نشدّ على أيدي المجاهدين ونقول لهم: سلمت أياديكم

نشدّ على أيدي المجاهدين ونقول لهم: سلمت أياديكم

أمَّ سماحـة المرجع فضل الله المصلّين في مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بتاريخ 3 جمادى الأولى 1418هـ/ الموافق: 5 أيلول 1997م.

وقد ألقى سماحته خطبتي صلاة الجمعة بحضور حشدٍ من الشَّخصيَّات العلمائيَّة والسّياسيَّة والاجتماعيَّة، وآلافٍ من المؤمنين، ومما جاء فيهما:

أكبر الجهاد: جهاد النّفس

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[1]. تريد هذه الآية أن تبيّن قيمة النّاس الَّذين لا يعيشون الحياة لذّةً وعبثاً واسترخاءً ولامبالاة، ولكنَّهم يعيشونها مسؤوليَّة، حيث يعتبر الواحد منهم نفسه مجاهداً في سبـيل الله، والجهاد في سبيل الله ليس جهاد السِّلاح فحسب، ولكنَّه كلّ جهادٍ يتحرَّك الإنسان فيه من أجل أن يقدِّم لله شيئاً من عقله وقلبه وجهده وطاقته في كلّ ما يحبّه الله في الحياة.

وأوَّل جهادٍ يريده الله من الإنسان ـ وهو أكبر الجهاد ـ جهاد النَّفس؛ أن يدرس كلَّ نفسه، ويتعرَّف ما فيها من عناصر الحقّ والخير وعناصر الباطل والشّرّ، فإنَّ الإنسان ـ كلّ إنسان منّا ـ عندما يبدأ طفولته، فهناك أشياء يرثها في أصل تكوينه من أجداده وآبائه، وهناك أشياء يرثها من بيئته. ففي الطّفولة، نختزن أشياء كثيرة تدخل إلى عقولنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وعاداتنا، لا نعرف كيف دخلت، فقد يمتصّ الطّفل شيئاً من عادات أبيه أو أمّه، أو من الأطفال الّذين يلعب معهم، وقد يمتصّ شيئاً من الأفكار الّتي يسمعها من أبيه أو أمّه أو مَنْ حولهما، وقد يمتصّ شيئاً من الأفكار والأحاسيس والمشاعر، من خلال ما يشاهده في التّلفزيون، أو ما يسمعه في الإذاعة، أو ما إلى ذلك.

وهكذا، عندما ينطلق الإنسان في مرحلة الشّباب، وللشابّ رفاقه وأصدقاؤه وملاعبه ومجالاته في الحياة، يأخذ من هذا فكرة، ومن ذاك طبعاً، ومن هذا عادةً، وما إلى ذلك، وهكذا تزحف الكثير من الأفكار الّتي نقرأها أو نـسمعها أو نعيشها. والكثير من العادات الموجودة في مجتمعاتنا، تزحف إلينا من دون اختيار، فنشعر بأنَّنا نفكّر بطريقة لم يكن لنا خيار فيها، ولكنّنا تأثّرنا بها.

هنا، يريد الله للإنسان أن يدرس نفسه دائماً قبل أن تنظر عيناه إلى ما عند الآخرين، وقبل أن يتوجَّه فكره إلى ما عندهم، لذلك سلّط ـ أيّها الإنسان ـ عين عقلك على كلِّ ما في عقلك من أفكار الخير والشّرّ، والحقّ والباطل، والعدل والظّلم، وسلّط عين قلبك على كلِّ ما في قلبك من عواطف الحبِّ والبغض، وعواطف الخير والشرّ، وسلِّط عين ذاتك على كلِّ ما تعتاده من أعمالٍ وحركاتٍ، وما تطلقه من كلمات، فإذا رأيت أنَّ هناك شرّاً يرقد في عقلك، وباطلاً يعيش في فكرك، وإحساساً خبيثاً يعيش في قلبك، وعادةً سيّئةً تسيطر على حياتك، أو أعمالاً شـرّيرة تتحرَّك في طاقاتك، فحاول أن تجاهد نفسك، وتجعل منها شيئاً آخر، كما لو كانت عدوّاً تجاهده، أو شـخصاً يريد أن يقتلك لتدافع عن نفسك، لأنَّه ليس هناك فرقٌ بين النّـاس الذين يهجمون علينا ليقتلونا جسديّاً، ومن يهجم علينا ليقتلنا روحيّاً ودينيّاً من أجل أن يُســقط روحنا ويفقدنا ديننا. ونحن نعرف أنّنا نُحشَر إلى الله بما نملك من روحٍ تنفتح عليه سبحانه، وأنّنا نقف بين يدي الله من خلال هذا الدِّين الّذي أرادنا الله أن نجعل حياتنا من أجله.

لذلك، قد يغلبكم النّاس على دينكم ويضيّعون روحكم، وقد يتحرّك الكثيرون من أصدقائكم وأقربائكم ليستغلّوا عاطفة الصّداقة والقرابة، ليكيدوا لكم، وليوجِّهوكم في الطريق التي لا يريدها الله. لذلك، اجلسوا مع أنفسكم ساعةً أو ساعتين، وافحصوها فحص الطَّبيب للمريض، وحاولوا أن تكتشفوا المرض في بداياته قبل أن يتأكَّد فلا تستطيعوا لعلاجه سبـيلاً. ومن هنا، إنكم عندما تجاهدون أنفسكم، فإنّكم تربحونها، أمّا إذا تركتموها على هواها وأهملتموها وجعلتموها تخوض مع الخائضين وتركض مع الرّاكضين، إلى أين؟ لا تدرون إلى أيـن! فإنَّ التيّار يحملكم من موجةٍ إلى موجة، والأوضاع تندفع بكم إلى هذا وإلى ذاك، وأنتم لا تدرون ولا تعرفون أين الشّاطئ، فلا بدَّ لنا إذا حملتنا أمواج الضّلال والفسق والفجور والباطل ـ سواء كان باطلاً في العقيدة أو الشّريعة أو السّياسة ـ من أن نسبح ونسبح ونسبح حتى نبلغ الشّاطئ، لأنّ الّذي لا يبلغه، سوف تأخذه الأمواج إلى الأعماق، والأعماق هنا نار جهنّم، وليست عمق البحر.

دور الجهاد في تأصيل النّفس

تــعالوا إلى رسول الله(ص)، وإلى عليّ(ع)، وإلى الأئمّة من أهل البيت(ع)،  كيف يحدِّثوننا عن هذا الجهاد الَّذي أرادنا الله أن نخوضه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؟ إذا قرَّرت أن تجاهد نفسك أو أن تسير في أيِّ جهادٍ يريد الله لك أن تتحرّك فيه، فإنّ الله يكون معك.. يقول النبيّ(ص) فيما روي عنه، أنّه بعث بسريّة للغزو، فلمّا رجعوا قال(ص): "مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر ـ وهم الّذين عرّضوا أنفسهم للموت ـ وبقي عليهم الجهاد الأكبر"، قيل: "يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟"، قال(ص): "جهاد النّفس"، ثم قال: "أفضل الجهاد من جاهد نفسه الَّتي بين جنبيه"[2]؛ جاهدها في عناصر الباطل والظّلم والشرّ الكامنة في داخلها، لأنّ النّاس إذا لم يجاهدوا أنفسهم، فإنَّ الشرّ يسيطر عليهم، فتكون عقولهم عقول الشّرّ والباطل، وتكون قلوبهم قلوب الأحاسيس والمشاعر الخبيثة، وتكون حركتهم حركة الباطل والظّلم، وبذلك يكونون خطراً على أنفسهم وعلى الحياة.

