في الحرب كلُّ الأطراف مغلوبون

في الحرب كلُّ الأطراف مغلوبون

ألقى سماحة العلامة السيّد محمد حسين فضل الله خطبة الجمعة من على منبر مسجد الإمام الرضا(ع) في بئر العبد، بتاريخ 14/5/1408هـ/ الموافق: 3 كانون الثّاني 1988م، وبحضور حشدٍ من المؤمنين. ومما جاء فيها:

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[1]، وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}[2]. وقال: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ..}[3]، وهكذا تكثر الآيات الّتي يريد الله من خلالها أن يربّي عباده المؤمنين على الخلق الطيِّب الَّذي لا يمكن أن يعقِّد الواقع، بل يحلّ المشكلة الَّتي يريد الآخرون أن يعقِّدوها، ويفتح حياة النّاس على العدل، ويجعل القلوب تنبض بالمحبَّة، ويجعل الجميع يتعاونون من خلال الكلمة المسؤولة والكلمة العاقلة والكلمة الهادئة، ويتعلَّمون أن يتجادلوا بالتي هي أحسن، وأن يتحاوروا فيما يتنازعون فيه بالّذي هو أطيب، لأنَّ ذلك هو الّذي يمكّنهم من الوصول إلى الجانب الأحسن في نزاعاتهم وخلافاتهم..

مسؤوليَّة الكلمة

وركَّز الله في حياة الناس كلِّهم على الكلم الطيّب، وقال في كتابه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، والكلام الطيِّب هو كلام الصِّدق والعدل والحريَّة، وقد أكَّد الإسلام أنَّ الكلام هو مسؤوليَّة المتكلّم كما هي مسؤوليَّة السّامع.. فإذا أردت لكلامك أن يصعد إلى الله، فليكن كلاماً طيّباً يتحرَّك في حدود الله وضمنها ولا يتجاوزها..

ولعلَّ المشكلة الّتي نعانيها في كثيرٍ من مواقعنا الإسلاميَّة، سواء كان ذلك في لبنان أو في غيره، هي أنَّ الكلمة لم تعد مجرَّد تعبيرٍ عمَّا يحسّ به الإنسان فيما يعيشه من تجربته، ولكنَّها أصبحت وسيلةً من وسائل إثارة الحروب وإثارة الأحقاد وتفتيت المجتمع، وأصبحت المخابرات المحليَّة والإقليميَّة والدَّوليَّة تبحث من خلال الَّذين يملكون الثَّقافة الواسعة في مداليل الكلمات وحركتها، ليطلقوا كلمةً تثير مشكلةً هنا وتثير حرباً هناك.. وأضحت للمخابرات كلمتها في حياتنا السياسيَّة والاجتماعيَّة، وقد هيَّأت كلّ أجهزتها من أجل أن تحرق كثيراً من القضايا والمواقف والجهات الَّتي تعمل للحقّ، وهذا ما نلاحظه في حركة الإعلام، عندما وقف بكلّ أجهزته المخابراتيَّة ضدّ الثّورة الإسلاميَّة، سواء كانت في إيران أو في أيِّ موقعٍ من مواقع الإسلام المتحرِّك بحسمٍ وبصدق.

أصبحت المخابرات تتحرَّك لتشوِّه صورة هذه الثَّورة، ولتلصق بها الكثير من التّهم المفتراة، ولتشوِّه صورة قياداتها، وكم سمع العالم في كلِّ أجهزته الإعلاميَّة كلاماً عن الإمام الخميني(حفظه الله) مما لا يمكن أن يلصق حتى بالشّرّيرين! لماذا؟ لأنَّ هذا الإنسان القائد الفقيه الورع، إذا بقيت هيبته وروحيَّته وموقعه في نفوس الأمَّة الإسلاميَّة، فسوف تتحوّل كلماته إلى تعاليم، وستتحوَّل كلّ نصائحه إلى واقع حيّ في حياة الناس، عندما يجدون فيه القائد المخلص والإنسان الحكيم.. ولهذا حاولوا أن يشوِّهوا صورته، وأن يلصقوا به التّهم الكثيرة، ولكم تبخَّر كلّ ذلك الكلام! {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}[4].

تشويهٌ متعمَّد

هناك تخطيط في كلِّ الواقع المستكبر، وعلى كلِّ المستويات، من أجل تشويه صورة كلّ ناطق بالحقّ، وكلّ عاملٍ في سبيل الحريَّة والعدالة، وتلك هي ضريبة الخطِّ الثّابت الأصيل الَّذي يحاول أن يقود النّاس إلى الهدى وإلى الصِّراط المستقيم؛ تلك هي الضَّريبة الّتي يدفعها العاملون بصدق.

ومن الطَّبيعيّ جدّاً أن يقتدي العاملون المجاهدون برسول الله الَّذي قيل فيه الكثير، فهذا ليس شيئاً جديداً.. لقد كانت الأجهزة القرشيَّة تعمل بكلّ طاقاتها لتشوّه صورة رسول الله في نفوس النّاس، حتى إذا شوَّهت صورته في نفوسهم ابتعدوا عنه.. فقد قالوا عنه كاذب، وساحر، وشاعر.. ولم يكتفوا بذلك، لأنهم عرفوا أنَّ الحيلة لن تنطلي على النّاس، فقالوا إنّه مجنون، وقالوا إنما يعلِّمه بشر، وقالوا الكثير حتى يبعدوا رسول الله عن النّاس.. وتقدَّم رسول الله، ورأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجاً.

لهذا، على كلِّ الَّذين يعملون للإسلام وللخير أن لا يتعقَّدوا من الكلمات، وأن لا تهزمهم الكلمات، إنَّ كلَّ الكلمات الّتي تتحرَّك بالسّباب سوف تذهب في الهواء، وإنّ اللّعنة إذا خرجت من صاحبها تردَّدت، فإن رأت مساغاً، وإلا عادت إلى صاحبها.. علينا أن نعيش مسؤوليَّة الكلمة الّتي نقولها والّتي نسمعها، وهذه الحقيقة هي جزء من الإيمان؛ أن تكون الإنسان المتثبِّت مما تسمع، ولا تكون مثل بعض النّاس الّذي إذا حدَّثه أحد ما عن فريقه صدّقه، وإذا حدَّثه عن غيره رفضه.. إنَّ الحقَّ ليس فيه حزبيّة.. فإذا سمعت الإذاعة وشاهدت التّلفزيون، فاعرف مَن الَّذي يبثُّ الأخبار فيهما، فالحقّ أن تقول رأيت، والباطل أن تقول سمعت..

اختيار الكلام المناسب

إنَّني عندما أريد أن أركِّز على هذا الكلام في هذه المرحلة، فلا أريد أن أحدِّثكم عن الآخرة فقط فيما يحاسبكم الله عليه في الآخرة، لكنّي أحدّثكم عن الآخرة كمدخلٍ لسلامة الدّين والدّنيا، لأنَّك عندما تعطي نفسك الحريّة في أن تقتنع بما سمعت، فإنَّك سوف تخرّب حياتك وحياة الآخرين إذا لم تدقِّق في الكلام الّذي تسمعه، وهكذا عندما تتكلَّم، خذ الحقيقة بعينها، سواء كانت الحقيقة لك أو لخصمك، {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}[5]، لأنَّ المسألة تحتاج إلى وضوح الرّؤية، حتى يرى النّاس الحقيقة جيِّداً..

لا بدَّ من أن نراعي كلماتنا، ولا سيَّما في حالات الفتنة، لأنَّنا عندما نطلق الكلمة في حالة الفتنة، فإنّنا بذلك نجعل الكلمة تكبر حتى تخلق المشاكل الكبيرة، ففي حالات الفتن، لا بدَّ من أن نرصد كلماتنا، فإنَّ كلمتك عندما تشعل النّار، فسوف تتحمَّل مسؤوليَّة كلّ ما أحدثته، ولهذا علينا أن لا نحرّك كلماتنا في هوى أنفسنا، حتى إذا أردت أن تقول كلمة الحقِّ قلها بالّتي هي أحسن، وحتى إذا أردت أن تجادل خصمك، جادله بالَّتي هي أحسن..

لنتعلَّم كيف يمكننا أن نغمط كلماتنا، وكيف يمكن أن نحدّق بالواقع كلِّه لنفهمه فهماً دقيقاً، وقد ورد في كلام الإمام عليّ(ع): "الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به، فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه"[6].

إذا أردت أن تعبّر عن موقفك، عبّر عنه بالكلمة المسؤولة الَّتي تستطيع أن تلتزمها في المستقبل، لأنَّ المشكلة تكمن في كثير من كلمات الحماس والانفعال، وأنَّ الكثيرين يتكلَّمون بالكلمة اليوم ويلحسونها غداً.. وهكذا يقولون عن شخصٍ إنَّه بطلٌ الآن وجبان بعد الآن... إنَّ المسؤول في أيِّ موقع، إذا كان يحترم النّاس، فعليه أن يقول لهم الكلمة بكلِّ دقّةٍ ووعي ومسؤوليَّة، لا أن تكون الكلمات على أساس الأوضاع والانفعالات، فإذا رأيت هناك نافذةً مفتوحةً على المستقبل، ركِّز كلمتك حتى لا يلفظك المستقبل.

إنَّ الَّذين يسبّون ويشتمون قد يخيَّل إليهم أنَّ الآخرين ينزعجون أو يتأثَّرون بهم.. يجب أن تكون لدينا روحيَّة أن نتحرَّك في الواقع لننقذ الواقع، ولندرس كلَّ جذور المشاكل الرّوحيَّة الَّتي نعيشها.

عليكم أن لا تتحمَّسوا إذا سقط قتيلٌ من هنا وقتيلٌ من هناك، لأنَّ القتل هنا وهناك يضعف روحيَّتكم وانطلاقتكم.. لهذا اعملوا للإصلاح، وحطِّموا كلَّ الحواجز الّتي تتحرَّك لتحطّم الإصلاح، لأنَّ دعوة الإصلاح هي الَّتي يمكن أن تحقِّق النَّتائج الكبيرة على مستوى الدِّين وعلى مستوى الواقع السِّياسي.

الفتنة تحرق القضايا

إنَّ امتداد الفتنة والخلافات هو الَّذي يمكن أن يهدم كلَّ قضايا الأمَّة، لهذا يقول لكم الإمام عليّ(ع): ادعوا لله أن يصلح ذات بينكم وبينهم.. وهذا ما يجب على النّاس أن يأخذوا به ويعملوا له في كلِّ المجالات العمليّة، ولا سيَّما في الواقع الَّذي يعيشه النَّاس الآن في هذه الفتنة المتحركة من مكانٍ إلى مكان، فتارةً في الضَّاحية ثم في الغربيّة ثم في الجنوب، وهذا يضع شروطاً وذاك كذلك.

كنا نتمنّى على كلِّ المسؤولين في هذه المرحلة الدّامية، أن يكونوا الواعين للخلفيّات الّتي تحرّك هذا الواقع، وأن يواجهوا المسألة بطريقةٍ عقلانيَّةٍ هادئة، فماذا يفيدنا لو وقفنا على المنابر وتكلَّمنا أنَّ الفريق الفلاني هو الَّذي أثار المشكلة أو الفريق الآخر.. أو أنَّنا نقول للنّاس اجمعوا السِّلاح في مرحلةٍ لا واقعيَّةٍ سياسيَّة لجمعه، أو نقول لهذه الجهة أو تلك اضربوا بيدٍ من حديد هنا وهناك، ونحن نعرف أنَّ الواقع لا يتَّجه إلى هذا؟! وماذا نستفيد إذا قال المسؤولون إنّنا لن نتصالح إلا حسب هذا الشَّرط، ثم يأتي شرط ويذهب آخر حسبما تتطوَّر الأمور؟ ما هي الفائدة؟ هل حللنا المشكلة أو شفينا غيظنا؟

كنَّا نقول لكلِّ المسؤولين ولا نزال، إنَّ المسألة لا تحلّ في المنابر أو في أعمدة الصّحف، بل تحلّ باجتماع كلِّ الأطراف، بإشراف مؤمنٍ عادلٍ حياديٍّ يرعى هذا اللّقاء، وعندما يجتمعون بدون شروطٍ مسبقةٍ، فيمكن بحث كلِّ القضايا، ويمكن لكلِّ فريقٍ أن يقنع الآخر بخطئه، أو العكس، هذه هي طريقة العالم، إنهم يتحاربون، ولكنَّهم في أثناء الحرب يجتمعون ويتفاهمون، وربما يدعون إلى الاجتماع شهراً أو شهرين، ولكن تكون المسألة على أساس حلِّ المشكلة من خلال الحوار.

ولهذا قلنا لكلِّ السَّاحة، إنَّ الرّصاص لن يحلَّ المشكلة، لقد سقط النَّاس في الضَّاحية، فما هي النَّتيجة؟ عندما يريد فريق أن يقاتل ليعطي لنفسه حريَّة، هل يمكن لهذه الحريَّة أن تحقّق الصّلح بين الناس؟ أنت تريد أن تعيش في الضَّاحية أو البقاع أو الجنوب، يمكنك ذلك من خلال الصّلح والوفاق، ومن خلال الاتّفاق على أنَّ الَّذي يحلّ المشكلة هو الحوار، وإذا بقيت الخلافات، فيمكن أن تدار بطريقةٍ سياسيَّةٍ أو فكريَّة.

افتراءات وتضليل

لقد تعبنا من الحديث عن الصّلح والإصلاح، وقد حاول الكثيرون أن ينالوا منَّا بالإيحاء بأنَّنا نتحرَّك في دائرةٍ خاصَّة، وقد قلنا إنَّنا نتحرَّك في الدَّائرة الإسلاميَّة الواسعة، لا في لبنان فحسب، لهذا لن نحبس أنفسنا في دائرة ضيِّقة، وكلّ من يتحدَّث بهذه الطَّريقة فهو كاذب. لقد قلت ولا أزال أقول لكلِّ النّاس الَّذين لا يزالون يسبّونني: سبّوني وأنا أحبّكم وسأخدمكم، وليست المشكلة أن يفجِّر بعض النّاس عقدهم بهذه الطّريقة.

إنّني عندما أستمع إلى هذا الكلام، ثقوا بأنّني لا أتأذَّى ولا أتعقَّد، ولكنّني أتألّم للبسطاء الّذين يراد لهم أن يضلّوا بهذه الطّريقة. ولذلك أقول لكلِّ النّاس الذين يعذّبون ولا يرفع العذاب عنهم حتى يسبّوني أو يسبّوا الإمام الخميني، سبّوا ما شئتم حتّى تتخلَّصوا من العذاب. لقد جاءني كثير من النّاس يقولون لي: سامحنا لقد سببناك عندما اشتدَّ العذاب علينا، فقلت لهم: سبّوا ما شئتم..

أنا أقول للطيِّبين المضلَّلين الَّذين يريدون لهم أن يتقنوا لغة السباب، سامحكم الله، لأنّكم مضلَّلون وستعرفون الحقيقة، ولكنّ الإمام الخميني عزّنا، وهو أعطانا الحريّة والموقف في العالم كلّه، وعاش كلّ حياته مدافعاً عن الإسلام والمسلمين والمستضعفين، لا تقبلوا من أحد أيّة كلمة تشكِّك في هذا القدّيس في علمه وورعه وجهاده، حرام عليكم أن تشوِّهوا روحيّتكم في الكلام.

إنَّ هناك حديثاً أيضاً يراد تسويقه منذ انطلاقة الفتنة حتى الآن عن إيران الإسلام، أنَّ هناك تيّارين سياسيّين؛ تيّاراً يريد للشّيعة أن يتحاربوا مع بعضهم البعض، وتيّاراً يريد لهم أن يتآلفوا، وإنَّ ما يحدث هنا هو من حركة ذلك التيّار الراديكالي...

وتبدأ التَّحليلات السّياسيَّة، وتنطلق الكلمات: المشكلة مع إيران.. النِّزاع مع إيران.. وعلى إيران أن ترحل عنَّا. وفي المناسبة، لم يقل أحد إنَّ على أميركا أو فرنسا أن ترحل عنّا، أو إنّ على كلّ الذين يثيرون الفتنة أن يرحلوا عنا، حتى إسرائيل أصبح الكلام خاطئاً في أن ترحل عنا.

لماذا؟ إيران ليس فيها تيّاران؛ تيّار يريد أن يعقِّد الواقع وآخر يريد أن يريح الواقع. إنّني أتكلَّم عن معلومات، لقد اجتمعت بكلِّ القيادات الَّذين يديرون حركة السياسة الخارجيَّة والدّاخليَّة، وكان الكلام واحداً: لتقف الحرب، لأنَّها لن تقوِّي أحداً وستهزم الجميع. كانت كلمتهم أن يتوحَّد الجميع، ونحن نعرف من خلال كلِّ الموفدين الإيرانيّين من حرب الجنوب وحتى الآن، أنَّهم أعلنوا للجميع أنهم مستعدّون للتّعارف مع الكلّ، وأنهم لا يريدون أن يعيشوا في دائرة ضيّقة، بل هم للجميع.

وقالوا إنّنا لا نريد أن نحصر أنفسنا في قناة واحدة في لبنان، نحن نريد أن نتحدَّث مع الحركة والحزب والمجلس الشّيعي والفعاليّات الأخرى، لأنّنا دولة منفتحة على الجميع، ولكنَّ المسألة أنّ المسؤولين الإسلاميّين هناك، كانوا يؤكّدون المسألة السياسيّة المتّصلة بسلامة الإسلام والمسلمين، وهذا ما أكَّده لي الإمام الخميني (حفظه الله)... وقال إنَّ أميركا تحاربنا بصفتنا إسلاميّين، وليس بصفتنا إيرانيّين.. ويراد أن يبقى للمقاومة دورها الكبير في مواجهة إسرائيل، فإذا استكان النّاس لإسرائيل، فسوف تسيطر عليهم بكلِّ ما عندهم من طاقة، ولهذا فهي تعمل على أن تميت كلَّ روح ومقاومة وحريّة..

كانوا يريدون للمقاومة أن تنطلق وتتوحَّد، وقالوا لكلِّ الفرق إنّنا مستعدّون لأن ندعم المقاومة، سواء كانت في أمل أو في حزب الله، لقد طرحت الجمهوريّة الإسلاميّة اللّقاء على الجميع..

في إيران، هناك اختلاف في الاجتهادات السياسيّة، والإمام هو الّذي طلب من المسؤولين أن يفكّروا حتى لو اختلفوا في الاجتهادات السياسيّة، لأنّه يعتبر أنّ الاجتهادات السياسيّة كالاجتهادات في المسائل الفقهيّة، بشرط أن لا يمسّ ذلك مصلحة الأمّة، ولكنّهم في القضايا المصيريّة الأساسيّة، يقفون صفّاً واحداً أمام العالم كلّه، لهذا ليس في الدائرة القياديّة الإسلاميّة في إيران خطاب يتحرَّك في لبنان..

تنسيق إيرانيّ سوريّ

النّقطة الثّانية، هي أن إيران تعمل في مواجهة كلّ المشاكل السياسيّة الموجودة في الدّائرة الإسلاميّة أو خارجها، على أساس التّنسيق مع الجمهوريّة العربيّة السوريّة، وذلك لوجود اتفاق استراتيجي بينهما. ولهذا تعمل على التكامل في كلّ القضايا السياسيّة مع الجمهوريّة العربيّة السوريّة، ولهذا، فإنَّ الرّسائل متبادلة بين الرّئيس خامنئي والرّئيس الأسد للوصول إلى نتائج إيجابيّة في هذه الرحلة الدّامية، ولهذا أيضاً، كانت الزّيارات متكرّرةً من هنا وهناك، من دمشق إلى طهران أو العكس، من أجل الوصول إلى قاعدةٍ لحلّ هذه المشكلة الّتي هي ليست مجرّد مشكلة داخليّة، ولكنّها أخذت في كثيرٍ من مواقعها حجماً يتّصل بحيويّة الجنوب وحيويّة هذه الطائفة التي تملك أكثر من موقعٍ في كلّ المواقع السّاخنة في البلد.

وكانت الزّيارة الأخيرة للسيّد بشّار تدخل ضمن هذا التّنسيق. وحسب معلوماتنا، لم يكن مقرّراً منذ البداية أن يأتي إلى لبنان ليطرح مبادرة، حتى يتحدَّث الصحافيون: هل فشلت المحادثات، إذا فشلت!؟ كلّ ذلك غير صحيح، لم يكن مقرّراً أن يأتي إلى بيروت، ولا تزال المحادثات في الرسائل المتبادلة تتحرك على أعلى مستوى، ولكنَّ ذلك يحتاج إلى أن يجتمع الَّذين على الأرض ويتحاوروا تماماً كما اجتمعوا في مجالات أخرى.

أوقفوا الحرب

نريد أن نحترم كلَّ الناس، ولا نسجِّل نقاطاً على أحد، لكن هل هذه الحرب هي من الحروب الفريدة في لبنان، بالرّغم من أنّنا نعيش أعمق مشاعر المأساة في كلِّ نتائج هذه الحرب؟ كلّهم أبناؤنا، وكلّ البيوت لنا، سواء أحرقت من هنا أو من هناك. لكن نقول: لقد حدثت هناك حربٌ على المستوى الحزبيّ وانتهت وأصبحوا حلفاء، وكانت الحرب الكبيرة مع الفلسطينيّين، وفي مقدَّمهم فتح أبي عمار، وسقط فيها الكثيرون، وانتهت وأصبحوا حلفاء، لماذا لا يراد لهذه الحرب أن تنتهي؟ لماذا يراد أن يقال إنّ الحرب لن تهدأ حتى نزيل آخر معقل لهذه الجهة؟ من هم هؤلاء الناس؟ كلّهم من الجنوب والضّاحية والبقاع.

إنَّ الأرض هي أرض كلّ الَّذين يتحاربون، وإنَّ ما يوحِّدهم هو أكثر مما يوحِّد بعض الناس مع الآخرين، لماذا كان كلّ الوسط السياسيّ في لبنان أو في غيره يستشعر عندما كانت الحرب في دوائر معيّنة، بينما يقف الجميع الآن يتفرّجون مكتفين بالاستنكار والاحتجاج؟!.. لقد قلنا لكلِّ الّذين يفكّرون سياسيّاً أو قوميّاً، إنَّ هذه الحرب تحرق كلَّ القضايا، لماذا لا تتحركون؟ بعض النّاس يتحدَّثون بشكلٍ انفعاليٍّ، ولكن لن يفيدنا الانفعال. عندما تستمرّ هذه الحرب، فستنتقل إلى مواقع أخرى، وستحرق كلَّ المواقع، ولا يستفيد منها أحد، وسوف تحرق كلّ قضايا الطّائفة الشيعيّة إذا كنا نتحدّث طائفياً..

لهذا نقول لكلّ المسؤولين أن يعملوا على أن تُجمع قيادات المتحاربين على صعيدٍ واحد، ليتحدّثوا في القضايا المختلف عليها، ولتتوقّف النّار، ثم يبدأوا في عمليّة الصّلح، لأنّ مثل هذه المسألة لن تحلَّ أمنيّاً، لأنّ الحلَّ الأمني يخدّر المشكلة ولا يداويها، ولكنّها تحلّ حلاً سياسيّاً يلتقي الجميع عليه، ليتعاون الجميع فيما يتّفقون عليه، وليتحاوروا أو يتصارعوا سياسيّاً لا عسكريّاً..

إنّنا نريد للمسؤولين جميعاً، والّذين يقفون في مواقع المسؤوليّة، أن يتدخّلوا من أجل إيقاف الحرب، ولن تفيد النّصائح في هذا المجال، أو أن تقول للجميع كفّوا عن الحرب ما لم تكن عندك الآليَّة العمليَّة لإيقافها، لأنّك عندما تصدر الكلمات العامّة، فكلّ واحدٍ يحيل لنفسه أنه في موقع الدّفاع عن النفس.

الكلمات العامَّة لا تحلّ المشاكل، بل النّزول إلى الأرض هو الّذي يحلّها، ويكفينا ما دمِّر من البيوت، وما شوِّه من صورة هذه الطَّائفة في العالم كلِّه! ونظلّ نقول: لماذا أغلقت كلّ الحروب في لبنان وبقيت هذه الحرب؟! نحن نطالب بأن يرسم خطّ أحمر لهذه الحرب، ونحن نعرف أنَّ الخطوط الحمر في لبنان يقف الجميع عقلاء أمامها.

حديثٌ عن تسويةٍ في المنطقة!

تتحدَّث نوادي السياسة في لبنان، وذلك ليس سرّاً، لأنَّ كلَّ الصّحف تتحدَّث به، بأنَّ المنطقة قادمة على حلِّ المشاكل بطريقة الوفاق الّذي ينطلق من سياسة الوفاق الودّي، ولا بدَّ لكلّ الأطراف في الساحة على مستوى الدول والأشخاص والأحزاب، من أن يسلّموا ويدخلوا في التّسوية، ثم يقولون إنَّ من لا يدخل في التَّسوية، ولا يعلن الوقوف مع التَّسوية، فسوف يضرب دوليّاً وإقليميّاً ومحلّياً.

هذا الحديث ليس مجرّد وهمٍ وكلامٍ استهلاكيّ، بل يتحرّك في عمق المسألة السياسيَّة في المنطقة، ولا بدّ من أن ندرس المسألة وفقاً له.

لقد نقل في صحف اليوم، أنَّ مجلس الجامعة العربيَّة سيدرس مسألة هذه الحرب، لأنَّ لها علاقة بأزمة المنطقة، ويعني أنّه ينسجم مع الجوِّ العام، ولا يكتفي بالانتخابات، ولكن حتى تضبط السياسة اللّبنانيَّة مع الدّائرة العربيَّة الأميركيَّة في المنطقة، وبهذا نحن نفهم الضّوء الأخضر الأمريكي لهذه الحرب، ونفهم أنّ الخطط قد أعدّت للإجهاز على المقاومة، وقد سمعنا تصريح شارون بأنَّ هذه الحرب قد خفَّفت العمليّات، لأنّ الجماعة انشغلوا ببعضهم البعض، كما أنَّ هناك معلومات تقول إنَّ إسرائيل تحصِّن مواقعها في المناطق الغربيّة من مناطق القتال.

لهذا ما نحتاج إلى أن نعيشه، هو أن لا نستغرق في المسألة المحليَّة، فعندما تحدث أيّة حرب، يفكِّر النّاس في أنَّ الحرب حدثت لأنَّ هذا الفريق ضرب أو ذلك قصف، والأجهزة تقول لفريقٍ ما أن يخلق جوّاً معيّناً حتى تضغط على فريقٍ آخر ليضطرّ إلى الدِّفاع عن نفسه.

وإنّكم تسمعون أنَّ الإسلام الأصوليّ مستهدف من كلِّ الدّول الكبيرة، والعالم اتّفق على إيران، وهو يتّفق على غيرها. علينا أن ندرس المسألة لنصالح الواقع الدَّاخليّ، ونعمل لدراسة خلفيَّات هذا الواقع من خلال الخطط الخارجيَّة، لأنّنا تعلّمنا في لبنان، أنَّ الآخرين عندما يرتّبون الوضع اللّبناني، إنما يتدخَّلون فيه من خلال مصالحهم، لا من خلال المصلحة اللبنانيَّة.

في كلِّ تاريخ السياسات العربيَّة الدَّوليَّة، كانت المسألة كيف يرتّب كلّ فريقٍ وضعه، ولم تكن المسألة كيف يساعد اللّبنانيّين في حلّ مشكلتهم، ثم تعطى النَّصائح للّبنانيّين: اتّحدوا اتّحدوا، وإذا أرادوا أن يتّحدوا، فوجئوا بالخطّ الأحمر الذي يمنع ذلك.

لم يعقد مجلس الجامعة العربيَّة إلا بعد أن أخذ الضّوء الأخضر الأميركي، لأنّنا نعرف أنَّ القمم العربيَّة لا تعقد إلا إذا وافقت أميركا، ولهذا فإنَّ إدخال المسألة العربيّة في المسألة اللبنانيّة، إنما يتمّ من خلال السياسة الأميركيّة والإدارة الأميركيّة، الّتي تعمل ليكون لبنان مزرعة أميركيَّة. ولهذا، فإنَّنا لن نستطيع أن نتفاءل خيراً من خلال هذا الاجتماع العربي، لأنّنا نعرف أنّ العرب يديرون المسألة اللّبنانيَّة من خلال مصالحهم الإقليميَّة، وإلا فلو أراد العرب بكلّ دولهم أن يعملوا من أجل حلّ المشكلة اللّبنانيّة، فنحن لا نرى هناك أيّة مبادرات عربيّة بشكلٍ فاعلٍ حتى على المستوى الإنساني، فبعض الأرزّ والطّحين يأتي بشكل صدقات، أمَّا أن يكون هناك واقع فاعل لإيقاف المشكلة اللّبنانيّة، فذلك ما لا نراه... إنَّ مشكلتهم أن لا تقترب نار المشكلة اللّبنانيّة إلى ديارهم، لأنّ النيران اللبنانيّة قد تنقل لهيبها إلى المنطقة.

عجزٌ لبنانيّ

ولا يزال لبنان يعيش الخطَّ السياسيّ على أساس العجز، والإيحاء بأنَّ من في الدَّاخل عاجزون، ومن في الخارج يعجزون، حتى تأتي الأضواء الخضر من الّذين وضعوا الأضواء الحمر للمسألة اللّبنانيّة. لقد جرّبوا أن يكون لبنان بلا رئيس وبلا مؤسَّسات ونجحوا في ذلك، ولهذا لم يقرِّروا حتى الآن أن يعود لبنان دولةً واحدة، لأنَّ عندهم كثيراً من المشاكل الّتي يريدون حلَّها من خلال المشكلة اللّبنانيّة، حتى يسمحوا للبنان بأن يستمرّ في وحدته.

لهذا، علينا أن ننتظر بعض الوقت، وأن نبقى نقلّع شوكنا بأظافرنا، لأنَّ الآخرين يزرعون لنا الشّوك، وقد يمنعوننا من أن نقلعه. أقولها للنّاس جميعاً: يعمل الكثيرون على أن يبذروا نار الحقد في قلوبكم، إنّا علينا أن نعيش المحبّة لتساعدنا مشاعر المحبّة على أن نحلّ مشاكلنا، ولكي نتغلَّب على أساليب القسوة.

في الحرب الكلّ مغلوبون

كلّ المتقاتلين متعبون روحيّاً من القتال، والكثيرون يريدون أن يقاتلوا إسرائيل، لكنّ التّعقيدات هي الّتي تمنعهم من قتالها وتجعلهم يقاتلون بعضهم بعضاً.

أقول لكلِّ الّذين يتحدَّثون عن أنَّه لا بدَّ من أن تنتهي الحرب بحسمٍ من هنا أو هناك: لا يمكن أن يحصل أيّ فريقٍ على موقع حاسم بشكلٍ مطلق.

لهذا، إذا كان أيّ فريقٍ يفكّر في أن يحسم المسألة لمصلحته، فليعرف أنّ واقع المسألة اللبنانيّة لا يسمح بذلك، لأنّ المرحلة السياسيّة في الدّائرة العربيّة والدّوليّة تعمل على الاستفادة من كلّ موقع، فإذا كانت الحرب لا توصل أحداً إلى المواقع الحاسمة، فلماذا لا يجتمع الَّذين يديرون الحرب ليطفئوا نار هذه الحرب، وليتفاهم الجميع؟

إنّني أتوسَّل إلى كلّ القيادات، وإلى كلِّ الفعاليات الدينيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، أن يعملوا على إطفاء النّار التي إذا بقيت فستحرق الكثيرين ممن يوقدونها، وممن يتفرّجون عليها، وممن يشمتون بها.

لهذا، لا تكن ملهاتكم، أقولها لمن في بيروت والضّاحية والجنوب والبقاع، وأنا أعرف حجم المأساة والآلام: لا تكن ملهاتكم أن تحدّقوا بالإذاعات لتعرفوا ماذا يقول الّذي يريد أن ينفخ الحقد في صدوركم، الجميع أبناؤكم، وعلى الجميع أن ينقذوا أبناءهم من نار الحرب، وأن ينقذوا قضاياهم من الحرب، الكلّ مهزومون، الكلّ مغلوبون، وقضايانا هي المغلوبة، فلنكن المنتصرين في الموقف الواحد من أجل مواجهة الاستكبار والهيمنة، فلنكن الموحِّدين، ولنستمع بعد ذلك إلى قول الله: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}[7].

فلندعُ الله جميعاً حتى ينقذنا من كلِّ حفر النّيران، ويجعلنا من الّذين يعين بعضهم بعضاً.. اللّهم هل بلَّغت، الله اشهد.


[1]  [فاطر: 10].

[2]  [الأحزاب: 70].

[3]  [الإسراء: 53].

[4]  [التّوبة: 32].

[5]  [الأنعام: 152].

[6]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 92.

[7]  [آل عمران: 103].

ألقى سماحة العلامة السيّد محمد حسين فضل الله خطبة الجمعة من على منبر مسجد الإمام الرضا(ع) في بئر العبد، بتاريخ 14/5/1408هـ/ الموافق: 3 كانون الثّاني 1988م، وبحضور حشدٍ من المؤمنين. ومما جاء فيها:

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[1]، وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}[2]. وقال: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ..}[3]، وهكذا تكثر الآيات الّتي يريد الله من خلالها أن يربّي عباده المؤمنين على الخلق الطيِّب الَّذي لا يمكن أن يعقِّد الواقع، بل يحلّ المشكلة الَّتي يريد الآخرون أن يعقِّدوها، ويفتح حياة النّاس على العدل، ويجعل القلوب تنبض بالمحبَّة، ويجعل الجميع يتعاونون من خلال الكلمة المسؤولة والكلمة العاقلة والكلمة الهادئة، ويتعلَّمون أن يتجادلوا بالتي هي أحسن، وأن يتحاوروا فيما يتنازعون فيه بالّذي هو أطيب، لأنَّ ذلك هو الّذي يمكّنهم من الوصول إلى الجانب الأحسن في نزاعاتهم وخلافاتهم..

مسؤوليَّة الكلمة

وركَّز الله في حياة الناس كلِّهم على الكلم الطيّب، وقال في كتابه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، والكلام الطيِّب هو كلام الصِّدق والعدل والحريَّة، وقد أكَّد الإسلام أنَّ الكلام هو مسؤوليَّة المتكلّم كما هي مسؤوليَّة السّامع.. فإذا أردت لكلامك أن يصعد إلى الله، فليكن كلاماً طيّباً يتحرَّك في حدود الله وضمنها ولا يتجاوزها..

ولعلَّ المشكلة الّتي نعانيها في كثيرٍ من مواقعنا الإسلاميَّة، سواء كان ذلك في لبنان أو في غيره، هي أنَّ الكلمة لم تعد مجرَّد تعبيرٍ عمَّا يحسّ به الإنسان فيما يعيشه من تجربته، ولكنَّها أصبحت وسيلةً من وسائل إثارة الحروب وإثارة الأحقاد وتفتيت المجتمع، وأصبحت المخابرات المحليَّة والإقليميَّة والدَّوليَّة تبحث من خلال الَّذين يملكون الثَّقافة الواسعة في مداليل الكلمات وحركتها، ليطلقوا كلمةً تثير مشكلةً هنا وتثير حرباً هناك.. وأضحت للمخابرات كلمتها في حياتنا السياسيَّة والاجتماعيَّة، وقد هيَّأت كلّ أجهزتها من أجل أن تحرق كثيراً من القضايا والمواقف والجهات الَّتي تعمل للحقّ، وهذا ما نلاحظه في حركة الإعلام، عندما وقف بكلّ أجهزته المخابراتيَّة ضدّ الثّورة الإسلاميَّة، سواء كانت في إيران أو في أيِّ موقعٍ من مواقع الإسلام المتحرِّك بحسمٍ وبصدق.

أصبحت المخابرات تتحرَّك لتشوِّه صورة هذه الثَّورة، ولتلصق بها الكثير من التّهم المفتراة، ولتشوِّه صورة قياداتها، وكم سمع العالم في كلِّ أجهزته الإعلاميَّة كلاماً عن الإمام الخميني(حفظه الله) مما لا يمكن أن يلصق حتى بالشّرّيرين! لماذا؟ لأنَّ هذا الإنسان القائد الفقيه الورع، إذا بقيت هيبته وروحيَّته وموقعه في نفوس الأمَّة الإسلاميَّة، فسوف تتحوّل كلماته إلى تعاليم، وستتحوَّل كلّ نصائحه إلى واقع حيّ في حياة الناس، عندما يجدون فيه القائد المخلص والإنسان الحكيم.. ولهذا حاولوا أن يشوِّهوا صورته، وأن يلصقوا به التّهم الكثيرة، ولكم تبخَّر كلّ ذلك الكلام! {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}[4].

تشويهٌ متعمَّد

هناك تخطيط في كلِّ الواقع المستكبر، وعلى كلِّ المستويات، من أجل تشويه صورة كلّ ناطق بالحقّ، وكلّ عاملٍ في سبيل الحريَّة والعدالة، وتلك هي ضريبة الخطِّ الثّابت الأصيل الَّذي يحاول أن يقود النّاس إلى الهدى وإلى الصِّراط المستقيم؛ تلك هي الضَّريبة الّتي يدفعها العاملون بصدق.

ومن الطَّبيعيّ جدّاً أن يقتدي العاملون المجاهدون برسول الله الَّذي قيل فيه الكثير، فهذا ليس شيئاً جديداً.. لقد كانت الأجهزة القرشيَّة تعمل بكلّ طاقاتها لتشوّه صورة رسول الله في نفوس النّاس، حتى إذا شوَّهت صورته في نفوسهم ابتعدوا عنه.. فقد قالوا عنه كاذب، وساحر، وشاعر.. ولم يكتفوا بذلك، لأنهم عرفوا أنَّ الحيلة لن تنطلي على النّاس، فقالوا إنّه مجنون، وقالوا إنما يعلِّمه بشر، وقالوا الكثير حتى يبعدوا رسول الله عن النّاس.. وتقدَّم رسول الله، ورأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجاً.

لهذا، على كلِّ الَّذين يعملون للإسلام وللخير أن لا يتعقَّدوا من الكلمات، وأن لا تهزمهم الكلمات، إنَّ كلَّ الكلمات الّتي تتحرَّك بالسّباب سوف تذهب في الهواء، وإنّ اللّعنة إذا خرجت من صاحبها تردَّدت، فإن رأت مساغاً، وإلا عادت إلى صاحبها.. علينا أن نعيش مسؤوليَّة الكلمة الّتي نقولها والّتي نسمعها، وهذه الحقيقة هي جزء من الإيمان؛ أن تكون الإنسان المتثبِّت مما تسمع، ولا تكون مثل بعض النّاس الّذي إذا حدَّثه أحد ما عن فريقه صدّقه، وإذا حدَّثه عن غيره رفضه.. إنَّ الحقَّ ليس فيه حزبيّة.. فإذا سمعت الإذاعة وشاهدت التّلفزيون، فاعرف مَن الَّذي يبثُّ الأخبار فيهما، فالحقّ أن تقول رأيت، والباطل أن تقول سمعت..

اختيار الكلام المناسب

إنَّني عندما أريد أن أركِّز على هذا الكلام في هذه المرحلة، فلا أريد أن أحدِّثكم عن الآخرة فقط فيما يحاسبكم الله عليه في الآخرة، لكنّي أحدّثكم عن الآخرة كمدخلٍ لسلامة الدّين والدّنيا، لأنَّك عندما تعطي نفسك الحريّة في أن تقتنع بما سمعت، فإنَّك سوف تخرّب حياتك وحياة الآخرين إذا لم تدقِّق في الكلام الّذي تسمعه، وهكذا عندما تتكلَّم، خذ الحقيقة بعينها، سواء كانت الحقيقة لك أو لخصمك، {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}[5]، لأنَّ المسألة تحتاج إلى وضوح الرّؤية، حتى يرى النّاس الحقيقة جيِّداً..

لا بدَّ من أن نراعي كلماتنا، ولا سيَّما في حالات الفتنة، لأنَّنا عندما نطلق الكلمة في حالة الفتنة، فإنّنا بذلك نجعل الكلمة تكبر حتى تخلق المشاكل الكبيرة، ففي حالات الفتن، لا بدَّ من أن نرصد كلماتنا، فإنَّ كلمتك عندما تشعل النّار، فسوف تتحمَّل مسؤوليَّة كلّ ما أحدثته، ولهذا علينا أن لا نحرّك كلماتنا في هوى أنفسنا، حتى إذا أردت أن تقول كلمة الحقِّ قلها بالّتي هي أحسن، وحتى إذا أردت أن تجادل خصمك، جادله بالَّتي هي أحسن..

لنتعلَّم كيف يمكننا أن نغمط كلماتنا، وكيف يمكن أن نحدّق بالواقع كلِّه لنفهمه فهماً دقيقاً، وقد ورد في كلام الإمام عليّ(ع): "الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به، فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه"[6].

إذا أردت أن تعبّر عن موقفك، عبّر عنه بالكلمة المسؤولة الَّتي تستطيع أن تلتزمها في المستقبل، لأنَّ المشكلة تكمن في كثير من كلمات الحماس والانفعال، وأنَّ الكثيرين يتكلَّمون بالكلمة اليوم ويلحسونها غداً.. وهكذا يقولون عن شخصٍ إنَّه بطلٌ الآن وجبان بعد الآن... إنَّ المسؤول في أيِّ موقع، إذا كان يحترم النّاس، فعليه أن يقول لهم الكلمة بكلِّ دقّةٍ ووعي ومسؤوليَّة، لا أن تكون الكلمات على أساس الأوضاع والانفعالات، فإذا رأيت هناك نافذةً مفتوحةً على المستقبل، ركِّز كلمتك حتى لا يلفظك المستقبل.

إنَّ الَّذين يسبّون ويشتمون قد يخيَّل إليهم أنَّ الآخرين ينزعجون أو يتأثَّرون بهم.. يجب أن تكون لدينا روحيَّة أن نتحرَّك في الواقع لننقذ الواقع، ولندرس كلَّ جذور المشاكل الرّوحيَّة الَّتي نعيشها.

عليكم أن لا تتحمَّسوا إذا سقط قتيلٌ من هنا وقتيلٌ من هناك، لأنَّ القتل هنا وهناك يضعف روحيَّتكم وانطلاقتكم.. لهذا اعملوا للإصلاح، وحطِّموا كلَّ الحواجز الّتي تتحرَّك لتحطّم الإصلاح، لأنَّ دعوة الإصلاح هي الَّتي يمكن أن تحقِّق النَّتائج الكبيرة على مستوى الدِّين وعلى مستوى الواقع السِّياسي.

الفتنة تحرق القضايا

إنَّ امتداد الفتنة والخلافات هو الَّذي يمكن أن يهدم كلَّ قضايا الأمَّة، لهذا يقول لكم الإمام عليّ(ع): ادعوا لله أن يصلح ذات بينكم وبينهم.. وهذا ما يجب على النّاس أن يأخذوا به ويعملوا له في كلِّ المجالات العمليّة، ولا سيَّما في الواقع الَّذي يعيشه النَّاس الآن في هذه الفتنة المتحركة من مكانٍ إلى مكان، فتارةً في الضَّاحية ثم في الغربيّة ثم في الجنوب، وهذا يضع شروطاً وذاك كذلك.

كنا نتمنّى على كلِّ المسؤولين في هذه المرحلة الدّامية، أن يكونوا الواعين للخلفيّات الّتي تحرّك هذا الواقع، وأن يواجهوا المسألة بطريقةٍ عقلانيَّةٍ هادئة، فماذا يفيدنا لو وقفنا على المنابر وتكلَّمنا أنَّ الفريق الفلاني هو الَّذي أثار المشكلة أو الفريق الآخر.. أو أنَّنا نقول للنّاس اجمعوا السِّلاح في مرحلةٍ لا واقعيَّةٍ سياسيَّة لجمعه، أو نقول لهذه الجهة أو تلك اضربوا بيدٍ من حديد هنا وهناك، ونحن نعرف أنَّ الواقع لا يتَّجه إلى هذا؟! وماذا نستفيد إذا قال المسؤولون إنّنا لن نتصالح إلا حسب هذا الشَّرط، ثم يأتي شرط ويذهب آخر حسبما تتطوَّر الأمور؟ ما هي الفائدة؟ هل حللنا المشكلة أو شفينا غيظنا؟

كنَّا نقول لكلِّ المسؤولين ولا نزال، إنَّ المسألة لا تحلّ في المنابر أو في أعمدة الصّحف، بل تحلّ باجتماع كلِّ الأطراف، بإشراف مؤمنٍ عادلٍ حياديٍّ يرعى هذا اللّقاء، وعندما يجتمعون بدون شروطٍ مسبقةٍ، فيمكن بحث كلِّ القضايا، ويمكن لكلِّ فريقٍ أن يقنع الآخر بخطئه، أو العكس، هذه هي طريقة العالم، إنهم يتحاربون، ولكنَّهم في أثناء الحرب يجتمعون ويتفاهمون، وربما يدعون إلى الاجتماع شهراً أو شهرين، ولكن تكون المسألة على أساس حلِّ المشكلة من خلال الحوار.

ولهذا قلنا لكلِّ السَّاحة، إنَّ الرّصاص لن يحلَّ المشكلة، لقد سقط النَّاس في الضَّاحية، فما هي النَّتيجة؟ عندما يريد فريق أن يقاتل ليعطي لنفسه حريَّة، هل يمكن لهذه الحريَّة أن تحقّق الصّلح بين الناس؟ أنت تريد أن تعيش في الضَّاحية أو البقاع أو الجنوب، يمكنك ذلك من خلال الصّلح والوفاق، ومن خلال الاتّفاق على أنَّ الَّذي يحلّ المشكلة هو الحوار، وإذا بقيت الخلافات، فيمكن أن تدار بطريقةٍ سياسيَّةٍ أو فكريَّة.

افتراءات وتضليل

لقد تعبنا من الحديث عن الصّلح والإصلاح، وقد حاول الكثيرون أن ينالوا منَّا بالإيحاء بأنَّنا نتحرَّك في دائرةٍ خاصَّة، وقد قلنا إنَّنا نتحرَّك في الدَّائرة الإسلاميَّة الواسعة، لا في لبنان فحسب، لهذا لن نحبس أنفسنا في دائرة ضيِّقة، وكلّ من يتحدَّث بهذه الطَّريقة فهو كاذب. لقد قلت ولا أزال أقول لكلِّ النّاس الَّذين لا يزالون يسبّونني: سبّوني وأنا أحبّكم وسأخدمكم، وليست المشكلة أن يفجِّر بعض النّاس عقدهم بهذه الطّريقة.

إنّني عندما أستمع إلى هذا الكلام، ثقوا بأنّني لا أتأذَّى ولا أتعقَّد، ولكنّني أتألّم للبسطاء الّذين يراد لهم أن يضلّوا بهذه الطّريقة. ولذلك أقول لكلِّ النّاس الذين يعذّبون ولا يرفع العذاب عنهم حتى يسبّوني أو يسبّوا الإمام الخميني، سبّوا ما شئتم حتّى تتخلَّصوا من العذاب. لقد جاءني كثير من النّاس يقولون لي: سامحنا لقد سببناك عندما اشتدَّ العذاب علينا، فقلت لهم: سبّوا ما شئتم..

أنا أقول للطيِّبين المضلَّلين الَّذين يريدون لهم أن يتقنوا لغة السباب، سامحكم الله، لأنّكم مضلَّلون وستعرفون الحقيقة، ولكنّ الإمام الخميني عزّنا، وهو أعطانا الحريّة والموقف في العالم كلّه، وعاش كلّ حياته مدافعاً عن الإسلام والمسلمين والمستضعفين، لا تقبلوا من أحد أيّة كلمة تشكِّك في هذا القدّيس في علمه وورعه وجهاده، حرام عليكم أن تشوِّهوا روحيّتكم في الكلام.

إنَّ هناك حديثاً أيضاً يراد تسويقه منذ انطلاقة الفتنة حتى الآن عن إيران الإسلام، أنَّ هناك تيّارين سياسيّين؛ تيّاراً يريد للشّيعة أن يتحاربوا مع بعضهم البعض، وتيّاراً يريد لهم أن يتآلفوا، وإنَّ ما يحدث هنا هو من حركة ذلك التيّار الراديكالي...

وتبدأ التَّحليلات السّياسيَّة، وتنطلق الكلمات: المشكلة مع إيران.. النِّزاع مع إيران.. وعلى إيران أن ترحل عنَّا. وفي المناسبة، لم يقل أحد إنَّ على أميركا أو فرنسا أن ترحل عنّا، أو إنّ على كلّ الذين يثيرون الفتنة أن يرحلوا عنا، حتى إسرائيل أصبح الكلام خاطئاً في أن ترحل عنا.

لماذا؟ إيران ليس فيها تيّاران؛ تيّار يريد أن يعقِّد الواقع وآخر يريد أن يريح الواقع. إنّني أتكلَّم عن معلومات، لقد اجتمعت بكلِّ القيادات الَّذين يديرون حركة السياسة الخارجيَّة والدّاخليَّة، وكان الكلام واحداً: لتقف الحرب، لأنَّها لن تقوِّي أحداً وستهزم الجميع. كانت كلمتهم أن يتوحَّد الجميع، ونحن نعرف من خلال كلِّ الموفدين الإيرانيّين من حرب الجنوب وحتى الآن، أنَّهم أعلنوا للجميع أنهم مستعدّون للتّعارف مع الكلّ، وأنهم لا يريدون أن يعيشوا في دائرة ضيّقة، بل هم للجميع.

وقالوا إنّنا لا نريد أن نحصر أنفسنا في قناة واحدة في لبنان، نحن نريد أن نتحدَّث مع الحركة والحزب والمجلس الشّيعي والفعاليّات الأخرى، لأنّنا دولة منفتحة على الجميع، ولكنَّ المسألة أنّ المسؤولين الإسلاميّين هناك، كانوا يؤكّدون المسألة السياسيّة المتّصلة بسلامة الإسلام والمسلمين، وهذا ما أكَّده لي الإمام الخميني (حفظه الله)... وقال إنَّ أميركا تحاربنا بصفتنا إسلاميّين، وليس بصفتنا إيرانيّين.. ويراد أن يبقى للمقاومة دورها الكبير في مواجهة إسرائيل، فإذا استكان النّاس لإسرائيل، فسوف تسيطر عليهم بكلِّ ما عندهم من طاقة، ولهذا فهي تعمل على أن تميت كلَّ روح ومقاومة وحريّة..

كانوا يريدون للمقاومة أن تنطلق وتتوحَّد، وقالوا لكلِّ الفرق إنّنا مستعدّون لأن ندعم المقاومة، سواء كانت في أمل أو في حزب الله، لقد طرحت الجمهوريّة الإسلاميّة اللّقاء على الجميع..

في إيران، هناك اختلاف في الاجتهادات السياسيّة، والإمام هو الّذي طلب من المسؤولين أن يفكّروا حتى لو اختلفوا في الاجتهادات السياسيّة، لأنّه يعتبر أنّ الاجتهادات السياسيّة كالاجتهادات في المسائل الفقهيّة، بشرط أن لا يمسّ ذلك مصلحة الأمّة، ولكنّهم في القضايا المصيريّة الأساسيّة، يقفون صفّاً واحداً أمام العالم كلّه، لهذا ليس في الدائرة القياديّة الإسلاميّة في إيران خطاب يتحرَّك في لبنان..

تنسيق إيرانيّ سوريّ

النّقطة الثّانية، هي أن إيران تعمل في مواجهة كلّ المشاكل السياسيّة الموجودة في الدّائرة الإسلاميّة أو خارجها، على أساس التّنسيق مع الجمهوريّة العربيّة السوريّة، وذلك لوجود اتفاق استراتيجي بينهما. ولهذا تعمل على التكامل في كلّ القضايا السياسيّة مع الجمهوريّة العربيّة السوريّة، ولهذا، فإنَّ الرّسائل متبادلة بين الرّئيس خامنئي والرّئيس الأسد للوصول إلى نتائج إيجابيّة في هذه الرحلة الدّامية، ولهذا أيضاً، كانت الزّيارات متكرّرةً من هنا وهناك، من دمشق إلى طهران أو العكس، من أجل الوصول إلى قاعدةٍ لحلّ هذه المشكلة الّتي هي ليست مجرّد مشكلة داخليّة، ولكنّها أخذت في كثيرٍ من مواقعها حجماً يتّصل بحيويّة الجنوب وحيويّة هذه الطائفة التي تملك أكثر من موقعٍ في كلّ المواقع السّاخنة في البلد.

وكانت الزّيارة الأخيرة للسيّد بشّار تدخل ضمن هذا التّنسيق. وحسب معلوماتنا، لم يكن مقرّراً منذ البداية أن يأتي إلى لبنان ليطرح مبادرة، حتى يتحدَّث الصحافيون: هل فشلت المحادثات، إذا فشلت!؟ كلّ ذلك غير صحيح، لم يكن مقرّراً أن يأتي إلى بيروت، ولا تزال المحادثات في الرسائل المتبادلة تتحرك على أعلى مستوى، ولكنَّ ذلك يحتاج إلى أن يجتمع الَّذين على الأرض ويتحاوروا تماماً كما اجتمعوا في مجالات أخرى.

أوقفوا الحرب

نريد أن نحترم كلَّ الناس، ولا نسجِّل نقاطاً على أحد، لكن هل هذه الحرب هي من الحروب الفريدة في لبنان، بالرّغم من أنّنا نعيش أعمق مشاعر المأساة في كلِّ نتائج هذه الحرب؟ كلّهم أبناؤنا، وكلّ البيوت لنا، سواء أحرقت من هنا أو من هناك. لكن نقول: لقد حدثت هناك حربٌ على المستوى الحزبيّ وانتهت وأصبحوا حلفاء، وكانت الحرب الكبيرة مع الفلسطينيّين، وفي مقدَّمهم فتح أبي عمار، وسقط فيها الكثيرون، وانتهت وأصبحوا حلفاء، لماذا لا يراد لهذه الحرب أن تنتهي؟ لماذا يراد أن يقال إنّ الحرب لن تهدأ حتى نزيل آخر معقل لهذه الجهة؟ من هم هؤلاء الناس؟ كلّهم من الجنوب والضّاحية والبقاع.

إنَّ الأرض هي أرض كلّ الَّذين يتحاربون، وإنَّ ما يوحِّدهم هو أكثر مما يوحِّد بعض الناس مع الآخرين، لماذا كان كلّ الوسط السياسيّ في لبنان أو في غيره يستشعر عندما كانت الحرب في دوائر معيّنة، بينما يقف الجميع الآن يتفرّجون مكتفين بالاستنكار والاحتجاج؟!.. لقد قلنا لكلِّ الّذين يفكّرون سياسيّاً أو قوميّاً، إنَّ هذه الحرب تحرق كلَّ القضايا، لماذا لا تتحركون؟ بعض النّاس يتحدَّثون بشكلٍ انفعاليٍّ، ولكن لن يفيدنا الانفعال. عندما تستمرّ هذه الحرب، فستنتقل إلى مواقع أخرى، وستحرق كلَّ المواقع، ولا يستفيد منها أحد، وسوف تحرق كلّ قضايا الطّائفة الشيعيّة إذا كنا نتحدّث طائفياً..

لهذا نقول لكلّ المسؤولين أن يعملوا على أن تُجمع قيادات المتحاربين على صعيدٍ واحد، ليتحدّثوا في القضايا المختلف عليها، ولتتوقّف النّار، ثم يبدأوا في عمليّة الصّلح، لأنّ مثل هذه المسألة لن تحلَّ أمنيّاً، لأنّ الحلَّ الأمني يخدّر المشكلة ولا يداويها، ولكنّها تحلّ حلاً سياسيّاً يلتقي الجميع عليه، ليتعاون الجميع فيما يتّفقون عليه، وليتحاوروا أو يتصارعوا سياسيّاً لا عسكريّاً..

إنّنا نريد للمسؤولين جميعاً، والّذين يقفون في مواقع المسؤوليّة، أن يتدخّلوا من أجل إيقاف الحرب، ولن تفيد النّصائح في هذا المجال، أو أن تقول للجميع كفّوا عن الحرب ما لم تكن عندك الآليَّة العمليَّة لإيقافها، لأنّك عندما تصدر الكلمات العامّة، فكلّ واحدٍ يحيل لنفسه أنه في موقع الدّفاع عن النفس.

الكلمات العامَّة لا تحلّ المشاكل، بل النّزول إلى الأرض هو الّذي يحلّها، ويكفينا ما دمِّر من البيوت، وما شوِّه من صورة هذه الطَّائفة في العالم كلِّه! ونظلّ نقول: لماذا أغلقت كلّ الحروب في لبنان وبقيت هذه الحرب؟! نحن نطالب بأن يرسم خطّ أحمر لهذه الحرب، ونحن نعرف أنَّ الخطوط الحمر في لبنان يقف الجميع عقلاء أمامها.

حديثٌ عن تسويةٍ في المنطقة!

تتحدَّث نوادي السياسة في لبنان، وذلك ليس سرّاً، لأنَّ كلَّ الصّحف تتحدَّث به، بأنَّ المنطقة قادمة على حلِّ المشاكل بطريقة الوفاق الّذي ينطلق من سياسة الوفاق الودّي، ولا بدَّ لكلّ الأطراف في الساحة على مستوى الدول والأشخاص والأحزاب، من أن يسلّموا ويدخلوا في التّسوية، ثم يقولون إنَّ من لا يدخل في التَّسوية، ولا يعلن الوقوف مع التَّسوية، فسوف يضرب دوليّاً وإقليميّاً ومحلّياً.

هذا الحديث ليس مجرّد وهمٍ وكلامٍ استهلاكيّ، بل يتحرّك في عمق المسألة السياسيَّة في المنطقة، ولا بدّ من أن ندرس المسألة وفقاً له.

لقد نقل في صحف اليوم، أنَّ مجلس الجامعة العربيَّة سيدرس مسألة هذه الحرب، لأنَّ لها علاقة بأزمة المنطقة، ويعني أنّه ينسجم مع الجوِّ العام، ولا يكتفي بالانتخابات، ولكن حتى تضبط السياسة اللّبنانيَّة مع الدّائرة العربيَّة الأميركيَّة في المنطقة، وبهذا نحن نفهم الضّوء الأخضر الأمريكي لهذه الحرب، ونفهم أنّ الخطط قد أعدّت للإجهاز على المقاومة، وقد سمعنا تصريح شارون بأنَّ هذه الحرب قد خفَّفت العمليّات، لأنّ الجماعة انشغلوا ببعضهم البعض، كما أنَّ هناك معلومات تقول إنَّ إسرائيل تحصِّن مواقعها في المناطق الغربيّة من مناطق القتال.

لهذا ما نحتاج إلى أن نعيشه، هو أن لا نستغرق في المسألة المحليَّة، فعندما تحدث أيّة حرب، يفكِّر النّاس في أنَّ الحرب حدثت لأنَّ هذا الفريق ضرب أو ذلك قصف، والأجهزة تقول لفريقٍ ما أن يخلق جوّاً معيّناً حتى تضغط على فريقٍ آخر ليضطرّ إلى الدِّفاع عن نفسه.

وإنّكم تسمعون أنَّ الإسلام الأصوليّ مستهدف من كلِّ الدّول الكبيرة، والعالم اتّفق على إيران، وهو يتّفق على غيرها. علينا أن ندرس المسألة لنصالح الواقع الدَّاخليّ، ونعمل لدراسة خلفيَّات هذا الواقع من خلال الخطط الخارجيَّة، لأنّنا تعلّمنا في لبنان، أنَّ الآخرين عندما يرتّبون الوضع اللّبناني، إنما يتدخَّلون فيه من خلال مصالحهم، لا من خلال المصلحة اللبنانيَّة.

في كلِّ تاريخ السياسات العربيَّة الدَّوليَّة، كانت المسألة كيف يرتّب كلّ فريقٍ وضعه، ولم تكن المسألة كيف يساعد اللّبنانيّين في حلّ مشكلتهم، ثم تعطى النَّصائح للّبنانيّين: اتّحدوا اتّحدوا، وإذا أرادوا أن يتّحدوا، فوجئوا بالخطّ الأحمر الذي يمنع ذلك.

لم يعقد مجلس الجامعة العربيَّة إلا بعد أن أخذ الضّوء الأخضر الأميركي، لأنّنا نعرف أنَّ القمم العربيَّة لا تعقد إلا إذا وافقت أميركا، ولهذا فإنَّ إدخال المسألة العربيّة في المسألة اللبنانيّة، إنما يتمّ من خلال السياسة الأميركيّة والإدارة الأميركيّة، الّتي تعمل ليكون لبنان مزرعة أميركيَّة. ولهذا، فإنَّنا لن نستطيع أن نتفاءل خيراً من خلال هذا الاجتماع العربي، لأنّنا نعرف أنّ العرب يديرون المسألة اللّبنانيَّة من خلال مصالحهم الإقليميَّة، وإلا فلو أراد العرب بكلّ دولهم أن يعملوا من أجل حلّ المشكلة اللّبنانيّة، فنحن لا نرى هناك أيّة مبادرات عربيّة بشكلٍ فاعلٍ حتى على المستوى الإنساني، فبعض الأرزّ والطّحين يأتي بشكل صدقات، أمَّا أن يكون هناك واقع فاعل لإيقاف المشكلة اللّبنانيّة، فذلك ما لا نراه... إنَّ مشكلتهم أن لا تقترب نار المشكلة اللّبنانيّة إلى ديارهم، لأنّ النيران اللبنانيّة قد تنقل لهيبها إلى المنطقة.

عجزٌ لبنانيّ

ولا يزال لبنان يعيش الخطَّ السياسيّ على أساس العجز، والإيحاء بأنَّ من في الدَّاخل عاجزون، ومن في الخارج يعجزون، حتى تأتي الأضواء الخضر من الّذين وضعوا الأضواء الحمر للمسألة اللّبنانيّة. لقد جرّبوا أن يكون لبنان بلا رئيس وبلا مؤسَّسات ونجحوا في ذلك، ولهذا لم يقرِّروا حتى الآن أن يعود لبنان دولةً واحدة، لأنَّ عندهم كثيراً من المشاكل الّتي يريدون حلَّها من خلال المشكلة اللّبنانيّة، حتى يسمحوا للبنان بأن يستمرّ في وحدته.

لهذا، علينا أن ننتظر بعض الوقت، وأن نبقى نقلّع شوكنا بأظافرنا، لأنَّ الآخرين يزرعون لنا الشّوك، وقد يمنعوننا من أن نقلعه. أقولها للنّاس جميعاً: يعمل الكثيرون على أن يبذروا نار الحقد في قلوبكم، إنّا علينا أن نعيش المحبّة لتساعدنا مشاعر المحبّة على أن نحلّ مشاكلنا، ولكي نتغلَّب على أساليب القسوة.

في الحرب الكلّ مغلوبون

كلّ المتقاتلين متعبون روحيّاً من القتال، والكثيرون يريدون أن يقاتلوا إسرائيل، لكنّ التّعقيدات هي الّتي تمنعهم من قتالها وتجعلهم يقاتلون بعضهم بعضاً.

أقول لكلِّ الّذين يتحدَّثون عن أنَّه لا بدَّ من أن تنتهي الحرب بحسمٍ من هنا أو هناك: لا يمكن أن يحصل أيّ فريقٍ على موقع حاسم بشكلٍ مطلق.

لهذا، إذا كان أيّ فريقٍ يفكّر في أن يحسم المسألة لمصلحته، فليعرف أنّ واقع المسألة اللبنانيّة لا يسمح بذلك، لأنّ المرحلة السياسيّة في الدّائرة العربيّة والدّوليّة تعمل على الاستفادة من كلّ موقع، فإذا كانت الحرب لا توصل أحداً إلى المواقع الحاسمة، فلماذا لا يجتمع الَّذين يديرون الحرب ليطفئوا نار هذه الحرب، وليتفاهم الجميع؟

إنّني أتوسَّل إلى كلّ القيادات، وإلى كلِّ الفعاليات الدينيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، أن يعملوا على إطفاء النّار التي إذا بقيت فستحرق الكثيرين ممن يوقدونها، وممن يتفرّجون عليها، وممن يشمتون بها.

لهذا، لا تكن ملهاتكم، أقولها لمن في بيروت والضّاحية والجنوب والبقاع، وأنا أعرف حجم المأساة والآلام: لا تكن ملهاتكم أن تحدّقوا بالإذاعات لتعرفوا ماذا يقول الّذي يريد أن ينفخ الحقد في صدوركم، الجميع أبناؤكم، وعلى الجميع أن ينقذوا أبناءهم من نار الحرب، وأن ينقذوا قضاياهم من الحرب، الكلّ مهزومون، الكلّ مغلوبون، وقضايانا هي المغلوبة، فلنكن المنتصرين في الموقف الواحد من أجل مواجهة الاستكبار والهيمنة، فلنكن الموحِّدين، ولنستمع بعد ذلك إلى قول الله: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}[7].

فلندعُ الله جميعاً حتى ينقذنا من كلِّ حفر النّيران، ويجعلنا من الّذين يعين بعضهم بعضاً.. اللّهم هل بلَّغت، الله اشهد.


[1]  [فاطر: 10].

[2]  [الأحزاب: 70].

[3]  [الإسراء: 53].

[4]  [التّوبة: 32].

[5]  [الأنعام: 152].

[6]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 92.

[7]  [آل عمران: 103].

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية