هذه أيَّام الحجّ الَّتي يستعدُّ فيها النَّاس للوفادة إلى الله، حيث يطوفون بيته، ويسعون بين الصَّفا والمروة، ويقفون في عرفات والمزدلفة ومنى، ويجدِّدون الطَّواف والسَّعي، من أجل أن يستجيبوا لنداء الله سبحانه وتعالى الَّذي كلَّف نبيَّه إبراهيم (ع) عندما أمره ببناء البيت، أن يؤذِّن في النَّاس بالحجّ، حتَّى وصل نداؤه إلى كلِّ مَنْ كان في أصلاب الرِّجال وأرحام النِّساء.
وقد أراد الله سبحانه وتعالى لنبيِّه أن يتابع هذه الفريضة، وأن يؤكِّدها، كما أكَّدها الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد.
أهدافُ فريضةِ الحجِّ
ونريد في هذه اللَّحظات، أن نستمع إلى بعض آيات الله سبحانه وتعالى، لنتفهَّم في ذلك أهداف هذه الفريضة، حتَّى لا تتحوَّل الفريضة عندنا إلى سفرٍ عاديٍّ جامد، يشغل الإنسان فيه نفسَهُ بكلِّ شيء إلَّا بتهذيبِ نفسِهِ وترويضِها، وإنتاجِ التَّقوى في داخل عقلِهِ وقلبِهِ، لأنَّ مسألة الحجِّ هي مسألة أن تخرج من الحجِّ تقيّاً في فكرك وعملك وقولك، وأن تخرج من الحجِّ مخلصاً لله سبحانه وتعالى، متوازناً في عملك في نفسك، وفي علاقاتك مع الآخرين، لأنَّ الحجَّ، أيُّها الأحبَّة، يغلق مرحلةً ويفتح مرحلةً؛ يغلقُ كلَّ ماضيك الَّذي تحركت فيه بمعاصيك لله، ويفتح لك حاضراً ومستقبلاً تتحرَّك فيه في طاعته، فقد روي في أكثر من حديث، أنَّ الإنسان يخرج من الحجّ - إذا كان حجُّه صحيحاً واعياً منفتحاً على الله - كيوم ولدته أمُّه، ويقال له استأنف العملَ من جديد.
وهذه المرحلة ليست مجرَّد أن تحرّك بدنك وتتكلَّم بضعَ كلماتٍ أثناء الإحرام، وأن تحرِّك بدنك في الطَّواف، وأن "تدافش" وتدافع وتحاول أن تنظر إلى الجانب المادّي من الطّواف، أو أن تسعى وتهرول بين الصَّفا والمروة، أو أن تقعد في عرفات تأكل وتشرب وتمزح... هذا ليس حجَّاً، قد يكون سياحةً غير فنّيَّة، ولكنَّه ليس حجّاً، لأنَّ علينا في الحجّ، أن يكونَ عقلُنا في سياحةٍ في آفاق الله، وأن يكونَ قلبُنا في سياحةٍ في آفاقِ الخير، وأن يكونَ جسمنا في سياحةٍ في رحاب طاعة الله.. السياحة الدَّاخليَّة الَّتي تجعلك تعيش مع الله سبحانه وتعالى.
وهذا ما ينبغي للإنسان عندما يذهب إلى الحجِّ أن يفكِّر فيه، فهناك من النَّاس مَن يذهب إلى الحجِّ وعقله بعيدٌ من الله سبحانه وتعالى. فهناكَ، مثلاً، من يذهبُ إلى الحجِّ، ويكون عليه واجبات تجاه النَّاس، فقد يكون للنَّاس عليه دَيْن، وقد يكون لهم حقوق عليه، فيؤجِّلها، وبعض النَّاس قد يكون عليه حقوقٌ لله سبحانه وتعالى، فيقول لك لن أخمِّس إلَّا المال الَّذي هو مقدار حجِّي... أتعرفون معنى ذلك؟ معناه أنَّ الله يقول لك إنّي فرضت عليك من كلِّ خمسة واحداً، وهذا الدَّين للفقراء والمساكين، ولكنَّك تقول إنَّك غير مستعدٍّ لأن تدفع الخمس، مع أنَّك عندما تدفع الخمس، فأنت تعطي الله ولا تعطي الفقير. والخمس أوجب من الحجِّ، فأنت لست مالكاً لكلِّ مالك إذا تعلَّق الخمس به، أنت تملك أربعة من خمسة فقط، والواحد من هذه الخمسة ليس لك، بل هو للفقراء، وإذا لم تخمِّس، تكون غاصباً للفقراء والمساكين وأبناء السَّبيل.
أمورٌ يجتنبُها الحاجّ
الآن نبدأ ببعض آيات الحجّ. يقول تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا – يمشون على أرجلهم - وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ – من الإبل - يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}[الحجّ: 27] من كلِّ طريق ووادٍ.
{لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ - يعني أنَّ هناك أكثر من منفعة تحصل للنَّاس في الحجّ، وقد حدَّثنا أهل البيت (ع) عن بعض هذا - وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ - ليشكروا الله على هذه النِّعم الَّتي أنعمها عليهم، مما هيَّأ لهم من الحيوانات الَّتي أباح لهم أن يأكلوها - فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ – كلّ أوزارهم وأوساخهم - وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ – فيما أحرموا به - وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ - إنَّ أوَّل خطٍّ بالنِّسبة إلى الحجّ، أن تجتنب الرِّجس من الأوثان، أن تجتنب كلَّ الأصنام؛ الأصنام البشريَّة، الأصنام الحجريَّة، الأصنام الحزبيَّة، الأصنام السياسيَّة والاقتصاديَّة، أن توحِّد الله وحده، وأن لا تشركَ به أحداً، مهما كانت عظمتُهُ، ومهما كانت إمكاناتُهُ، لأنَّ هؤلاء بأجمعِهم عبادُ الله، فلا يجوزُ لك أن تنزلَهم منزلةَ الآلهة.
- وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}[الحجّ: 28 – 30]، يعني قول الباطل والكذب، سواء في حالة شهادة الزّور، أو في حديث الزّور، أو في دروس الزّور، أن تجتنب كلَّ شيء باطل لا يرضاه الله سبحانه وتعالى، فالله يقول لك حاول في الحجِّ وما بعد الحجّ، أن لا تتكلَّم بكلامٍ باطلٍ هناك، وأنَّك إذا عدْت من حجِّك، فلا تتكلَّم بكلام باطل، وبأيِّ كلامٍ يكون خلاف الحقّ، سواء كان كلاماً يتَّصل بحديثٍ تحدِّثه، أو بتوجيهٍ توجِّهه، لأنَّ الله يريدك أن تلتزم الحقَّ من خلالِ حجِّك.
تعظيمُ شعائرِ الله
{حُنَفَاءَ لِلَّهِ - الحنيفيَّة هي الميل عن الباطل والاستقامة في الحقِّ - غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ - سواء كان شرك العقيدة أو شرك العبادة - وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ – يعبّر الله عن خطورة الشِّرك به، كما لو أنَّ الإنسان يكون معلَّقاً في السَّماء ثمَّ يهوي إلى الأرض - فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ – الطّيور الكاسرة - أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}[الحجّ: 31]، فكيف يكون حاله؟ فمن يكون مشركاً بالله، بأن يعتقد بألوهيَّة غير الله، أو يعبد غير الله، أو يطيع غير الله في معصية الله، هكذا تكون صورته.
{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}[الحجّ: 32]. هذه الشَّعائر الَّتي رسمها الله في الحجِّ، علينا أن نعظِّمها، والله يقول إنَّ هذا التَّعظيم لشعائر الله هو من تقوى القلوب، وذلك يوحي إلينا أنَّ التَّقوى لا بدَّ أن تكون في القلب؛ أن يكون عقلك تقيّاً فلا يعصي الله في فكرٍ باطلٍ، أو في خطَّةٍ لإفساد حياة النّاس أو الإضرار بهم، وأن يكون قلبك تقيّاً، فلا يحبُّ أعداءَ الله ولا يبغضُ أولياءَه، وأن يكون جسدُكَ تقيّاً، فلا يعصي اللهَ في قولٍ أو فعلٍ في أيِّ مجالٍ، وأن يكونَ موقفُكَ تقيّاً...
البيتُ العالميُّ للعبادة
وهكذا نجدُ أنَّ اللهَ يحدِّثنا في آيةٍ أخرى، في سورةِ آل عمران، عن وجوبِ الحجِّ على النَّاس. يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} وبكَّة هي لغة في مكَّة، فهي تسمَّى مكَّة وبكَّة.
تدلُّنا هذه الآية على أنَّ هذا أوَّل بيتٍ للعبادة وُضعَ للنَّاس جميعاً، بحيث إنَّ بيوت العبادة قبل ذلك لم تكن مقتصرةً على مكانٍ معيَّن، بل كانت هناك بيوت محلَّة للعبادة، كما لو كان هناك مسجد محلَّة، أو مسجد قبيلة، أو مسجد بلد... أمَّا البيت الحرام، فيتميَّز بأنَّه المسجد العالميّ الَّذي وضعه الله للنَّاس جميعاً، ولذلك أراد الله للنَّاس جميعاً أن يقصدوه. فأيُّ مسجد آخر، لم يطلب الله من النَّاس جميعًا أن يقصدوه، حتَّى مسجد النَّبيّ (ص)، مع ما فيه من العظمة والفضل، لم يُلزَم النَّاسُ بالذَّهاب إليه، فإذا حجَّ شخص ولم يزر المدينة ومسجد النَّبيّ (ص)، فلا يكون ارتكب معصية. نعم، يكون قد خسر فضلاً، لأنَّ زيارة النَّبيّ (ص) مستحبَّة، بينما زيارة المسجد الحرام واجبة للمستطيع.
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}[آل عمران: 96]، فهذا البيت، جعله الله سبحانه وتعالى ساحةً للبركة للنَّاس الَّذين يقصدونه ويتعبَّدون الله فيه، كما جعله الله هدى للعالمين، بحيث يهتدي النَّاس به، من خلال ما يتعلَّمونه ممن يكون هناك من العلماء والأئمَّة ومن الصَّالحين، أو مما يرون فيه من آيات الله سبحانه وتعالى.
{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ - الَّذي أراد الله للنَّاس أن يصلّوا خلفه بعد الطَّواف - وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران: 97].
فالمنطقة هي منطقة سلام، فقد جعل الله البيت وما حوله من الحرمِ منطقةَ سلامٍ حرَّم فيها القتال، حتَّى إنَّ الإنسانَ إذا رأى قاتلَ أبيه في الحرم، فليس له أن يقتلَهُ، وإن كان له الحقّ في قتله قصاصاً.
الكفرُ في عدمِ الحجِّ
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. فكلّ شخص يستطيع الحجّ، فإنَّ عليه أن يحجَّ فريضةً من الله، ولا يجوز له أن يؤخِّر الحجَّ عن سنة الاستطاعة، إذا لم يكن له عذرٌ مقبولٌ عندَ الله في ذلك. وتأخير الحجِّ عن سنة الاستطاعة، كما جاء في الأحاديث، وكما يقول العلماء، من الكبائر الَّتي يستحقُّ الإنسان عليها دخول النَّار.
{وَمَنْ كَفَرَ}. وكلمة "كَفَرَ" فسِّرت بمن لم يحجّ، لا أنَّه كفرُ العقيدة، لكنَّه كفر العمل، فالكافر هو الَّذي ينكر الله سبحانه وتعالى. وهناك من يقول أنا لا أنكر الله، ولكن لا شغل لي معه؛ هو يؤمن بالله، ولكن لا يحسب حسابه في قوله وعمله وعلاقاته مع النَّاس، فالله ليس له حسابٌ عندَه، فكأنَّه لا يؤمنُ بالله، ففائدةُ العلمِ العمل، فإذا كنْتَ تعلم أنَّ اللهَ موجودٌ، وأنَّ اللهَ هو الخالقُ والرَّازقُ، ولا تحسبُ حسابَهُ في قولِكَ وعملِكَ، فما هي فائدةُ إيمانِكَ في هذا المجال؟!
{وَمَنْ كَفَرَ - من لم يحجّ، باعتبار أنَّ ذلك يمثِّل الكفر العمليّ - فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. فهناك من النَّاس من إذا قلت له اذهب إلى الحجّ، يقول لا أريد أن أحجّ.. فالله يقول لهذا الشَّخص، إذا لم تحجّ، فإنَّ الله غنيٌّ عنك وعن العالمين، ولكنَّك تضرُّ نفسك بذلك، لأنَّك تفوِّت على نفسك منافع الحجِّ في الدّنيا، وتعرِّض نفسك لعقابِ الله سبحانَهُ وتعالى في الآخرة.
وهذه فكرةٌ ينبغي على كلِّ النَّاسِ أن يعرفوها، وهي أنَّ ما يعمله الإنسان مما يأمره به الله، إنّما ينفع به نفسَه.. هناكَ من النَّاس من إذا قلْتَ له صلِّ، لا يصلِّي، صُمْ، لا يصوم، لا تشرب الخمر، يشربُ الخمر... إنَّ ما يفعله الإنسان لا يؤثِّر في الله، وإنّما يؤثِّر فيه هو، فالله "لا تضرُّهُ معصيةُ من عصاه، ولا تنفعُهُ طاعةُ مَنْ أطاعَهُ" {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}[فاطر: 15 – 17]. قبلكم، كان هناك مليارات من النَّاس، أينَ هم الآن؟ راحوا، وأنتم جئتم وسترحلون، وسيأتي آخرون بعدكم. فإذا كان الله مستغنياً عن وجودكم، فما عملكم؟ إنَّ الإنسانَ ينفعُ نفسَهُ عندما يقومُ بما أمره به الله {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ...}[محمَّد: 38].
أنت الآن عليك حقوق شرعيَّة - {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[المعارج: 24 - 25] – فإذا لم تؤدِّها، ثمَّ رحلْتَ عن هذه الدّنيا، فماذا تكون قد حصَّلت؟ تركتَها للورثة. تقول أنا عندي أولاد، ولكن كما أنَّ اللهَ رزقَكَ ورزقَ أباكَ، يرزق أولادَك، وكلُّ ما كان منه زائداً عن قوتِكَ، فهو للورثة، نحن نخزِّن لغيرنا.. نعم، فكِّر في أولادِكَ وفي مَنْ بعدَكَ، ولكن فكِّر في نفسِكَ أيضاً، فهذا المال الَّذي عندَكَ سوف تُسأل عنه {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}[التَّوبة: 34 – 35].
هذه المسألة علينا أن نفكِّر فيها جيِّداً، فالله يقول لك أنا غنيٌّ عنك {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران: 97].
التَّوازنُ في الدّعاء
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، يحدِّثنا الله عن بعض المواقف في الحجّ.. بعض النَّاس يدعو في الحجّ: يا ربِّ ارزقني المال، ارزقني الأولاد، ارزقني شقَّة... وهكذا. ادعُ إذا شئت بذلك، ولكن ادع أيضاً بأن يرزقك الله الجنَّة، وأن يتقبَّل أعمالك ويرضى عنك.