وإذا أردت أن تكون واحداً من المجاهدين في ساحة الجهاد، فإنَّك إذا لم تعمل على أن تصوغ شخصيَّتك على أساس أن تكون محبّاً لله خائفاً منه، تحمل مسؤوليَّته عن عباد الله، وتتحرَّك في خطِّ الله، وتقاتل في سبيل الله، فأيّ جهادٍ سوف يكون جهادك؟ لذلك، إنَّ جهاد النّفس يؤصِّل لك نفسك ويطهّرها.

إنّنا نقوم بحمَّامٍ يوميّ لأجسادنا حتى نخرج بجسمٍ نظيف، ولكن مَنْ منّا يقوم بحمّامٍ لعقله ولقلبه، ليفحص ما في قلبه وعقله من الأوساخ، وليفحص ما في حياته وعلاقاته ومعاملاته ومواقفه من الأوساخ؟

لقد قال "أبو العلاء المعري" وهو يصوّر غفلة الإنسان عن أقذار قلبه:

ثوبي محتاج إلى غاسلٍ          وليت قلبي مثله في النّقاء

ونحن لا نفكِّر في غسل قلوبنا، وقلوبنا هي الَّتي نقف فيها بين يدي ربّنا، ألا نقرأ ما ينقله الله من كلام إبراهيم(ع): {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[3]! لذلك، لا بدَّ لنا من أن نقوم يوميّاً بحمّامٍ لعقولنا لنغسل منها أوساخ الباطل، وحمّامٍ لقلوبنا لنغسل منها مشاعر الشرّ، وحمّامٍ لحياتنا لنطرد منها كلّ أوساخ عاداتنا وتقاليدنا وكلماتنا ومواقفنا الّتي لا يرضاها الله تعالى.

وفي حديثٍ عن الإمام عليّ(ع): "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدوِّ عدوّه ـ كيف تقف مع عدوّك؟ كيف هي إرادتك عندما تقف في ساحة المعركة؟ كيف هو تصميمك على أن تقتل العدوّ؟ فعندما تقف نفسك وتريد منك أن تترك طاعة الله، اعتبرها كما لو كانت عدوّاً. لا بدَّ لك من أن تقتل هواها وما تدعوك إليه من البُعد عن طاعة الله ـ وغالبها مغالبة الضّدّ ضدَّه، فإنَّ من أقوى النّاس من قَوِيَ على نفسه"[4]. ويقول عليّ(ع): "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشَّريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه"[5]، طالبها بما لله عليك في عبادتك وعلاقاتك ومالك وفي كلّ حياتك، طالبها كما تطلب خصمك الَّذي يأكل عليك حقَّك.

الجهاد ثمن الجنّة

وفي كلمةٍ أخرى مرويّةٍ عن رسول الله(ص): "جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم"[6]، لا بدَّ لك من أن تكون سيّد نفسك، أن تملك أنت نفسك، ومعنى أن تملك نفسك، أن تستطيع أن تقول "لا" دائماً إذا كانت الـ"لا" هي ما يريده الله منك، وأن تقول "نعم" إذا كانت الـ"نعم" هي ما يريده الله منك. ويقول(ع): "جاهد شهوتكـ إذا كانت محرَّمة ـ وغالب غضبك ـ إذا كان سيؤدِّي بك إلى معصية الله ـ وخالف سوء عادتك، تزكّ نفسك، ويكمل عقلك، وتستكمل ثواب ربّك"[7]. ويقول(ع): "ألا وإنّ الجهاد ثمن الجنّة، فمن جاهد نفسه ملكها، وهي أكرم ثواب الله لمن عرفها"[8]، و"ردْع النّفس وجهادها عن أهويتها يرفع الدّرجات ويضاعف الحسنات"[9].

وورد عن الرّسول(ص) في حديثه لعليّ(ع): "أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ بظلم أحد"[10]، فإذا كنت تريد أن تكون مجاهداً في كلّ صباح، فإنّك إذا كنت لا تفكّر في أن تظلم زوجتك أو ولدك وجارك ومن تتعامل معه وتعيش معه، فأنت المجاهد.. وللمرأة دور في الجهاد، فإنَّ جهادها هو "حُسْن التبعُّل"[11]، أن تكون زوجةً صالحةً لزوجها، أن تصبر على الكثير من سلبيّات زوجها من أجل أن تركِّز بيتها على أساس متين، وإذا كانت تتحمَّل بعض السلبيّات من زوجها في حياتها الزّوجيَّة، فإنها تحفظ بيتها وأولادها، وسوف تكون النّتيجة لها في الدّنيا مزيداً من الاستقرار العائليّ، وفي الآخرة يعطيها الله أجر المجاهدين. إنَّ المسألة تحتاج إلى نوعٍ من سعة الصّدر والعقل وهدوء الأعصاب.

أيّها الأحبّة، إنَّ الله تعالى حدَّثنا في القرآن الكريم، وإن كان على لسان امرأة ـ زوجة عزيز مصر ـ لم تكن صالحةً فصلحت: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ}، وجاء في دعاء الثّلاثاء المروي عن الإمام زين العابدين(ع): "وأعوذ به من شرّ نفسي إنَّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربي"[12]. فلنجلس مع أنفسنا ولندرسها ولنجاهدها ولنطهِّرها من كلِّ سوء، لأنّنا قد نذهب في الحياة يميناً وشمالاً، قد يصفِّق لنا النّاس وقد يهتفون بأسمائنا، ولكنّنا سوف نُحشَر مع ما في عقولنا من حقٍّ أو باطل، ومع ما في قلوبنا من خيرٍ وشرٍّ، ومع ما في حياتنا من ظلمٍ وعدل.

أيّها الإنسان، ستنزل في قبرك مع كلِّ هذا في نفسك، وستُحشَر غداً مع كلِّ هذا في موقفك، وستقف بين يدي الله ليحاسبك على كلِّ ما في قلبك، لأنَّه تعالى ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى وجوهكم، فرتِّب شغلك واحسب حساباتك قبل أن يأتي اليوم الحاسم الّذي تقف فيه بين يدي ربّك.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[13].

بسم الله الرّحمن الرّحيم، عباد الله.. اتّقوا الله في أنفسكم وراقبوها في الصَّباح والمساء، حتى تملكوا أمر أنفسكم، وتستطيعوا أن تسيروا بها في الطَّريق المستقيم، وتبتعدوا بها عن الطَّريق المنحرف، حاولوا أن تحرسوا أنفسكم أكثر مما يحرس الإنسان جسده، لأنَّ الشّيطان يعمل على أن يعبث في أنفسكم ليُزيّن لكم الشّرّ باسم الخير، وأن يُخرج الباطل بصورة الحقّ. حاولوا أن تعيشوا مع أنفسكم حتى ينطلق الإنسان بنفسٍ صافيةٍ بين يدي الله.. لا تُدخلوا في أنفسكم محبَّة أيِّ ظالم ـ صغيراً أو كبيراً ـ إيّاكم أن تختزنوا في داخل نفوسكم ولاية أيِّ مستكبرٍ على مستوى الأشخاص أو الدّول، ارفضوا الباطل كلَّه والاستكبار كلَّه والظّلم كلَّه من أيِّ شخص، ولتكن حياتكم حياة الحقِّ في العقيدة والعاطفة والحركة والموقف في كلِّ مجال.

اليقظة أمام العدوّ

لهذا، لا بدَّ لكم من أن تركِّزوا في أنفسكم المسؤوليَّة عن كلِّ ما حمَّلكم الله مسؤوليَّته. ومما حمَّلنا الله مسؤوليّته، أن نقف من أجل أن نكون الأقوياء أمام الّذين يريدون أن يُسقطوا قوّتنا، وأن نكون الأعزّاء أمام الّذين يريدون أن يصادروا عزّتنا. إنَّ علينا أن نكون كما أرادنا الله، خير أمَّةٍ أخرجت للنّاس، نأمر بالمعروف في كلّ مواقعه، وننهى عن المنكر في كلّ مواقعه، ونعيش مع كلّ قضايا أمّتنا في أفراحها وأحزانها، في آلامها وانتصاراتها، وأن نقف مع المجاهدين في كلِّ مواقع الجهاد في العالم الإسلاميّ، ونقف ضدَّ الخائنين في كلّ مواقع الخيانة في العالم الإسلاميّ، ثم نحاول أن نعرف ماذا هناك.

في فجر هذا اليوم الجمعة، والنّاس نائمون، والمجاهدون يعيشون اليقظة كأوسع وأوعى ما تكون اليقظة، والعدو يدبّر ويدفع بجنوده في حماية بوارجه وطائراته ومدافعه، من أجل أن يدخل غادراً في داخل مناطقنا المدنية المحرّرة، وهو يظنّ أنَّ القوم في غفلة، وأنَّ الجميع نائمون، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى أراد للمجاهدين ألا يؤخذوا على حين غرّة، وأراد لهم ألا يُلدَغوا من جحر مرّتين، فما كان إلا أن واجهوا الموقف، تماماً كما حدث في عام الفيل، وجاءتهم الطّير الأبابيل فجعلتهم كعصفٍ مأكول...

في فجر سوم الجمعة، جاء العدوّ ليستعرض عضلاته، وليقول للمجاهدين إنَّه الأقوى في أرضنا، والقادر على أن يقتل هنا ويغتال هناك، ولكنّ المسألة أنّه لا يعرف أنّ هناك لطفاً إلهيّاً أقوى من كلِّ مدافعه، وأنَّ هناك رحمةً إلهيَّةً أقوى من كلِّ خططه، وقد قال الله لرسوله في بعض معارك الإسلام، وقد انتصر الإسلام في تلك المعركة: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ الله رَمَى}[14]، وهكذا، نجد هذا الموقف البطوليّ الرائع الَّذي جعل المجاهدين يرصدون العدوّ ويكشفون خططه ويطبقون عليه، ولم تفلح دبّاباته وبوارجه وطائراته في إنقاذ جنوده، وقد قال أحد قادة العدوّ: "إنّنا لم نُصب منذ ثلاثين سنة بما أُصبنا به في هذه المعركة"، إنّنا نريد للأمّة أن تقف مع المجاهدين بكلّ قوّة.

أيّها الأحبَّة، لا تفكّروا في مسألة اليهود كما لو كانوا مجرّد جماعة نختلف معهم في سياسة أو في حدود.. إنَّنا نختلف معهم في العمق، {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ}[15]. كلامنا هذا ليس شعاراً سياسيّاً، وإنَّما هو قول الله تعالى أصدق القائلين. إنَّهم يعيشون العداوة لنا في كلِّ ما للحقد من معنى، ولو أنّنا راقبنا استطلاعات الرّأي في داخل المجتمع الصهيونيّ، لرأينا أنَّ الأكثريَّة هناك تنادي بأن يقتل العرب نساءً ورجالاً وأطفالاً، وأن يقتل المسلمون كلّهم.

وعي المخطّطات الصهيونيّة

إنَّهم يعملون على الكيد لنا، لذلك لا بدَّ لنا من أن نكون الواعين في مواجهة مخطَّطاتهم، ألا يدخلوا إلينا من باب الفتنة، وألا يدخلوا إلينا من باب الإشاعات التي يطلقونها هنا وهناك، ألا يدخلوا إلينا من باب الأساليب المخابراتيَّة، وألا يُضعفوا علاقات الأمَّة بالمجاهدين، لأنهم لا يريدون أن نكون أقوياء، إنهم يريدوننا أن نكون المهزومين دائماً. لقد هزمونا في 47 و48 و56 و67، وهزمونا في أكثر من موقعٍ من المواقع، حتى عندما سجَّلنا عليهم نصراً، حاولوا أن يحوِّلوا النَّصر إلى هزيمة.. وحدهم المجاهدون هم الَّذين سجَّلوا الانتصارات من خلال المقارنة بين حجم ما عندهم من قوّة ماديّة وما عند العدوّ من القوَّة.

لذلك ـ أيّها الأحبّة ـ لا بدَّ من أن نكون الأقوياء. إنَّ الضعفاء سوف يسحقهم العالم.. إنّ الضّعفاء لا يحترمهم أحد، لذلك لا بُدَّ لنا من أن نكون الأقوياء، ولا بُدَّ لنا من أن نساعد الضّعفاء، وأن ندعمهم بكلِّ ما عندنا من طاقةٍ وجهدٍ في هذا المجال، ونريد للجميع أن يتلاحموا في الموقف ضدَّ العدوّ الصّهيونيّ، كما تحدَّثنا في الأسبوع الماضي، كما نريد للجيش اللّبنانيّ أن ينسِّق مع هؤلاء الّذين يجاهدون من أجل إزالة الاحتلال، ونريد للدّولة أن تقف موقفاً أكثر قوّةً وصلابةً في هذا الاتجاه .

إنَّ المواجهة البطوليَّة التي قام بها المجاهدون في لبنان ـ ولا سيّما المقاومة الإسلاميّة ـ ضدّ العدوّ الذي حاول اختراق المناطق المحرّرة، بإرسال قوّةٍ من جنوده إلى منطقة "أنصاريّة".. إنَّ هذه المواجهة استطاعت أن تُنـزل بالعدوّ خسائر جسيمة في القتلى والجرحى، وأثبتت أنَّ المجاهدين قادرون على حماية أهلهم وأرضهم. إنّنا ندعو إلى المزيد من التّلاحم بين المجاهدين والجيش اللّبناني، من أجل مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ بكلّ مخطَّطاته وعمليّاته.

إنَّنا نشدّ على أيدي المجاهدين، ونقول لهم: سلمت أيديكم، فهذا هو الجهاد الَّذي تحمَّلتم مسؤوليَّته بكلِّ قوّةٍ وإيمانٍ وإخلاص، وعلى الأمّة كلّها أن تقف معكم، لأنّكم استطعتم أن تمنحوها عنفوان الرّوح وشرف العزّة والكرامة.

أمّا بالنّسبة إلى ما كثر الحديث عنه، وهو "تفعيل لجنة المراقبة"، فإنّنا نسأل: ما هو المقصود بـ"تفعيل" دورها؟ هل هو إعطاء دور أكبر لها، أو إعطاؤها دوراً سياسيّاً أكبر زيادةً على الدّور الأمنيّ، والانطلاق من خلاله إلى مفاوضات التّسوية، أو هو العمل على تعديل "تفاهم نيسان" من أجل تجميد عمليات المقاومة؟ لا بدَّ من دراسة هذه الخطَّة الأميركيَّة ـ الإسرائيليَّة بدقَّة وحذر، لمواجهة كلِّ الخطط الخبيثة التي تستهدف سوريا ولبنان والمقاومة.

أبعاد الزّيارة الإسرائيليَّة

إنَّ مشكلة العرب أنهم ـ في أكثريتهم ـ سلّموا أوراقهم إلى أميركا في أمورهم السياسيَّة والأمنيَّة، فها هم ينتظرون زيارة وزيرة الخارجيّة الأميركيّة من أجل أن تقوم بحلّ مشاكلهم مع العدو الصّهيونيّ، ونحن نعرف أن المسؤولين الأميركيين يعملون دائماً على الضّغط على الفلسطينيّين والعرب لمصلحة إسرائيل، من أجل أمنها المطلق ضدّ الأمن العربي، وسيطرتها الشّاملة على مواقع الاقتصاد العربيّ.

فهذه الزّيارة تهدف أوّلاً إلى حماية الأمن الإسرائيلي من أيِّ عملٍ جهاديٍّ من قِبَل المقاومة في فلسطين ولبنان، مع إعطائها العدوّ الحريَّة العدوانيَّة في تدمير الأمن اللّبناني، لحماية احتلاله في لبنان.

ثانياً: الضَّغط على الدّول العربيّة لإنجاح مؤتمر قطر الاقتصاديّ التَّطبيعيّ مع العدوّ، من أجل أن تتراجع الدّول الرَّافضة لحضور المؤتمر، وفي مقدَّمها بعض دول الخليج.

ثالثاً: طرح موضوع التسلّح الإيراني لابتزاز دول الخليج، للمزيد من شراء الأسلحة لحساب الاقتصاد الأميركيّ، ولتعقيد علاقات دول مجلس التّعاون الخليجي بإيران، بالحديث المتكرِّر عن أنَّ إيران هي الخطر لا إسرائيل، في الوقت الَّذي نجد الكثير من الانفراج في تلك العلاقات، من خلال مدِّ إيران يد الصّداقة لهذه الدّول، واستعدادها للانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ عليها، مما لا توافق عليه أميركا، الّتي تعمل على عزل إيران سياسياً واقتصادياً وإبقاء الخليج تحت السَّيطرة الأميركيّة المطلقة. ونحن نتصوَّر أنَّ دول مجلس التّعاون قد أصبحت تفهم جيِّداً أنَّ مصلحتها في الانفتاح على إيران، لا في الانغلاق عنها.

إننا لا نرحِّب بزيارة هذه الوزيرة، لأنها سوف تربك الأوضاع في المنطقة، وتحوِّل ساحاتها إلى المزيد من الصِّراعات لحساب المصالح الأميركيَّة والإسرائيليَّة. وعلى دول المنطقة وشعوبها أن تواجه ذلك بالحذر الشَّديد، وبالمزيد من التَّضامن والتَّخطيط ضدَّ هذه الخطَّة الشّيطانيَّة.

الرّوح الجهاديّة حيّة

وإنّ هذه العمليّات الاستشهادية البطوليَّة في القدس، تدلّ دلالةً واضحةً على أنَّ الرّوح الجهاديَّة الإسلاميَّة لم تمت ولن تموت، وأنّ من الصَّعب على حكومة العدوّ أن تصل إلى أيِّ أمنٍ لليهود في فلسطين من خلال كلّ الوحشيّة الّتي تفرضها على الشّعب الفلسطينيّ في القتل والاعتقال والحصار وتدمير المنازل ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات.. إنها الحرب الّتي فرضتها حكومة العدوّ على كلّ الواقع الفلسطينيّ، وإذا كانت أميركا وغيرها تتحدَّث عن قتل المدنيّين اليهود، فإنّنا لا نجد مثل هذه الأحاديث المستنكرة لقتل المدنيّين الفلسطينيّين واللّبنانيّين، لأنَّ أميركا لا تحترم المدنيّين العرب، فلا مشكلة عندها في أيِّ اعتداءٍ ضدّهم.

إنّ أميركا وإسرائيل تشجِّعان سلطة الحكم الذّاتي للمزيد من الضّغط على المجاهدين في "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، من أجل منع هذه العمليّات الاستشهاديّة وحماية أمن أسرائيل، ولكنّنا نتصوّر أنّ "عرفات" سوف يقع في خطأٍ أكثر جسامةً من أخطائه السّابقة إذا استجاب لهذه الرّغبات الأميركيّة والإسرائيليّة، لأنَّ عليه حينئذٍ ـ تنفيذاً للخطَّة المطلوبة منه ـ أن يعتقل الشَّعب الفلسطينيّ كلّه الّذي يقف وراء المجاهدين، كما أنَّ ذلك سوف يحوِّل السّاحة الفلسطينيّة إلى فوضى أمنيَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة، وليس في هذا مصلحة للفلسطينيّين.. إنّ المزيد من الصّمود هو الّذي يحقّق النّتائج الكبيرة في المستقبل.

إنَّ هذه العمليّات رسالة واضحة إلى أميركا وإسرائيل، بأنّ أيّ خطّة سياسيّة وأمنيّة تستهدف مستقبل الفلسطينيّين لا تستطيع ضمان أمن اليهود، فلتفعل أميركا ما تشاء، وليتحرَّك نتنياهو بكلِّ أجهزته وحصاره وتجويعه وجبروته. حتى عرفات، فإنَّه مهما خضع للضّغوط، فإنّه لا يستطيع شيئاً، لأنَّ المجاهدين قرّروا الاستمرار في الانتفاضة ومعاقبة إسرائيل، والشَّعب كلّه معهم والأمّة كلّها معهم.

لبنان: تحذير من فرض الضّرائب

أمّا على الصَّعيد الداخليّ، فإننا نحذّر من التّخطيط لفرض ضرائب جديدة على الشَّعب، ولا سيّما في هذه المرحلة الصّعبة التي يعاني فيها الشَّعب ضغط الموسم المدرسيّ، الذي يرتب عليه الكثير من المصاريف الباهظة.. إنّنا نتصوَّر أنَّ الواقع الاقتصادي في لبنان قد وصل إلى ما يقارب الخطوط الحمراء، سواء من خلال تراكم القروض الداخلية أو الخارجية التي بلغت حوالى عشرة مليارات دولار أو ما يزيد، والاندفاع إلى سياسة الضَّرائب التّصاعديَّة الَّتي أثقلت كاهل الشعب، ونحن نرفض الأسلوب الذي يقول إمّا الضرائب وإمّا لا مشاريع، لأنَّ هذه اللّغة ليست لغة المسؤول الّذي يحترم شعبه وموقعه، كما لا بدَّ من الانتباه إلى سياسة أسلوب الضَّرائب بالتّقسيط.. إنّنا ندعو الحكومة والموالاة والمعارضة إلى لقاءٍ وطنيٍّ شاملٍ للبحث في الطريقة المثلى للخروج من الأزمة الاقتصاديّة.

وختاماً، في الوقت الّذي لا بدّ من الإعلان عن رفض التوطين، فإنّنا نسأل الهيئات الدولية عن حقوق الفلسطينيّين المقيمين في لبنان، وعن سياسة التقشّف الجديدة لوكالة "الأونروا" الدوليَّة: لماذا يُعامل الشّعب الفلسطيني كشعبٍ منبوذ، مع أنه يستحقّ كلَّ احتضان، لما عاناه ويعانيه الآن من المؤامرات من كلّ مكان؟

إنّنا ندعو العرب والمسلمين إلى تحمّل مسؤوليّاتهم من أجل هذا الشَّعب المشرّد، ونطالب بدراسة القوانين الدّاخليّة في لبنان بما يتعلَّق برعاية أوضاع هذا الشَّعب الذي يحتاج إلى كلّ حماية ورعاية من الجميع.


[1]  [العنكبوت: 69].

[2]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 67، ص 65.

[3]  [الشعراء: 87 ـ 89]

[4] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 1، ص 454.[4]

[5]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[6]  المصدر نفسه، ج 1، ص 455.

[7]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[8]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[9]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[10] بحار الأنوار، ج 72، ص 315.[10]

[11] وسائل الشيعة، ج 15، ص 23.[11]

[12]  بحار الأنوار، ج 87، ص 187.

[13]  [الماعون].

[14]  [الأنفال: 17].

[15]  [المائدة: 82].

أمَّ سماحـة المرجع فضل الله المصلّين في مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بتاريخ 3 جمادى الأولى 1418هـ/ الموافق: 5 أيلول 1997م.

وقد ألقى سماحته خطبتي صلاة الجمعة بحضور حشدٍ من الشَّخصيَّات العلمائيَّة والسّياسيَّة والاجتماعيَّة، وآلافٍ من المؤمنين، ومما جاء فيهما:

أكبر الجهاد: جهاد النّفس

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[1]. تريد هذه الآية أن تبيّن قيمة النّاس الَّذين لا يعيشون الحياة لذّةً وعبثاً واسترخاءً ولامبالاة، ولكنَّهم يعيشونها مسؤوليَّة، حيث يعتبر الواحد منهم نفسه مجاهداً في سبـيل الله، والجهاد في سبيل الله ليس جهاد السِّلاح فحسب، ولكنَّه كلّ جهادٍ يتحرَّك الإنسان فيه من أجل أن يقدِّم لله شيئاً من عقله وقلبه وجهده وطاقته في كلّ ما يحبّه الله في الحياة.

وأوَّل جهادٍ يريده الله من الإنسان ـ وهو أكبر الجهاد ـ جهاد النَّفس؛ أن يدرس كلَّ نفسه، ويتعرَّف ما فيها من عناصر الحقّ والخير وعناصر الباطل والشّرّ، فإنَّ الإنسان ـ كلّ إنسان منّا ـ عندما يبدأ طفولته، فهناك أشياء يرثها في أصل تكوينه من أجداده وآبائه، وهناك أشياء يرثها من بيئته. ففي الطّفولة، نختزن أشياء كثيرة تدخل إلى عقولنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وعاداتنا، لا نعرف كيف دخلت، فقد يمتصّ الطّفل شيئاً من عادات أبيه أو أمّه، أو من الأطفال الّذين يلعب معهم، وقد يمتصّ شيئاً من الأفكار الّتي يسمعها من أبيه أو أمّه أو مَنْ حولهما، وقد يمتصّ شيئاً من الأفكار والأحاسيس والمشاعر، من خلال ما يشاهده في التّلفزيون، أو ما يسمعه في الإذاعة، أو ما إلى ذلك.

وهكذا، عندما ينطلق الإنسان في مرحلة الشّباب، وللشابّ رفاقه وأصدقاؤه وملاعبه ومجالاته في الحياة، يأخذ من هذا فكرة، ومن ذاك طبعاً، ومن هذا عادةً، وما إلى ذلك، وهكذا تزحف الكثير من الأفكار الّتي نقرأها أو نـسمعها أو نعيشها. والكثير من العادات الموجودة في مجتمعاتنا، تزحف إلينا من دون اختيار، فنشعر بأنَّنا نفكّر بطريقة لم يكن لنا خيار فيها، ولكنّنا تأثّرنا بها.

هنا، يريد الله للإنسان أن يدرس نفسه دائماً قبل أن تنظر عيناه إلى ما عند الآخرين، وقبل أن يتوجَّه فكره إلى ما عندهم، لذلك سلّط ـ أيّها الإنسان ـ عين عقلك على كلِّ ما في عقلك من أفكار الخير والشّرّ، والحقّ والباطل، والعدل والظّلم، وسلّط عين قلبك على كلِّ ما في قلبك من عواطف الحبِّ والبغض، وعواطف الخير والشرّ، وسلِّط عين ذاتك على كلِّ ما تعتاده من أعمالٍ وحركاتٍ، وما تطلقه من كلمات، فإذا رأيت أنَّ هناك شرّاً يرقد في عقلك، وباطلاً يعيش في فكرك، وإحساساً خبيثاً يعيش في قلبك، وعادةً سيّئةً تسيطر على حياتك، أو أعمالاً شـرّيرة تتحرَّك في طاقاتك، فحاول أن تجاهد نفسك، وتجعل منها شيئاً آخر، كما لو كانت عدوّاً تجاهده، أو شـخصاً يريد أن يقتلك لتدافع عن نفسك، لأنَّه ليس هناك فرقٌ بين النّـاس الذين يهجمون علينا ليقتلونا جسديّاً، ومن يهجم علينا ليقتلنا روحيّاً ودينيّاً من أجل أن يُســقط روحنا ويفقدنا ديننا. ونحن نعرف أنّنا نُحشَر إلى الله بما نملك من روحٍ تنفتح عليه سبحانه، وأنّنا نقف بين يدي الله من خلال هذا الدِّين الّذي أرادنا الله أن نجعل حياتنا من أجله.

لذلك، قد يغلبكم النّاس على دينكم ويضيّعون روحكم، وقد يتحرّك الكثيرون من أصدقائكم وأقربائكم ليستغلّوا عاطفة الصّداقة والقرابة، ليكيدوا لكم، وليوجِّهوكم في الطريق التي لا يريدها الله. لذلك، اجلسوا مع أنفسكم ساعةً أو ساعتين، وافحصوها فحص الطَّبيب للمريض، وحاولوا أن تكتشفوا المرض في بداياته قبل أن يتأكَّد فلا تستطيعوا لعلاجه سبـيلاً. ومن هنا، إنكم عندما تجاهدون أنفسكم، فإنّكم تربحونها، أمّا إذا تركتموها على هواها وأهملتموها وجعلتموها تخوض مع الخائضين وتركض مع الرّاكضين، إلى أين؟ لا تدرون إلى أيـن! فإنَّ التيّار يحملكم من موجةٍ إلى موجة، والأوضاع تندفع بكم إلى هذا وإلى ذاك، وأنتم لا تدرون ولا تعرفون أين الشّاطئ، فلا بدَّ لنا إذا حملتنا أمواج الضّلال والفسق والفجور والباطل ـ سواء كان باطلاً في العقيدة أو الشّريعة أو السّياسة ـ من أن نسبح ونسبح ونسبح حتى نبلغ الشّاطئ، لأنّ الّذي لا يبلغه، سوف تأخذه الأمواج إلى الأعماق، والأعماق هنا نار جهنّم، وليست عمق البحر.

دور الجهاد في تأصيل النّفس

تــعالوا إلى رسول الله(ص)، وإلى عليّ(ع)، وإلى الأئمّة من أهل البيت(ع)،  كيف يحدِّثوننا عن هذا الجهاد الَّذي أرادنا الله أن نخوضه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؟ إذا قرَّرت أن تجاهد نفسك أو أن تسير في أيِّ جهادٍ يريد الله لك أن تتحرّك فيه، فإنّ الله يكون معك.. يقول النبيّ(ص) فيما روي عنه، أنّه بعث بسريّة للغزو، فلمّا رجعوا قال(ص): "مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر ـ وهم الّذين عرّضوا أنفسهم للموت ـ وبقي عليهم الجهاد الأكبر"، قيل: "يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟"، قال(ص): "جهاد النّفس"، ثم قال: "أفضل الجهاد من جاهد نفسه الَّتي بين جنبيه"[2]؛ جاهدها في عناصر الباطل والظّلم والشرّ الكامنة في داخلها، لأنّ النّاس إذا لم يجاهدوا أنفسهم، فإنَّ الشرّ يسيطر عليهم، فتكون عقولهم عقول الشّرّ والباطل، وتكون قلوبهم قلوب الأحاسيس والمشاعر الخبيثة، وتكون حركتهم حركة الباطل والظّلم، وبذلك يكونون خطراً على أنفسهم وعلى الحياة.

وإذا أردت أن تكون واحداً من المجاهدين في ساحة الجهاد، فإنَّك إذا لم تعمل على أن تصوغ شخصيَّتك على أساس أن تكون محبّاً لله خائفاً منه، تحمل مسؤوليَّته عن عباد الله، وتتحرَّك في خطِّ الله، وتقاتل في سبيل الله، فأيّ جهادٍ سوف يكون جهادك؟ لذلك، إنَّ جهاد النّفس يؤصِّل لك نفسك ويطهّرها.

إنّنا نقوم بحمَّامٍ يوميّ لأجسادنا حتى نخرج بجسمٍ نظيف، ولكن مَنْ منّا يقوم بحمّامٍ لعقله ولقلبه، ليفحص ما في قلبه وعقله من الأوساخ، وليفحص ما في حياته وعلاقاته ومعاملاته ومواقفه من الأوساخ؟

لقد قال "أبو العلاء المعري" وهو يصوّر غفلة الإنسان عن أقذار قلبه:

ثوبي محتاج إلى غاسلٍ          وليت قلبي مثله في النّقاء

ونحن لا نفكِّر في غسل قلوبنا، وقلوبنا هي الَّتي نقف فيها بين يدي ربّنا، ألا نقرأ ما ينقله الله من كلام إبراهيم(ع): {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[3]! لذلك، لا بدَّ لنا من أن نقوم يوميّاً بحمّامٍ لعقولنا لنغسل منها أوساخ الباطل، وحمّامٍ لقلوبنا لنغسل منها مشاعر الشرّ، وحمّامٍ لحياتنا لنطرد منها كلّ أوساخ عاداتنا وتقاليدنا وكلماتنا ومواقفنا الّتي لا يرضاها الله تعالى.

وفي حديثٍ عن الإمام عليّ(ع): "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدوِّ عدوّه ـ كيف تقف مع عدوّك؟ كيف هي إرادتك عندما تقف في ساحة المعركة؟ كيف هو تصميمك على أن تقتل العدوّ؟ فعندما تقف نفسك وتريد منك أن تترك طاعة الله، اعتبرها كما لو كانت عدوّاً. لا بدَّ لك من أن تقتل هواها وما تدعوك إليه من البُعد عن طاعة الله ـ وغالبها مغالبة الضّدّ ضدَّه، فإنَّ من أقوى النّاس من قَوِيَ على نفسه"[4]. ويقول عليّ(ع): "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشَّريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه"[5]، طالبها بما لله عليك في عبادتك وعلاقاتك ومالك وفي كلّ حياتك، طالبها كما تطلب خصمك الَّذي يأكل عليك حقَّك.

الجهاد ثمن الجنّة

وفي كلمةٍ أخرى مرويّةٍ عن رسول الله(ص): "جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم"[6]، لا بدَّ لك من أن تكون سيّد نفسك، أن تملك أنت نفسك، ومعنى أن تملك نفسك، أن تستطيع أن تقول "لا" دائماً إذا كانت الـ"لا" هي ما يريده الله منك، وأن تقول "نعم" إذا كانت الـ"نعم" هي ما يريده الله منك. ويقول(ع): "جاهد شهوتكـ إذا كانت محرَّمة ـ وغالب غضبك ـ إذا كان سيؤدِّي بك إلى معصية الله ـ وخالف سوء عادتك، تزكّ نفسك، ويكمل عقلك، وتستكمل ثواب ربّك"[7]. ويقول(ع): "ألا وإنّ الجهاد ثمن الجنّة، فمن جاهد نفسه ملكها، وهي أكرم ثواب الله لمن عرفها"[8]، و"ردْع النّفس وجهادها عن أهويتها يرفع الدّرجات ويضاعف الحسنات"[9].

وورد عن الرّسول(ص) في حديثه لعليّ(ع): "أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ بظلم أحد"[10]، فإذا كنت تريد أن تكون مجاهداً في كلّ صباح، فإنّك إذا كنت لا تفكّر في أن تظلم زوجتك أو ولدك وجارك ومن تتعامل معه وتعيش معه، فأنت المجاهد.. وللمرأة دور في الجهاد، فإنَّ جهادها هو "حُسْن التبعُّل"[11]، أن تكون زوجةً صالحةً لزوجها، أن تصبر على الكثير من سلبيّات زوجها من أجل أن تركِّز بيتها على أساس متين، وإذا كانت تتحمَّل بعض السلبيّات من زوجها في حياتها الزّوجيَّة، فإنها تحفظ بيتها وأولادها، وسوف تكون النّتيجة لها في الدّنيا مزيداً من الاستقرار العائليّ، وفي الآخرة يعطيها الله أجر المجاهدين. إنَّ المسألة تحتاج إلى نوعٍ من سعة الصّدر والعقل وهدوء الأعصاب.

أيّها الأحبّة، إنَّ الله تعالى حدَّثنا في القرآن الكريم، وإن كان على لسان امرأة ـ زوجة عزيز مصر ـ لم تكن صالحةً فصلحت: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ}، وجاء في دعاء الثّلاثاء المروي عن الإمام زين العابدين(ع): "وأعوذ به من شرّ نفسي إنَّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربي"[12]. فلنجلس مع أنفسنا ولندرسها ولنجاهدها ولنطهِّرها من كلِّ سوء، لأنّنا قد نذهب في الحياة يميناً وشمالاً، قد يصفِّق لنا النّاس وقد يهتفون بأسمائنا، ولكنّنا سوف نُحشَر مع ما في عقولنا من حقٍّ أو باطل، ومع ما في قلوبنا من خيرٍ وشرٍّ، ومع ما في حياتنا من ظلمٍ وعدل.

أيّها الإنسان، ستنزل في قبرك مع كلِّ هذا في نفسك، وستُحشَر غداً مع كلِّ هذا في موقفك، وستقف بين يدي الله ليحاسبك على كلِّ ما في قلبك، لأنَّه تعالى ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى وجوهكم، فرتِّب شغلك واحسب حساباتك قبل أن يأتي اليوم الحاسم الّذي تقف فيه بين يدي ربّك.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[13].

بسم الله الرّحمن الرّحيم، عباد الله.. اتّقوا الله في أنفسكم وراقبوها في الصَّباح والمساء، حتى تملكوا أمر أنفسكم، وتستطيعوا أن تسيروا بها في الطَّريق المستقيم، وتبتعدوا بها عن الطَّريق المنحرف، حاولوا أن تحرسوا أنفسكم أكثر مما يحرس الإنسان جسده، لأنَّ الشّيطان يعمل على أن يعبث في أنفسكم ليُزيّن لكم الشّرّ باسم الخير، وأن يُخرج الباطل بصورة الحقّ. حاولوا أن تعيشوا مع أنفسكم حتى ينطلق الإنسان بنفسٍ صافيةٍ بين يدي الله.. لا تُدخلوا في أنفسكم محبَّة أيِّ ظالم ـ صغيراً أو كبيراً ـ إيّاكم أن تختزنوا في داخل نفوسكم ولاية أيِّ مستكبرٍ على مستوى الأشخاص أو الدّول، ارفضوا الباطل كلَّه والاستكبار كلَّه والظّلم كلَّه من أيِّ شخص، ولتكن حياتكم حياة الحقِّ في العقيدة والعاطفة والحركة والموقف في كلِّ مجال.

اليقظة أمام العدوّ

لهذا، لا بدَّ لكم من أن تركِّزوا في أنفسكم المسؤوليَّة عن كلِّ ما حمَّلكم الله مسؤوليَّته. ومما حمَّلنا الله مسؤوليّته، أن نقف من أجل أن نكون الأقوياء أمام الّذين يريدون أن يُسقطوا قوّتنا، وأن نكون الأعزّاء أمام الّذين يريدون أن يصادروا عزّتنا. إنَّ علينا أن نكون كما أرادنا الله، خير أمَّةٍ أخرجت للنّاس، نأمر بالمعروف في كلّ مواقعه، وننهى عن المنكر في كلّ مواقعه، ونعيش مع كلّ قضايا أمّتنا في أفراحها وأحزانها، في آلامها وانتصاراتها، وأن نقف مع المجاهدين في كلِّ مواقع الجهاد في العالم الإسلاميّ، ونقف ضدَّ الخائنين في كلّ مواقع الخيانة في العالم الإسلاميّ، ثم نحاول أن نعرف ماذا هناك.

في فجر هذا اليوم الجمعة، والنّاس نائمون، والمجاهدون يعيشون اليقظة كأوسع وأوعى ما تكون اليقظة، والعدو يدبّر ويدفع بجنوده في حماية بوارجه وطائراته ومدافعه، من أجل أن يدخل غادراً في داخل مناطقنا المدنية المحرّرة، وهو يظنّ أنَّ القوم في غفلة، وأنَّ الجميع نائمون، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى أراد للمجاهدين ألا يؤخذوا على حين غرّة، وأراد لهم ألا يُلدَغوا من جحر مرّتين، فما كان إلا أن واجهوا الموقف، تماماً كما حدث في عام الفيل، وجاءتهم الطّير الأبابيل فجعلتهم كعصفٍ مأكول...

في فجر سوم الجمعة، جاء العدوّ ليستعرض عضلاته، وليقول للمجاهدين إنَّه الأقوى في أرضنا، والقادر على أن يقتل هنا ويغتال هناك، ولكنّ المسألة أنّه لا يعرف أنّ هناك لطفاً إلهيّاً أقوى من كلِّ مدافعه، وأنَّ هناك رحمةً إلهيَّةً أقوى من كلِّ خططه، وقد قال الله لرسوله في بعض معارك الإسلام، وقد انتصر الإسلام في تلك المعركة: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ الله رَمَى}[14]، وهكذا، نجد هذا الموقف البطوليّ الرائع الَّذي جعل المجاهدين يرصدون العدوّ ويكشفون خططه ويطبقون عليه، ولم تفلح دبّاباته وبوارجه وطائراته في إنقاذ جنوده، وقد قال أحد قادة العدوّ: "إنّنا لم نُصب منذ ثلاثين سنة بما أُصبنا به في هذه المعركة"، إنّنا نريد للأمّة أن تقف مع المجاهدين بكلّ قوّة.

أيّها الأحبَّة، لا تفكّروا في مسألة اليهود كما لو كانوا مجرّد جماعة نختلف معهم في سياسة أو في حدود.. إنَّنا نختلف معهم في العمق، {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ}[15]. كلامنا هذا ليس شعاراً سياسيّاً، وإنَّما هو قول الله تعالى أصدق القائلين. إنَّهم يعيشون العداوة لنا في كلِّ ما للحقد من معنى، ولو أنّنا راقبنا استطلاعات الرّأي في داخل المجتمع الصهيونيّ، لرأينا أنَّ الأكثريَّة هناك تنادي بأن يقتل العرب نساءً ورجالاً وأطفالاً، وأن يقتل المسلمون كلّهم.

وعي المخطّطات الصهيونيّة

إنَّهم يعملون على الكيد لنا، لذلك لا بدَّ لنا من أن نكون الواعين في مواجهة مخطَّطاتهم، ألا يدخلوا إلينا من باب الفتنة، وألا يدخلوا إلينا من باب الإشاعات التي يطلقونها هنا وهناك، ألا يدخلوا إلينا من باب الأساليب المخابراتيَّة، وألا يُضعفوا علاقات الأمَّة بالمجاهدين، لأنهم لا يريدون أن نكون أقوياء، إنهم يريدوننا أن نكون المهزومين دائماً. لقد هزمونا في 47 و48 و56 و67، وهزمونا في أكثر من موقعٍ من المواقع، حتى عندما سجَّلنا عليهم نصراً، حاولوا أن يحوِّلوا النَّصر إلى هزيمة.. وحدهم المجاهدون هم الَّذين سجَّلوا الانتصارات من خلال المقارنة بين حجم ما عندهم من قوّة ماديّة وما عند العدوّ من القوَّة.

لذلك ـ أيّها الأحبّة ـ لا بدَّ من أن نكون الأقوياء. إنَّ الضعفاء سوف يسحقهم العالم.. إنّ الضّعفاء لا يحترمهم أحد، لذلك لا بُدَّ لنا من أن نكون الأقوياء، ولا بُدَّ لنا من أن نساعد الضّعفاء، وأن ندعمهم بكلِّ ما عندنا من طاقةٍ وجهدٍ في هذا المجال، ونريد للجميع أن يتلاحموا في الموقف ضدَّ العدوّ الصّهيونيّ، كما تحدَّثنا في الأسبوع الماضي، كما نريد للجيش اللّبنانيّ أن ينسِّق مع هؤلاء الّذين يجاهدون من أجل إزالة الاحتلال، ونريد للدّولة أن تقف موقفاً أكثر قوّةً وصلابةً في هذا الاتجاه .

إنَّ المواجهة البطوليَّة التي قام بها المجاهدون في لبنان ـ ولا سيّما المقاومة الإسلاميّة ـ ضدّ العدوّ الذي حاول اختراق المناطق المحرّرة، بإرسال قوّةٍ من جنوده إلى منطقة "أنصاريّة".. إنَّ هذه المواجهة استطاعت أن تُنـزل بالعدوّ خسائر جسيمة في القتلى والجرحى، وأثبتت أنَّ المجاهدين قادرون على حماية أهلهم وأرضهم. إنّنا ندعو إلى المزيد من التّلاحم بين المجاهدين والجيش اللّبناني، من أجل مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ بكلّ مخطَّطاته وعمليّاته.

إنَّنا نشدّ على أيدي المجاهدين، ونقول لهم: سلمت أيديكم، فهذا هو الجهاد الَّذي تحمَّلتم مسؤوليَّته بكلِّ قوّةٍ وإيمانٍ وإخلاص، وعلى الأمّة كلّها أن تقف معكم، لأنّكم استطعتم أن تمنحوها عنفوان الرّوح وشرف العزّة والكرامة.

أمّا بالنّسبة إلى ما كثر الحديث عنه، وهو "تفعيل لجنة المراقبة"، فإنّنا نسأل: ما هو المقصود بـ"تفعيل" دورها؟ هل هو إعطاء دور أكبر لها، أو إعطاؤها دوراً سياسيّاً أكبر زيادةً على الدّور الأمنيّ، والانطلاق من خلاله إلى مفاوضات التّسوية، أو هو العمل على تعديل "تفاهم نيسان" من أجل تجميد عمليات المقاومة؟ لا بدَّ من دراسة هذه الخطَّة الأميركيَّة ـ الإسرائيليَّة بدقَّة وحذر، لمواجهة كلِّ الخطط الخبيثة التي تستهدف سوريا ولبنان والمقاومة.

أبعاد الزّيارة الإسرائيليَّة

إنَّ مشكلة العرب أنهم ـ في أكثريتهم ـ سلّموا أوراقهم إلى أميركا في أمورهم السياسيَّة والأمنيَّة، فها هم ينتظرون زيارة وزيرة الخارجيّة الأميركيّة من أجل أن تقوم بحلّ مشاكلهم مع العدو الصّهيونيّ، ونحن نعرف أن المسؤولين الأميركيين يعملون دائماً على الضّغط على الفلسطينيّين والعرب لمصلحة إسرائيل، من أجل أمنها المطلق ضدّ الأمن العربي، وسيطرتها الشّاملة على مواقع الاقتصاد العربيّ.

فهذه الزّيارة تهدف أوّلاً إلى حماية الأمن الإسرائيلي من أيِّ عملٍ جهاديٍّ من قِبَل المقاومة في فلسطين ولبنان، مع إعطائها العدوّ الحريَّة العدوانيَّة في تدمير الأمن اللّبناني، لحماية احتلاله في لبنان.

ثانياً: الضَّغط على الدّول العربيّة لإنجاح مؤتمر قطر الاقتصاديّ التَّطبيعيّ مع العدوّ، من أجل أن تتراجع الدّول الرَّافضة لحضور المؤتمر، وفي مقدَّمها بعض دول الخليج.

ثالثاً: طرح موضوع التسلّح الإيراني لابتزاز دول الخليج، للمزيد من شراء الأسلحة لحساب الاقتصاد الأميركيّ، ولتعقيد علاقات دول مجلس التّعاون الخليجي بإيران، بالحديث المتكرِّر عن أنَّ إيران هي الخطر لا إسرائيل، في الوقت الَّذي نجد الكثير من الانفراج في تلك العلاقات، من خلال مدِّ إيران يد الصّداقة لهذه الدّول، واستعدادها للانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ عليها، مما لا توافق عليه أميركا، الّتي تعمل على عزل إيران سياسياً واقتصادياً وإبقاء الخليج تحت السَّيطرة الأميركيّة المطلقة. ونحن نتصوَّر أنَّ دول مجلس التّعاون قد أصبحت تفهم جيِّداً أنَّ مصلحتها في الانفتاح على إيران، لا في الانغلاق عنها.

إننا لا نرحِّب بزيارة هذه الوزيرة، لأنها سوف تربك الأوضاع في المنطقة، وتحوِّل ساحاتها إلى المزيد من الصِّراعات لحساب المصالح الأميركيَّة والإسرائيليَّة. وعلى دول المنطقة وشعوبها أن تواجه ذلك بالحذر الشَّديد، وبالمزيد من التَّضامن والتَّخطيط ضدَّ هذه الخطَّة الشّيطانيَّة.

الرّوح الجهاديّة حيّة

وإنّ هذه العمليّات الاستشهادية البطوليَّة في القدس، تدلّ دلالةً واضحةً على أنَّ الرّوح الجهاديَّة الإسلاميَّة لم تمت ولن تموت، وأنّ من الصَّعب على حكومة العدوّ أن تصل إلى أيِّ أمنٍ لليهود في فلسطين من خلال كلّ الوحشيّة الّتي تفرضها على الشّعب الفلسطينيّ في القتل والاعتقال والحصار وتدمير المنازل ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات.. إنها الحرب الّتي فرضتها حكومة العدوّ على كلّ الواقع الفلسطينيّ، وإذا كانت أميركا وغيرها تتحدَّث عن قتل المدنيّين اليهود، فإنّنا لا نجد مثل هذه الأحاديث المستنكرة لقتل المدنيّين الفلسطينيّين واللّبنانيّين، لأنَّ أميركا لا تحترم المدنيّين العرب، فلا مشكلة عندها في أيِّ اعتداءٍ ضدّهم.

إنّ أميركا وإسرائيل تشجِّعان سلطة الحكم الذّاتي للمزيد من الضّغط على المجاهدين في "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، من أجل منع هذه العمليّات الاستشهاديّة وحماية أمن أسرائيل، ولكنّنا نتصوّر أنّ "عرفات" سوف يقع في خطأٍ أكثر جسامةً من أخطائه السّابقة إذا استجاب لهذه الرّغبات الأميركيّة والإسرائيليّة، لأنَّ عليه حينئذٍ ـ تنفيذاً للخطَّة المطلوبة منه ـ أن يعتقل الشَّعب الفلسطينيّ كلّه الّذي يقف وراء المجاهدين، كما أنَّ ذلك سوف يحوِّل السّاحة الفلسطينيّة إلى فوضى أمنيَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة، وليس في هذا مصلحة للفلسطينيّين.. إنّ المزيد من الصّمود هو الّذي يحقّق النّتائج الكبيرة في المستقبل.

إنَّ هذه العمليّات رسالة واضحة إلى أميركا وإسرائيل، بأنّ أيّ خطّة سياسيّة وأمنيّة تستهدف مستقبل الفلسطينيّين لا تستطيع ضمان أمن اليهود، فلتفعل أميركا ما تشاء، وليتحرَّك نتنياهو بكلِّ أجهزته وحصاره وتجويعه وجبروته. حتى عرفات، فإنَّه مهما خضع للضّغوط، فإنّه لا يستطيع شيئاً، لأنَّ المجاهدين قرّروا الاستمرار في الانتفاضة ومعاقبة إسرائيل، والشَّعب كلّه معهم والأمّة كلّها معهم.

لبنان: تحذير من فرض الضّرائب

أمّا على الصَّعيد الداخليّ، فإننا نحذّر من التّخطيط لفرض ضرائب جديدة على الشَّعب، ولا سيّما في هذه المرحلة الصّعبة التي يعاني فيها الشَّعب ضغط الموسم المدرسيّ، الذي يرتب عليه الكثير من المصاريف الباهظة.. إنّنا نتصوَّر أنَّ الواقع الاقتصادي في لبنان قد وصل إلى ما يقارب الخطوط الحمراء، سواء من خلال تراكم القروض الداخلية أو الخارجية التي بلغت حوالى عشرة مليارات دولار أو ما يزيد، والاندفاع إلى سياسة الضَّرائب التّصاعديَّة الَّتي أثقلت كاهل الشعب، ونحن نرفض الأسلوب الذي يقول إمّا الضرائب وإمّا لا مشاريع، لأنَّ هذه اللّغة ليست لغة المسؤول الّذي يحترم شعبه وموقعه، كما لا بدَّ من الانتباه إلى سياسة أسلوب الضَّرائب بالتّقسيط.. إنّنا ندعو الحكومة والموالاة والمعارضة إلى لقاءٍ وطنيٍّ شاملٍ للبحث في الطريقة المثلى للخروج من الأزمة الاقتصاديّة.

وختاماً، في الوقت الّذي لا بدّ من الإعلان عن رفض التوطين، فإنّنا نسأل الهيئات الدولية عن حقوق الفلسطينيّين المقيمين في لبنان، وعن سياسة التقشّف الجديدة لوكالة "الأونروا" الدوليَّة: لماذا يُعامل الشّعب الفلسطيني كشعبٍ منبوذ، مع أنه يستحقّ كلَّ احتضان، لما عاناه ويعانيه الآن من المؤامرات من كلّ مكان؟

إنّنا ندعو العرب والمسلمين إلى تحمّل مسؤوليّاتهم من أجل هذا الشَّعب المشرّد، ونطالب بدراسة القوانين الدّاخليّة في لبنان بما يتعلَّق برعاية أوضاع هذا الشَّعب الذي يحتاج إلى كلّ حماية ورعاية من الجميع.


[1]  [العنكبوت: 69].

[2]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 67، ص 65.

[3]  [الشعراء: 87 ـ 89]

[4] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 1، ص 454.[4]

[5]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[6]  المصدر نفسه، ج 1، ص 455.

[7]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[8]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[9]  المصدر نفسه، ج 1، ص 454.

[10] بحار الأنوار، ج 72، ص 315.[10]

[11] وسائل الشيعة، ج 15، ص 23.[11]

[12]  بحار الأنوار، ج 87، ص 187.

[13]  [الماعون].

[14]  [الأنفال: 17].

[15]  [المائدة: 82].

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية