الفرع الأول ـ في كيفيّة الإحرام

الفرع الأول ـ في كيفيّة الإحرام

يجب في الإحرام لعمرة التَّمتُّع أمور:
الأول: النية: ولا يُعتبر التلفّظ بها، وقيل: يُستحب، ويكفي فيها أن يقصد الحاجّ بقلبه حين الإحرام لها أنّه يحرم لعمرة التَّمتُّع قربةً إلى الله تعالى، فإن كان عليه حجّة الإسلام كفاه أن يقصد تكليفه، وإلا قصد ما يحجّ بسببه من النيابة أو الاستحباب أو وفاءً للنذر ونحو ذلك. ولا يجب في النية أن يكون المكلّف عارفاً تفصيلاً بما يشتمل عليه الواجب، بل تكفي المعرفة الإجمالية، ثمّ يتعلّم ما يجب عليه شيئاً فشيئاً.
هذا، ويُعتبر في النيّة الإخلاص لله كما في سائر العبادات وقد ورد في الحديث عن الامام جعفر الصادق(ع)أنه قال: «الحج حجّان: حجّ لله، وحج للناس، فمن حجّ لله كان ثوابه على الله الجنة، ومن حجّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة» [ثواب الأعمال: 50] . كما يعتبر أن تكون النية في الميقات حيث يمرّ على الميقات، وإلاّ فمن حيث يجوز له الاحرام، كما مرّ في محلّه.
الثاني: لبس ثوبي الإحرام للرجال بعد نزع المخيط وكل ما يحرم لبسه حال الإحرام - مما سيأتي بيانه -. ولا يعتبر في لبسهما كيفية خاصة، فيجوز الاتّزار بأحدهما كيف شاء، لكن بأن يجعله ساتراً من السرّة إلى الركبة، ويجوز ارتداء الآخر أو التوشّح به أو غير ذلك من الهيئات، ولكن يُشترط فيه أن يكون ساتراً للمنكبين والعضدين وقدراً معتدّاً به من الظهر. هذا، والأوْلى لبسهما بالطريقة المألوفة وأن يكون اللبس قبل النية والتلبية، ولو قدّمهما عليه فالأولى إعادتهما بعده.
أمّا النساء فلا يجب عليهنّ نزع المخيط، بل يُحرِمْنَ بثيابهنّ المعتادة إذا كانت واجدة للشروط الآتية في المسألة 77.
م ـ 75: لبس الثوبين للمُحرم واجب استقلالي، وليس شرطاً في تحقّق الإحرام، بمعنى أنّ الرجل لو أتى بسائر شروط الإحرام من النية والتلبية وكان لابساً للمخيط حُكم بصحّة إحرامه. نعم، يكون آثماً في صورة التعمّد والعلم بالحرمة لغير ضرورة وتلزمه كفّارة لبس المخيط كما يأتي في محلّه.
م ـ 76: إذا كان المكلّف جاهلاً بوجوب نزع المخيط، أو نسي ذلك، أو كان عالماً ولكنه نسي أو جهل كون ما يلبسه من المخيط، صحّ إحرامه كما مرّ، وأمّا إذا لبسهما بعد الإحرام فلا إشكال في صحّة إحرامه، ولكن يلزم عليه شقّ القميص وإخراجه من تحت. أمّا إذا كان للقميص أزرار من الأمام كما هو المتعارف ويمكن فتحه بفك أزراره فلا يلزم شقّه بل ينزعه بالنحو المتعارف.
م ـ 77: يُشترط فيما يلبسه المحرم رجلاً أو امرأة - مضافاً إلى ما اشترطناه للرجل - أمور:
أ - الطهارة، بحسب ما ذُكر في شروط الصلاة تماماً، ولذا يُعفى عما لو كانت النجاسة مما يُعفى عنه في الصلاة، ومنها الدم إذا لم يكن مجموعه بقدر الدرهم، والأحوط اعتباره بمقدار عقد الإصبع السبابة، وغيره من موارد العفو التي ذكرنا تفصيلها في مباحث مقدمات الصلاة في رسالتنا العملية (انظر فقه الشريعة: (ج1/ص261).
ب - أن لا يكون من الحرير الخالص. والحكم بحرمة لبس الحرير وإن كان مختصاً بالرجل، إلا أنَّه يُكره للمرأة أن يكون شيء من ثياب إحرامها من الحرير الخالص، إلا في حال الضرورة كالاتّقاء من البرد أو الحر، وأمّا الحرير غير الخالص فلا يُكره لها لبسه.
ت - أن لا يكون من أجزاء السباع، بل أن لا يكون من مطلق ما لا يؤكل لحمه.
ث - أن لا يكون من المذهّب.
ج - أن يكون جميع الإزار ساتراً للبشرة غير حاكٍ عنها، ولا يعتبر ذلك في الرداء. هذا بالنسبة إلى الرجل، وأمّا المرأة فستر البشرة شرط معتبر في لباسها بأجمعه.
م ـ 78: لا بأس بأن يلبس المحرم عدة أثواب زيادةً على ثوبي الإحرام من غير المخيط - عند الإحرام أو بعده - سواء كان ذلك للتحفّظ من البرد أو الحر أو غيره من الأسباب. هذا، ولا بد أن تتوفر في ما يُلبس زيادةً الشروط المذكورة في المسألة السابقة.
م ـ 79: الأفضل أن يكون ثوبا الإحرام من المنسوج، وأن لا يكونا من قبيل الجلد المأخوذ من مأكول اللحم المذكى، وأن لا يكون من الملبّد.
م ـ 80: إذا أحرم المكلف لم تجب عليه الاستدامة في لبس ثياب الإحرام، فلا بأس بإلقائه عن متنه لضرورة أو غير ضرورة، كما لا بأس بتبديله على أن يكون البدل واجداً للشرائط.
م ـ 81: يُستحب أن يكون ثوبا الإحرام من القطن، تأسياً برسول الله (ص) ، وأن يكونا أبيضي اللون، نظيفين، ولو توسّخا حال الإحرام فالأولى أن لا يغسلهما ما دام محرماً، ولا بأس بتبديلهما.
م ـ 82: إذا تنجّس أحد ثوبي الرجل أو كلاهما - أو تنجست ثياب المرأة - بعد التلبّس بالإحرام فيجب المبادرة إلى التبديل أو التطهير.
م ـ 83: يُستحبّ أن يُدعى عند لبس ثياب الإحرام ويقال: «الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي، وأؤدي به فرضي، وأعبد فيه ربي، وأنتهي فيه إلى ما أمرني. الحمد لله الذي قصدتُه فبلّغَني، وأردته فأعانَني، وقَبِلني ولم يَقْطَعْ بِي، وَوَجْهَهُ أردتُ فَسَلَّمَني، فهو حِصْنِي وَكَهْفِي وحِرْزِي وظَهْرِي ومَلاَذِي وَمَلْجَأي ومَنْجَايَ وذُخْرِي وعُدَّتِي في شِدَّتي وَرَخَائِي».
الثالث: التلبية، ويكفي فيها أن يقول: «لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شَريكَ لَكَ لبَّيْك»، والأَوْلى إضافة: «إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لاَ شَريكَ لَك»، ويجوز أن يختمها بقوله: «لَبَّيك». ويُستحبّ أن يرفع الرجل صوته بالتلبية دون المرأة.
كما يُستحبّ أن يضيف إليها بعد ذلك: «لبَّيكَ ذا المعارجِ لبَّيك، لبَّيك داعياً إلى دارِ السَّلامِ لبَّيك، لبَّيكَ غَفَّار الذُنُوبِ لبَّيك، لبَّيكَ أَهْلَ التَّلْبيةِ لبَّيك، لبَّيك ذا الجلالِ والإكرامِ لبَّيك، لبَّيك تُبدِىءُ والمعادُ إليكَ لبَّيك، لبَّيك تَسْتَغني ويُفتقرُ إليكَ لبَّيك، لبَّيك مرهوباً ومرغوباً إليكَ لبَّيك، لبَّيك إلهَ الحَقِّ لبَّيك، لبَّيك ذا النعماء والفضلِ الحسنِ الجميلِ لبَّيك، لبَّيك كَشَّافَ الكُرَبِ العِظامِ لبَّيْك، لبَّيك عَبدُك وابنُ عَبْديك لبَّيك، - والمرأة تقول: «لبيك أمتُك وابنة عبديك لبّيك» - لبَّيك يا كريمُ لبَّيك».
وينبغي للمُحرم أن يتوجّه بالتلبية إلى الله عزّ وجل، مستشعراً أنّه يجيب دعوة الله تعالى، فإن الحجّ لله وحده لا شريك له.
هذا، ويُستحبّ أن يعقد إحرامه بالتلبية بعد فريضة الظهر، فإن لم يتمكّن فبعد فريضة أخرى، وإلا فبعد ركعتين أو ستّ ركعات من النوافل، والستّ أفضل، يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة التوحيد، وفي الثانية الفاتحة وسورة الجحد (الكافرون)، فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثمّ قال:
«اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ أنْ تجْعَلني ممّنِ استَجابَ لكَ، وآمَنَ بِوَعْدِكَ، واتَّبَعَ أمْرَكَ، فإنِّي عَبْدُكَ - والمرأة تقول: إنّي أمتك - وفي قبضَتِكَ، لا أُوقى إلاّ ما وَقَيْتَ، ولا آخُذُ إلاّ ما أعْطَيْتَ، وقدْ ذكرْتَ الحجَّ، فأسألُكَ أنَ تَعْزِمَ لي عليهِ على كتابِكَ، وسُنَّةِ نبِيِّكَ صلّى الله عليه وآله، وتُقوِّيَني على ما ضَعُفْتُ عنه، وتَتَسلَّمْ منِّي مناسكِي في يُسرٍ منكَ وعافيةٍ، واجْعلْني مِن وَفدِكَ الّذي رَضِيْتَ وارتَضيت وسمَّيْتَ وكتَبْت.
اللَّهُمَّ إنّي خَرَجْتُ مِن شُقَّةٍ بَعيدَةٍ وأنْفَقْت مالي ابْتغاء مَرْضاتِكَ، اللَّهُمَّ فَتمِّم لي حَجَّتي وعُمرتي، اللَّهُمَّ إنّي أُريدُ التَّمتُّع بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ على كتابِكَ وسنَّةِ نَبِيّكَ، صلّى اللهُ عليه وآله، فإن عَرضَ لي عارضٌ يَحْبسُني، فحُلَّني حيثُ حَبَسْتَني لقَدَركَ الّذي قَدَّرْتَ عَلَيَّ. اللَّهُمَّ إنْ لم تكُنْ حَجَّةٌ فعمرةٌ. أحْرَمَ لَكَ شَعْري وبَشَري ولَحْمي ودمّي وعِظامي وُمخّي وعَصَبي مِن النِّساءِ والثِّيابِ والطِّيب، أبتغي بذلك وجْهَكَ والدّارَ الآخِرة». ولعل من المناسب ان تستبدل كلمة النساء بالرجال، فتقول المرأة: «احرم لك.. من الرجال».
م ـ 84: يجب على المكلّف أن يتعلّم ألفاظ التلبية الواجبة، ويُحسن أداءها بالطريقة الصحيحة حسب قواعد اللغة العربية الفصحى، ولو بأن يُلقّنه إياها شخص آخر، فإذا لم يتعلّم تلك الألفاظ ولم يتيسّر له التلقين أجزأ عنه التلفظ بها مغلوطةً بشرط أن لا يصل الغلط إلى حدٍّ يمنع من صدق التلبية عليها في نظر العرف، وإلا فالأحوط وجوباً له حينئذ الإتيان بما يقدر عليه، مع استنابة من يلبّي عنه التلبية الصحيحة. ولا وجه للترجمة، والاحتياط بها لا بأس به.
م ـ 85: الأخرس لعارضٍ مع التفاته إلى لفظة التلبية يأتي بها على قدر ما يمكنه، فإن عجز عن ذلك حرّك بها لسانه وشفتيه حين إخطارها في قلبه وأشار بإصبعه إليها على نحو يناسب تمثيل لفظها.
وأمّا الأخرس الأصمّ من الأول ومَن بحُكمه فيُحرّك بها لسانه وشفتيه تشبيهاً بمن يتلفّظ بها، مع ضمّ الإشارة بالإصبع إليها أيضاً.
م ـ 86: الصبيّ غير المميّز الذي تقدّم استحباب إحرام وليّه به يُلبّى عنه إن لم يُحسن التلبية.
م ـ 87: التلبية شرط أساس في انعقاد أيّ إحرام، سواء كان إحراماً للحجّ أو للعمرة بأنواعهما المختلفة - إلا في حجّ القران كما سيأتي بيانه -، وعليه فلو لم يلبِّ لم ينعقد إحرامه، حتى لو نوى ونزع المخيط وما إلى ذلك. ولذا فلو ارتكب شيئاً من محرمات الإحرام - والحال هذه - لم يأثم ولم تجب عليه الكفارة. نعم سيأتي لاحقاً حكم من نسي الإحرام.
م ـ 88: التلبية الواجبة ينعقد الإحرام بالإتيان بها مرة واحدة، ولا يجب تكرارها. نعم، يُستحبّ أن يكرّرها المحرم عند الاستيقاظ من النوم، وبعد كل فريضة من فرائضه، وحين الركوب، وعند كل علوٍ وهبوط أثناء السفر، وعند ملاقاة الركب، ويُستحب الإكثار منها في السحر، حتى لو كان المحرم جنباً أو حائضاً، فضلاً عما لو كان محدثاً بالأصغر خاصة. وينتهي استحباب التكرار للمتمتّع عند مشاهدة موضع بيوت مكَّة القديمة، وحدّه لمن جاء من أعلى مكَّة عن طريق المدينة «عقبة المدنيّين»، ولمن جاء من أسفلها «عقبة ذي طوى»؛ فتكرارها حينئذ غير راجحٍ في حقّه.
الأفضل لمن عقد الإحرام من مسجد الشجرة أن يؤخّر التلبية إلى أول البيداء عند آخر ذي الحليفة، حيث تستوي الأرض، ولا مانع التعجيل بها وتأخير رفع الصوت بها إلى البيداء، هذا للرجل، وأمّا المرأة فليس عليها رفع الصوت بالتلبية أصلاً.
والأفضل لمن عقد الإحرام من غير مسجد الشجرة تأخير التلبية إلى أن يمشي قليلاً، ولمن عقده من المسجد الحرام تأخيرها إلى الرقطاء، وهو موضعٌ دون الردم، والردم موضع بمكَّة، قيل: يسمّى الآن بـ «مدعى» بالقرب من مسجد الراية قبيل مسجد الجنّ.
م ـ 90: إذا شكّ المكلّف بعد لبس ثوبي الإحرام وقبل التجاوز من المكان الذي لا يجوز تأخير التلبية عنه في أنّه هل أتى بها أم لا بنى على عدم الإتيان، ولزمه الإتيان بها، وأمّا إذا شكّ بعد الإتيان بالتلبية في أنّه هل أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحّة.
يجب في الإحرام لعمرة التَّمتُّع أمور:
الأول: النية: ولا يُعتبر التلفّظ بها، وقيل: يُستحب، ويكفي فيها أن يقصد الحاجّ بقلبه حين الإحرام لها أنّه يحرم لعمرة التَّمتُّع قربةً إلى الله تعالى، فإن كان عليه حجّة الإسلام كفاه أن يقصد تكليفه، وإلا قصد ما يحجّ بسببه من النيابة أو الاستحباب أو وفاءً للنذر ونحو ذلك. ولا يجب في النية أن يكون المكلّف عارفاً تفصيلاً بما يشتمل عليه الواجب، بل تكفي المعرفة الإجمالية، ثمّ يتعلّم ما يجب عليه شيئاً فشيئاً.
هذا، ويُعتبر في النيّة الإخلاص لله كما في سائر العبادات وقد ورد في الحديث عن الامام جعفر الصادق(ع)أنه قال: «الحج حجّان: حجّ لله، وحج للناس، فمن حجّ لله كان ثوابه على الله الجنة، ومن حجّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة» [ثواب الأعمال: 50] . كما يعتبر أن تكون النية في الميقات حيث يمرّ على الميقات، وإلاّ فمن حيث يجوز له الاحرام، كما مرّ في محلّه.
الثاني: لبس ثوبي الإحرام للرجال بعد نزع المخيط وكل ما يحرم لبسه حال الإحرام - مما سيأتي بيانه -. ولا يعتبر في لبسهما كيفية خاصة، فيجوز الاتّزار بأحدهما كيف شاء، لكن بأن يجعله ساتراً من السرّة إلى الركبة، ويجوز ارتداء الآخر أو التوشّح به أو غير ذلك من الهيئات، ولكن يُشترط فيه أن يكون ساتراً للمنكبين والعضدين وقدراً معتدّاً به من الظهر. هذا، والأوْلى لبسهما بالطريقة المألوفة وأن يكون اللبس قبل النية والتلبية، ولو قدّمهما عليه فالأولى إعادتهما بعده.
أمّا النساء فلا يجب عليهنّ نزع المخيط، بل يُحرِمْنَ بثيابهنّ المعتادة إذا كانت واجدة للشروط الآتية في المسألة 77.
م ـ 75: لبس الثوبين للمُحرم واجب استقلالي، وليس شرطاً في تحقّق الإحرام، بمعنى أنّ الرجل لو أتى بسائر شروط الإحرام من النية والتلبية وكان لابساً للمخيط حُكم بصحّة إحرامه. نعم، يكون آثماً في صورة التعمّد والعلم بالحرمة لغير ضرورة وتلزمه كفّارة لبس المخيط كما يأتي في محلّه.
م ـ 76: إذا كان المكلّف جاهلاً بوجوب نزع المخيط، أو نسي ذلك، أو كان عالماً ولكنه نسي أو جهل كون ما يلبسه من المخيط، صحّ إحرامه كما مرّ، وأمّا إذا لبسهما بعد الإحرام فلا إشكال في صحّة إحرامه، ولكن يلزم عليه شقّ القميص وإخراجه من تحت. أمّا إذا كان للقميص أزرار من الأمام كما هو المتعارف ويمكن فتحه بفك أزراره فلا يلزم شقّه بل ينزعه بالنحو المتعارف.
م ـ 77: يُشترط فيما يلبسه المحرم رجلاً أو امرأة - مضافاً إلى ما اشترطناه للرجل - أمور:
أ - الطهارة، بحسب ما ذُكر في شروط الصلاة تماماً، ولذا يُعفى عما لو كانت النجاسة مما يُعفى عنه في الصلاة، ومنها الدم إذا لم يكن مجموعه بقدر الدرهم، والأحوط اعتباره بمقدار عقد الإصبع السبابة، وغيره من موارد العفو التي ذكرنا تفصيلها في مباحث مقدمات الصلاة في رسالتنا العملية (انظر فقه الشريعة: (ج1/ص261).
ب - أن لا يكون من الحرير الخالص. والحكم بحرمة لبس الحرير وإن كان مختصاً بالرجل، إلا أنَّه يُكره للمرأة أن يكون شيء من ثياب إحرامها من الحرير الخالص، إلا في حال الضرورة كالاتّقاء من البرد أو الحر، وأمّا الحرير غير الخالص فلا يُكره لها لبسه.
ت - أن لا يكون من أجزاء السباع، بل أن لا يكون من مطلق ما لا يؤكل لحمه.
ث - أن لا يكون من المذهّب.
ج - أن يكون جميع الإزار ساتراً للبشرة غير حاكٍ عنها، ولا يعتبر ذلك في الرداء. هذا بالنسبة إلى الرجل، وأمّا المرأة فستر البشرة شرط معتبر في لباسها بأجمعه.
م ـ 78: لا بأس بأن يلبس المحرم عدة أثواب زيادةً على ثوبي الإحرام من غير المخيط - عند الإحرام أو بعده - سواء كان ذلك للتحفّظ من البرد أو الحر أو غيره من الأسباب. هذا، ولا بد أن تتوفر في ما يُلبس زيادةً الشروط المذكورة في المسألة السابقة.
م ـ 79: الأفضل أن يكون ثوبا الإحرام من المنسوج، وأن لا يكونا من قبيل الجلد المأخوذ من مأكول اللحم المذكى، وأن لا يكون من الملبّد.
م ـ 80: إذا أحرم المكلف لم تجب عليه الاستدامة في لبس ثياب الإحرام، فلا بأس بإلقائه عن متنه لضرورة أو غير ضرورة، كما لا بأس بتبديله على أن يكون البدل واجداً للشرائط.
م ـ 81: يُستحب أن يكون ثوبا الإحرام من القطن، تأسياً برسول الله (ص) ، وأن يكونا أبيضي اللون، نظيفين، ولو توسّخا حال الإحرام فالأولى أن لا يغسلهما ما دام محرماً، ولا بأس بتبديلهما.
م ـ 82: إذا تنجّس أحد ثوبي الرجل أو كلاهما - أو تنجست ثياب المرأة - بعد التلبّس بالإحرام فيجب المبادرة إلى التبديل أو التطهير.
م ـ 83: يُستحبّ أن يُدعى عند لبس ثياب الإحرام ويقال: «الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي، وأؤدي به فرضي، وأعبد فيه ربي، وأنتهي فيه إلى ما أمرني. الحمد لله الذي قصدتُه فبلّغَني، وأردته فأعانَني، وقَبِلني ولم يَقْطَعْ بِي، وَوَجْهَهُ أردتُ فَسَلَّمَني، فهو حِصْنِي وَكَهْفِي وحِرْزِي وظَهْرِي ومَلاَذِي وَمَلْجَأي ومَنْجَايَ وذُخْرِي وعُدَّتِي في شِدَّتي وَرَخَائِي».
الثالث: التلبية، ويكفي فيها أن يقول: «لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شَريكَ لَكَ لبَّيْك»، والأَوْلى إضافة: «إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لاَ شَريكَ لَك»، ويجوز أن يختمها بقوله: «لَبَّيك». ويُستحبّ أن يرفع الرجل صوته بالتلبية دون المرأة.
كما يُستحبّ أن يضيف إليها بعد ذلك: «لبَّيكَ ذا المعارجِ لبَّيك، لبَّيك داعياً إلى دارِ السَّلامِ لبَّيك، لبَّيكَ غَفَّار الذُنُوبِ لبَّيك، لبَّيكَ أَهْلَ التَّلْبيةِ لبَّيك، لبَّيك ذا الجلالِ والإكرامِ لبَّيك، لبَّيك تُبدِىءُ والمعادُ إليكَ لبَّيك، لبَّيك تَسْتَغني ويُفتقرُ إليكَ لبَّيك، لبَّيك مرهوباً ومرغوباً إليكَ لبَّيك، لبَّيك إلهَ الحَقِّ لبَّيك، لبَّيك ذا النعماء والفضلِ الحسنِ الجميلِ لبَّيك، لبَّيك كَشَّافَ الكُرَبِ العِظامِ لبَّيْك، لبَّيك عَبدُك وابنُ عَبْديك لبَّيك، - والمرأة تقول: «لبيك أمتُك وابنة عبديك لبّيك» - لبَّيك يا كريمُ لبَّيك».
وينبغي للمُحرم أن يتوجّه بالتلبية إلى الله عزّ وجل، مستشعراً أنّه يجيب دعوة الله تعالى، فإن الحجّ لله وحده لا شريك له.
هذا، ويُستحبّ أن يعقد إحرامه بالتلبية بعد فريضة الظهر، فإن لم يتمكّن فبعد فريضة أخرى، وإلا فبعد ركعتين أو ستّ ركعات من النوافل، والستّ أفضل، يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة التوحيد، وفي الثانية الفاتحة وسورة الجحد (الكافرون)، فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثمّ قال:
«اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ أنْ تجْعَلني ممّنِ استَجابَ لكَ، وآمَنَ بِوَعْدِكَ، واتَّبَعَ أمْرَكَ، فإنِّي عَبْدُكَ - والمرأة تقول: إنّي أمتك - وفي قبضَتِكَ، لا أُوقى إلاّ ما وَقَيْتَ، ولا آخُذُ إلاّ ما أعْطَيْتَ، وقدْ ذكرْتَ الحجَّ، فأسألُكَ أنَ تَعْزِمَ لي عليهِ على كتابِكَ، وسُنَّةِ نبِيِّكَ صلّى الله عليه وآله، وتُقوِّيَني على ما ضَعُفْتُ عنه، وتَتَسلَّمْ منِّي مناسكِي في يُسرٍ منكَ وعافيةٍ، واجْعلْني مِن وَفدِكَ الّذي رَضِيْتَ وارتَضيت وسمَّيْتَ وكتَبْت.
اللَّهُمَّ إنّي خَرَجْتُ مِن شُقَّةٍ بَعيدَةٍ وأنْفَقْت مالي ابْتغاء مَرْضاتِكَ، اللَّهُمَّ فَتمِّم لي حَجَّتي وعُمرتي، اللَّهُمَّ إنّي أُريدُ التَّمتُّع بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ على كتابِكَ وسنَّةِ نَبِيّكَ، صلّى اللهُ عليه وآله، فإن عَرضَ لي عارضٌ يَحْبسُني، فحُلَّني حيثُ حَبَسْتَني لقَدَركَ الّذي قَدَّرْتَ عَلَيَّ. اللَّهُمَّ إنْ لم تكُنْ حَجَّةٌ فعمرةٌ. أحْرَمَ لَكَ شَعْري وبَشَري ولَحْمي ودمّي وعِظامي وُمخّي وعَصَبي مِن النِّساءِ والثِّيابِ والطِّيب، أبتغي بذلك وجْهَكَ والدّارَ الآخِرة». ولعل من المناسب ان تستبدل كلمة النساء بالرجال، فتقول المرأة: «احرم لك.. من الرجال».
م ـ 84: يجب على المكلّف أن يتعلّم ألفاظ التلبية الواجبة، ويُحسن أداءها بالطريقة الصحيحة حسب قواعد اللغة العربية الفصحى، ولو بأن يُلقّنه إياها شخص آخر، فإذا لم يتعلّم تلك الألفاظ ولم يتيسّر له التلقين أجزأ عنه التلفظ بها مغلوطةً بشرط أن لا يصل الغلط إلى حدٍّ يمنع من صدق التلبية عليها في نظر العرف، وإلا فالأحوط وجوباً له حينئذ الإتيان بما يقدر عليه، مع استنابة من يلبّي عنه التلبية الصحيحة. ولا وجه للترجمة، والاحتياط بها لا بأس به.
م ـ 85: الأخرس لعارضٍ مع التفاته إلى لفظة التلبية يأتي بها على قدر ما يمكنه، فإن عجز عن ذلك حرّك بها لسانه وشفتيه حين إخطارها في قلبه وأشار بإصبعه إليها على نحو يناسب تمثيل لفظها.
وأمّا الأخرس الأصمّ من الأول ومَن بحُكمه فيُحرّك بها لسانه وشفتيه تشبيهاً بمن يتلفّظ بها، مع ضمّ الإشارة بالإصبع إليها أيضاً.
م ـ 86: الصبيّ غير المميّز الذي تقدّم استحباب إحرام وليّه به يُلبّى عنه إن لم يُحسن التلبية.
م ـ 87: التلبية شرط أساس في انعقاد أيّ إحرام، سواء كان إحراماً للحجّ أو للعمرة بأنواعهما المختلفة - إلا في حجّ القران كما سيأتي بيانه -، وعليه فلو لم يلبِّ لم ينعقد إحرامه، حتى لو نوى ونزع المخيط وما إلى ذلك. ولذا فلو ارتكب شيئاً من محرمات الإحرام - والحال هذه - لم يأثم ولم تجب عليه الكفارة. نعم سيأتي لاحقاً حكم من نسي الإحرام.
م ـ 88: التلبية الواجبة ينعقد الإحرام بالإتيان بها مرة واحدة، ولا يجب تكرارها. نعم، يُستحبّ أن يكرّرها المحرم عند الاستيقاظ من النوم، وبعد كل فريضة من فرائضه، وحين الركوب، وعند كل علوٍ وهبوط أثناء السفر، وعند ملاقاة الركب، ويُستحب الإكثار منها في السحر، حتى لو كان المحرم جنباً أو حائضاً، فضلاً عما لو كان محدثاً بالأصغر خاصة. وينتهي استحباب التكرار للمتمتّع عند مشاهدة موضع بيوت مكَّة القديمة، وحدّه لمن جاء من أعلى مكَّة عن طريق المدينة «عقبة المدنيّين»، ولمن جاء من أسفلها «عقبة ذي طوى»؛ فتكرارها حينئذ غير راجحٍ في حقّه.
الأفضل لمن عقد الإحرام من مسجد الشجرة أن يؤخّر التلبية إلى أول البيداء عند آخر ذي الحليفة، حيث تستوي الأرض، ولا مانع التعجيل بها وتأخير رفع الصوت بها إلى البيداء، هذا للرجل، وأمّا المرأة فليس عليها رفع الصوت بالتلبية أصلاً.
والأفضل لمن عقد الإحرام من غير مسجد الشجرة تأخير التلبية إلى أن يمشي قليلاً، ولمن عقده من المسجد الحرام تأخيرها إلى الرقطاء، وهو موضعٌ دون الردم، والردم موضع بمكَّة، قيل: يسمّى الآن بـ «مدعى» بالقرب من مسجد الراية قبيل مسجد الجنّ.
م ـ 90: إذا شكّ المكلّف بعد لبس ثوبي الإحرام وقبل التجاوز من المكان الذي لا يجوز تأخير التلبية عنه في أنّه هل أتى بها أم لا بنى على عدم الإتيان، ولزمه الإتيان بها، وأمّا إذا شكّ بعد الإتيان بالتلبية في أنّه هل أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحّة.
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير