيتك، ويثير الزلزال ليزلزل الأرض من تحت أقدامك. إنَّ كلَّ مثير للفتنة خائن للأُمَّة، وهي أعظم الخيانة، لأنَّ هناك فرقاً بين أن تخون شخصاً وبين أن تخون أُمَّة، أو بين أن تخون شخصاً في مالٍ تأخذه منه، وبين أن تخون أمَّة في حريَّة تسلبها، وفي ذلٍّ تفرضه عليها، وفي ضعفٍ يحلُّ بها...
(1)شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج: 3، باب: 44، ص: 145.2
 
 
*  كتاب "النَّدوة"، ج 2
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، إذا كنتم مؤمنين، هذا هو إيحاء النِّداء {لاَ تَخُونُواْ الله}، وخيانة الله معصيته، وخيانته الانحراف عن خطِّه، وخيانته موالاة أعدائه ومعاداة أوليائه، وخيانةُ الله هي العمل مع الحركة التي تقوّي الكفر وتضعف الإسلام.
{لاَ تَخُونُواْ الله}، ولكن كما قال الله لبني إسرائيل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}[البقرة: 40] لأنَّ الإيمان هو عهدٌ بين الله وبين عباده، فأنت تعاهد الله من خلال إيمانك على أنَّك توحِّده ولا تشرك به شيئاً في الربوبيَّة والعبادة والطَّاعة، وأنّك تؤمن برسله وبرسالاته وباليوم الآخر، فإذا وفيت بعهد الله، فإنَّ الله يفي لكَ بعهده، بأنْ يرحمك في الدنيا والآخرة، وأن يمنحك رضوانه ومغفرته وعفوه ونعيمه في دار الخلد وفي دار السَّلام.
{لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ}، وخيانة الرَّسول تتمثَّل في عصيانه فيما بلّغه عن الله، وفيما شرَّعه بأمرٍ من الله، وفيما أوصى به، وفيما خطَّط له، وفي الأمانة الَّتي وضعها بين أيدينا.. وهي أمانة الإسلام، بأن نكون الدّعاة إليه بعد انتقاله إلى رحاب ربِّه، وأن نكون العاملين من أجله والمجاهدين في سبيله، وأن لا يضعف الإسلام أمامنا ونحن في حالة الاسترخاء، بل أن يكون الإسلام مسؤوليَّتنا في عقيدته بأن نحمي عقيدته، وفي شريعته بأنْ نعمل على تركيزها في حياتنا العامَّة والخاصَّة، وفي كلّ أهدافه فيما يريد الله للحياة أن تقوم على العدل، وعلى الحريَّة، وعلى العزّة والكرامة.
{وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[الأنفال: 27]، وللنَّاس أمانات بعضهم مع بعض، فكلّ عقد من العقود في أيّ شأن من الشّؤون الماليّة أو الزوجيّة أو في الشؤون السياسيّة، أيّ عقد بينك وبين إنسان آخر إذا كان مستجمعاً للشروط الشرعيّة، فإنّه أمانة الله عندك، وأمانة النَّاس عندك.
أمانة الله عندك لأنَّه يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}[المائدة: 1]، {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً}[النَّحل: 91]، وأمانة النَّاس عندك لأنَّ أيّ إنسان التزم معك والتزمت معه بأنْ أعطيته كلمتك وأعطاك كلمته، فلا تنقض عهدك إذا أضاع الإنسان وثيقة العقد الَّذي بينك وبينه، ولا تنكر دَيْنَه إذا أضاع السَّند الذي كتبت له الدَّين فيه.
وهكذا إذا عقدت على امرأة من دون أن تسجِّل ذلك العقد بطريقة رسميَّة، فلا تنكر عقدك معها إذا اصطدمت ببعض المشاكل، فالعقد التزام والالتزام أمانة، وعليك أن لا تخون أمانتك، أمانة النَّاس عندك، فإذا لم تفِ بالعقود الَّتي عقدتها مع النَّاس، فأنت خائن لأمانات الناس.
ثم إنَّ السرَّ أمانة، فإذا أودع الإنسان عندك سرّاً، أيّ سرّ كان، فإنّك إذا أفشيته كنت خائناً لأمانة أخيك، وربّما كانت أمانة السرّ أكثر خطورةً من أمانة المال، لأنَّ سرَّ الإنسان قد يقتله إذا افتضح فيه، ولا سيَّما إذا أعطي السرّ للظَّالم، وهنا تأتي مسألة أن يكون الإنسان مخبراً للظَّالم أو جاسوساً للمستكبرين؛ إنّه بذلك يكون خائناً لأخيه ولله ورسوله.
لذلك، حذارِ.. حذار من أن يكون الإنسان عيناً أو جاسوساً للكافرين والظَّالمين والمستكبرين من أعداء الله ورسوله، لأنّه يخون الله ورسوله في المواقع الكبرى أو المواقع الصغرى...
وهكذا في خيانة المال، فليس لك أن تخون المال إذا أودعه إنسان عندك حتى لو خانك... فما دمت قد قبلت أمانته، فعليك أن تؤدِّي له أمانته، حتى لو كان خائناً، لأنك إذا خنته، فأنتَ مثله، والمؤمن لا يخون...
فمسألة الأمانة حاسمة وخطيرة، فهناك أيضاً أمانات الأمَّة عليك، لأنَّ عليّاً (ع) يقول: "أعظم الخيانة خيانة الأُمّة"(1). وخيانة الأمَّة تحصل بالفتنة بين أفراد الأمَّة، ولا سيَّما في الأوضاع التي تعيش فيها الأمَّة أخطر أزماتها، عندما تتحرَّك لتثير مشكلة تخلق فتنة ولتطرح موضوعاً يشعل حرباً، ولتجعل الواقع يخوض في أمور هامشيَّة لا تمثّل قضايا المصير، فيما العدوّ يدقَّ الباب ليدخل أرضك وبيتك، ويثير الزلزال ليزلزل الأرض من تحت أقدامك. إنَّ كلَّ مثير للفتنة خائن للأُمَّة، وهي أعظم الخيانة، لأنَّ هناك فرقاً بين أن تخون شخصاً وبين أن تخون أُمَّة، أو بين أن تخون شخصاً في مالٍ تأخذه منه، وبين أن تخون أمَّة في حريَّة تسلبها، وفي ذلٍّ تفرضه عليها، وفي ضعفٍ يحلُّ بها...
(1)شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج: 3، باب: 44، ص: 145.2
 
 
*  كتاب "النَّدوة"، ج 2
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية