تفسير
25/01/2024

s-2-a-99-102-103

s-2-a-99-102-103

‏ ‏

‏ معاني المفردات ‏

{ تتْلُوا } : ترويه وتخبِّر به. ‏

{ بِبابِل } : بلد في العراق، قرب مدينة الحلّة، بين دجلة والفرات، تقع إلى الجنوب الشّرقيِّ من بغداد. وهي كلمةٌ مركّبةٌ من «باب» و«إل» بمعنى الله، ومعنى بابل: باب الله. ‏

{هارُوت و مارُوت} : ملكان كانا يعلِّمان النّاس السِّحر، حذرًا وتوقِّيًا من كيد الكائدين، ويحذِّران من استعماله. والتّعليم كان يتمُّ من خلال تمثُّلهما بصورة بشر. والكلمتان معرّبتان، على وزان طاغوت. ويرى البعض أنّهما عربيّتان، من الهرت والمرت، بمعنى الكسر‏1‏ . ‏

{ فِتْنةٌ } : بلاء. ‏

{ خالِقُ } : الخلاق: النّصيب من الخير. ‏

{ لمثُوبةٌ } : ثوابٌ وأجرٌ. ‏

‏ ‏

‏ ‏‏ممارسة السِّحر باسم الدِّين ‏

{واِتّبعُوا ما تتْلُوا الشّياطِينُ على‏ مُلْكِ سُليْمان} . وهذا لونٌ جديدٌ من ألوان الممارسات المنحرفة الضّارّة الّتي كان يقوم بها اليهود لتخريب حياة النّاس، فينشرون فيها الضّرر والخرافة والفساد، وهي الممارسات الّتي تتمثّل في اللّعب على أعين النّاس وعقولهم في تخييل ما لا حقيقة له، وفي الإيحاء بما لا واقع له، وفي الوسائل الّتي تفرِّق النّاس بعضهم عن بعض. وقد جاءت هاتان الآيتان لتوضحا هذا الجانب من الصُّورة، في طريقةٍ موحيةٍ تشير في مثل اللّمحة الخاطفة إلى الموقف الإسلاميِّ من السِّحر كمبدأ، من خلال معالجتهما للسُّلوك اليهوديِّ المنحرف؛ فقد اعتبر السِّحر الّذي يمارسونه لونًا من ألوان البدع الشّيطانيّة الّتي ينسبها الشّياطين إلى مُلك سليمان، من أجل أن يمنحوها جوًّا من القداسة النّبويّة، لدفع النّاس إلى ممارستها كأسرار مقدّسة. هذا من جهةٍ. ومن جهةٍ أخرى، ليعطوا لمُلك سليمان طابعًا سحريًّا يضفي عليه نوعًا من الغموض والإبهام الّذي يبتعد به عن الجانب الرُّوحيِّ الرِّساليِّ المتجسِّد في شخصيّته، لتكون له شخصيّة الملك السّاحر بعيدًا عن شخصيّة النّبيِّ المؤيّد من الله. ‏

{و ما كفر سُليْمانُ و لكِنّ الشّياطِين كفرُوا يُعلِّمُون النّاس السِّحْر} . ويؤكِّد القرآن القضيّة في موقفٍ حاسمٍ، أنّ السِّحر فصيلةٌ من فصائل الكفر، الّذي إذا لم يتّصل بالجانب العقيديِّ في دائرة الفكر الكافر والمؤمن، فإنّه يتّصل بالجانب العمليِّ الّذي يقترب من الكفر بمدلوله ولوازمه. وهذا ما يرتفع عنه المستوى الرُّوحيُّ الإيمانيُّ لسليمان، فليس له أيّة علاقةٍ به من قريبٍ أو من بعيد؛ لأنّه لم يتحرّك في ملكه من موقع التّحكُّم بالنّاس واللّعب عليهم، بل انطلق فيه من قاعدة الحكم العدل، والإيمان الفصل، المرتبط بالله، ولكنّ الشّياطين هم الّذين مارسوا الكفر في السِّحر، فأضلُّوا النّاس وأفسدوا حياتهم، عندما انطلقوا يعلِّمون النّاس السِّحر، ليثيروا الخلافات والمنازعات، ويؤجِّجوا نار العداوة والبغضاء من خلاله. ‏

‏ سحر هاروت وماروت ‏

‏وينطلق الحديث ليربطنا - في السِّحر - برافدٍ آخر، هو: {و ما أُنْزِل على الْملكيْنِ بِبابِل هارُوت و مارُوت} ، هذان اللّذان كانا يعلِّمان النّاس السِّحر للمعرفة والثّقافة ودفع الضّرر، لا لاستلام زمام المبادرة العمليّة فيه؛ ولهذا كانا يرشدان الإنسان الّذي يتعلّم منهما إلى أنّهما فتنةٌ للنّاس، وامتحانٌ لهم على الانضباط والالتزام الدِّينيِّ في عدم الإضرار من موقع القدرة والمعرفة لا من موقع العجز؛ لأنّ هناك فرقًا بين أن تلتزم بترك الشّي‏ء لأنّك لا تعرف حدوده وقواعده الّتي تملك من خلالها إمكانيّة التّصرُّف، وبين أن تتركه وأنت تعرف كيف تتلاعب به وتوجِّهه الوجهة الّتي تريدها في طريق الخير والشّرِّ، {‏‏ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ‏‏} . ولكنّ النّاس - ومنهم اليهود - لا ينجحون في الامتحان غالبًا، فيوجِّهون المعرفة الّتي يكسبونها في طريق الإضرار بالنّاس، وهو ما يتمثّل في قوله تعالى: {فيتعلّمُون مِنْهُما ما يُفرِّقُون بِهِ بيْن الْمرْءِ و زوْجِهِ} . والظّاهر أنّ المراد من ذلك ما يُستعمل لهذا الهدف، لا ما يحدث منه ذلك بشكلٍ حتميٍّ؛ وذلك بقرينة قوله تعالى في ما يليه: {و ما هُمْ بِضارِّين بِهِ مِنْ أحدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ} . ويُطلق «إذن الله» في القرآن الكريم عادةً على الظُّروف والأسباب الطّبيعيّة الّتي أودعها الله في خصائص الأشياء، ممّا يساهم في حدوث الظّاهرة في حركة الوجود الإنسانيِّ والكونيِّ؛ وفي هذا إيحاءٌ بأنّ الإنسان لا يملكها ما لم يكن ذلك بإرادة الله الّذي يملك القدرة على كلِّ شي‏ءٍ من خلقه. ‏

‏ السِّحر والثّمن البخس ‏

‏ثمّ يدخل القرآن في الأجواء الرُّوحيّة الّتي يريد للإنسان أن يستحضرها في وعيه ووجدانه عندما يواجه حدود الحلال والحرام، فيفكِّر بالله وبالدّار الآخرة، في ما ينتظره من سخط الله وعذابه، وفي ما يخسره من حظِّ الدُّنيا والآخرة؛ لينفصل الإنسان عن الدّوافع الذّاتيّة الشِّرِّيرة الّتي تربطه بالأرض بعيدًا عن آفاق السّماء، والّتي تزيِّن له الانحراف وتهوِّن عليه المعصية، طمعًا في إرضاء نوازعه المنحرفة الضّيِّقة. ‏

{و يتعلّمُون ما يضُرُّهُمْ و لا ينْفعُهُمْ و لقدْ علِمُوا لمنِ اِشْتراهُ} أي: السِّحر في وسائله الضّارّة، {ما لهُ فِي الْآخِرةِ مِنْ خلاقٍ} أي: نصيب، {و لبِئْس ما شروْا بِهِ أنْفُسهُمْ} أي: باعوها؛ لأنّه ثمنٌ بخسٌ لا يحصلون منه على شي‏ءٍ؛ لأنّهم سيتركونه في الدُّنيا في عمر اللّحظة ويواجهون الآخرة صفر اليدين، {لوْ كانُوا يعْلمُون} ، ولكنّهم لا يعلمون؛ لغلبة الغفلة عليهم من خلال سيطرة الشّهوة على تفكيرهم ووجدانهم. {و لوْ أنّهُمْ آمنُوا و اِتّقوْا لمثُوبةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خيْرٌ لوْ كانُوا يعْلمُون} ، فلو وقفوا عند حدود ما أحلّه الله وما حرّمه عليهم، واتّقوا ربّهم، فإنّ المثوبة تنتظرهم من عند الله، لو عرفوا قيمة المثوبة المنطلقة في أجواء رضاه ورحمته، ولكنّهم لا يعلمون. ‏

‏ مع المفسِّرين في بعض التّفاصيل [‏

‏وقد أفاض المفسِّرون في عدّة جوانب من الآية، فتحدّثوا عن اليهود الّذين اتّبعوا السِّحر، هل هم الّذين كانوا على عهد سليمان، أم غيرهم؟ وتحدّثوا عن كلمة { تتْلُوا } ، هل هي بمعنى تقرأ أم تكذب أم تتبع؟ وعن كلمة {على‏ مُلْكِ سُليْمان} ، هل هي في عهده أم في مُلكه نفسه؟ وعن {و ما أُنْزِل على الْملكيْنِ} ، هل هو متعلِّقٌ بكلمة {و اِتّبعُوا} أم بكلمة {يُعلِّمُون النّاس السِّحْر} ، ليكون معطوفًا على السِّحر؟ وعن شخصيّة {هارُوت و مارُوت} ، هل هما ملكان، أم شيطانان، أم آدميان؟ وغير ذلك من الأبحاث. ‏

‏وإنّنا لا نجد مجالاً مفيدًا للإفاضة كثيرًا في ذلك في ما سيقت له الآية؛ لأنّ البحث عن تحديد شخصيّة اليهود المقصودين في الآية، أو شخصيّة الملكين، لا يجدينا شيئًا ما دامت القضيّة في الآية واردةً في سياق إعطاء الصُّورة للسُّلوك اليهوديِّ كطابعٍ عامٍّ يطبع الشّخصيّة التّاريخيّة والمعاصرة. ‏

‏أمّا الملكان، فإنّ الظّاهر من حديثهما الّذي ذكرته الآية هو اعتبارهما مصدرين خيِّرين، أو غير شرِّيرين على الأقلِّ، من دون دخلٍ لشخصيّتهما الذّاتيّة في الموضوع. وقد لا نريد أن نلغي أهمِّيّة معرفة ذلك في بعض الجوانب الأخرى الّتي تتّصل بعصمة الملائكة وطبيعتهم من ناحيةٍ فكريّةٍ مجرّدةٍ، ولكنّ مثل هذه المعرفة لا تمثِّل شيئًا كبيرًا في الطّبيعة العامّة للعقيدة. ‏

‏وقد وردت رواياتٌ‏‏2‏ عديدةٌ من طرق السُّنّة والشِّيعة، تتحدّث عن تفاصيل كثيرةٍ تتعلّق بهاروت وماروت، والّتي لا تبتعد عن مناخ الإسرائيليّات الموضوعة، بل لا تنسجم مع سياق الآية ومفادها. والله العالم. ‏

‏أمّا كلمة { تتْلُوا } فالظّاهر، بقرينة المقام، أنّها كنايةٌ عن النِّسبة الكاذبة؛ إذ لا معنى للقراءة المجرّدة في هذا المجال، كما أنّ معنى الاتِّباع لا ينسجم مع كلمة {و اِتّبعُوا} . ‏

‏أمّا كلمة {و ما أُنْزِل} ، فهي معطوفةٌ - ظاهرًا - على كلمة {ما تتْلُوا} ؛ لأنّ ذلك أقرب إلى الانسجام مع طبيعة الآية؛ لأنّ ما أُنزل على الملكين ليس شيئًا آخر غير السِّحر، ليكون معطوفًا على الكلمة نفسها. ‏

‏ هل للسِّحر حقيقةٌ؟ ‏

‏أمّا عن السِّحر، ما حقيقته، وما تأثيره، وهل له أساسٌ من الحقِّ يُركن إليه؟ ‏

‏لا يبعد أن نستوحي من القرآن الكريم في آياته المتفرِّقة، ولا سيّما في ما جاء من حديث موسى مع السّحرة، أنّ السِّحر عمليّةُ تخييلٍ ولعبٍ على الأعين والحواسِّ الأخرى، وذلك في قوله تعالى: {سحرُوا أعْيُن النّاسِ و اِسْترْهبُوهُمْ و جاؤُ بِسِحْرٍ عظِيمٍ} [الأعراف: 116]، وقوله تعالى في حديث موسى معهم: {ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنّ اللّه سيُبْطِلُهُ} [يونس: 81]، كدلالةٍ على أنّه لا يرتكز على أساسٍ من الحقِّ الّذي يمكن له أن يتماسك، وقوله: {إِنّما صنعُوا كيْدُ ساحِرٍ و لا يُفْلِحُ السّاحِرُ حيْثُ أتى‏} [طه: 69]؛ لأنّ عمله لا يؤدِّي إلى نتيجةٍ حاسمةٍ، بل ينتهي إلى الخيبة والخسران والفشل الذّريع. وقد نجد هذا المعنى في ما كان الكُفّار يواجهون به الأنبياء من اتِّهامهم بالسِّحر؛ باعتبار أنّهم يُفقدون الإنسان قدرته على مواجهة الدّعوة بحرِّيّة الإرادة والاختيار بما يملكون من وسائل السِّحر. ‏

‏وقد وردت الأحاديث الكثيرة في التّنديد بالسّاحر والسِّحر والتّشديد على عقوبة السّاحر في الدُّنيا والآخرة، فقد جاء في الحديث: «الكاهن كالسّاحر، والسّاحر كالكافر، والكافر في النّار»‏3‏، و«ساحر المسلمين يُقتل، وساحر الكُفّار لا يُقتل، قيل: يا رسول الله، ولِم لا يُقتل ساحر الكُفّار؟ قال: لأنّ الكفر أعظم من السِّحر، ولأنّ السِّحر والشِّرك مقرونان»‏4‏ ؛ ولعلّ الوجه في ذلك هو طبيعة الخطورة الّتي يمثِّلها السِّحر في ربط النّاس بالخرافة والتّضليل والتّمويه والابتعاد عن طبيعة الأشياء، تحت ستار الأسرار الغامضة المقدّسة، أو الاعتقاد ببعض المؤثِّرات في خصائص الأشياء بالمستوى الّذي يتنافى مع وحدانيّة الله وعظمته. ‏

‏وإنّنا لا ننطلق، في تحفُّظنا في اعتبار السِّحر شيئًا حقيقيًّا، من فكرة استبعاد علاقة الأشياء غير الملموسة أو غير المادِّيّة بالتّأثير بالواقع، انطلاقًا من الفكرة الّتي لا تؤمن إلاّ بالجانب الحسِّيِّ في قضايا الحياة الواقعيّة، بل إنّما ننطلق في التّحفُّظ المذكور من جهة أنّنا لا نملك أدلّةً وجدانيّةً أو شرعيّةً - في ما نعرفه من أدلّة - على ذلك، فتبقى القضيّة في طور الاحتمال الّذي يحتاج في جميع تفاصيله إلى دليل. ‏

‏وقد نقل العلاّمة الطّبرسيُّ اختلاف العلماء في ماهيّة السِّحر، فقال - ما نصُّه-: «اختُلف في ماهيّة السِّحر على أقوال. فقيل: إنّه ضربٌ من التّخييل وصنعةٌ من لطيف الصّنائع، وقد أمر الله بالتّعوُّذ منه، وجعل التّحرُّز بكتابه وقايةً منه، وأنزل فيه سورة الفلق. وهو قول الشّيخ المفيد أبي عبدالله من أصحابنا. وقيل: إنّه خدعٌ ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، يُخيّل إلى المسحور أنّ لها حقيقة. وقيل: إنّه يمكن السّاحر أن يقلب الإنسان حمارًا، ويقلبه من صورةٍ إلى صورةٍ، وينشئ الحيوان على وجه الاختراع. وهذا لا يجوز، ومن صدّق به فهو لا يعرف النُّبوّة، ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النّوع. ولو أنّ السّاحر والمعزِّم قدرا على نفعٍ أو ضرٍّ وعلما الغيب، لقدرا على إزالة الممالك، واستخراج الكنوز من معادنها، والغلبة على البلدان بقتل الملوك، من غير أن ينالهم مكروهٌ وضررٌ، فلمّا رأيناهم أسوأ النّاس حالاً وأكثرهم مكيدةً واحتيالاً، علمنا أنّهم لا يقدرون على شي‏ءٍ من ذلك. فأمّا ما رُوي من الأخبار أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سُحر، فكان يرى أنّه فعل ما لم يفعله وأنّه لم يفعل ما فعله، فأخبارٌ مفتعلةٌ لا يُلتفت إليها. وقد قال الله سبحانه وتعالى - حكايةً عن الكُفّار -: {إِنْ تتّبِعُون إِلاّ رجُلاً مسْحُوراً} [الإسراء: 47]، فلو كان للسِّحر عملٌ فيه، لكان الكُفّار صادقين في مقالهم، حاشا النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من كلِّ صفة نقصٍ تنفِّر عن قبول قوله؛ فإنّه حجّة الله على خليقته، وصفوته على بريّته»‏5‏ . ‏

‏ مع الشّيخ المفيد في معنى السِّحر ‏

‏وإنّنا نعقِّب على ما استفاده الشّيخ المفيد رحمه الله من سورة الفلق - في ما نقله عنه الطّبرسيُّ - في قوله تعالى: {و مِنْ شرِّ النّفّاثاتِ فِي الْعُقدِ} [الفلق: 4]، أنّ من الممكن أن تكون الاستعاذة أسلوبًا من أساليب التّخلُّص من الحالات النّفسيّة الّتي يعيشها الإنسان من خوفٍ أو قلقٍ إزاء هذه الحالات؛ وذلك بسبب العقليّة الشّعبيّة الّتي درجت على اعتقاد وجود آثارٍ حقيقيّةٍ لمثل هذه الأمور. وقد يكون قريبًا من هذا الجوِّ الأحاديث الواردة في الاستعاذة بالله من أسباب الطِّيرة والتّشاؤم إذا حدث في النّفس شي‏ءٌ بسببها‏‎6‎‏ ، ما يوحي بأنّ المعالجة ليست معالجةً لشي‏ءٍ حقيقيٍّ يُخاف من خطره، بل هي معالجةٌ لحالةٍ نفسيّةٍ تحدث من خلال العقائد الموروثة. وقد لا يعني هذا أن نلغي من الحساب كلّ التّأثيرات الرُّوحيّة بسبب بعض الكلمات المقدّسة من أسماء الله الحسنى وآياته، فقد ورد في كثير من الأحاديث تأثيرها في بعض القضايا، الّتي تبقى من اهتمامات الأديان المرتكزة على وحي الله، الّذي يعلم حقائق الأشياء، في خصائصها الرُّوحيّة والمادِّيّة. ‏

‏ولكنّ هذه الأمور ليست مساحةً مفتوحةً للجميع، بل هي من صلاحيّات أهل المعرفة الدِّينيّة الواعية الّذين يميِّزون بين الخرافة والحقيقة، ويعرفون صحيح الحديث من فاسده، فلا يأخذون من هذه القضايا إلاّ ما ثبت لهم صحّته ممّا لا يخالف المنطق وطبيعة الأشياء. ولا يمكن الاستسلام فيها إلى أشباه الأُمِّيِّين الّذين لا يملكون من المعرفة إلاّ قليلاً، فيعتمدون على الصُّدفة في ربح ثقة النّاس، ممّا لم يكن لهم فيه أيُّ دخلٍ من معرفةٍ أو تأثير، فيتبعهم النّاس لذلك ويعتذرون عنهم في غير ذلك ممّا يخطئون فيه؛ لأنّ شأن النّاس أن يحبُّوا التّصديق السّهل في الأمور، فذلك يجعلهم في حالة استسلامٍ للحلِّ السّهل الّذي لا يكلِّفهم عناءً في مواجهة الأشياء. ‏

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‏1.‏‏انظر: الزّمخشري، الكشّاف، م. س، ج 1، ص 301. حكاه وأشكل عليه ولم يسمِّ قائله. ‏

‏2.‏‏راجع على سبيل المثال لا الحصر: العيّاشي، تفسير العيّاشي، م. س، ج 1، ص 52 - 54، ح 75 و 76. وكذلك في: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 1، ص 638 - 642، ح 1399 إلى ح 1404.‏

‏3.‏‏نهج البلاغة، م. س، ص 27، الخطبة 79.‏

‏4.‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 7، ص 260، ح 1.‏

‏5.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 333 - 334.‏

‏6.‏‏انظر: الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 8، ص 197، ح 236. الشّيخ الصّدوق، الخصال، منشورات جماعة المدرِّسين بالحوزة العلميّة بقم المشرّفة، قم - إيران، 1403 هـ-، ص 624. أبو نصر الطّبرسي، مكارم الأخلاق، م. س، ص 350.‏

‏ ‏

‎ ‎

‏ ‏

‏ معاني المفردات ‏

{ تتْلُوا } : ترويه وتخبِّر به. ‏

{ بِبابِل } : بلد في العراق، قرب مدينة الحلّة، بين دجلة والفرات، تقع إلى الجنوب الشّرقيِّ من بغداد. وهي كلمةٌ مركّبةٌ من «باب» و«إل» بمعنى الله، ومعنى بابل: باب الله. ‏

{هارُوت و مارُوت} : ملكان كانا يعلِّمان النّاس السِّحر، حذرًا وتوقِّيًا من كيد الكائدين، ويحذِّران من استعماله. والتّعليم كان يتمُّ من خلال تمثُّلهما بصورة بشر. والكلمتان معرّبتان، على وزان طاغوت. ويرى البعض أنّهما عربيّتان، من الهرت والمرت، بمعنى الكسر‏1‏ . ‏

{ فِتْنةٌ } : بلاء. ‏

{ خالِقُ } : الخلاق: النّصيب من الخير. ‏

{ لمثُوبةٌ } : ثوابٌ وأجرٌ. ‏

‏ ‏

‏ ‏‏ممارسة السِّحر باسم الدِّين ‏

{واِتّبعُوا ما تتْلُوا الشّياطِينُ على‏ مُلْكِ سُليْمان} . وهذا لونٌ جديدٌ من ألوان الممارسات المنحرفة الضّارّة الّتي كان يقوم بها اليهود لتخريب حياة النّاس، فينشرون فيها الضّرر والخرافة والفساد، وهي الممارسات الّتي تتمثّل في اللّعب على أعين النّاس وعقولهم في تخييل ما لا حقيقة له، وفي الإيحاء بما لا واقع له، وفي الوسائل الّتي تفرِّق النّاس بعضهم عن بعض. وقد جاءت هاتان الآيتان لتوضحا هذا الجانب من الصُّورة، في طريقةٍ موحيةٍ تشير في مثل اللّمحة الخاطفة إلى الموقف الإسلاميِّ من السِّحر كمبدأ، من خلال معالجتهما للسُّلوك اليهوديِّ المنحرف؛ فقد اعتبر السِّحر الّذي يمارسونه لونًا من ألوان البدع الشّيطانيّة الّتي ينسبها الشّياطين إلى مُلك سليمان، من أجل أن يمنحوها جوًّا من القداسة النّبويّة، لدفع النّاس إلى ممارستها كأسرار مقدّسة. هذا من جهةٍ. ومن جهةٍ أخرى، ليعطوا لمُلك سليمان طابعًا سحريًّا يضفي عليه نوعًا من الغموض والإبهام الّذي يبتعد به عن الجانب الرُّوحيِّ الرِّساليِّ المتجسِّد في شخصيّته، لتكون له شخصيّة الملك السّاحر بعيدًا عن شخصيّة النّبيِّ المؤيّد من الله. ‏

{و ما كفر سُليْمانُ و لكِنّ الشّياطِين كفرُوا يُعلِّمُون النّاس السِّحْر} . ويؤكِّد القرآن القضيّة في موقفٍ حاسمٍ، أنّ السِّحر فصيلةٌ من فصائل الكفر، الّذي إذا لم يتّصل بالجانب العقيديِّ في دائرة الفكر الكافر والمؤمن، فإنّه يتّصل بالجانب العمليِّ الّذي يقترب من الكفر بمدلوله ولوازمه. وهذا ما يرتفع عنه المستوى الرُّوحيُّ الإيمانيُّ لسليمان، فليس له أيّة علاقةٍ به من قريبٍ أو من بعيد؛ لأنّه لم يتحرّك في ملكه من موقع التّحكُّم بالنّاس واللّعب عليهم، بل انطلق فيه من قاعدة الحكم العدل، والإيمان الفصل، المرتبط بالله، ولكنّ الشّياطين هم الّذين مارسوا الكفر في السِّحر، فأضلُّوا النّاس وأفسدوا حياتهم، عندما انطلقوا يعلِّمون النّاس السِّحر، ليثيروا الخلافات والمنازعات، ويؤجِّجوا نار العداوة والبغضاء من خلاله. ‏

‏ سحر هاروت وماروت ‏

‏وينطلق الحديث ليربطنا - في السِّحر - برافدٍ آخر، هو: {و ما أُنْزِل على الْملكيْنِ بِبابِل هارُوت و مارُوت} ، هذان اللّذان كانا يعلِّمان النّاس السِّحر للمعرفة والثّقافة ودفع الضّرر، لا لاستلام زمام المبادرة العمليّة فيه؛ ولهذا كانا يرشدان الإنسان الّذي يتعلّم منهما إلى أنّهما فتنةٌ للنّاس، وامتحانٌ لهم على الانضباط والالتزام الدِّينيِّ في عدم الإضرار من موقع القدرة والمعرفة لا من موقع العجز؛ لأنّ هناك فرقًا بين أن تلتزم بترك الشّي‏ء لأنّك لا تعرف حدوده وقواعده الّتي تملك من خلالها إمكانيّة التّصرُّف، وبين أن تتركه وأنت تعرف كيف تتلاعب به وتوجِّهه الوجهة الّتي تريدها في طريق الخير والشّرِّ، {‏‏ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ‏‏} . ولكنّ النّاس - ومنهم اليهود - لا ينجحون في الامتحان غالبًا، فيوجِّهون المعرفة الّتي يكسبونها في طريق الإضرار بالنّاس، وهو ما يتمثّل في قوله تعالى: {فيتعلّمُون مِنْهُما ما يُفرِّقُون بِهِ بيْن الْمرْءِ و زوْجِهِ} . والظّاهر أنّ المراد من ذلك ما يُستعمل لهذا الهدف، لا ما يحدث منه ذلك بشكلٍ حتميٍّ؛ وذلك بقرينة قوله تعالى في ما يليه: {و ما هُمْ بِضارِّين بِهِ مِنْ أحدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ} . ويُطلق «إذن الله» في القرآن الكريم عادةً على الظُّروف والأسباب الطّبيعيّة الّتي أودعها الله في خصائص الأشياء، ممّا يساهم في حدوث الظّاهرة في حركة الوجود الإنسانيِّ والكونيِّ؛ وفي هذا إيحاءٌ بأنّ الإنسان لا يملكها ما لم يكن ذلك بإرادة الله الّذي يملك القدرة على كلِّ شي‏ءٍ من خلقه. ‏

‏ السِّحر والثّمن البخس ‏

‏ثمّ يدخل القرآن في الأجواء الرُّوحيّة الّتي يريد للإنسان أن يستحضرها في وعيه ووجدانه عندما يواجه حدود الحلال والحرام، فيفكِّر بالله وبالدّار الآخرة، في ما ينتظره من سخط الله وعذابه، وفي ما يخسره من حظِّ الدُّنيا والآخرة؛ لينفصل الإنسان عن الدّوافع الذّاتيّة الشِّرِّيرة الّتي تربطه بالأرض بعيدًا عن آفاق السّماء، والّتي تزيِّن له الانحراف وتهوِّن عليه المعصية، طمعًا في إرضاء نوازعه المنحرفة الضّيِّقة. ‏

{و يتعلّمُون ما يضُرُّهُمْ و لا ينْفعُهُمْ و لقدْ علِمُوا لمنِ اِشْتراهُ} أي: السِّحر في وسائله الضّارّة، {ما لهُ فِي الْآخِرةِ مِنْ خلاقٍ} أي: نصيب، {و لبِئْس ما شروْا بِهِ أنْفُسهُمْ} أي: باعوها؛ لأنّه ثمنٌ بخسٌ لا يحصلون منه على شي‏ءٍ؛ لأنّهم سيتركونه في الدُّنيا في عمر اللّحظة ويواجهون الآخرة صفر اليدين، {لوْ كانُوا يعْلمُون} ، ولكنّهم لا يعلمون؛ لغلبة الغفلة عليهم من خلال سيطرة الشّهوة على تفكيرهم ووجدانهم. {و لوْ أنّهُمْ آمنُوا و اِتّقوْا لمثُوبةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خيْرٌ لوْ كانُوا يعْلمُون} ، فلو وقفوا عند حدود ما أحلّه الله وما حرّمه عليهم، واتّقوا ربّهم، فإنّ المثوبة تنتظرهم من عند الله، لو عرفوا قيمة المثوبة المنطلقة في أجواء رضاه ورحمته، ولكنّهم لا يعلمون. ‏

‏ مع المفسِّرين في بعض التّفاصيل [‏

‏وقد أفاض المفسِّرون في عدّة جوانب من الآية، فتحدّثوا عن اليهود الّذين اتّبعوا السِّحر، هل هم الّذين كانوا على عهد سليمان، أم غيرهم؟ وتحدّثوا عن كلمة { تتْلُوا } ، هل هي بمعنى تقرأ أم تكذب أم تتبع؟ وعن كلمة {على‏ مُلْكِ سُليْمان} ، هل هي في عهده أم في مُلكه نفسه؟ وعن {و ما أُنْزِل على الْملكيْنِ} ، هل هو متعلِّقٌ بكلمة {و اِتّبعُوا} أم بكلمة {يُعلِّمُون النّاس السِّحْر} ، ليكون معطوفًا على السِّحر؟ وعن شخصيّة {هارُوت و مارُوت} ، هل هما ملكان، أم شيطانان، أم آدميان؟ وغير ذلك من الأبحاث. ‏

‏وإنّنا لا نجد مجالاً مفيدًا للإفاضة كثيرًا في ذلك في ما سيقت له الآية؛ لأنّ البحث عن تحديد شخصيّة اليهود المقصودين في الآية، أو شخصيّة الملكين، لا يجدينا شيئًا ما دامت القضيّة في الآية واردةً في سياق إعطاء الصُّورة للسُّلوك اليهوديِّ كطابعٍ عامٍّ يطبع الشّخصيّة التّاريخيّة والمعاصرة. ‏

‏أمّا الملكان، فإنّ الظّاهر من حديثهما الّذي ذكرته الآية هو اعتبارهما مصدرين خيِّرين، أو غير شرِّيرين على الأقلِّ، من دون دخلٍ لشخصيّتهما الذّاتيّة في الموضوع. وقد لا نريد أن نلغي أهمِّيّة معرفة ذلك في بعض الجوانب الأخرى الّتي تتّصل بعصمة الملائكة وطبيعتهم من ناحيةٍ فكريّةٍ مجرّدةٍ، ولكنّ مثل هذه المعرفة لا تمثِّل شيئًا كبيرًا في الطّبيعة العامّة للعقيدة. ‏

‏وقد وردت رواياتٌ‏‏2‏ عديدةٌ من طرق السُّنّة والشِّيعة، تتحدّث عن تفاصيل كثيرةٍ تتعلّق بهاروت وماروت، والّتي لا تبتعد عن مناخ الإسرائيليّات الموضوعة، بل لا تنسجم مع سياق الآية ومفادها. والله العالم. ‏

‏أمّا كلمة { تتْلُوا } فالظّاهر، بقرينة المقام، أنّها كنايةٌ عن النِّسبة الكاذبة؛ إذ لا معنى للقراءة المجرّدة في هذا المجال، كما أنّ معنى الاتِّباع لا ينسجم مع كلمة {و اِتّبعُوا} . ‏

‏أمّا كلمة {و ما أُنْزِل} ، فهي معطوفةٌ - ظاهرًا - على كلمة {ما تتْلُوا} ؛ لأنّ ذلك أقرب إلى الانسجام مع طبيعة الآية؛ لأنّ ما أُنزل على الملكين ليس شيئًا آخر غير السِّحر، ليكون معطوفًا على الكلمة نفسها. ‏

‏ هل للسِّحر حقيقةٌ؟ ‏

‏أمّا عن السِّحر، ما حقيقته، وما تأثيره، وهل له أساسٌ من الحقِّ يُركن إليه؟ ‏

‏لا يبعد أن نستوحي من القرآن الكريم في آياته المتفرِّقة، ولا سيّما في ما جاء من حديث موسى مع السّحرة، أنّ السِّحر عمليّةُ تخييلٍ ولعبٍ على الأعين والحواسِّ الأخرى، وذلك في قوله تعالى: {سحرُوا أعْيُن النّاسِ و اِسْترْهبُوهُمْ و جاؤُ بِسِحْرٍ عظِيمٍ} [الأعراف: 116]، وقوله تعالى في حديث موسى معهم: {ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنّ اللّه سيُبْطِلُهُ} [يونس: 81]، كدلالةٍ على أنّه لا يرتكز على أساسٍ من الحقِّ الّذي يمكن له أن يتماسك، وقوله: {إِنّما صنعُوا كيْدُ ساحِرٍ و لا يُفْلِحُ السّاحِرُ حيْثُ أتى‏} [طه: 69]؛ لأنّ عمله لا يؤدِّي إلى نتيجةٍ حاسمةٍ، بل ينتهي إلى الخيبة والخسران والفشل الذّريع. وقد نجد هذا المعنى في ما كان الكُفّار يواجهون به الأنبياء من اتِّهامهم بالسِّحر؛ باعتبار أنّهم يُفقدون الإنسان قدرته على مواجهة الدّعوة بحرِّيّة الإرادة والاختيار بما يملكون من وسائل السِّحر. ‏

‏وقد وردت الأحاديث الكثيرة في التّنديد بالسّاحر والسِّحر والتّشديد على عقوبة السّاحر في الدُّنيا والآخرة، فقد جاء في الحديث: «الكاهن كالسّاحر، والسّاحر كالكافر، والكافر في النّار»‏3‏، و«ساحر المسلمين يُقتل، وساحر الكُفّار لا يُقتل، قيل: يا رسول الله، ولِم لا يُقتل ساحر الكُفّار؟ قال: لأنّ الكفر أعظم من السِّحر، ولأنّ السِّحر والشِّرك مقرونان»‏4‏ ؛ ولعلّ الوجه في ذلك هو طبيعة الخطورة الّتي يمثِّلها السِّحر في ربط النّاس بالخرافة والتّضليل والتّمويه والابتعاد عن طبيعة الأشياء، تحت ستار الأسرار الغامضة المقدّسة، أو الاعتقاد ببعض المؤثِّرات في خصائص الأشياء بالمستوى الّذي يتنافى مع وحدانيّة الله وعظمته. ‏

‏وإنّنا لا ننطلق، في تحفُّظنا في اعتبار السِّحر شيئًا حقيقيًّا، من فكرة استبعاد علاقة الأشياء غير الملموسة أو غير المادِّيّة بالتّأثير بالواقع، انطلاقًا من الفكرة الّتي لا تؤمن إلاّ بالجانب الحسِّيِّ في قضايا الحياة الواقعيّة، بل إنّما ننطلق في التّحفُّظ المذكور من جهة أنّنا لا نملك أدلّةً وجدانيّةً أو شرعيّةً - في ما نعرفه من أدلّة - على ذلك، فتبقى القضيّة في طور الاحتمال الّذي يحتاج في جميع تفاصيله إلى دليل. ‏

‏وقد نقل العلاّمة الطّبرسيُّ اختلاف العلماء في ماهيّة السِّحر، فقال - ما نصُّه-: «اختُلف في ماهيّة السِّحر على أقوال. فقيل: إنّه ضربٌ من التّخييل وصنعةٌ من لطيف الصّنائع، وقد أمر الله بالتّعوُّذ منه، وجعل التّحرُّز بكتابه وقايةً منه، وأنزل فيه سورة الفلق. وهو قول الشّيخ المفيد أبي عبدالله من أصحابنا. وقيل: إنّه خدعٌ ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، يُخيّل إلى المسحور أنّ لها حقيقة. وقيل: إنّه يمكن السّاحر أن يقلب الإنسان حمارًا، ويقلبه من صورةٍ إلى صورةٍ، وينشئ الحيوان على وجه الاختراع. وهذا لا يجوز، ومن صدّق به فهو لا يعرف النُّبوّة، ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النّوع. ولو أنّ السّاحر والمعزِّم قدرا على نفعٍ أو ضرٍّ وعلما الغيب، لقدرا على إزالة الممالك، واستخراج الكنوز من معادنها، والغلبة على البلدان بقتل الملوك، من غير أن ينالهم مكروهٌ وضررٌ، فلمّا رأيناهم أسوأ النّاس حالاً وأكثرهم مكيدةً واحتيالاً، علمنا أنّهم لا يقدرون على شي‏ءٍ من ذلك. فأمّا ما رُوي من الأخبار أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سُحر، فكان يرى أنّه فعل ما لم يفعله وأنّه لم يفعل ما فعله، فأخبارٌ مفتعلةٌ لا يُلتفت إليها. وقد قال الله سبحانه وتعالى - حكايةً عن الكُفّار -: {إِنْ تتّبِعُون إِلاّ رجُلاً مسْحُوراً} [الإسراء: 47]، فلو كان للسِّحر عملٌ فيه، لكان الكُفّار صادقين في مقالهم، حاشا النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من كلِّ صفة نقصٍ تنفِّر عن قبول قوله؛ فإنّه حجّة الله على خليقته، وصفوته على بريّته»‏5‏ . ‏

‏ مع الشّيخ المفيد في معنى السِّحر ‏

‏وإنّنا نعقِّب على ما استفاده الشّيخ المفيد رحمه الله من سورة الفلق - في ما نقله عنه الطّبرسيُّ - في قوله تعالى: {و مِنْ شرِّ النّفّاثاتِ فِي الْعُقدِ} [الفلق: 4]، أنّ من الممكن أن تكون الاستعاذة أسلوبًا من أساليب التّخلُّص من الحالات النّفسيّة الّتي يعيشها الإنسان من خوفٍ أو قلقٍ إزاء هذه الحالات؛ وذلك بسبب العقليّة الشّعبيّة الّتي درجت على اعتقاد وجود آثارٍ حقيقيّةٍ لمثل هذه الأمور. وقد يكون قريبًا من هذا الجوِّ الأحاديث الواردة في الاستعاذة بالله من أسباب الطِّيرة والتّشاؤم إذا حدث في النّفس شي‏ءٌ بسببها‏‎6‎‏ ، ما يوحي بأنّ المعالجة ليست معالجةً لشي‏ءٍ حقيقيٍّ يُخاف من خطره، بل هي معالجةٌ لحالةٍ نفسيّةٍ تحدث من خلال العقائد الموروثة. وقد لا يعني هذا أن نلغي من الحساب كلّ التّأثيرات الرُّوحيّة بسبب بعض الكلمات المقدّسة من أسماء الله الحسنى وآياته، فقد ورد في كثير من الأحاديث تأثيرها في بعض القضايا، الّتي تبقى من اهتمامات الأديان المرتكزة على وحي الله، الّذي يعلم حقائق الأشياء، في خصائصها الرُّوحيّة والمادِّيّة. ‏

‏ولكنّ هذه الأمور ليست مساحةً مفتوحةً للجميع، بل هي من صلاحيّات أهل المعرفة الدِّينيّة الواعية الّذين يميِّزون بين الخرافة والحقيقة، ويعرفون صحيح الحديث من فاسده، فلا يأخذون من هذه القضايا إلاّ ما ثبت لهم صحّته ممّا لا يخالف المنطق وطبيعة الأشياء. ولا يمكن الاستسلام فيها إلى أشباه الأُمِّيِّين الّذين لا يملكون من المعرفة إلاّ قليلاً، فيعتمدون على الصُّدفة في ربح ثقة النّاس، ممّا لم يكن لهم فيه أيُّ دخلٍ من معرفةٍ أو تأثير، فيتبعهم النّاس لذلك ويعتذرون عنهم في غير ذلك ممّا يخطئون فيه؛ لأنّ شأن النّاس أن يحبُّوا التّصديق السّهل في الأمور، فذلك يجعلهم في حالة استسلامٍ للحلِّ السّهل الّذي لا يكلِّفهم عناءً في مواجهة الأشياء. ‏

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‏1.‏‏انظر: الزّمخشري، الكشّاف، م. س، ج 1، ص 301. حكاه وأشكل عليه ولم يسمِّ قائله. ‏

‏2.‏‏راجع على سبيل المثال لا الحصر: العيّاشي، تفسير العيّاشي، م. س، ج 1، ص 52 - 54، ح 75 و 76. وكذلك في: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 1، ص 638 - 642، ح 1399 إلى ح 1404.‏

‏3.‏‏نهج البلاغة، م. س، ص 27، الخطبة 79.‏

‏4.‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 7، ص 260، ح 1.‏

‏5.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 333 - 334.‏

‏6.‏‏انظر: الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 8، ص 197، ح 236. الشّيخ الصّدوق، الخصال، منشورات جماعة المدرِّسين بالحوزة العلميّة بقم المشرّفة، قم - إيران، 1403 هـ-، ص 624. أبو نصر الطّبرسي، مكارم الأخلاق، م. س، ص 350.‏

‏ ‏

‎ ‎

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير