محاضرات
11/02/2026

النَّميمةُ سلوكٌ يناقضُ الإيمانَ ويفسدُ العلاقاتِ في المجتمع

النَّميمةُ سلوكٌ يناقضُ الإيمانَ ويفسدُ العلاقاتِ في المجتمع

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}[القلم: 10 - 11].

يريد الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين، أن يوجِّهنا إلى بعض النَّاس الَّذين يتحركون في المجتمع من موقع إفساد الواقع الاجتماعي في علاقاتهم بالآخرين، سواء كان ذلك في علاقاتهم العائليَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة أو الاقتصاديَّة أو الأمنيَّة.

تحذيرٌ من النّمّام

يقول تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}. والحلَّاف هو الكثير الحلف، الَّذي لا يتحدَّث بحديث، ولا يبيع بيعاً، ولا يعطيك التزاماً، إلَّا ويسبقه بالكثير من الحلف أو يلحقه بذلك، لأنَّه لا ينطلق من الحقيقة، باعتبار أنَّ الإنسان الَّذي يرى نفسه مع الحقّ، لا يحتاج إلى أن يؤكّد ذلك للنَّاس. مَنِ الَّذي يحتاج إلى أن يؤكّد كلامه باليمين؟ هو الَّذي لا يثق بنفسه، ويرى أنَّ النَّاس لا تثق به، لأنَّه عندما لا يثق بأنَّه على الحقّ، فإنَّه يخيَّل إليه أنَّ النَّاس لا يثقون به، ولذلك يشعر بالحاجة إلى اليمين. لذلك، كلَّما رأيت بائعاً يحلف لك بالكثير من الأيمان على أنَّ هذه السّلعة كذا وكذا، عليك أن تشكَّ فيه، وإذا رأيت أيَّ إنسان يحلف كثيراً، فاعلم أنَّه لا ينطلق من الحقيقة بحسب الغالب.

{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}، و"مهين" يعني حقير، والمراد حقارة الرَّأي، أي الشَّخص الَّذي لا يملك الرَّأي السَّديد الَّذي يجعله في موقع الثّقة بنفسه وبالأشياء في تعامله مع النَّاس.

{هَمَّازٍ - والهمَّاز هو الشَّخص الَّذي يعيب النَّاس ويطعن بهم، فهو عندما يتحدَّث عنهم في سرّهم أو في علانيتهم، فإنَّه يبادر دائماً إلى التّحدّث عنهم بالسّوء، بحيث يطعنهم ويعيبهم، لأنَّ قلبه ليس مفتوحاً لهم، فلا يرى للنَّاس إلَّا عيوبهم، ولا يرى حسناتهم.

- مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ}[القلم: 10 - 13]. وهذا موضوعنا، وهو الإنسان الَّذي يمشي بالنَّميمة، والنَّميمة هي نقل الحديث الَّذي يؤدّي إلى إفساد العلاقات بين النَّاس في كلّ مشاريعهم، وفي كلّ أوضاعهم، وقد ورد في آية أخرى: {مَّنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا - وورد في تفسير ذلك، أنَّ الإنسان الَّذي يسعى في الخير، فيصلح بين اثنين، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يعطيه نصيبه من الثَّواب في هذا الإصلاح، بكلِّ النَّتائج الطيّبة الَّتي تحصل منه - وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}[النّساء: 85]، وقد فسِّرت بعدَّة تفاسير، منها أنَّ الشَّخص الَّذي يسعى للإفساد بين اثنين؛ بين زوجين، أو أخوين، أو عائلتين... فإنَّ الله يعطيه نصيباً من النَّتائج السيّئة الَّتي تحصل من ذلك.

والنَّميمة، أيُّها الأحبَّة، هي من الأخلاق السيّئة الَّتي ورد الحديث عن رسول الله (ص) أنَّها تمنع الإنسان من دخول الجنَّة، فقد ورد في الحديث عنه (ص): "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ"، يعني صلِّ ما شِئْتَ، وصُمْ ما شِئْتَ، وحُجَّ ما شِئْتَ، ولكن إذا كنت ممن يتعامل بالنَّميمة، تسمع كلاماً من شخصٍ، فتنقله إلى شخصٍ آخر بينه وبينه علاقة، لتفسد ما بينهما، فإنَّ باب الجنَّة يغلق عنك.

وقد ورد في حديثٍ آخر عن الإمام الباقر (ع)، قال: "مُحَرَّمَةٌ الْجَنَّةُ عَلَى الْقَتَّاتِينَ الْمَشَّائِينَ بِالنَّمِيمَةِ".

أثرُ النَّميمةِ في العلاقات

وأظنُّ أنّنا في هذا الشَّرق، ولا سيَّما في هذا البلد، معنيّون بالنَّميمة، بحيث إنَّها تمثِّل طعامنا وشرابنا، فإذا سمعنا حديثاً من شخص يمكن أن يفسد العلاقة مع شخص آخر، فإنَّنا نعتبر ذلك غنيمةً، فنبادر إلى الشَّخص الآخر لنزفَّ إليه أنَّ فلاناً اغتابك، وأنَّ فلاناً تحدَّث عنك، وأنَّ وأنَّ، إلى غير ذلك، ولا سيَّما في العلاقات بين الأزواج، فالله يتحدَّث في كتابه عن الملكين هاروت وماروت، أنّهما يعلِّمان النَّاس السّحر، ومن ذلك، ما يفرّق بين المرء وزوجه. كم نعيش هذا الجوّ! وخصوصاً بحسب المتعارف عند النَّاس بين الكنَّة والحماة، فالحماة تعمل بكلّ الطرق لتفرّق بين ابنها وزوجته، وأهل الزَّوجة أيضاً في بعض الحالات، وأهل الزَّوج يسمعون كلمة من الزَّوجة، فينقلونها إلى الزَّوج، حتَّى يفسدوا العلاقة بينهما. وهذا موجود عندنا بشكل كبير جدّاً، وما أكثر المشاكل الزوجيَّة في واقعنا الَّتي تنطلق من خلال النّمَّامين، سواء كانوا من أهل الزَّوجين، أو من جيرانهما، أو ما إلى ذلك!

وهكذا في الوسط الاجتماعيّ، فعندما تكون هناك خصومة بين عائلتين، فإنَّ ذلك يمثّل فرصةً لكل الَّذين يريدون أن يصطادوا في الماء العكر، بنقل الأخبار السيّئة الَّتي تصدر عن هذا وعن ذاك.

وتتعاظم مسألة النَّميمة في التَّجسّس، عندما ينمُّ الإنسان على شخص مؤمن أو شخص بريء، فينقل بعض ما سمعه مما قد يورّط هذا الشّخص في مشكلة مع السّلطة، أو مع بعض النَّاس الَّذين يملكون القوَّة والسّلاح، بحيث يمكنهم أن يضطهدوه، مما يتحرَّك به مجتمعنا في النَّاس الَّذين يملكون القوَّة، ويفرضون قوَّتهم على المجتمع، ويحركون مخابراتهم ليتنصَّتوا على هذا ماذا يتكلَّم عنهم، وعلى ذاك ماذا يتكلَّم عنهم، من أجل أن يضغطوا عليه، ومن أجل أن يسيئوا إلى موقعه وما إلى ذلك.

أحاديثُ عن النَّميمة

تعالوا إلى بعض الأحاديث الواردة عن أئمَّة أهل البيت (ع)، مما رووه عن رسول الله (ص)، ومما استوحوه من رسوله.

عن ابن فضال، عن الصَّادق (ع)، عن أبيه، عن آبائه (ع)، عن النَّبيّ (ص) قال: "شَرُّ النَّاسِ المُثَلَّثُ. قيلَ: يا رسولَ اللّهِ، وما المُثَلَّثُ؟ قالَ: الَّذي يَسعى بأخيهِ إلَى السُّلطانِ - والمراد بالسّلطان كلّ صاحب سلطة يملك سيفاً، أو سجناً، أو قوَّة - فيُهلِكُ نَفسَهُ – فهذا الَّذي يسعى بأخيه إلى السّلطان، يهلك نفسه عند الله، لأنّه يعرّضها لعقاب الله ولحرمانه من الجنّة - ويُهلِكُ أخاهُ - لأنَّه يوقعه تحت تأثير عقوبة صاحب السّلطة - ويُهلِكُ السُّلطانَلأنَّه يهيّئ له الظّروف ليظلم النَّاس، فيهلك عندما يسير بالظّلم، ويبتعد عن العدل.

إذاً، معنى ذلك أنَّك عندما تكون نمَّاماً، أو عنصر مخابرات، أو جاسوساً لأيّ جهة تملك القوَّة، فإنَّ معنى ذلك أنَّك مُثلَّثُ الجريمة؛ تهلك نفسك، وتهلك أخاك، وتهلك السّلطان، أي صاحب السلطة.

ويقول النبيّ (ص) فيما يروى عنه من حديث: "إيَّاكُمْ وَالنَّمِيمةَ وَنقْلَ الحَديثِ"، أن تنقل كلاماً من شخص إلى شخص آخر.

ويقول الإمام عليّ (ع) فيما يروى عنه في كتاب "الغرر والدّرر": "إيَّاكَ والنَّميمةَ، فإنَّها تزرعُ الضَّغينةَ، وَتُبْعدُ عَنِ اللهِ وَعَنِ النَّاسِ"، تبعدك عن الله، لأنَّ هذا العمل مبغوض لله، وتبعدك عن النَّاس، لأنَّك تشارك في إفساد حياتهم وإثارة العداوات بينهم.

وقال النَّبيّ (ص): "أَلَا أُخْبركُمْ بِشِرَارِكم؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله – وانتبهوا جيِّداً إلى هذه المسألة، فنحن مسلمون، ونأخذ إسلامنا من رسول الله (ص)، فعلينا أن ننتبه، حتّى لا نكون من شرار النَّاس - قَالَ: المشَّاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للْبُرَآءِ المعايِبَ".

وفي كتاب الإمام جعفر الصَّادق (ع) إلى النَّجاشيّ والي الأهواز، قال: " إيّاكَ والسُّعاةَ – الّذين يسعون إليك بأخبار النَّاس - وأهلَ النَّمائمِ، فلا يَلتَزِقَنَّ بكَ أحَدٌ مِنهُم – لا تجعلهم من خاصّتك وبطانتك - ولا يَراكَ اللَّهُ يَوماً وَلَا لَيْلَةً وأنْتَ تَقْبَلُ مِنهُم صَرْفاً ولا عَدْلاً، فيَسْخَطَ اللَّهُ علَيْكَ ويَهتِكَ سِترَكَ"، فكما تهتك أنت ستر الآخرين، فإنَّ الله يهتك سترك ويفضحك، ومن أرادَ اللهُ أن يفضحه، فمن يمكن أن يؤمنه من فضيحة الله؟!

وعن الإمام الصَّادق (ع): "إنَّ مِنْ أَكْبَرِ السِّحْرِ النَّميمَةَ؛ يُفَرَّقُ بها بَينَ المُتَحابَّيْنِ، ويُجلَبُ العَدَاوَةُ علَى المُتَصافِيَيْنِ، ويُسْفَكُ بها الدِّمَاءُ – إذا كانت النّميمة تتضمّن بعض الأمور الخطيرة الَّتي يمكن أن تثير الأحقاد بين النَّاس - ويُهدَمُ بها الدُّورُ، ويُكشَفُ بها السُّتورُ، والنَّمّامُ أشَرُّ مَنْ وَطئَ علَى الأرْضِ بِقَدَمٍ"، يعني ليس هناك أكثر منه شرّاً، لأنَّ الله أراد للحياة أن تُبنَى على المحبَّة، وعلى الرَّحمة والسَّلام، فالله سبحانه يتحدَّث عن النَّاس بأنّهم يتواصون بالمرحمة، يوصي كلٌّ منهم الآخر بأن يرحم صاحبه، والنَّبيّ (ص) يقول: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا". فمن يتحدَّث بما يفسد العلاقة بين النَّاس، فإنَّه يخرج من الإيمان، على حسب كلام رسول الله (ص).

وعنه (ص) أيضاً: "إنَّ النَّميمةَ والحِقْدَ في النَّارِ، لَا يَجْتَمِعَانِ في قَلْبِ مُسْلِمٍ". فالمسلم لا يمكن أن يكون نمّاماً، ولا يمكن أن يكون حاقداً.

عواقبُ النَّميمة

وهكذا نجد الحديث الَّذي روي عن الإمام الباقر (ع)، في النتائج العمليَّة للَّذي ينمّ وتؤدّي النَّميمة إلى القتل: "يُحْشَرُ اَلْعَبْدُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَمَا نَدَا دَماً - يعني ما أصاب إنساناً بقتل - فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ شِبْهُ اَلْمِحْجَمَةِ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ والمحجمة هي قارورة الدَّم الَّتي يُنزِلُ فيها الحجّام الدَّم عندما يحجم الإنسان - فَيُقَالُ لَهُ هَذَا سَهْمُكَ مِنْ دَمِ فُلاَنٍ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ قَبَضْتَنِي وَمَا سَفَكْتُ دَماً، فَيَقُولُ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ سَمِعْتَ مِنْ فُلاَنٍ رِوَايَةَ كَذَا وَكَذَا، فَرَوَيْتَهَا عَلَيْهِ – إمَّا نقلتها إلى السّلطان نفسه، وإمَّا أنَّك تحدَّثت بها في المجتمع، وهذا يشمل كلّ من يتكلّم بشيء من أسرار النّاس الّتي يمكن أن تؤدّي إلى نتائج خطيرة على حياتهم، بحيث تهدِّد حياتهم في المستقبل - فَنَقَلَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى صَارَتْ إِلَى فُلاَنٍ اَلْجَبَّارِ، فَقَتَلَهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا سَهْمُكَ مِنْ دَمِهِ".

المسؤوليّةُ عن سلامِ المجتمع

هذا الواقع، أيُّها الأحبَّة، الَّذي تُحدّثنا عنه الآيات القرآنيَّة، وأحاديث النبيّ (ص) وأهل بيته (ع)، على أيّ أساس يرتكز؟ إنّه يرتكز على أساس أنَّ كلَّ فرد في المجتمع مسؤول عن سلام المجتمع؛ أن يعيش المجتمعُ بسلام، أن تعيش العوائلُ في بيوتها بسلام، أن يعيش الزوج والزوجة بسلام في حياتهما حتَّى يربّيا أسرةً سعيدة، أن يعيش الجيرانُ بعضهم مع بعض بسلام، أن تعيش العوائلُ في المجتمع في سلام، أن يعيش أفرادُ المجتمع في الواقع السياسي والاقتصادي بسلام.

ولذلك، على الإنسان دائماً أن يعمل على أساس أن يقرِّب بين النَّاس، ولا يعمل على أن يبعِّد بينهم. عندنا حديث يقول: " صَدَقةٌ يُحِبُّها اللّهُ: إصلاحٌ بينَ النَّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتَقارُبٌ بَينَهُمْ إذَا تَباعَدُوا"، "عَلَيْكَ بِالنُّصْحِ للهِ فِي خَلْقِهِ - كلّ خلقه - فَلَنْ تَلْقَاهُ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ".

إنَّ الله يريد للمجتمع أن يكون مجتمعاً مترابطاً ومتقارباً ومتناصحاً، ومجتمعاً يتحرَّك على أساس أن تكون القلوب مفتوحاً بعضُها على بعض، ولا يكون مغلقاً بعضها عن بعض، لأنَّه كلَّما كان المجتمع بسلام، وكانت المحبَّة طابع الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، أمكن للنَّاس أن يتعاونوا، وأن يتكاملوا، وأن يحقّقوا النتائج الكبيرة على مستوى القضايا العامَّة، بينما إذا كان النَّاس يعيشون روحَ الحقد والبغضاء وإفساد العلاقات فيما بينهم، فإنَّ ذلك يُطمِع الأعداء؛ أعداء الأمَّة، وأعداء الأوطان، وأعداء الإسلام، في النَّفاذ من خلال هذه الثغرات الَّتي نفتحها في كلّ يوم بين فريقٍ وفريق من النَّاس.

ثغراتٌ يستغلُّها المستكبرون

ولو أردنا، أيُّها الأحبَّة، أن ندرس الوسائل الَّتي يتحرَّك بها المستكبرون الَّذين يريدون إسقاط المستضعفين، والكافرون الَّذين يريدون إسقاط المسلمين، لو أنَّنا درسنا وسائلهم المخابراتيَّة أو الثَّقافيَّة أو السياسيَّة، لرأينا أنَّ هذا التَّباعد بين المسلمين والمستضعفين هو الثَّغرة الَّتي يمكن أن ينفذوا منها. هناك مثل يقول: "فَرِّقْ تَسُدْ"، لأنَّك عندما تفرّق، يصبح هناك في الوسط ثغرة، ويمكن أن يدخل من خلالها طرف ثالث، ولكن عندما يكون هناك وحدة بين النَّاس، فلن يقدر أحد أن يدخل بينهم، لأنّه لا يوجد مساحة لينفذ منها، فالقلب على القلب، والعقل على العقل، ولا سيَّما، أيُّها الأحبَّة، في عصرنا هذا الَّذي يتميَّز بأنَّه العصر الَّذي تتحرَّك فيه المخابرات الدوليَّة، والمخابرات الإقليميَّة، والمخابرات المحليَّة، والمخابرات الحزبيَّة، تتحرَّك فيه كلّ هذه المخابرات، من أجل أن تفسد حياة النَّاس، لأنَّ السياسة تتحرَّك وراء المخابرات الَّتي تفتح لها الأبواب، والَّتي تؤسِّس لها المشاريع، وتتحرَّك فيها السَّاحات.

لذلك، علينا أن نكون حذرين لمصلحتنا، إنَّ المصلحة الفرديَّة لا تعيش إلَّا من خلال المصلحة العامَّة، كلُّ مَن يفكّر أنَّه يستطيع أن يربح لحالته الفرديَّة ولمصالحه الفرديَّة، على أساس إسقاط المصالح العامَّة، هو متوهِّم، لأنَّ المصالح العامَّة هي المصالح الَّتي تتَّصل بك من حيث لا تشعر. ولذلك، الَّذي يتجسَّس لإسرائيل أو لأمريكا، أو يتجسَّس لأعداء الإسلام، والَّذي ينقل الكلام ويأتي بالكلام، سوف تدور عليه الدَّائرة في المستقبل، فيهلك نفسه، ويهلك أخاه، ويهلك مجتمعه.

النَّميمةُ مناقضةٌ للإيمان

لذلك، أيُّها الأحبَّة، الدّين هو هذا، ليس الدّين أن تصوم بلا معنى وتصلّي بلا معنى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}[هود: 114]، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}[العنكبوت: 45]. والنَّميمة من المنكر، وإفساد علاقات النَّاس من المنكر.

وهكذا ورد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183]. فالصَّوم من أجل أن تكون تقيّاً، والحجّ من أجل أن تكون تقيّاً، فالعبادات لها دور تربويّ أخلاقيّ "مَنْ لمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ والمنْكَرِ، لمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلَّا بُعْدًا". هذا هو الخطّ الإسلاميّ.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، لنجلس مع أنفسنا، لندرس أنفسنا، فربما كانت هذه العادات موروثةً لنا من البيئة الفاسدة، فعلينا أن نصلح أنفسنا "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وزِنوها قَبلَ أنْ تُوزَنوا". لننقذ أنفسنا في الدنيا من النتائج السَّلبيَّة، وننقذ أنفسنا من غضب الله {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89].

*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريح: 21/08/1998م.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}[القلم: 10 - 11].

يريد الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين، أن يوجِّهنا إلى بعض النَّاس الَّذين يتحركون في المجتمع من موقع إفساد الواقع الاجتماعي في علاقاتهم بالآخرين، سواء كان ذلك في علاقاتهم العائليَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة أو الاقتصاديَّة أو الأمنيَّة.

تحذيرٌ من النّمّام

يقول تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}. والحلَّاف هو الكثير الحلف، الَّذي لا يتحدَّث بحديث، ولا يبيع بيعاً، ولا يعطيك التزاماً، إلَّا ويسبقه بالكثير من الحلف أو يلحقه بذلك، لأنَّه لا ينطلق من الحقيقة، باعتبار أنَّ الإنسان الَّذي يرى نفسه مع الحقّ، لا يحتاج إلى أن يؤكّد ذلك للنَّاس. مَنِ الَّذي يحتاج إلى أن يؤكّد كلامه باليمين؟ هو الَّذي لا يثق بنفسه، ويرى أنَّ النَّاس لا تثق به، لأنَّه عندما لا يثق بأنَّه على الحقّ، فإنَّه يخيَّل إليه أنَّ النَّاس لا يثقون به، ولذلك يشعر بالحاجة إلى اليمين. لذلك، كلَّما رأيت بائعاً يحلف لك بالكثير من الأيمان على أنَّ هذه السّلعة كذا وكذا، عليك أن تشكَّ فيه، وإذا رأيت أيَّ إنسان يحلف كثيراً، فاعلم أنَّه لا ينطلق من الحقيقة بحسب الغالب.

{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}، و"مهين" يعني حقير، والمراد حقارة الرَّأي، أي الشَّخص الَّذي لا يملك الرَّأي السَّديد الَّذي يجعله في موقع الثّقة بنفسه وبالأشياء في تعامله مع النَّاس.

{هَمَّازٍ - والهمَّاز هو الشَّخص الَّذي يعيب النَّاس ويطعن بهم، فهو عندما يتحدَّث عنهم في سرّهم أو في علانيتهم، فإنَّه يبادر دائماً إلى التّحدّث عنهم بالسّوء، بحيث يطعنهم ويعيبهم، لأنَّ قلبه ليس مفتوحاً لهم، فلا يرى للنَّاس إلَّا عيوبهم، ولا يرى حسناتهم.

- مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ}[القلم: 10 - 13]. وهذا موضوعنا، وهو الإنسان الَّذي يمشي بالنَّميمة، والنَّميمة هي نقل الحديث الَّذي يؤدّي إلى إفساد العلاقات بين النَّاس في كلّ مشاريعهم، وفي كلّ أوضاعهم، وقد ورد في آية أخرى: {مَّنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا - وورد في تفسير ذلك، أنَّ الإنسان الَّذي يسعى في الخير، فيصلح بين اثنين، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يعطيه نصيبه من الثَّواب في هذا الإصلاح، بكلِّ النَّتائج الطيّبة الَّتي تحصل منه - وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}[النّساء: 85]، وقد فسِّرت بعدَّة تفاسير، منها أنَّ الشَّخص الَّذي يسعى للإفساد بين اثنين؛ بين زوجين، أو أخوين، أو عائلتين... فإنَّ الله يعطيه نصيباً من النَّتائج السيّئة الَّتي تحصل من ذلك.

والنَّميمة، أيُّها الأحبَّة، هي من الأخلاق السيّئة الَّتي ورد الحديث عن رسول الله (ص) أنَّها تمنع الإنسان من دخول الجنَّة، فقد ورد في الحديث عنه (ص): "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ"، يعني صلِّ ما شِئْتَ، وصُمْ ما شِئْتَ، وحُجَّ ما شِئْتَ، ولكن إذا كنت ممن يتعامل بالنَّميمة، تسمع كلاماً من شخصٍ، فتنقله إلى شخصٍ آخر بينه وبينه علاقة، لتفسد ما بينهما، فإنَّ باب الجنَّة يغلق عنك.

وقد ورد في حديثٍ آخر عن الإمام الباقر (ع)، قال: "مُحَرَّمَةٌ الْجَنَّةُ عَلَى الْقَتَّاتِينَ الْمَشَّائِينَ بِالنَّمِيمَةِ".

أثرُ النَّميمةِ في العلاقات

وأظنُّ أنّنا في هذا الشَّرق، ولا سيَّما في هذا البلد، معنيّون بالنَّميمة، بحيث إنَّها تمثِّل طعامنا وشرابنا، فإذا سمعنا حديثاً من شخص يمكن أن يفسد العلاقة مع شخص آخر، فإنَّنا نعتبر ذلك غنيمةً، فنبادر إلى الشَّخص الآخر لنزفَّ إليه أنَّ فلاناً اغتابك، وأنَّ فلاناً تحدَّث عنك، وأنَّ وأنَّ، إلى غير ذلك، ولا سيَّما في العلاقات بين الأزواج، فالله يتحدَّث في كتابه عن الملكين هاروت وماروت، أنّهما يعلِّمان النَّاس السّحر، ومن ذلك، ما يفرّق بين المرء وزوجه. كم نعيش هذا الجوّ! وخصوصاً بحسب المتعارف عند النَّاس بين الكنَّة والحماة، فالحماة تعمل بكلّ الطرق لتفرّق بين ابنها وزوجته، وأهل الزَّوجة أيضاً في بعض الحالات، وأهل الزَّوج يسمعون كلمة من الزَّوجة، فينقلونها إلى الزَّوج، حتَّى يفسدوا العلاقة بينهما. وهذا موجود عندنا بشكل كبير جدّاً، وما أكثر المشاكل الزوجيَّة في واقعنا الَّتي تنطلق من خلال النّمَّامين، سواء كانوا من أهل الزَّوجين، أو من جيرانهما، أو ما إلى ذلك!

وهكذا في الوسط الاجتماعيّ، فعندما تكون هناك خصومة بين عائلتين، فإنَّ ذلك يمثّل فرصةً لكل الَّذين يريدون أن يصطادوا في الماء العكر، بنقل الأخبار السيّئة الَّتي تصدر عن هذا وعن ذاك.

وتتعاظم مسألة النَّميمة في التَّجسّس، عندما ينمُّ الإنسان على شخص مؤمن أو شخص بريء، فينقل بعض ما سمعه مما قد يورّط هذا الشّخص في مشكلة مع السّلطة، أو مع بعض النَّاس الَّذين يملكون القوَّة والسّلاح، بحيث يمكنهم أن يضطهدوه، مما يتحرَّك به مجتمعنا في النَّاس الَّذين يملكون القوَّة، ويفرضون قوَّتهم على المجتمع، ويحركون مخابراتهم ليتنصَّتوا على هذا ماذا يتكلَّم عنهم، وعلى ذاك ماذا يتكلَّم عنهم، من أجل أن يضغطوا عليه، ومن أجل أن يسيئوا إلى موقعه وما إلى ذلك.

أحاديثُ عن النَّميمة

تعالوا إلى بعض الأحاديث الواردة عن أئمَّة أهل البيت (ع)، مما رووه عن رسول الله (ص)، ومما استوحوه من رسوله.

عن ابن فضال، عن الصَّادق (ع)، عن أبيه، عن آبائه (ع)، عن النَّبيّ (ص) قال: "شَرُّ النَّاسِ المُثَلَّثُ. قيلَ: يا رسولَ اللّهِ، وما المُثَلَّثُ؟ قالَ: الَّذي يَسعى بأخيهِ إلَى السُّلطانِ - والمراد بالسّلطان كلّ صاحب سلطة يملك سيفاً، أو سجناً، أو قوَّة - فيُهلِكُ نَفسَهُ – فهذا الَّذي يسعى بأخيه إلى السّلطان، يهلك نفسه عند الله، لأنّه يعرّضها لعقاب الله ولحرمانه من الجنّة - ويُهلِكُ أخاهُ - لأنَّه يوقعه تحت تأثير عقوبة صاحب السّلطة - ويُهلِكُ السُّلطانَلأنَّه يهيّئ له الظّروف ليظلم النَّاس، فيهلك عندما يسير بالظّلم، ويبتعد عن العدل.

إذاً، معنى ذلك أنَّك عندما تكون نمَّاماً، أو عنصر مخابرات، أو جاسوساً لأيّ جهة تملك القوَّة، فإنَّ معنى ذلك أنَّك مُثلَّثُ الجريمة؛ تهلك نفسك، وتهلك أخاك، وتهلك السّلطان، أي صاحب السلطة.

ويقول النبيّ (ص) فيما يروى عنه من حديث: "إيَّاكُمْ وَالنَّمِيمةَ وَنقْلَ الحَديثِ"، أن تنقل كلاماً من شخص إلى شخص آخر.

ويقول الإمام عليّ (ع) فيما يروى عنه في كتاب "الغرر والدّرر": "إيَّاكَ والنَّميمةَ، فإنَّها تزرعُ الضَّغينةَ، وَتُبْعدُ عَنِ اللهِ وَعَنِ النَّاسِ"، تبعدك عن الله، لأنَّ هذا العمل مبغوض لله، وتبعدك عن النَّاس، لأنَّك تشارك في إفساد حياتهم وإثارة العداوات بينهم.

وقال النَّبيّ (ص): "أَلَا أُخْبركُمْ بِشِرَارِكم؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله – وانتبهوا جيِّداً إلى هذه المسألة، فنحن مسلمون، ونأخذ إسلامنا من رسول الله (ص)، فعلينا أن ننتبه، حتّى لا نكون من شرار النَّاس - قَالَ: المشَّاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للْبُرَآءِ المعايِبَ".

وفي كتاب الإمام جعفر الصَّادق (ع) إلى النَّجاشيّ والي الأهواز، قال: " إيّاكَ والسُّعاةَ – الّذين يسعون إليك بأخبار النَّاس - وأهلَ النَّمائمِ، فلا يَلتَزِقَنَّ بكَ أحَدٌ مِنهُم – لا تجعلهم من خاصّتك وبطانتك - ولا يَراكَ اللَّهُ يَوماً وَلَا لَيْلَةً وأنْتَ تَقْبَلُ مِنهُم صَرْفاً ولا عَدْلاً، فيَسْخَطَ اللَّهُ علَيْكَ ويَهتِكَ سِترَكَ"، فكما تهتك أنت ستر الآخرين، فإنَّ الله يهتك سترك ويفضحك، ومن أرادَ اللهُ أن يفضحه، فمن يمكن أن يؤمنه من فضيحة الله؟!

وعن الإمام الصَّادق (ع): "إنَّ مِنْ أَكْبَرِ السِّحْرِ النَّميمَةَ؛ يُفَرَّقُ بها بَينَ المُتَحابَّيْنِ، ويُجلَبُ العَدَاوَةُ علَى المُتَصافِيَيْنِ، ويُسْفَكُ بها الدِّمَاءُ – إذا كانت النّميمة تتضمّن بعض الأمور الخطيرة الَّتي يمكن أن تثير الأحقاد بين النَّاس - ويُهدَمُ بها الدُّورُ، ويُكشَفُ بها السُّتورُ، والنَّمّامُ أشَرُّ مَنْ وَطئَ علَى الأرْضِ بِقَدَمٍ"، يعني ليس هناك أكثر منه شرّاً، لأنَّ الله أراد للحياة أن تُبنَى على المحبَّة، وعلى الرَّحمة والسَّلام، فالله سبحانه يتحدَّث عن النَّاس بأنّهم يتواصون بالمرحمة، يوصي كلٌّ منهم الآخر بأن يرحم صاحبه، والنَّبيّ (ص) يقول: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا". فمن يتحدَّث بما يفسد العلاقة بين النَّاس، فإنَّه يخرج من الإيمان، على حسب كلام رسول الله (ص).

وعنه (ص) أيضاً: "إنَّ النَّميمةَ والحِقْدَ في النَّارِ، لَا يَجْتَمِعَانِ في قَلْبِ مُسْلِمٍ". فالمسلم لا يمكن أن يكون نمّاماً، ولا يمكن أن يكون حاقداً.

عواقبُ النَّميمة

وهكذا نجد الحديث الَّذي روي عن الإمام الباقر (ع)، في النتائج العمليَّة للَّذي ينمّ وتؤدّي النَّميمة إلى القتل: "يُحْشَرُ اَلْعَبْدُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَمَا نَدَا دَماً - يعني ما أصاب إنساناً بقتل - فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ شِبْهُ اَلْمِحْجَمَةِ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ والمحجمة هي قارورة الدَّم الَّتي يُنزِلُ فيها الحجّام الدَّم عندما يحجم الإنسان - فَيُقَالُ لَهُ هَذَا سَهْمُكَ مِنْ دَمِ فُلاَنٍ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ قَبَضْتَنِي وَمَا سَفَكْتُ دَماً، فَيَقُولُ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ سَمِعْتَ مِنْ فُلاَنٍ رِوَايَةَ كَذَا وَكَذَا، فَرَوَيْتَهَا عَلَيْهِ – إمَّا نقلتها إلى السّلطان نفسه، وإمَّا أنَّك تحدَّثت بها في المجتمع، وهذا يشمل كلّ من يتكلّم بشيء من أسرار النّاس الّتي يمكن أن تؤدّي إلى نتائج خطيرة على حياتهم، بحيث تهدِّد حياتهم في المستقبل - فَنَقَلَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى صَارَتْ إِلَى فُلاَنٍ اَلْجَبَّارِ، فَقَتَلَهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا سَهْمُكَ مِنْ دَمِهِ".

المسؤوليّةُ عن سلامِ المجتمع

هذا الواقع، أيُّها الأحبَّة، الَّذي تُحدّثنا عنه الآيات القرآنيَّة، وأحاديث النبيّ (ص) وأهل بيته (ع)، على أيّ أساس يرتكز؟ إنّه يرتكز على أساس أنَّ كلَّ فرد في المجتمع مسؤول عن سلام المجتمع؛ أن يعيش المجتمعُ بسلام، أن تعيش العوائلُ في بيوتها بسلام، أن يعيش الزوج والزوجة بسلام في حياتهما حتَّى يربّيا أسرةً سعيدة، أن يعيش الجيرانُ بعضهم مع بعض بسلام، أن تعيش العوائلُ في المجتمع في سلام، أن يعيش أفرادُ المجتمع في الواقع السياسي والاقتصادي بسلام.

ولذلك، على الإنسان دائماً أن يعمل على أساس أن يقرِّب بين النَّاس، ولا يعمل على أن يبعِّد بينهم. عندنا حديث يقول: " صَدَقةٌ يُحِبُّها اللّهُ: إصلاحٌ بينَ النَّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتَقارُبٌ بَينَهُمْ إذَا تَباعَدُوا"، "عَلَيْكَ بِالنُّصْحِ للهِ فِي خَلْقِهِ - كلّ خلقه - فَلَنْ تَلْقَاهُ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ".

إنَّ الله يريد للمجتمع أن يكون مجتمعاً مترابطاً ومتقارباً ومتناصحاً، ومجتمعاً يتحرَّك على أساس أن تكون القلوب مفتوحاً بعضُها على بعض، ولا يكون مغلقاً بعضها عن بعض، لأنَّه كلَّما كان المجتمع بسلام، وكانت المحبَّة طابع الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، أمكن للنَّاس أن يتعاونوا، وأن يتكاملوا، وأن يحقّقوا النتائج الكبيرة على مستوى القضايا العامَّة، بينما إذا كان النَّاس يعيشون روحَ الحقد والبغضاء وإفساد العلاقات فيما بينهم، فإنَّ ذلك يُطمِع الأعداء؛ أعداء الأمَّة، وأعداء الأوطان، وأعداء الإسلام، في النَّفاذ من خلال هذه الثغرات الَّتي نفتحها في كلّ يوم بين فريقٍ وفريق من النَّاس.

ثغراتٌ يستغلُّها المستكبرون

ولو أردنا، أيُّها الأحبَّة، أن ندرس الوسائل الَّتي يتحرَّك بها المستكبرون الَّذين يريدون إسقاط المستضعفين، والكافرون الَّذين يريدون إسقاط المسلمين، لو أنَّنا درسنا وسائلهم المخابراتيَّة أو الثَّقافيَّة أو السياسيَّة، لرأينا أنَّ هذا التَّباعد بين المسلمين والمستضعفين هو الثَّغرة الَّتي يمكن أن ينفذوا منها. هناك مثل يقول: "فَرِّقْ تَسُدْ"، لأنَّك عندما تفرّق، يصبح هناك في الوسط ثغرة، ويمكن أن يدخل من خلالها طرف ثالث، ولكن عندما يكون هناك وحدة بين النَّاس، فلن يقدر أحد أن يدخل بينهم، لأنّه لا يوجد مساحة لينفذ منها، فالقلب على القلب، والعقل على العقل، ولا سيَّما، أيُّها الأحبَّة، في عصرنا هذا الَّذي يتميَّز بأنَّه العصر الَّذي تتحرَّك فيه المخابرات الدوليَّة، والمخابرات الإقليميَّة، والمخابرات المحليَّة، والمخابرات الحزبيَّة، تتحرَّك فيه كلّ هذه المخابرات، من أجل أن تفسد حياة النَّاس، لأنَّ السياسة تتحرَّك وراء المخابرات الَّتي تفتح لها الأبواب، والَّتي تؤسِّس لها المشاريع، وتتحرَّك فيها السَّاحات.

لذلك، علينا أن نكون حذرين لمصلحتنا، إنَّ المصلحة الفرديَّة لا تعيش إلَّا من خلال المصلحة العامَّة، كلُّ مَن يفكّر أنَّه يستطيع أن يربح لحالته الفرديَّة ولمصالحه الفرديَّة، على أساس إسقاط المصالح العامَّة، هو متوهِّم، لأنَّ المصالح العامَّة هي المصالح الَّتي تتَّصل بك من حيث لا تشعر. ولذلك، الَّذي يتجسَّس لإسرائيل أو لأمريكا، أو يتجسَّس لأعداء الإسلام، والَّذي ينقل الكلام ويأتي بالكلام، سوف تدور عليه الدَّائرة في المستقبل، فيهلك نفسه، ويهلك أخاه، ويهلك مجتمعه.

النَّميمةُ مناقضةٌ للإيمان

لذلك، أيُّها الأحبَّة، الدّين هو هذا، ليس الدّين أن تصوم بلا معنى وتصلّي بلا معنى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}[هود: 114]، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}[العنكبوت: 45]. والنَّميمة من المنكر، وإفساد علاقات النَّاس من المنكر.

وهكذا ورد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183]. فالصَّوم من أجل أن تكون تقيّاً، والحجّ من أجل أن تكون تقيّاً، فالعبادات لها دور تربويّ أخلاقيّ "مَنْ لمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ والمنْكَرِ، لمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلَّا بُعْدًا". هذا هو الخطّ الإسلاميّ.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، لنجلس مع أنفسنا، لندرس أنفسنا، فربما كانت هذه العادات موروثةً لنا من البيئة الفاسدة، فعلينا أن نصلح أنفسنا "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وزِنوها قَبلَ أنْ تُوزَنوا". لننقذ أنفسنا في الدنيا من النتائج السَّلبيَّة، وننقذ أنفسنا من غضب الله {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89].

*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريح: 21/08/1998م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية