متفرقات
09/07/1999

الالتزام بالإسلام في خطّ أهل البيت(ع)

الالتزام بالإسلام في خطّ أهل البيت(ع)

هل يكفي في الانتماء أن تكون مسلماً، أو أن تكون شيعيّاً مسلماً في خطّ أهل البيت(ع)؟ هل يكفي أن تلتزم شيئاً من الفكر، وأن تنفتح على جانب من الخطّ، أو أنّ الانتماء يفرض عليك أن تلتزم بالخطّ كلّه وبالدّين كلّه؟

المنهج الإسلاميّ الصّحيح

إنّ الدّين ليس هو العقيدة فقط، ولكنّه الإسلام كلّه، عقيدةً وشريعةً ومنهجاً وحركةً وأسلوباً وهدفاً، وهو أن تكون مسلماً بالإسلام كلّه، وأن تلتزم أهل البيت(ع) في خطِّ الإسلام، فذلك يتطلّب منك أن تلتزم بالإسلام في خطِّ المنهج الّذي نهجوه، والفكر الّذي أعطوه، لا أن تنفتح على ولايتهم بالعقل والقلب، ثم تأخذ حريتك لتفتح حركتك وحياتك على كلّ حالة انحراف من حيث العمل والمنهج، فهذا ليس إسلاماً وليس تشيّعاً، فأن تكون مسلماً، هو أن تسلم كيانك كلّه لله، وأن يكون عقلك له، فلا تفكّر إلا في الحقّ، وأن يكون قلبك له، فلا تتحرّك عاطفتك إلا بالحقّ، وأن تكون حركتك له، فلا تنطلق إلا في الصراط المستقيم، وأن يكون المنهج والأسلوب والوسيلة كلّها له. وأن تلتزم بأهل البيت(ع)، لا يعني أن يخفق قلبك بحبّهم فقط، بل أن تتحرّك حياتك في ساحاتهم ومنهجهم.

وإذ نؤكّد هذا، فلأنّ هناك بعض المفاهيم التي يأخذ بها النّاس تنطلق في اتجاه القول: كن مسلماً في عقيدتك وافعل ما شئت، أو كن موالياً لأهل البيت وافعل ما شئت. وقد روى النّاس حديثاً ـ إذا صحّ ـ وفهموه في السطح لا في العمق: "حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة"، أي أنّ معنى ذلك أنّك إذا أحببت عليّاً(ع)، فلك أن تعمل السيّئات كلّها، فإنّ حبّ عليّ سوف ينقذك مما يترتب عليك من عقاب وغيره.

وقد جاء شخص إلى الإمام جعفر الصّادق(ع) كما في كتاب (الكافي)، ليقول له: "روي لنا أنّك قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت ـ ومعنى إذا عرفت، أي واليت أهل البيت(ع)، لأنّه كان يطلق على الموالي العارف ـ فقال: فقد قلت ذلك. قال: قلت: وإن زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر، فقال لي: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أن نكون أخذنا بالعمل ووضع عنهم". فليس من الإنصاف والعدل أن يحرّم الله علينا الزنا والسرقة ونحوهما، ويوجب علينا ما أوجب، ويضع عنكم ذلك كلّه، لمجرّد أنكم تحبّوننا؟! "إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، فإنّه يقبل منك"[1]، أي أنك إذا ركّزت عقيدتك في الخطّ المستقيم، فإن عملك كلّه ينفعك إذا كان خيراً.

نقد الفكرة الخاطئة

ونريد أن ننطلق في معالجة هذا المفهوم أو نقد الفكرة الخاطئة، من خلال آية في كتاب الله وأحاديث مرويّة عن أئمّة أهل البيت(ع). فأمّا الآية، فالله يقول: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ}، أي ليس بأحلامكم وأوهامكم أيّها المسلمون وأيّها المؤمنون: {وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}[2]، ليس الأمر أمنيات أن تقولوا نحن المسلمون، فالجنّة مفتوحة لنا، ولن يحاسبنا الله على شيء، أو يقول أهل الكتاب من اليهود والنصارى إنّ الجنّة لنا ولا يحاسبنا الله: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}[3].