يقول تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ - أمَّا الإنسان الواعي والَّذي يعيش التَّوازن - وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[البقرة: 200 – 201]، فكما نحبُّ أن يكونَ لدينا بيتٌ في الدّنيا، نريد أيضاً أن يكونَ لنا بيتٌ في الآخرة، نريد أن ننتقلَ إلى هناك مع أولادِنا {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}[الرّعد: 23 - 24]. فالعائلة الصَّالحة نأخذها إلى الجنَّة معنا، فإذا كانت الزَّوجة صالحةً، والأولاد صالحين، والآباء صالحين، فالعائلة نفسها الَّتي تكون هنا تكون هناك، فهي تحتاج إلى بيتٍ هناك أيضاً، فكما تطلب من الله أن يعطيك شقّةً هنا، اطلبْ منه أن يعطيك شقَّةً هناك، وكما تطلبُ من الله أن يرزقَكَ هنا، اطلبْ منه أن يرزقَكَ النَّعيم هناك، فكما أنَّك تريد أن ترتاح هنا، فإنَّك بحاجة إلى أن ترتاح هناك أيضاً.
فالإنسان الواعي هو الَّذي يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، أي أنَّه ينظر بعينين وليس بعين واحدة. لا تغمض عين الآخرة وتفتح عين الدّنيا، لأنَّه في بعض الحالات، قد تعمى عين الدّنيا عندك، فإذا لم تكن العين الأخرى موجودة، فماذا تفعل؟ {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}[الإسراء: 72]، {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}[طه: 125 – 126] {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[البقرة: 202].
هذه هي الأجواء الَّتي على الإنسان أن يعيشها؛ أن نعيش التَّوازن في الدنيا والآخرة قبل الذَّهاب إلى الحجِّ، وبعدما نذهب إلى الحجّ، أن لا نفكِّر فقط في الدّنيا، بل أن نفكِّر في الدّنيا والآخرة معاً، أن نعطيَ حساباتِ الدّنيا للدّنيا، وحساباتِ الآخرة للآخرة، "ليس منَّا مَنْ تركَ دنياه لآخرتِهِ، ولا آخرتَه لدنياه"، فالله حدَّد لنا: في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة.
ذكرُ الله.. والتَّقوى
هذا هو الجوُّ الَّذي ينبغي أن نعيشَه؛ أن يكونَ الحاجُّ دائماً ذاكراً لله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ – فلا تجعلوا مبيتكم في منى، مثلاً، للسَّهر والحكايات والأحاديث وكثرة الكلام، بل اجعلوه لذكر الله - فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[البقرة: 203]. فعليك أن تنتبه إلى أنَّك ستعود إلى بلدك، وعليك أن تعود تقيًّا؛ أن تكون تقيّاً في عملك، ومع زوجتك وأولادك وجيرانك وكلّ من تتعامل معهم، وتقيّاً في السياسة؛ أن لا تؤيِّد ظالماً، وتقيّاً في الاقتصاد، أن لا تأكلَ أموالَ النَّاس بالباطل، وتقيّاً في الواقع الاجتماعيّ، أن لا تغتابَ النَّاس، ولا تؤذيهم، ولا تفتنَ بينَهم... هذا هو الحجّ.
أمَّا الشَّخص الَّذي يعود من الحجّ، ويبقى على معصية الله، تصبح كلُّ كلمة "حاجّ" تقال له شتيمةً له، يعني يا حاجّ كيف حججت، ماذا انتفعت بالحجّ، يا حاجّ، لماذا لا تذكر الله وتذكر النَّاس فقط؟... لذلك، بعض النّاس يستأنس بكلمة الحاجّ، لأنّها تجعل النَّاس يثقون به، ويستطيع من خلال ذلك أن يستغلّ الأمر.
في حديثٍ واردٍ عن أئمَّة أهل البيت (ع)، وهذا الكلام لمن حجَّ ولمن يريد أن يحجّ: "ما يصنع من يؤمُّ هذا البيتَ إذا لم يكنْ فيه خصالٌ ثلاثٌ؛ ورعٌ يحجزُهُ عن محارمِ الله، وحلمٌ يردُّ به جهلَ جاهلٍ – أن تعودَ من الحجّ واسع الصَّدر، فإذا سمعْتَ بشتيمةٍ أو أذيّةٍ، ولم يكنْ هناكَ مصلحةٌ بالردِّ، فإنَّك تهملها {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا}[الفرقان: 63]وحسنُ خلقٍ يعيشُ بهِ في النَّاسِ"، أن تكون عندك أخلاق جيِّدة، تستطيع بها أن تعيشَ مع النَّاسِ دون أن تثير حساسيَّاتهم وعصبيّاتهم.
معنى التَّلبية
لذلك، الحجّ مدرسة نتعلَّم فيها كيف نكون مؤمنين صالحين، وكيف نكون مواطنين صالحين، وأناساً طيّبين، وأتقياء مطيعين لله... لذلك، قبل أن تحجَّ هيِّئ نفسك، وخصوصاً أنَّ الحجَّ يبدأ بكلمة صعبة صعبة أمام الله، فأوَّلُ ما تنزع ثيابَكَ عنك، وتلبس ثياب الإحرام، وتنوي الحجَّ، تقول: "لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ". أتعرفون معناها؟ (لبَّيكَ) بصيغة المثنَّى، يعني أنا، يا ربّ، لا أجيبك مرَّة واحدة، بل إجابةً بعد إجابة، وهي أربع تلبيات: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ"، فكأنَّك بذلك تعطي الله عهداً، بأنَّك، يا ربّ، أنت ناديت، وأنا الآن جئت لألبّيك، ومن الآن فصاعداً سأطيع لكَ كلَّ أمر، فأفعلُ ما تأمرني به، وكلّ نهي، فأبتعدُ عن كلِّ ما تنهاني عنه.
بعض النَّاس يتحيَّر ماذا يقول: لَبَّيك أم لُبَّيك أم لِبَّيك... المهمّ أن تلبّي بقلبك قبل أن تلبّي بلسانك...
يروى أنَّ أحد الأئمَّة (ع) كان إذا أراد أن يقول "لبَّيك" ارتعدت فرائصه، فقيل له: لماذا نراك بهذه الحالة؟ قال: "أخشى إنْ قلْتُ: لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ؛ أن يُقالَ لي: لا لبَّيْكَ ولا سعديْكَ"، لأنَّ الله يطَّلع على قلبي، وقد يرى عدم صدق الإجابة وهذا الالتزام، فقد تكون الكلمةُ من اللِّسان وليس من القلب. والإمام، طبعاً، هو سيِّد من يلبِّي بقلبه وعقله ولسانه، ولكن يعطينا فكرة أن يكون عندنا استعداد نفسيّ للتّلبية.
عاقبةُ مَنْ لا يحجّ
في نهاية المطاف، أحبُّ أن أقرأ لكم حديثاً عن الإمام الصَّادق (ع) في مسألة من لا يحجّ: "من ماتَ ولم يحجَّ حجَّةَ الإسلامِ، ولم تمنعْهُ من ذلكَ حاجةٌ تجحفُ بهِ، أو مرضٌ لا يطيقُ الحجَّ من أجلِهِ، أو سلطانٌ يمنعُهُ - فإذا لم يكن ذا حاجة، ولا عنده مرض، ولم تكن هناك قوَّة قاهرة تمنعه - فليمُتْ إن شاءَ يهوديّاً، وإنْ شاءَ نصرانيّاً". معنى ذلك أنَّ قيمة الحجِّ لمن استطاع الحجَّ، بلغَتْ أن يساوي الإسلام، بمعنى أنَّ من حجَّ حجَّةَ الإسلامِ كان مسلماً، ومن لم يحجَّ حجَّةَ الإسلام، كان بمنزلةِ غيرِ المسلم، حتَّى لو صامَ وصلَّى. وهذا كلام الإمامِ الصَّادق (ع). ولذلك، على النَّاس أن ينفتحوا على المسألة انفتاحاً على مسؤوليَّتهم أمام الله سبحانه وتعالى.
منافعُ الحجِّ
وفي مسألةِ منافعِ الحجّ، جاء في الحديث: "حدَّثنا هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (ع)، فقلت له: ما العلَّة الَّتي من أجلها كلَّف الله العباد الحجَّ والطَّواف بالبيت؟ فقال (ع): إنَّ الله تعالى خلقَ الخلقَ لا لعلَّةٍ، إلَّا أنَّه شاءَ ففعلَ، فخلقَهم إلى وقتٍ مؤجَّلٍ، وأمرَهم ونهاهم ما يكونُ من أمرِ الطَّاعةِ في الدّينِ، ومصلحتِهم منْ أمرِ دنياهم، فجعلَ فيه الاجتماعَ منَ المشرقِ والمغربِ ليتعارفوا – فالله جعلَ الحجَّ فرصةً، ليلتقي مَنْ في المشرقِ مَنْ في المغربِ، ليتعارفوا ويتبادلوا ما عندَهم من علومٍ وخبراتٍ وفرصٍ ومواقعَ وقضايا – ولينزعَ كلُّ قومٍ من التَّجاراتِ من بلدٍ إلى بلدٍ - فالحجُّ فرصةٌ لتركيز العلاقات الاقتصاديَّة بين الشّعوب عندما يلتقون، وهذا قبلَ أن يصبحَ عندنا وسائل اتّصالات وحتّى بعدها - ولينتفعَ بذلك المكاريُّ والجمَّالُ، ولتُعرَفَ آثارُ رسولِ اللهِ (ص)، وتُعرَفَ أخبارُهُ، ويُذكرَ ولا يُنسى - أن ينطلقوا إلى البلد الَّذي انطلق فيه رسول الله (ص) في الدَّعوة، وهو مكَّة، ثمَّ يذهبوا بعدها إلى المدينة، ليعيشوا مع رسول الله في كلِّ تأريخه، حيث يتحرّكون في الأرض الَّتي مشى عليها رسول الله.. فيتجدَّد إحساسهم برسول الله (ص) - ولو كانَ كلُّ قومٍ إنَّما يتكلَّمونَ على بلادِهم وما فيها - يعني لو أنَّ كلَّ قومٍ يعيشون في دائرة بلدهم، ولا ينفتحون على الشّعوب الأخرى والبلدان الأخرى – هلكوا، وخربَتِ البلادُ، وسقطَ الجلبُ والأرباحُ، وعميَتِ الأخبارُ، ولم يقفوا على ذلك، فذلكَ علَّةُ الحجِّ". ليشهدوا منافع لهم.
وهذه هي بعض المنافع. فالإمام (ع) أراد أن يعطيَ نموذجاً حول المنافع، ولكن كلَّما تطوَّرت الحياة أكثر، وتطوَّرت الشّعوب أكثر، كثرت المنافع أكثر.
موسمُ الانفتاحِ على الله
أيُّها الأحبَّة، إنَّ موسم الحجِّ هو هذا الموسم، وعلى كلِّ إنسان أن يتدبَّر أمره، ليعمل على أن يقوم بهذه الفريضة الَّتي هي من الأهميَّة بحيثُ يكونُ تركُها بمثابةِ الكفر، وفعلها بمثابة الانفتاحِ على الإسلامِ، وأن يعملَ الإنسانُ على أن يذهبَ إلى الحجِّ طاهراً من كلِّ دنسٍ، أن يذهبَ تائباً، خاضعاً لله سبحانه تعالى، وأن يتخفَّف، قبل أن يذهبَ إلى الحجِّ، من كلِّ حقوق الله وحقوق النَّاس، حتَّى إذا حجَّ حجّاً منفتحاً على الله، بدأ بعد الحجِّ مرحلة جديدة، لا أثر فيها لكلِّ معاصي الماضي، ليستقبلَ طاعةَ المستقبل، حيث يقفُ غداً بينَ يدي الله سبحانه وتعالى، طاهراً نقيّاً مرضياً عند الله، لتقول الملائكة له ولمن معه: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}[الحجر: 46].
*خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 20/03/1998م.