وينقل في سيرة النبي(ص)، أنه كان في مرضه، وجاءت إليه عمته (صفية)، وابنته (فاطمة الزهراء) سلام الله عليها، وعمه العباس(رض)، فالتفت إليهم وقال: "يا عباس بن عبد المطلب، يا عم رسول الله، اعمل لما عند الله، فإنّي لا أغني عنك من الله شيئاً. يا صفيّة بنت عبد المطلب، يا عمة رسول الله، اعملي لما عند الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة بنت محمد، يا بنت رسول الله، اعملي لما عند الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً".

وقد قال في خطبته الأخيرة: "ليس بين الله وبين أحد شيء يعطيه به خيراً أو يدفع عنه به شرّاً إلا العمل، أما إنّه لا ينجي إلا عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت". فالله هو الذي جعل لنبيه(ص) الشفاعة للمذنبين، ولكن النبي(ص) يريد أن يقول للناس: انطلقوا مع العمل، وانتظروا رحمة الله وشفاعته، ولا تتجرأوا على ترك العمل والابتعاد عن الخط المستقيم، لأنكم تقولون سيشفع لنا: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}[4].

مفهوم التشيّع في الأحاديث

ونأتي إلى الأحاديث التي نلاحظ فيها أنّ هذا المفهوم كان موجوداً في زمان الأئمة(ع)، ولذلك، كانوا يؤكّدون المفهوم المضادّ له بطريقة فيها الكثير من الحسم، وربما الكثير من القسوة. ففي الحديث عن أبي جعفر محمد الباقر(ع): "لا تذهب بكم المذاهب"، أي لا تذهبوا المذاهب في طلب الرّخص والمعاذير في تقصيركم في طاعة الله، بسبب انتسابكم إلينا، ولا تحسبوا أنّ مجرّد القول بالتشيّع كاف في النجاة، من دون مشايعة لنا في طاعة الله تعالى، "فوالله، ما شيعتنا إلا من أطاع الله عزّ وجلّ"[5]، فهذه هي الصفة الطبيعية للتشيع، لأنه هو الإسلام في خطّ أهل البيت(ع)، الذين عاشوا الإسلام كلّه في عقولهم وقلوبهم وحركتهم وحياتهم كلها.

وهناك حديث عن أبي جعفر(ع) قال: "خطب رسول الله(ص) في حجة الوداع، فقال: يا أيها الناس، والله ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة، ويباعدكم من النار، إلا وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة، إلا وقد نهيتكم عنه. ألا وإنّ الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"، أي لا ترهقوا أنفسكم فوق ما تحتمل في طلب الرزق، ولكن اطلبوه بما تحتمله أجسادكم، "ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرّزق أن يطلبه بغير حله"، أي إذا ضاقت بك الحياة، وعرض عليك مال بشرط أن تعصي الله في موارده ومصادره، فإنّ عليك أن لا تستعجل رزقك، لأنّ الله جعل رزقك في الحلال، وربما أخّره لمصلحة لك، "فإنّه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته"[6]، فهي الأساس في خطّ الإسلام العملي والعقيدي معاً.

وفي الحديث عن الباقر(ع)، وهذا من الأحاديث الّتي توضح الفكرة بطريقة واعية وحاسمة وواسعة، فعن جابر عن أبي جعفر(ع): "قال لي: يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع"، أي من يقول أنا شيعي، "أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله، ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه وكانوا لا يعرفون إلا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصّوم والصّلاة، والبرّ بالوالدين، والتّعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن النّاس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. قال جابر، فقلت: يابن رسول الله، ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصّفة". تصوّروا أنّ هذا في زمن الإمام الباقر(ع)، فكيف بنا الآن؟ "فقال(ع): يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرّجل أن يقول أحبّ علياً وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالاً؟ فلو قال: إني أحبّ رسول الله(ص)، فرسول الله(ص) خير من عليّ(ع)، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً. فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه، أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر: والله، ما يتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطّاعة، وما معنا براءة من النّار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع"[7]. فهل هناك وضوح أكثر من هذا؟ فمراد الإمام(ع) من قوله: "ما معنا براءة من النّار"، أنه ليست هناك براءة مثل هذه إلا من خلال معرفة الوليّ والطاعة له، ونحن نعرف أن أهل البيت(ع) ارتقوا إلى أعلى مقام عند الله في المعرفة والطاعة، ولذلك، كانت معهم براءة من النار، وكانت معهم الجنّة بكلّ ما فيها.

ارتباط خطّ الولاية بطاعة الله

إن هذا الحديث يؤكد ـ أيها الأحبة ـ أن الصادق في تشيعه، لا بدّ من أن يكون متحركاً في القيم الإسلامية كلها، لأن التشيع ليس شيئاً غير الإسلام، فأهل البيت(ع) لم يفتحوا حساباً خاصاً بهم، وليست لديهم دفاتر وسجلات خاصّة، فما عندهم سوى سجلات الله، وحساباتهم هي حساباته سبحانه وتعالى، وخطّ الولاية مرتبط بخطّ الطّاعة والعمل، فينبغي أن لا تنفتح الأذهان على ما يتحدث به الكثير من الناس في السّطح، من أن عليك أن تحبّ علياً(ع)، وتأخذ مفتاح الجنّة، حتى لو قتلت وزنيت وسرقت وكنت مع الظالم والظالمين، في حين أنّ آيات القرآن لا تفرّق ـ في ذلك ـ بين إنسان وإنسان آخر.

وعن أبي عبد الله الصادق(ع) قال: "إذا كان يوم القيامة، يقوم عنق من النّاس"، أي جماعة، "فيأتون باب الجنّة، فيضربونه، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصّبر، فيقال لهم: علام صبرتم؟ فيقولون كنّا نصبر على طاعة الله، ونصبر عن معاصي الله"، فإذا أوحت نفوسنا الأمارة بالسوء إلينا بأن الإقبال على طاعة الله قد يحرمنا من الراحة، فإننا نصبر نفوسنا على ذلك، "فيقول الله عزّ وجلّ: صدقوا، أدخلوهم الجنّة، وهو قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[8]"[9].

ومن هنا، اعتبر أمير المؤمنين(ع) الصّبر بمنزلة الرأس من الجسد، حينما قال: "فإنّ الصّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد"[10]، فكما لا خير في جسد لا رأس معه، لا خير في إيمان لا صبر معه، لأنّ الصّبر هو الذي يثبّت أقدامك في حالات الزلزال، وهو الذي يركّز إيمانك إزاء التحدّيات.

وعن أبي جعفر، قال: "كان أمير المؤمنين(ع) يقول: لا يقلّ عمل مع تقوى، وكيف يقلّ ما يتقبّل؟"[11]، أي أنك إذا كنت تقياً، بحيث تعيش خوف الله ومحبته في قلبك، وتتحرك في طاعة الله، وكان عملك قليلاً، فإن الله يجعله كثيراً بتقواك، والعمل الذي يقبله الله، لا يمكن أن يكون قليلاً، بل هو كثير من خلال نتائجه الّتي يحصل عليها المتقي من الله.

وفي الحديث عن أبي جعفر(ع)، والملاحظ هنا أنّ أغلب هذه الأحاديث هي عنه(ع)، لأنّه في المرحلة التي عاشها، كانت هذه المفاهيم متداولة بين أصحابه: "يا معشر الشّيعة ـ شيعة آل محمد ـ كونوا النّمرقة الوسطى"، أي الوسادة الصغيرة لا عالية ولا منخفضة، "يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التّالي، فقال له رجل من الأنصار يقال له(سعد): جعلت فداك، ما الغالي؟ قال: قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا"، أي هؤلاء الغلاة الّذين ينسبون إلينا الربوبيّة أو أفعالها من التفويض وغيره، ويرفعوننا عن مراتبنا التي رتّبنا الله فيها، "فليس أولئك منا ولسنا منهم. قال: فما التالي؟ قال: المرتاد يريد الخير، يبلغه يؤجر عليه"، أي هذا الذي ينطلق في الخير، ويبلغه، ويؤجر عليه، فإنّه يرجع إليهم ـ أي إلى أهل البيت(ع) ـ ليتوازن في عمل الخير الذي أراد الله له أن يعمله، "ثم أقبل علينا، فقال: والله، ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة"، لأنّ الحجّة لله على جميع خلقه، "ولا نتقرّب إلى الله إلا بالطّاعة، فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصياً لله لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغترّوا، ويحكم لا تغترّوا"[12]. إنها كلمات فيها الكثير من العنف لمن يحاول أن يتحدّث عن انتمائه إلى التشيع، ولكنه لا يطيع الله، ولا يتقيه.

التقوى أساس العمل

وعن مفضل بن عمر قال: "كنت عند أبي عبد الله(ع)، فذكرنا الأعمال، فقلت أنا: ما أضعف عملي! فقال: مه، استغفر الله. ثم قال لي: إنّ قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى. قلت: كيف يكون كثير بلا تقوى؟ قال: نعم، مثل الرّجل يطعم طعامه، ويرفق جيرانه، ويوطئ رحله"، كناية عن التواضع والتذلّل، "فإذا ارتفع له باب من الحرام دخل فيه"، أي أنّه إنسان طيب لا يسرق، لأنه لا يملك أن يسرق، ولا يقتل، لأنه لا قوّة له على القتل، ولا يظلم الناس، لأنّه ليس له أية فرصة للظلم، ولكن بمجرد أن تتاح له هذه الفرص، فإنّه يدخل فيها، على طريقة ذلك الشّاعر الذي كان يشرب الخمر، ويصوم شهر رمضان، فإذا جاء العيد قال:

                    رمضان ولّى هاتها يا ساقي          مشتاقة تسعى إلى مشتاق

فبعض الناس هكذا، فهو متديّن لأنه لا فرصة لديه لعدم التدين، ومخلص لأنه لا فرصة له للخيانة، وهكذا. فالإمام يريد أن يركّز هذا المفهوم، وهو أن التقوى لا بدّ من أن تكون قاعدة ثابتة في عقلك وقلبك وحياتك، أي أن تكون إنسان القيم، بحيث تكون القيم الروحيّة والأخلاقيّة ثابتة في كيانك، بحيث تكون في حال الشدّة والرخاء والغضب والرّضا على حدّ سواء، وأن لا تكون مؤمن الرّضا، كافر الغضب.

"فهذا العمل بلا تقوى، ويكون الآخر ليس عنده"، أي يصلّي صلاته الواجبة، وليس لديه أعمال خير كثيرة، "فإذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه"[13]، فمعنى أن تكون تقيّاً، ليس أن يكثر عملك، بحيث تكون أرقامه كثيرة، بل أن تكون لك مناعة ضدّ المعصية والانحراف، فإذا كان عملك قليلاً، فإن التقوى تكثره.

ويقول أحد أصحاب الإمام الصادق(ع): "سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: ما نقل الله عزّ وجلّ عبداً من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى، إلا أغناه من غير مال، وأعزّه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر"[14]، فإنّ التّقوى هي أنسك عندما تعيش في وحشة النّاس، وهي عزّك عندما تعيش في ذلّة من الضّعف، وهي غناك عندما تعيش في قلّة من المال. وقد عبّر عن ذلك الإمام الحسن(ع) بقوله: "من أراد عزّاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان، فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته"[15]. وعبّر عنه الإمام عليّ بن الحسين(ع) في دعائه إذا نظر إلى أصحاب الدّنيا: "واعصمني من أن أظنّ بذي عدم خساسة، أو أظنّ بصاحب ثروة فضلاً، فإنّ الشّريف من شرّفته طاعتك، والعزيز من أعزّته عبادتك"[16].

أيها الأحبّة، علينا أن نأخذ الإسلام كلّه والخطّ كلّه، لأنّ الله أراد أن يعرفنا كيف يتحرّك الإيمان في الواقع. والتقوى هي الخطّ الإيماني العملي المتحرّك في الحياة، والتي يتقرّب الإنسان بها إلى الله، ويحصل بها على رضوانه ونصيبه في جنّته: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}[17].

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة


[1]  الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 464.

[2]  [النساء: 123].

[3]  [البقرة: 111].

[4]  [الأنبياء: 28].

[5]  الكافي، ج 2، ص 74.

[6]  المصدر نفسه، ج 2، ص 74.

[7]  المصدر نفسه، ج 2، ص 74.

[8]  [الزمر: 10].

[9]  الكافي، ج 2، ص 75.

[10]  المصدر نفسه، ج 2، ص 88.

[11]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 22.

[12]  الكافي، ج 2، ص 75.

[13]  المصدر نفسه، ج 2، ص 76.

[14]  المصدر نفسه، ج 2، ص 76.

[15]  مستدرك الوسائل، ج11، ص258.

[16]  الصحيفة السجادية، الإمام زين العابدين(ع)، إذا نظر إلى أهل الدّنيا.

[17]  [البقرة: 197].


هل يكفي في الانتماء أن تكون مسلماً، أو أن تكون شيعيّاً مسلماً في خطّ أهل البيت(ع)؟ هل يكفي أن تلتزم شيئاً من الفكر، وأن تنفتح على جانب من الخطّ، أو أنّ الانتماء يفرض عليك أن تلتزم بالخطّ كلّه وبالدّين كلّه؟

المنهج الإسلاميّ الصّحيح

إنّ الدّين ليس هو العقيدة فقط، ولكنّه الإسلام كلّه، عقيدةً وشريعةً ومنهجاً وحركةً وأسلوباً وهدفاً، وهو أن تكون مسلماً بالإسلام كلّه، وأن تلتزم أهل البيت(ع) في خطِّ الإسلام، فذلك يتطلّب منك أن تلتزم بالإسلام في خطِّ المنهج الّذي نهجوه، والفكر الّذي أعطوه، لا أن تنفتح على ولايتهم بالعقل والقلب، ثم تأخذ حريتك لتفتح حركتك وحياتك على كلّ حالة انحراف من حيث العمل والمنهج، فهذا ليس إسلاماً وليس تشيّعاً، فأن تكون مسلماً، هو أن تسلم كيانك كلّه لله، وأن يكون عقلك له، فلا تفكّر إلا في الحقّ، وأن يكون قلبك له، فلا تتحرّك عاطفتك إلا بالحقّ، وأن تكون حركتك له، فلا تنطلق إلا في الصراط المستقيم، وأن يكون المنهج والأسلوب والوسيلة كلّها له. وأن تلتزم بأهل البيت(ع)، لا يعني أن يخفق قلبك بحبّهم فقط، بل أن تتحرّك حياتك في ساحاتهم ومنهجهم.

وإذ نؤكّد هذا، فلأنّ هناك بعض المفاهيم التي يأخذ بها النّاس تنطلق في اتجاه القول: كن مسلماً في عقيدتك وافعل ما شئت، أو كن موالياً لأهل البيت وافعل ما شئت. وقد روى النّاس حديثاً ـ إذا صحّ ـ وفهموه في السطح لا في العمق: "حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة"، أي أنّ معنى ذلك أنّك إذا أحببت عليّاً(ع)، فلك أن تعمل السيّئات كلّها، فإنّ حبّ عليّ سوف ينقذك مما يترتب عليك من عقاب وغيره.

وقد جاء شخص إلى الإمام جعفر الصّادق(ع) كما في كتاب (الكافي)، ليقول له: "روي لنا أنّك قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت ـ ومعنى إذا عرفت، أي واليت أهل البيت(ع)، لأنّه كان يطلق على الموالي العارف ـ فقال: فقد قلت ذلك. قال: قلت: وإن زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر، فقال لي: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أن نكون أخذنا بالعمل ووضع عنهم". فليس من الإنصاف والعدل أن يحرّم الله علينا الزنا والسرقة ونحوهما، ويوجب علينا ما أوجب، ويضع عنكم ذلك كلّه، لمجرّد أنكم تحبّوننا؟! "إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، فإنّه يقبل منك"[1]، أي أنك إذا ركّزت عقيدتك في الخطّ المستقيم، فإن عملك كلّه ينفعك إذا كان خيراً.

نقد الفكرة الخاطئة

ونريد أن ننطلق في معالجة هذا المفهوم أو نقد الفكرة الخاطئة، من خلال آية في كتاب الله وأحاديث مرويّة عن أئمّة أهل البيت(ع). فأمّا الآية، فالله يقول: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ}، أي ليس بأحلامكم وأوهامكم أيّها المسلمون وأيّها المؤمنون: {وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}[2]، ليس الأمر أمنيات أن تقولوا نحن المسلمون، فالجنّة مفتوحة لنا، ولن يحاسبنا الله على شيء، أو يقول أهل الكتاب من اليهود والنصارى إنّ الجنّة لنا ولا يحاسبنا الله: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}[3].

وينقل في سيرة النبي(ص)، أنه كان في مرضه، وجاءت إليه عمته (صفية)، وابنته (فاطمة الزهراء) سلام الله عليها، وعمه العباس(رض)، فالتفت إليهم وقال: "يا عباس بن عبد المطلب، يا عم رسول الله، اعمل لما عند الله، فإنّي لا أغني عنك من الله شيئاً. يا صفيّة بنت عبد المطلب، يا عمة رسول الله، اعملي لما عند الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة بنت محمد، يا بنت رسول الله، اعملي لما عند الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً".

وقد قال في خطبته الأخيرة: "ليس بين الله وبين أحد شيء يعطيه به خيراً أو يدفع عنه به شرّاً إلا العمل، أما إنّه لا ينجي إلا عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت". فالله هو الذي جعل لنبيه(ص) الشفاعة للمذنبين، ولكن النبي(ص) يريد أن يقول للناس: انطلقوا مع العمل، وانتظروا رحمة الله وشفاعته، ولا تتجرأوا على ترك العمل والابتعاد عن الخط المستقيم، لأنكم تقولون سيشفع لنا: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}[4].

مفهوم التشيّع في الأحاديث

ونأتي إلى الأحاديث التي نلاحظ فيها أنّ هذا المفهوم كان موجوداً في زمان الأئمة(ع)، ولذلك، كانوا يؤكّدون المفهوم المضادّ له بطريقة فيها الكثير من الحسم، وربما الكثير من القسوة. ففي الحديث عن أبي جعفر محمد الباقر(ع): "لا تذهب بكم المذاهب"، أي لا تذهبوا المذاهب في طلب الرّخص والمعاذير في تقصيركم في طاعة الله، بسبب انتسابكم إلينا، ولا تحسبوا أنّ مجرّد القول بالتشيّع كاف في النجاة، من دون مشايعة لنا في طاعة الله تعالى، "فوالله، ما شيعتنا إلا من أطاع الله عزّ وجلّ"[5]، فهذه هي الصفة الطبيعية للتشيع، لأنه هو الإسلام في خطّ أهل البيت(ع)، الذين عاشوا الإسلام كلّه في عقولهم وقلوبهم وحركتهم وحياتهم كلها.

وهناك حديث عن أبي جعفر(ع) قال: "خطب رسول الله(ص) في حجة الوداع، فقال: يا أيها الناس، والله ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة، ويباعدكم من النار، إلا وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة، إلا وقد نهيتكم عنه. ألا وإنّ الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"، أي لا ترهقوا أنفسكم فوق ما تحتمل في طلب الرزق، ولكن اطلبوه بما تحتمله أجسادكم، "ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرّزق أن يطلبه بغير حله"، أي إذا ضاقت بك الحياة، وعرض عليك مال بشرط أن تعصي الله في موارده ومصادره، فإنّ عليك أن لا تستعجل رزقك، لأنّ الله جعل رزقك في الحلال، وربما أخّره لمصلحة لك، "فإنّه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته"[6]، فهي الأساس في خطّ الإسلام العملي والعقيدي معاً.

وفي الحديث عن الباقر(ع)، وهذا من الأحاديث الّتي توضح الفكرة بطريقة واعية وحاسمة وواسعة، فعن جابر عن أبي جعفر(ع): "قال لي: يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع"، أي من يقول أنا شيعي، "أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله، ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه وكانوا لا يعرفون إلا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصّوم والصّلاة، والبرّ بالوالدين، والتّعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن النّاس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. قال جابر، فقلت: يابن رسول الله، ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصّفة". تصوّروا أنّ هذا في زمن الإمام الباقر(ع)، فكيف بنا الآن؟ "فقال(ع): يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرّجل أن يقول أحبّ علياً وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالاً؟ فلو قال: إني أحبّ رسول الله(ص)، فرسول الله(ص) خير من عليّ(ع)، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً. فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه، أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر: والله، ما يتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطّاعة، وما معنا براءة من النّار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع"[7]. فهل هناك وضوح أكثر من هذا؟ فمراد الإمام(ع) من قوله: "ما معنا براءة من النّار"، أنه ليست هناك براءة مثل هذه إلا من خلال معرفة الوليّ والطاعة له، ونحن نعرف أن أهل البيت(ع) ارتقوا إلى أعلى مقام عند الله في المعرفة والطاعة، ولذلك، كانت معهم براءة من النار، وكانت معهم الجنّة بكلّ ما فيها.

ارتباط خطّ الولاية بطاعة الله

إن هذا الحديث يؤكد ـ أيها الأحبة ـ أن الصادق في تشيعه، لا بدّ من أن يكون متحركاً في القيم الإسلامية كلها، لأن التشيع ليس شيئاً غير الإسلام، فأهل البيت(ع) لم يفتحوا حساباً خاصاً بهم، وليست لديهم دفاتر وسجلات خاصّة، فما عندهم سوى سجلات الله، وحساباتهم هي حساباته سبحانه وتعالى، وخطّ الولاية مرتبط بخطّ الطّاعة والعمل، فينبغي أن لا تنفتح الأذهان على ما يتحدث به الكثير من الناس في السّطح، من أن عليك أن تحبّ علياً(ع)، وتأخذ مفتاح الجنّة، حتى لو قتلت وزنيت وسرقت وكنت مع الظالم والظالمين، في حين أنّ آيات القرآن لا تفرّق ـ في ذلك ـ بين إنسان وإنسان آخر.

وعن أبي عبد الله الصادق(ع) قال: "إذا كان يوم القيامة، يقوم عنق من النّاس"، أي جماعة، "فيأتون باب الجنّة، فيضربونه، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصّبر، فيقال لهم: علام صبرتم؟ فيقولون كنّا نصبر على طاعة الله، ونصبر عن معاصي الله"، فإذا أوحت نفوسنا الأمارة بالسوء إلينا بأن الإقبال على طاعة الله قد يحرمنا من الراحة، فإننا نصبر نفوسنا على ذلك، "فيقول الله عزّ وجلّ: صدقوا، أدخلوهم الجنّة، وهو قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[8]"[9].

ومن هنا، اعتبر أمير المؤمنين(ع) الصّبر بمنزلة الرأس من الجسد، حينما قال: "فإنّ الصّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد"[10]، فكما لا خير في جسد لا رأس معه، لا خير في إيمان لا صبر معه، لأنّ الصّبر هو الذي يثبّت أقدامك في حالات الزلزال، وهو الذي يركّز إيمانك إزاء التحدّيات.

وعن أبي جعفر، قال: "كان أمير المؤمنين(ع) يقول: لا يقلّ عمل مع تقوى، وكيف يقلّ ما يتقبّل؟"[11]، أي أنك إذا كنت تقياً، بحيث تعيش خوف الله ومحبته في قلبك، وتتحرك في طاعة الله، وكان عملك قليلاً، فإن الله يجعله كثيراً بتقواك، والعمل الذي يقبله الله، لا يمكن أن يكون قليلاً، بل هو كثير من خلال نتائجه الّتي يحصل عليها المتقي من الله.

وفي الحديث عن أبي جعفر(ع)، والملاحظ هنا أنّ أغلب هذه الأحاديث هي عنه(ع)، لأنّه في المرحلة التي عاشها، كانت هذه المفاهيم متداولة بين أصحابه: "يا معشر الشّيعة ـ شيعة آل محمد ـ كونوا النّمرقة الوسطى"، أي الوسادة الصغيرة لا عالية ولا منخفضة، "يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التّالي، فقال له رجل من الأنصار يقال له(سعد): جعلت فداك، ما الغالي؟ قال: قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا"، أي هؤلاء الغلاة الّذين ينسبون إلينا الربوبيّة أو أفعالها من التفويض وغيره، ويرفعوننا عن مراتبنا التي رتّبنا الله فيها، "فليس أولئك منا ولسنا منهم. قال: فما التالي؟ قال: المرتاد يريد الخير، يبلغه يؤجر عليه"، أي هذا الذي ينطلق في الخير، ويبلغه، ويؤجر عليه، فإنّه يرجع إليهم ـ أي إلى أهل البيت(ع) ـ ليتوازن في عمل الخير الذي أراد الله له أن يعمله، "ثم أقبل علينا، فقال: والله، ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة"، لأنّ الحجّة لله على جميع خلقه، "ولا نتقرّب إلى الله إلا بالطّاعة، فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصياً لله لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغترّوا، ويحكم لا تغترّوا"[12]. إنها كلمات فيها الكثير من العنف لمن يحاول أن يتحدّث عن انتمائه إلى التشيع، ولكنه لا يطيع الله، ولا يتقيه.

التقوى أساس العمل

وعن مفضل بن عمر قال: "كنت عند أبي عبد الله(ع)، فذكرنا الأعمال، فقلت أنا: ما أضعف عملي! فقال: مه، استغفر الله. ثم قال لي: إنّ قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى. قلت: كيف يكون كثير بلا تقوى؟ قال: نعم، مثل الرّجل يطعم طعامه، ويرفق جيرانه، ويوطئ رحله"، كناية عن التواضع والتذلّل، "فإذا ارتفع له باب من الحرام دخل فيه"، أي أنّه إنسان طيب لا يسرق، لأنه لا يملك أن يسرق، ولا يقتل، لأنه لا قوّة له على القتل، ولا يظلم الناس، لأنّه ليس له أية فرصة للظلم، ولكن بمجرد أن تتاح له هذه الفرص، فإنّه يدخل فيها، على طريقة ذلك الشّاعر الذي كان يشرب الخمر، ويصوم شهر رمضان، فإذا جاء العيد قال:

                    رمضان ولّى هاتها يا ساقي          مشتاقة تسعى إلى مشتاق

فبعض الناس هكذا، فهو متديّن لأنه لا فرصة لديه لعدم التدين، ومخلص لأنه لا فرصة له للخيانة، وهكذا. فالإمام يريد أن يركّز هذا المفهوم، وهو أن التقوى لا بدّ من أن تكون قاعدة ثابتة في عقلك وقلبك وحياتك، أي أن تكون إنسان القيم، بحيث تكون القيم الروحيّة والأخلاقيّة ثابتة في كيانك، بحيث تكون في حال الشدّة والرخاء والغضب والرّضا على حدّ سواء، وأن لا تكون مؤمن الرّضا، كافر الغضب.

"فهذا العمل بلا تقوى، ويكون الآخر ليس عنده"، أي يصلّي صلاته الواجبة، وليس لديه أعمال خير كثيرة، "فإذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه"[13]، فمعنى أن تكون تقيّاً، ليس أن يكثر عملك، بحيث تكون أرقامه كثيرة، بل أن تكون لك مناعة ضدّ المعصية والانحراف، فإذا كان عملك قليلاً، فإن التقوى تكثره.

ويقول أحد أصحاب الإمام الصادق(ع): "سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: ما نقل الله عزّ وجلّ عبداً من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى، إلا أغناه من غير مال، وأعزّه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر"[14]، فإنّ التّقوى هي أنسك عندما تعيش في وحشة النّاس، وهي عزّك عندما تعيش في ذلّة من الضّعف، وهي غناك عندما تعيش في قلّة من المال. وقد عبّر عن ذلك الإمام الحسن(ع) بقوله: "من أراد عزّاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان، فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته"[15]. وعبّر عنه الإمام عليّ بن الحسين(ع) في دعائه إذا نظر إلى أصحاب الدّنيا: "واعصمني من أن أظنّ بذي عدم خساسة، أو أظنّ بصاحب ثروة فضلاً، فإنّ الشّريف من شرّفته طاعتك، والعزيز من أعزّته عبادتك"[16].

أيها الأحبّة، علينا أن نأخذ الإسلام كلّه والخطّ كلّه، لأنّ الله أراد أن يعرفنا كيف يتحرّك الإيمان في الواقع. والتقوى هي الخطّ الإيماني العملي المتحرّك في الحياة، والتي يتقرّب الإنسان بها إلى الله، ويحصل بها على رضوانه ونصيبه في جنّته: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}[17].

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة


[1]  الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 464.

[2]  [النساء: 123].

[3]  [البقرة: 111].

[4]  [الأنبياء: 28].

[5]  الكافي، ج 2، ص 74.

[6]  المصدر نفسه، ج 2، ص 74.

[7]  المصدر نفسه، ج 2، ص 74.

[8]  [الزمر: 10].

[9]  الكافي، ج 2، ص 75.

[10]  المصدر نفسه، ج 2، ص 88.

[11]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 22.

[12]  الكافي، ج 2، ص 75.

[13]  المصدر نفسه، ج 2، ص 76.

[14]  المصدر نفسه، ج 2، ص 76.

[15]  مستدرك الوسائل، ج11، ص258.

[16]  الصحيفة السجادية، الإمام زين العابدين(ع)، إذا نظر إلى أهل الدّنيا.

[17]  [البقرة: 197].

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية