تفسير
25/01/2024

s-2-a-135-136-137-138-139-140-141

s-2-a-135-136-137-138-139-140-141

‏ ‏

‏ معاني المفردات ‏

{ هُوداً } : يهودًا. ‏

{ حنِيفاً } : الحنف: هو ميلٌ عن الضّلال إلى الاستقامة، والجنف ميلٌ عن الاستقامة إلى الضّلال. وتحنّف فلانٌ، أي: تحرّى طريق الاستقامة. والحنيف: المائل من كلِّ دينٍ باطلٍ إلى دين الحقِّ، فهو المخلص الّذي أسلم لأمر الله، فلم يلتوِ في شي‏ءٍ من دينه، بل ثبت على الدِّين المستقيم. والحنيفيّة هي الاستقامة على دين إبراهيم. وفي الحديث: أحبُّ الأديان إلى الله تعالى الحنيفيّة السّمحة‏1‏، وهي ملّة النّبيِّ صلى الله عليه وآله ‏‏وسلم،‏‏ لا حرج فيها ولا ضيق‏‏2‏. ‏

{و الْأسْباطِ} : واحدهم سبط، وهو ولد الولد. والمراد بهم - هنا - أولاد إسرائيل، وهو يعقوب، وهم اثنا عشر سبطًا من اثني عشر ابنًا. قال الزّجّاج: «السِّبط: الجماعة يرجعون إلى أبٍ واحد. والسِّبط في اللُّغة: الشّجر. فالسِّبط: الّذين هم من شجرةٍ واحدةٍ»‏3‏. ‏

{ شِقاقٍ } : الشِّقاق: المنازعة والمخالفة والمناوأة والمعاندة. ويحتمل أن يكون أصله مأخوذًا من الشِّقِّ؛ لأنّه صار في شقٍّ غير شقِّ صاحبه، للعداوة والمباينة، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من المشقّة. وقال الرّاغب: «الشِّقاق: المخالفة وكونك في شقٍّ غير شقِّ صاحبك، أو من شقِّ العصا بينك وبينه»‏4‏. ‏

{فسيكْفِيكهُمُ اللّهُ} : سيحميك منهم، ويكفُّ عنك كيدهم وأذاهم، ويجعلك في غنًى عنهم. قال الرّاغب: «الكفاية: ما فيه سدُّ الخلّة وبلوغ المراد في الأمر»‏5‏ . وقال الزّمخشريُّ: «ضمانٌ من الله لإظهار رسول‏‏ ‏‏‏الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم... ومعنى السِّين أنّ ذلك كائنٌ لا محالة وإن تأخّر إلى حين»‏6‏. ‏

{صِبْغة اللّهِ} : الصِّبغة: ما يُصبغ به الثّوب، أو هي الهيئة والحالة الّتي يكون عليها الصِّبغ؛ ولهذا فإنّ المقصود من: {صِبْغة اللّهِ} الإيمان أو الإسلام أو شريعة الله، وقيل: فطرة الله‏‏7‏ . وقال الزّمخشريُّ: «والأصل فيه أنّ النّصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماءٍ أصفر يسمُّونه: المعموديّة، ويقولون: هو تطهيرٌ لهم، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: الآن صار نصرانيًّا حقًّا»‏8‏. ومثل ذلك قال الطّبرسيُّ، ونسبه إلى الفرّاء‏9‏. ‏

‏ ‏

{أ تُحاجُّوننا} : الحجاج والجدال والخصام نظائر - كما في (مجمع البيان)‏10‏ ‏‏ -. ‏

{ أعْمالُنا } : الأعمال والأحداث والأفعال نظائر - كما في (مجمع البيان)‏11‏ -. ‏

‏ ‏

‏ أهل الكتاب وملّة إبراهيم ‏

‏في هذا الفصل من السُّورة، يلتفت القرآن إلى تحديد الخطِّ المستقيم الّذي أراد الله للحياة أن تسير فيه في العقيدة والعمل، ويشجب الخطوط المتعرِّجة المنحرفة في صعيد الواقع الّذي يسير عليه النّاس. ‏

‏فقد واجه هؤلاء الّذين ينغلقون على أنفسهم ليجعلوا من الدِّين انتماءً فئويًّا لا ينفتح إلاّ على جماعةٍ معيّنةٍ وأُفُقٍ ضيِّقٍ، فكانوا يقولون للنّاس إنّ طريق الهدى لا يتّسع لغير اليهود - في ما يقوله اليهود -، أو لا يتّسع لغير النّصارى -في ما يقوله النّصارى -. ‏

‏وكان الجواب: إنّ طريق الحقِّ أوسع من ذلك، فإذا كان اليهود والنّصارى يؤمنون بإبراهيم وملّته، فإنّ ملّة إبراهيم هي الملّة الّتي تلتقي عليها كلُّ الخطوط؛ باعتبارها تمثِّل خطّ التّوحيد الخالص الّذي يستوعب كلّ الرِّسالات ويحتضن كلّ الأنبياء، فلا يضيق عن أحدٍ، ولا ينغلق على فئةٍ، وهو الدِّين الحقُّ الّذي يهتدي المؤمنون به. أمّا الّذين يُعرضون عنه، فهم الّذين لا يريدون للحياة أن تهدأ وتطمئنّ وتسير في الطّريق المستقيم، بل يثيرون فيها الشِّقاق والخصام الّذي لا ينتهي إلى أيّة نتيجةٍ ممّا يحاولونه من الأهداف الشِّرِّيرة، مهما عملوا ومهما امتدُّوا في أساليبهم؛ لأنّ الله سيتكفّل بهم في الدُّنيا والآخرة، فقد وعد نبيّه بأنّه سيكفيه عدوانهم وشرّهم، وهو السّميع لكلِّ ما يُفيضون فيه من قولٍ وما يثيرونه من مشاكل، وهو العليم بسرِّهم وعلانيتهم. ‏

‏ويُلاحظ في هذه الآيات: أنّ القرآن يعتبر القياس في صحّة سلوكهم هو انسجامهم مع ملّة إبراهيم؛ باعتبار أنّ رسالتي موسى وعيسى كانتا سائرتين في هذا الاتِّجاه، فإذا كان هناك انحرافٌ عنهما، فمعنى ذلك أنّهم يسيرون على غير هدى هاتين الرِّسالتين. ‏

‏ثمّ يعود الحديث عن الإسلام باعتباره الصِّفة الّتي لا تعادلها صفةٌ، والميزة الّتي لا تقاربها ميزةٌ، في ما تشتمل عليه من المعاني الكبيرة الّتي ترفع مستوى الإنسان في الدُّنيا والآخرة؛ لأنّها تمثِّل خطّ العبادة لله سبحانه في أصدق معانيها وأوضح خطوطها، في استقامةٍ وإيمان. ثمّ يواجههم بالحقيقة الّتي أرادوا أن يتهرّبوا منها، وهي أنّ الله لا يكون لجماعةٍ دون جماعةٍ، ولا لشعبٍ دون شعب، بل الخلق كلُّهم متساوون أمامه في عبوديّتهم له وربوبيّته لهم، فلا معنى لمحاجّتهم في الله على أساس ما يزعمونه من العلاقة الخاصّة الّتي تربطهم به وتشدُّهم إليه، في ما يعبِّرون عنه بأنّهم «شعب الله المختار»، وفي ما يتخيّلونه من أنّ الطّريق إليه لا بُدّ من أن تمرّ بهم، فهو {ربُّنا و ربُّكُمْ}. ‏

‏وفي هذا الاتِّجاه تتحرّك الحقيقة الثّانية من خلال الحقيقة الأولى، وهي أنّ الأعمال هي القاعدة الّتي ترتكز عليها العلاقة القويّة بين العبد وربِّه، ليواجه فيها الإنسان مسؤوليّته أمام الله من خلالها من دون أن يتحمّل أحدٌ مسؤوليّة أحدٍ في عمله، فلكلٍّ عملُه، ولكلٍّ مسؤوليّته في هذا الاتِّجاه، {و لنا أعْمالُنا و لكُمْ أعْمالُكُمْ} . ‏

‏ثمّ يحدِّد الموقف الحقّ الّذي يلتزم به المسلمون كطابعٍ بارزٍ للشّخصيّة الّتي تتميّز بالإخلاص لله في النِّيّة والعمل. ‏

‏ويعود الحديث من جديدٍ إلى شخصيّة إبراهيم، فاليهود يعتبرون - أو هكذا يوحي أسلوبهم العمليُّ - بأنّ إبراهيم كان يهوديًّا، والنّصارى يعتبرون -أو هكذا يوحي أسلوبهم العمليُّ - أنّ إبراهيم كان نصرانيًّا. ويحسم القرآن الموقف بإثارة التّساؤل في معرض الإنكار، فينفذ إلى مواجهة معلوماتهم عن إبراهيم: هل أنتم أعلم أم الله؟! ومن البديهيِّ أنّهم لا يستطيعون إلاّ الإقرار بأنّ الله أعلم، من خلال إيمانهم الّذي يزعمون. وفي هذا الجوِّ يتحرّك الموقف من حركة الرِّسالة في الحوار، ليوحي بأنّ الله قد عرّفنا، بما لا يقترب منه الشّكُّ، أنّ إبراهيم لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، بل كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين. ‏

‏ثمّ يواجههم بالحقيقة الصّارخة، وهي أنّهم يعرفون ذلك تمام المعرفة، ولكنّهم يكتمون هذه المعرفة ويمتنعون عن أداء الشّهادة. وهذا يُعتبر من أشدِّ أنواع الظُّلم؛ لأنّه تمرُّدٌ على الله، وظلمٌ للحقيقة، واعتداءٌ على النّاس وعلى الحياة. ‏

‏ثمّ يختم الآية بما يشبه التّهديد، فإنّ الله ليس بغافلٍ عمّا يعملون، فهو الرّقيب عليهم في الدُّنيا، والحاكم عليهم في يوم القيامة. ‏

‏وتصل القصّة إلى نهايتها، لتواجه المسلمين بالفكرة الأساسيّة الّتي يتحرّك في نطاقها التّاريخ في حياة النّاس، فإنّ التّاريخ لا يحمِّل الفئات اللاّحقة مسؤوليّة الفئات الّتي عاشت فيه، كما أنّ الفئات السّابقة لا تتحمّل وزر الفئات اللاّحقة؛ لأنّ المسؤوليّة لا تتحرّك إلاّ في المجال الّذي يتحرّك فيه العمل، وتنطلق معه الحياة. أمّا التّاريخ، فهو كتاب الحياة الّذي يحمل الدُّروس والعبر من جيلٍ لآخر، لتعيش الأجيال الفكرة الحقّة من خلال تجاربها وتجارب الآخرين في السّير الواعي لحركة الحضارات. ‏

‏ ملّة إبراهيم سبيل الهدى ‏

{ و قالُوا } أي: اليهود والنّصارى: {كُونُوا هُوداً أوْ نصارى‏ تهْتدُوا} . لقد انطلق كلُّ فريقٍ من أتباع هذين الدِّينين ليؤكِّد صحّة دينه في مقابل الإسلام الّذي دخل فيه النّاس، على أساس أنّ اليهوديّة، من وجهة نظر اليهود، والنّصرانيّة، من وجهة نظر النّصارى، هي الوسيلة الوحيدة الّتي تقود إلى الهدى في قضايا الدُّنيا والآخرة؛ انطلاقًا من دعواهم بأنّهم هم الّذين يمثِّلون شريعة إبراهيم عليه السلام في خصوصيّاتهم العقيديّة والشّرعيّة والأخلاقيّة الّتي أصبحت جزءًا من هذا الدِّين أو ذاك، ممّا يختلف عن خصوصيّات الدِّين الإسلاميِّ الّذي جاء به النّبيُّ محمّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم . ‏

{ قُلْ } يا محمّد، أو من يقف مثل هذا الموقف في ساحة المواجهة من المسلمين: {بلْ مِلّة إِبْراهِيم حنِيفاً} الّتي تمثِّل الملّة المستقيمة على منهج الله في امتداد وحيه، المائلة عن كلِّ الاتِّجاهات الباطلة من الأديان المنحرفة بسبب الأهواء والأغراض والأطماع الإنسانيّة، ومن المبادئ الّتي أبدعها الإنسان من فكره الذّاتيِّ وتجربته الشّخصيّة، ممّا لا علاقة له بالله ورسله. ‏

‏وقد اختلف المفسِّرون في تفسير «الحنيفيّة» الّتي هي {مِلّة إِبْراهِيم} ، وذلك في خمسة اتِّجاهات: ‏

‏ 1 - إنّها أمورٌ محصورةٌ في دائرة تشريعٍ معيّنٍ. ‏

‏ 2 - إنّها حجُّ البيت، كما عن ابن عبّاس والحسن ومجاهد. ‏

‏ 3 - إنّها الطّهارة. وقد ورد في هذا الحديث عن الامام محمّد الباقر عليه السلام ، قال: «ثمّ أنزل عليه الحنيفيّة، وهي الطّهارة. وهي عشرة أشياء: خمسة منها في الرّأس، وخمسة منها في البدن، فأمّا الّتي في الرّأس فأخذ الشّارب، وإعفاء اللِّحى، وطمُّ الشّعر‏12‏، والسِّواك والخلال. وأمّا الّتي في البدن، فحلق الشّعر من البدن، والختان، وتقليم الأظفار، والغسل من الجنابة، والطّهور بالماء. فهذه الحنيفيّة الطّاهرة الّتي جاء بها إبراهيم عليه السلام ، فلم تُنسخ ولا تُنسخ إلى يوم القيامة»‏13‏. ‏

‏ 4 - إنّ الحنيفيّة تتّسع لأيِّ موقعٍ يمثِّل اتِّباع الحقِّ، أو ينفتح على الإخلاص لله وحده، في الإقرار بالرُّبوبيّة والإذعان بالعبوديّة، ممّا يختزن في داخل مفهومه كلّ المفردات الّتي تفرضها حركة العبوديّة في الإنسان أمام الرُّبوبيّة الإلهيّة. ‏

‏ 5 - إنّها تتّسع لكلِّ الشّريعة الّتي جاء بها إبراهيم عليه السلام ، ممّا يتّصل بالحياة الرُّوحيّة العقيديّة أو الحياة العمليّة السُّلوكيّة. وقد جاء عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام : «ما أبقت الحنيفيّة شيئًا، حتّى أنّ منها قصّ الأظفار، وأخذ الشّارب، والختان»‏14‏ . ‏

‏والظّاهر أنّ القول الأخير هو الأقرب؛ باعتبار أنّ إبراهيم عليه السلام من أُولي العزم، والمفروض شمول رسالته لكلِّ المجتمع الّذي عاش فيه، وهي ممتدّةٌ أيضًا من بعده كما أشرنا إلى ذلك في حديثنا عن إمامة إبراهيم عليه السلام . وما يؤيِّد ذلك هو قوله تعالى: {مِلّة أبِيكُمْ إِبْراهِيم هُو سمّاكُمُ الْمُسْلِمِين مِنْ قبْلُ} [الحجّ: 78]. والله العالم. ‏

‏وهكذا يريد الله للنّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤكِّد لهؤلاء أنّ ملّة إبراهيم الحنيفيّة هي الملّة الجامعة الّتي تمثِّل الخطّ العريض المستقيم للهدى، فمن اتّبعها اهتدى. وليس الهدى بالأهواء والخصوصيّات الذّاتيّة أو الفئويّة الّتي تؤدِّي إلى التّفسيرات والتّأويلات والتّخييلات الّتي تتحوّل إلى طوائف ومذاهب؛ فقد أنزل الله على إبراهيم عليه السلام رسالته التّوحيديّة الّتي تعبِّر عن توحيد الله في كلِّ شي‏ءٍ، في العقيدة والشّريعة والعبادة والحياة، ممّا فصّله الأنبياء من بعده من خلال وحي الله الّذي يعطي كلّ مرحلةٍ حاجاتها، الّتي مهما تنوّعت، فإنّها تلتقي على التّوحيد الّذي آمن به إبراهيم عليه السلام . ‏

{و ما كان مِن الْمُشْرِكِين} ، فلا مجال لكلِّ هذه الزّوائد الّتي استحدثوها ممّا قد يلتقي بالشِّرك من قريبٍ أو من بعيدٍ، فإنّ كلّ ما عدا الله ممّا يلتزمه النّاس هو عنوانٌ من عناوين الشِّرك. ‏

‏ المسلم مؤمنٌ بكلِّ رسالات اللّه‏

{ قُولُوا } أيُّها المسلمون لكلِّ الّذين يجادلونكم في الدِّين: {آمنّا بِاللّهِ و ما أُنْزِل إِليْنا و ما أُنْزِل إِلى‏ إِبْراهِيم و إِسْماعِيل و إِسْحاق و يعْقُوب و الْأسْباطِ} ، فنحن نؤمن بالله الواحد، ونؤمن بكلِّ ما أُنزل إلينا وإلى هؤلاء، {و ما أُوتِي مُوسى‏ و عِيسى‏} من التّوراة والإنجيل، {و ما أُوتِي النّبِيُّون مِنْ ربِّهِمْ} ممّا أنزله الله عليهم وكلّفهم به، {لا نُفرِّقُ بيْن أحدٍ مِنْهُمْ} ؛ لأنّنا نؤمن بالرُّسل كلِّهم مهما اختلفت خصوصيّاتهم ومراحلهم، كما نؤمن بالكتاب كلِّه مهما تنوّعت آياته، {و نحْنُ لهُ مُسْلِمُون} ، فإنّنا نسلم إلى الله كلّ حياتنا وكلّ أمورنا؛ لأنّ الإسلام هو دين الله في كلِّ مواقعه في حركة الرُّسل في التّاريخ. ‏

‏ولنا في التّعليق على هذه الآية كلمتان: ‏

‏الآية أسلوبٌ للحوار‏

‏ الكلمة الأولى: إنّ هذه الآية تمثِّل أنموذجًا لأسلوب الحوار في الإسلام، وخلاصته البحث عن مواطن اللِّقاء في بداية الحديث، من أجل الإيحاء بوجود قاعدةٍ مشتركةٍ للفكر المتنوِّع، وأرضٍ مشتركةٍ للموقف المتعدِّد؛ ما يوحي للآخر بأنّك إذا اختلفت معه في إيمانك بما أُنزل إليك من القرآن، فإنّك لن تختلف معه في إيمانك بما يؤمن به - من ناحية المبدأ - من التّوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، وتعاليم النُّبوّات المشتركة بين الأديان، من خلال الأنبياء الّذين يلتقون على رسالات الله، فيلتقي المؤمنون على الإيمان بهم. ‏

‏وهذا الأسلوب من أوضح الأساليب وأكثرها حكمةً وانفتاحًا؛ لأنّه يخلق جوًّا نفسيًّا ملائمًا يؤدِّي إلى حالةٍ حواريّةٍ حميمةٍ تفتح العقل من خلال النّافذة المطلّة على القلب؛ باعتبار أنّ أقرب طريق إلى عقل الإنسان هو الطّريق الّذي يؤدِّي إلى قلبه؛ لأنّه إذا أحبّك أحبّ فكرك، وإذا انفتح عليك، من النّاحية الشُّعوريّة، انفتح عليك من النّاحية العقليّة. ‏

‏ولعلّ مشكلة الكثيرين من النّاس أنّهم يركِّزون على مواقع الخلاف الّتي تغلق القلوب، بدلاً من مواقع الوفاق الّتي تفتحها؛ لأنّهم لا يعيشون المحبّة للآخرين في الرِّسالة، بل ينطلقون بها من موقع العقدة والحقد والانفعال، حتّى أعطوا الحقد -الّذي لا قداسة له - معنى القداسة. ‏

‏ الفرق بين الإنزال والإيتاء ‏

‏ الكلمة الثّانية: إنّ هناك اختلافًا في التّعبير في الآية، فقد عبّر عمّا عندنا وعمّا عند إبراهيم وإسحاق ويعقوب بالإنزال، وعمّا عند موسى وعيسى والنّبيِّين بالإيتاء، وهو الإعطاء، كما أشار إلى ذلك في تفسير (الميزان)، فهل هناك نكتةٌ في ذلك؟ ‏

‏يذكر العلاّمة الطّباطبائيُّ رحمه الله أنّ النِّكتة هي أنّه «لمّا كان كلٌّ من اليهود والنّصارى يعدُّون إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من أهل ملّتهم، فاليهود من اليهود، والنّصارى من النّصارى، واعتقادهم أنّ الملّة الحقّ من النّصرانيّة أو اليهوديّة هي ما أوتيه موسى وعيسى، فلو كان قيل: وما أوتي إبراهيم وإسماعيل، لم يكن بصريحٍ في كونهم بأشخاصهم صاحب [أصحاب‏] ملّةٍ بالوحي والإنزال، واحتمل أن يكون ما أوتوه هو الّذي أوتيه موسى وعيسى عليهما السلام نُسب إليهم بحكم التّبعيّة، كما نُسب إيتاؤه إلى بني إسرائيل؛ فلذلك خصّ إبراهيم ومن عطف عليه باستعمال لفظ الإنزال، وأمّا النّبيُّون قبل إبراهيم فليس لهم فيهم كلام حتّى يوهم قوله: وما أوتي النّبيُّون شيئًا يجب دفعه»‏15‏ . ‏

‏وخلاصة الفكرة هي أنّ المطلوب هو بيان استقلاليّة إبراهيم ومنْ بعده عن موسى وعيسى، ما يفرض اختلاف التّعبير الّذي يوحي بتعدُّد المواقع. ‏

‏ولكنّنا نلاحظ: أنّ ذلك لا يدلُّ على اختلاف فريق الإيتاء وفريق الإنزال في طبيعة الرِّسالة، فلا مانع من أن يكون ما أوتيه إبراهيم وفريقه هو نفسه الّذي أوتيه موسى وعيسى، مع إنزال الوحي على هذا أو ذاك، مع وحدة المضمون الرِّساليِّ في تنوّع الخصائص. وهذا ما يريد الله تأكيده في القرآن من الإيمان بالكتاب كلِّه وبالرُّسل كلِّهم الّذين يلتقون على الخطوط العامّة، حيث يكون الإيمان بأحدهم إيمانًا بالآخر. ‏

‏هذا مع ملاحظةٍ أخرى، وهي أنّ فريق إبراهيم لم يعلم أنّه أُوحي إليه غير ما أُنزل على إبراهيم، ولا سيّما الأسباط الّذين ذُكر أنّ المراد بهم يوسف وإخوته، علمًا أنّ إخوته لم يكونوا أنبياء؛ لأنّ الّذين تآمروا على يوسف لا يمكن أن يكونوا في مستوى النُّبوّة، فيكون الإيتاء لهم باعتبار أنّهم من الأُمّة الّتي يؤتى نبيُّها الرِّسالة الّتي تؤمن بها. ‏

‏والخلاصة: إنّنا لا نرى في اختلاف التّعبير إلاّ التّنوُّع فيه الّذي يمنح الكلام حيويّةً وحركةً مع اتِّحاد الفكرة. ‏

‏ اللّه يكفي نبيّه شرّ المعاندين ‏

{فإِنْ آمنُوا بِمِثْلِ ما آمنْتُمْ بِهِ} ، من الشُّموليّة في الإيمان للأنبياء كلِّهم، وللكتاب كلِّه، {فقدِ اِهْتدوْا} إلى الطّريق الحقِّ الّذي يؤدِّي بهم إلى الجنّة. وربّما كان التّعبير بكلمة «مثل» - مع أنّ المقصود المضمون الإيمانيُّ نفسه بالمحافظة على شخصيّة المحاور الآخر الّذي لا يريد أن يلغي ذاته بالسُّقوط تحت تأثير الآخر - للإيحاء بأنّ المسألة مسألة توافقٍ في الرّأي الواحد بحيث يصدر من كلِّ واحدٍ منهما بشكلٍ مستقلٍّ، على نهج توارد الأفكار أو الخواطر، باعتبار أنّ العقيدة لا بُدّ أن تنطلق من القناعة الذّاتيّة للإنسان بمعزلٍ عن الآخر، وإن كان المضمون العقيديُّ واحدًا. ‏

{و إِنْ تولّوْا} ، وأعرضوا عن الإيمان وأنكروا مضمونه الحقّ وجحدوه، {فإِنّما هُمْ فِي شِقاقٍ} ونزاعٍ، لإثارة الجدال المعقّد الّذي لا يريد أن يصل بالحديث إلى نتيجةٍ حاسمةٍ، بل يريد أن يربك الأجواء بالمزيد من عناصر الفرقة والاختلاف، للإبقاء على خطِّ الكفر من دون أن يتحوّل السّائرون عليه إلى خطِّ الإيمان. {فسيكْفِيكهُمُ اللّهُ} ، ويحميك من شرِّهم، وينصرك عليهم، لتكون كلمتك -الّتي هي كلمة الله - هي العليا، وكلمتهم - الّتي هي كلمة الشّيطان - السُّفلى. {و هُو السّمِيعُ الْعلِيمُ} ، الّذي يسمع أقوالهم ويعلم أعمالهم، فلن يصلوا إليك بسوءٍ ما دمت في حماية الله ورعايته. ‏

‏ صبغة اللّه ‏

{صِبْغة اللّهِ} . إنّه الإيمان الّذي يمنح صاحبه اللّون المميّز، الّذي يطبع الذّات بطابعه في جميع خصائصها، تمامًا كما هو الصِّبغ عندما يطبع الثّوب أو الجسد فيلوِّن كلّ جزئيّاته. ‏

‏وقد قيل في المراد بصبغة الله: ‏

‏ أولاً: إنّه دين الله؛ وقد سُمِّي دين الله بالصِّبغة، على طريقة المشاكلة؛ لما يتحقّق به الانتماء إلى النّصرانيّة بغمس الولد في الماء، فيصير نصرانيًّا بذلك. ‏

‏ ثانيًا: إنّه الفطرة. ‏

‏ ثالثًا: إنّ صبغة الله هي الختان. ‏

‏رابعًا: إنّه حجّة الله. وقيل: إنّه سُنّة الله‏‏16‏. ‏

‏ومن الواضح أنّ الظّاهر من حديث الآية السّابقة عن الايمان أنّ صبغة الله بيانٌ لهذا الإيمان، وهو يلتقي بالمعنى الأوّل؛ لأنّ الإيمان يدخل في دين المرء. والله العالم. ‏

{و منْ أحْسنُ مِن اللّهِ صِبْغةً} ؛ لأنّه الخالق الّذي يعطي الإنسان وجوده ويمنحه أفضل الامتيازات المعنويّة والرُّوحيّة الّتي تمنحه حسنًا وإشراقًا. {و نحْنُ لهُ عابِدُون} ، وسائرون على النّهج الّذي أرادنا أن ننهجه في الحياة في تأكيد معنى عبوديّتنا له الّتي هي سرُّ التّوحيد والفطرة الّتي تنطلق في الذّات بالإسلام في جميع إيحاءاتها وألوانها، وذلك خلافًا لمن يرون الصِّباغ أمرًا مادِّيًّا، كما هي المعموديّة لدى النّصارى، في دخول الإنسان في دين الله. ‏

‏ ميزان القرب إلى اللّه ‏

{قُلْ أ تُحاجُّوننا فِي اللّهِ} ، لأنّكم الأقرب إليه دوننا؛ بزعم أنّكم شعب الله المختار، أو أبناء الله وأحبّاؤه، أو لأنّ لكم إلهًا يختلف عن إلهنا؟! وكلُّ ذلك باطلٌ. {و هُو ربُّنا و ربُّكُمْ} ، فهو ربُّ العالمين جميعًا، لا فرق في موقع ربوبيّته بين إنسانٍ وآخر، ولا ميزة لأحدٍ على أحدٍ إلاّ بالأعمال. وهو الّذي يحدِّد للنّاس وظائفهم ومهمّاتهم ومسؤوليّاتهم في تدبير أمورهم وأمور من حولهم وما حولهم. {و لنا أعْمالُنا و لكُمْ أعْمالُكُمْ} ؛ فهي الّتي تحدِّد لكلٍّ منّا موقعه منه وقربه إليه، {و نحْنُ لهُ مُخْلِصُون} في إيماننا به وتوحيدنا له وعبادتنا إيّاه. وهذا ما يجعلنا في الخطِّ المستقيم الّذي أرشدنا إليه وهدانا له. ‏

{أمْ تقُولُون إِنّ إِبْراهِيم و إِسْماعِيل و إِسْحاق و يعْقُوب و الْأسْباط كانُوا هُوداً أوْ نصار كان الرّمز العظيم للقاعدة الرِّساليّة الممتدّة في حركة الرُّسل والرِّسالات؛ لتحصلوا على غطاءٍ رساليٍّ لانحرافاتكم الفكريّة والعمليّة. ‏

{قُلْ أ أنْتُمْ أعْلمُ أمِ اللّهُ} ، وقد أخبركم بأنّ التّوراة والإنجيل اللّذين تنتمي إليهما اليهوديّة والنّصرانيّة قد أُنزلا مِنْ بعده، فكيف يكون انتماء إبراهيم إليهما من خلال الصِّفتين اللّتين تلصقونهما به، وذلك هو قوله تعالى: {يا أهْل الْكِتابِ لِم تُحاجُّون فِي إِبْراهِيم و ما أُنْزِلتِ التّوْراةُ و الْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بعْدِهِ أ فلا تعْقِلُون} [آل عمران: 65]. وهذا الاستفهام للتّوبيخ لا للحقيقة؛ إذ لا معنى لها في الموضوع، فوزانه وزان قوله تعالى: {أ أنْتُمْ أشدُّ خلْقاً أمِ السّماءُ بناها} [النّازعات: 27]. ‏

‏ومعناه - كما يقول صاحب (مجمع البيان) -: «قل يا محمّد لهم: أأنتم أعلم أم الله؟! وقد أخبر سبحانه أنّهم كانوا على الحنيفيّة، وزعمتم أنّهم كانوا هودًا أو نصارى، فيلزمكم أن تدّعوا أنّكم أعلم من الله، وهذا غاية الخزي»‏17‏. ‏

‏ كتمان الشّهادة ظلمٌ وبهتانٌ ‏

{و منْ أظْلمُ مِمّنْ كتم شهادةً عِنْدهُ مِن اللّهِ} ، ممّا يعلمه من شؤون الرُّسل والرِّسالات؛ لأنّ ذلك يؤدِّي إلى تشويه الحقيقة، وتزييف الواقع، وإيقاع النّاس في الضّلال، وهو من أبشع أنواع الظُّلم؛ لأنّه يسلب الإنسان حقّه في وعي الحقيقة الرِّساليّة الّتي تتوقّف عليها استقامة الإنسان في حياته، {و ما اللّهُ بِغافِلٍ عمّا تعْملُون} ، من كلِّ هذه الانحرافات الفكريّة والعمليّة، فيحاسبكم عليها تبعًا للنّتائج السّلبيّة الّتي تترتّب عليها في حياتهم وحياة النّاس من حولهم. ‏

{تِلْك أُمّةٌ قدْ خلتْ لها ما كسبتْ} من أعمالها الّتي تتحمّل مسؤوليّاتها، {و لكُمْ ما كسبْتُمْ} من أعمالكم الّتي تواجهون حساباتها يوم القيامة، {و لا تُسْئلُون عمّا كانُوا يعْملُون} ؛ فإنّ القاعدة الإسلاميّة، تفرض المسؤوليّة الفرديّة في حركة الإنسان، كما جاء في قوله تعالى: {ألاّ تزِرُ وازِرةٌ وِزْر أُخْرى‏*`و أنْ ليْس لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سعى‏} [النّجم: 38- 39]. ‏

‏وقد كرّر الله تعالى الآية ليؤكِّد - بعد كلِّ قصّةٍ من قصص التّاريخ - هذه الحقيقة الحضاريّة القائمة على خطِّ التّوازن العمليِّ في مضمون العدل الإلهيِّ في حياة الإنسان؛ ليمنع الإنسان من الاستغراق في كهوف الماضي وفي خلافاته، لتكون حياته انفتاحًا على مسؤوليّة الحاضر والمستقبل اللّذين يصنعهما بفكره وعمله في دوره في بناء الحياة على أساسٍ متين. ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏1.‏‏انظر: أحمد بن حنبل (ت 241 هـ-)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت - لبنان، ج 1، ص‏236.‏

‏2.‏‏انظر: الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 402.‏

‏3.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 404.‏

‏4.‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 264.‏

‏5.‏‏م. ن، ص 437.‏

‏6.‏‏الزّمخشري، الكشّاف، م. س، ج 1، ص 315.‏‎P‎‏}

‏7.‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 1، ص 794. ‏

‏8.‏‏الزّمخشري، م. ن، ص 316. ‏

‏9.‏‏الشّيخ الطّبرسي، م. ن، ص 407. ‏

‏10.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 408.‏

‏11.‏‏م. ن.‏

‏12.‏‏طمُّ الشعر: جزُّه. وطمّ شعره أيضًا: إذا عقصه.‏

‏13.‏‏القمِّي، تفسير القمِّي، م. س، ج 1، ص 59. والملاحظ أنّ الحرُّ العاملي، الشّيخ محمد بن الحسن (ت‏1104 هـ-)، في: تفصيل وسائل الشِّيعة إلى تحصيل مسائل الشّريعة، ط 2، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التُّراث، قم - إيران، 1414 هـ-، ج 2، ص 117، باب 67 من أبواب كتاب الطّهارة، ح‏5، يذكر أنّ هذا الحديث ينقله صاحب مجمع البيان عن تفسير القمِّي عن الإمام الصّادق عليه السلام . ولكنّ مراجعة كلا التّفسيرين تدلُّ على خلاف ذلك؛ إذ لم يُنسب الحديث فيهما إلى الصّادق عليه السلام . واللاّفت للنّظر أكثر أنّ السّيِّد البروجرديِّ، حسين الطّباطبائي (ت 1383 هـ-)، في: جامع أحاديث الشِّيعة، المطبعة العلميّة، قم - إيران، 1399 هـ-، ج 16، ص 608، ح 5، نقل هذا الحديث عن تفسير القمِّي عن الباقر لا عن الصّادق عليهما السلام . ومراجعة تفسير القمِّي إلى ثلاث صفحات قبل الصّفحة الّتي هي مصدر هذا المضمون قد تؤيِّد ذلك. ‏

‏14.‏‏العيّاشي، تفسير العيّاشي، م. س، ج 1، ص 388، ح 143.‏

‏15.‏‏السّيِّد الطّباطبائي، الميزان، م. س، ج 1، ص 311 - 312.‏

‏16.‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 1، ص 793 - 794. الثعلبي، أحمد بن محمد بن إبراهيم (ت‏427 هـ-)، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ط 1، تحقيق الإمام أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التُّراث العربي، بيروت - لبنان، 1422 هـ- - 2002 م، ج 2، ص 5 - 6. الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 408‏‏.‏

‏17.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 411.‏

‎ ‎

‏ ‏

‏ معاني المفردات ‏

{ هُوداً } : يهودًا. ‏

{ حنِيفاً } : الحنف: هو ميلٌ عن الضّلال إلى الاستقامة، والجنف ميلٌ عن الاستقامة إلى الضّلال. وتحنّف فلانٌ، أي: تحرّى طريق الاستقامة. والحنيف: المائل من كلِّ دينٍ باطلٍ إلى دين الحقِّ، فهو المخلص الّذي أسلم لأمر الله، فلم يلتوِ في شي‏ءٍ من دينه، بل ثبت على الدِّين المستقيم. والحنيفيّة هي الاستقامة على دين إبراهيم. وفي الحديث: أحبُّ الأديان إلى الله تعالى الحنيفيّة السّمحة‏1‏، وهي ملّة النّبيِّ صلى الله عليه وآله ‏‏وسلم،‏‏ لا حرج فيها ولا ضيق‏‏2‏. ‏

{و الْأسْباطِ} : واحدهم سبط، وهو ولد الولد. والمراد بهم - هنا - أولاد إسرائيل، وهو يعقوب، وهم اثنا عشر سبطًا من اثني عشر ابنًا. قال الزّجّاج: «السِّبط: الجماعة يرجعون إلى أبٍ واحد. والسِّبط في اللُّغة: الشّجر. فالسِّبط: الّذين هم من شجرةٍ واحدةٍ»‏3‏. ‏

{ شِقاقٍ } : الشِّقاق: المنازعة والمخالفة والمناوأة والمعاندة. ويحتمل أن يكون أصله مأخوذًا من الشِّقِّ؛ لأنّه صار في شقٍّ غير شقِّ صاحبه، للعداوة والمباينة، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من المشقّة. وقال الرّاغب: «الشِّقاق: المخالفة وكونك في شقٍّ غير شقِّ صاحبك، أو من شقِّ العصا بينك وبينه»‏4‏. ‏

{فسيكْفِيكهُمُ اللّهُ} : سيحميك منهم، ويكفُّ عنك كيدهم وأذاهم، ويجعلك في غنًى عنهم. قال الرّاغب: «الكفاية: ما فيه سدُّ الخلّة وبلوغ المراد في الأمر»‏5‏ . وقال الزّمخشريُّ: «ضمانٌ من الله لإظهار رسول‏‏ ‏‏‏الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم... ومعنى السِّين أنّ ذلك كائنٌ لا محالة وإن تأخّر إلى حين»‏6‏. ‏

{صِبْغة اللّهِ} : الصِّبغة: ما يُصبغ به الثّوب، أو هي الهيئة والحالة الّتي يكون عليها الصِّبغ؛ ولهذا فإنّ المقصود من: {صِبْغة اللّهِ} الإيمان أو الإسلام أو شريعة الله، وقيل: فطرة الله‏‏7‏ . وقال الزّمخشريُّ: «والأصل فيه أنّ النّصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماءٍ أصفر يسمُّونه: المعموديّة، ويقولون: هو تطهيرٌ لهم، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: الآن صار نصرانيًّا حقًّا»‏8‏. ومثل ذلك قال الطّبرسيُّ، ونسبه إلى الفرّاء‏9‏. ‏

‏ ‏

{أ تُحاجُّوننا} : الحجاج والجدال والخصام نظائر - كما في (مجمع البيان)‏10‏ ‏‏ -. ‏

{ أعْمالُنا } : الأعمال والأحداث والأفعال نظائر - كما في (مجمع البيان)‏11‏ -. ‏

‏ ‏

‏ أهل الكتاب وملّة إبراهيم ‏

‏في هذا الفصل من السُّورة، يلتفت القرآن إلى تحديد الخطِّ المستقيم الّذي أراد الله للحياة أن تسير فيه في العقيدة والعمل، ويشجب الخطوط المتعرِّجة المنحرفة في صعيد الواقع الّذي يسير عليه النّاس. ‏

‏فقد واجه هؤلاء الّذين ينغلقون على أنفسهم ليجعلوا من الدِّين انتماءً فئويًّا لا ينفتح إلاّ على جماعةٍ معيّنةٍ وأُفُقٍ ضيِّقٍ، فكانوا يقولون للنّاس إنّ طريق الهدى لا يتّسع لغير اليهود - في ما يقوله اليهود -، أو لا يتّسع لغير النّصارى -في ما يقوله النّصارى -. ‏

‏وكان الجواب: إنّ طريق الحقِّ أوسع من ذلك، فإذا كان اليهود والنّصارى يؤمنون بإبراهيم وملّته، فإنّ ملّة إبراهيم هي الملّة الّتي تلتقي عليها كلُّ الخطوط؛ باعتبارها تمثِّل خطّ التّوحيد الخالص الّذي يستوعب كلّ الرِّسالات ويحتضن كلّ الأنبياء، فلا يضيق عن أحدٍ، ولا ينغلق على فئةٍ، وهو الدِّين الحقُّ الّذي يهتدي المؤمنون به. أمّا الّذين يُعرضون عنه، فهم الّذين لا يريدون للحياة أن تهدأ وتطمئنّ وتسير في الطّريق المستقيم، بل يثيرون فيها الشِّقاق والخصام الّذي لا ينتهي إلى أيّة نتيجةٍ ممّا يحاولونه من الأهداف الشِّرِّيرة، مهما عملوا ومهما امتدُّوا في أساليبهم؛ لأنّ الله سيتكفّل بهم في الدُّنيا والآخرة، فقد وعد نبيّه بأنّه سيكفيه عدوانهم وشرّهم، وهو السّميع لكلِّ ما يُفيضون فيه من قولٍ وما يثيرونه من مشاكل، وهو العليم بسرِّهم وعلانيتهم. ‏

‏ويُلاحظ في هذه الآيات: أنّ القرآن يعتبر القياس في صحّة سلوكهم هو انسجامهم مع ملّة إبراهيم؛ باعتبار أنّ رسالتي موسى وعيسى كانتا سائرتين في هذا الاتِّجاه، فإذا كان هناك انحرافٌ عنهما، فمعنى ذلك أنّهم يسيرون على غير هدى هاتين الرِّسالتين. ‏

‏ثمّ يعود الحديث عن الإسلام باعتباره الصِّفة الّتي لا تعادلها صفةٌ، والميزة الّتي لا تقاربها ميزةٌ، في ما تشتمل عليه من المعاني الكبيرة الّتي ترفع مستوى الإنسان في الدُّنيا والآخرة؛ لأنّها تمثِّل خطّ العبادة لله سبحانه في أصدق معانيها وأوضح خطوطها، في استقامةٍ وإيمان. ثمّ يواجههم بالحقيقة الّتي أرادوا أن يتهرّبوا منها، وهي أنّ الله لا يكون لجماعةٍ دون جماعةٍ، ولا لشعبٍ دون شعب، بل الخلق كلُّهم متساوون أمامه في عبوديّتهم له وربوبيّته لهم، فلا معنى لمحاجّتهم في الله على أساس ما يزعمونه من العلاقة الخاصّة الّتي تربطهم به وتشدُّهم إليه، في ما يعبِّرون عنه بأنّهم «شعب الله المختار»، وفي ما يتخيّلونه من أنّ الطّريق إليه لا بُدّ من أن تمرّ بهم، فهو {ربُّنا و ربُّكُمْ}. ‏

‏وفي هذا الاتِّجاه تتحرّك الحقيقة الثّانية من خلال الحقيقة الأولى، وهي أنّ الأعمال هي القاعدة الّتي ترتكز عليها العلاقة القويّة بين العبد وربِّه، ليواجه فيها الإنسان مسؤوليّته أمام الله من خلالها من دون أن يتحمّل أحدٌ مسؤوليّة أحدٍ في عمله، فلكلٍّ عملُه، ولكلٍّ مسؤوليّته في هذا الاتِّجاه، {و لنا أعْمالُنا و لكُمْ أعْمالُكُمْ} . ‏

‏ثمّ يحدِّد الموقف الحقّ الّذي يلتزم به المسلمون كطابعٍ بارزٍ للشّخصيّة الّتي تتميّز بالإخلاص لله في النِّيّة والعمل. ‏

‏ويعود الحديث من جديدٍ إلى شخصيّة إبراهيم، فاليهود يعتبرون - أو هكذا يوحي أسلوبهم العمليُّ - بأنّ إبراهيم كان يهوديًّا، والنّصارى يعتبرون -أو هكذا يوحي أسلوبهم العمليُّ - أنّ إبراهيم كان نصرانيًّا. ويحسم القرآن الموقف بإثارة التّساؤل في معرض الإنكار، فينفذ إلى مواجهة معلوماتهم عن إبراهيم: هل أنتم أعلم أم الله؟! ومن البديهيِّ أنّهم لا يستطيعون إلاّ الإقرار بأنّ الله أعلم، من خلال إيمانهم الّذي يزعمون. وفي هذا الجوِّ يتحرّك الموقف من حركة الرِّسالة في الحوار، ليوحي بأنّ الله قد عرّفنا، بما لا يقترب منه الشّكُّ، أنّ إبراهيم لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، بل كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين. ‏

‏ثمّ يواجههم بالحقيقة الصّارخة، وهي أنّهم يعرفون ذلك تمام المعرفة، ولكنّهم يكتمون هذه المعرفة ويمتنعون عن أداء الشّهادة. وهذا يُعتبر من أشدِّ أنواع الظُّلم؛ لأنّه تمرُّدٌ على الله، وظلمٌ للحقيقة، واعتداءٌ على النّاس وعلى الحياة. ‏

‏ثمّ يختم الآية بما يشبه التّهديد، فإنّ الله ليس بغافلٍ عمّا يعملون، فهو الرّقيب عليهم في الدُّنيا، والحاكم عليهم في يوم القيامة. ‏

‏وتصل القصّة إلى نهايتها، لتواجه المسلمين بالفكرة الأساسيّة الّتي يتحرّك في نطاقها التّاريخ في حياة النّاس، فإنّ التّاريخ لا يحمِّل الفئات اللاّحقة مسؤوليّة الفئات الّتي عاشت فيه، كما أنّ الفئات السّابقة لا تتحمّل وزر الفئات اللاّحقة؛ لأنّ المسؤوليّة لا تتحرّك إلاّ في المجال الّذي يتحرّك فيه العمل، وتنطلق معه الحياة. أمّا التّاريخ، فهو كتاب الحياة الّذي يحمل الدُّروس والعبر من جيلٍ لآخر، لتعيش الأجيال الفكرة الحقّة من خلال تجاربها وتجارب الآخرين في السّير الواعي لحركة الحضارات. ‏

‏ ملّة إبراهيم سبيل الهدى ‏

{ و قالُوا } أي: اليهود والنّصارى: {كُونُوا هُوداً أوْ نصارى‏ تهْتدُوا} . لقد انطلق كلُّ فريقٍ من أتباع هذين الدِّينين ليؤكِّد صحّة دينه في مقابل الإسلام الّذي دخل فيه النّاس، على أساس أنّ اليهوديّة، من وجهة نظر اليهود، والنّصرانيّة، من وجهة نظر النّصارى، هي الوسيلة الوحيدة الّتي تقود إلى الهدى في قضايا الدُّنيا والآخرة؛ انطلاقًا من دعواهم بأنّهم هم الّذين يمثِّلون شريعة إبراهيم عليه السلام في خصوصيّاتهم العقيديّة والشّرعيّة والأخلاقيّة الّتي أصبحت جزءًا من هذا الدِّين أو ذاك، ممّا يختلف عن خصوصيّات الدِّين الإسلاميِّ الّذي جاء به النّبيُّ محمّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم . ‏

{ قُلْ } يا محمّد، أو من يقف مثل هذا الموقف في ساحة المواجهة من المسلمين: {بلْ مِلّة إِبْراهِيم حنِيفاً} الّتي تمثِّل الملّة المستقيمة على منهج الله في امتداد وحيه، المائلة عن كلِّ الاتِّجاهات الباطلة من الأديان المنحرفة بسبب الأهواء والأغراض والأطماع الإنسانيّة، ومن المبادئ الّتي أبدعها الإنسان من فكره الذّاتيِّ وتجربته الشّخصيّة، ممّا لا علاقة له بالله ورسله. ‏

‏وقد اختلف المفسِّرون في تفسير «الحنيفيّة» الّتي هي {مِلّة إِبْراهِيم} ، وذلك في خمسة اتِّجاهات: ‏

‏ 1 - إنّها أمورٌ محصورةٌ في دائرة تشريعٍ معيّنٍ. ‏

‏ 2 - إنّها حجُّ البيت، كما عن ابن عبّاس والحسن ومجاهد. ‏

‏ 3 - إنّها الطّهارة. وقد ورد في هذا الحديث عن الامام محمّد الباقر عليه السلام ، قال: «ثمّ أنزل عليه الحنيفيّة، وهي الطّهارة. وهي عشرة أشياء: خمسة منها في الرّأس، وخمسة منها في البدن، فأمّا الّتي في الرّأس فأخذ الشّارب، وإعفاء اللِّحى، وطمُّ الشّعر‏12‏، والسِّواك والخلال. وأمّا الّتي في البدن، فحلق الشّعر من البدن، والختان، وتقليم الأظفار، والغسل من الجنابة، والطّهور بالماء. فهذه الحنيفيّة الطّاهرة الّتي جاء بها إبراهيم عليه السلام ، فلم تُنسخ ولا تُنسخ إلى يوم القيامة»‏13‏. ‏

‏ 4 - إنّ الحنيفيّة تتّسع لأيِّ موقعٍ يمثِّل اتِّباع الحقِّ، أو ينفتح على الإخلاص لله وحده، في الإقرار بالرُّبوبيّة والإذعان بالعبوديّة، ممّا يختزن في داخل مفهومه كلّ المفردات الّتي تفرضها حركة العبوديّة في الإنسان أمام الرُّبوبيّة الإلهيّة. ‏

‏ 5 - إنّها تتّسع لكلِّ الشّريعة الّتي جاء بها إبراهيم عليه السلام ، ممّا يتّصل بالحياة الرُّوحيّة العقيديّة أو الحياة العمليّة السُّلوكيّة. وقد جاء عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام : «ما أبقت الحنيفيّة شيئًا، حتّى أنّ منها قصّ الأظفار، وأخذ الشّارب، والختان»‏14‏ . ‏

‏والظّاهر أنّ القول الأخير هو الأقرب؛ باعتبار أنّ إبراهيم عليه السلام من أُولي العزم، والمفروض شمول رسالته لكلِّ المجتمع الّذي عاش فيه، وهي ممتدّةٌ أيضًا من بعده كما أشرنا إلى ذلك في حديثنا عن إمامة إبراهيم عليه السلام . وما يؤيِّد ذلك هو قوله تعالى: {مِلّة أبِيكُمْ إِبْراهِيم هُو سمّاكُمُ الْمُسْلِمِين مِنْ قبْلُ} [الحجّ: 78]. والله العالم. ‏

‏وهكذا يريد الله للنّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤكِّد لهؤلاء أنّ ملّة إبراهيم الحنيفيّة هي الملّة الجامعة الّتي تمثِّل الخطّ العريض المستقيم للهدى، فمن اتّبعها اهتدى. وليس الهدى بالأهواء والخصوصيّات الذّاتيّة أو الفئويّة الّتي تؤدِّي إلى التّفسيرات والتّأويلات والتّخييلات الّتي تتحوّل إلى طوائف ومذاهب؛ فقد أنزل الله على إبراهيم عليه السلام رسالته التّوحيديّة الّتي تعبِّر عن توحيد الله في كلِّ شي‏ءٍ، في العقيدة والشّريعة والعبادة والحياة، ممّا فصّله الأنبياء من بعده من خلال وحي الله الّذي يعطي كلّ مرحلةٍ حاجاتها، الّتي مهما تنوّعت، فإنّها تلتقي على التّوحيد الّذي آمن به إبراهيم عليه السلام . ‏

{و ما كان مِن الْمُشْرِكِين} ، فلا مجال لكلِّ هذه الزّوائد الّتي استحدثوها ممّا قد يلتقي بالشِّرك من قريبٍ أو من بعيدٍ، فإنّ كلّ ما عدا الله ممّا يلتزمه النّاس هو عنوانٌ من عناوين الشِّرك. ‏

‏ المسلم مؤمنٌ بكلِّ رسالات اللّه‏

{ قُولُوا } أيُّها المسلمون لكلِّ الّذين يجادلونكم في الدِّين: {آمنّا بِاللّهِ و ما أُنْزِل إِليْنا و ما أُنْزِل إِلى‏ إِبْراهِيم و إِسْماعِيل و إِسْحاق و يعْقُوب و الْأسْباطِ} ، فنحن نؤمن بالله الواحد، ونؤمن بكلِّ ما أُنزل إلينا وإلى هؤلاء، {و ما أُوتِي مُوسى‏ و عِيسى‏} من التّوراة والإنجيل، {و ما أُوتِي النّبِيُّون مِنْ ربِّهِمْ} ممّا أنزله الله عليهم وكلّفهم به، {لا نُفرِّقُ بيْن أحدٍ مِنْهُمْ} ؛ لأنّنا نؤمن بالرُّسل كلِّهم مهما اختلفت خصوصيّاتهم ومراحلهم، كما نؤمن بالكتاب كلِّه مهما تنوّعت آياته، {و نحْنُ لهُ مُسْلِمُون} ، فإنّنا نسلم إلى الله كلّ حياتنا وكلّ أمورنا؛ لأنّ الإسلام هو دين الله في كلِّ مواقعه في حركة الرُّسل في التّاريخ. ‏

‏ولنا في التّعليق على هذه الآية كلمتان: ‏

‏الآية أسلوبٌ للحوار‏

‏ الكلمة الأولى: إنّ هذه الآية تمثِّل أنموذجًا لأسلوب الحوار في الإسلام، وخلاصته البحث عن مواطن اللِّقاء في بداية الحديث، من أجل الإيحاء بوجود قاعدةٍ مشتركةٍ للفكر المتنوِّع، وأرضٍ مشتركةٍ للموقف المتعدِّد؛ ما يوحي للآخر بأنّك إذا اختلفت معه في إيمانك بما أُنزل إليك من القرآن، فإنّك لن تختلف معه في إيمانك بما يؤمن به - من ناحية المبدأ - من التّوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، وتعاليم النُّبوّات المشتركة بين الأديان، من خلال الأنبياء الّذين يلتقون على رسالات الله، فيلتقي المؤمنون على الإيمان بهم. ‏

‏وهذا الأسلوب من أوضح الأساليب وأكثرها حكمةً وانفتاحًا؛ لأنّه يخلق جوًّا نفسيًّا ملائمًا يؤدِّي إلى حالةٍ حواريّةٍ حميمةٍ تفتح العقل من خلال النّافذة المطلّة على القلب؛ باعتبار أنّ أقرب طريق إلى عقل الإنسان هو الطّريق الّذي يؤدِّي إلى قلبه؛ لأنّه إذا أحبّك أحبّ فكرك، وإذا انفتح عليك، من النّاحية الشُّعوريّة، انفتح عليك من النّاحية العقليّة. ‏

‏ولعلّ مشكلة الكثيرين من النّاس أنّهم يركِّزون على مواقع الخلاف الّتي تغلق القلوب، بدلاً من مواقع الوفاق الّتي تفتحها؛ لأنّهم لا يعيشون المحبّة للآخرين في الرِّسالة، بل ينطلقون بها من موقع العقدة والحقد والانفعال، حتّى أعطوا الحقد -الّذي لا قداسة له - معنى القداسة. ‏

‏ الفرق بين الإنزال والإيتاء ‏

‏ الكلمة الثّانية: إنّ هناك اختلافًا في التّعبير في الآية، فقد عبّر عمّا عندنا وعمّا عند إبراهيم وإسحاق ويعقوب بالإنزال، وعمّا عند موسى وعيسى والنّبيِّين بالإيتاء، وهو الإعطاء، كما أشار إلى ذلك في تفسير (الميزان)، فهل هناك نكتةٌ في ذلك؟ ‏

‏يذكر العلاّمة الطّباطبائيُّ رحمه الله أنّ النِّكتة هي أنّه «لمّا كان كلٌّ من اليهود والنّصارى يعدُّون إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من أهل ملّتهم، فاليهود من اليهود، والنّصارى من النّصارى، واعتقادهم أنّ الملّة الحقّ من النّصرانيّة أو اليهوديّة هي ما أوتيه موسى وعيسى، فلو كان قيل: وما أوتي إبراهيم وإسماعيل، لم يكن بصريحٍ في كونهم بأشخاصهم صاحب [أصحاب‏] ملّةٍ بالوحي والإنزال، واحتمل أن يكون ما أوتوه هو الّذي أوتيه موسى وعيسى عليهما السلام نُسب إليهم بحكم التّبعيّة، كما نُسب إيتاؤه إلى بني إسرائيل؛ فلذلك خصّ إبراهيم ومن عطف عليه باستعمال لفظ الإنزال، وأمّا النّبيُّون قبل إبراهيم فليس لهم فيهم كلام حتّى يوهم قوله: وما أوتي النّبيُّون شيئًا يجب دفعه»‏15‏ . ‏

‏وخلاصة الفكرة هي أنّ المطلوب هو بيان استقلاليّة إبراهيم ومنْ بعده عن موسى وعيسى، ما يفرض اختلاف التّعبير الّذي يوحي بتعدُّد المواقع. ‏

‏ولكنّنا نلاحظ: أنّ ذلك لا يدلُّ على اختلاف فريق الإيتاء وفريق الإنزال في طبيعة الرِّسالة، فلا مانع من أن يكون ما أوتيه إبراهيم وفريقه هو نفسه الّذي أوتيه موسى وعيسى، مع إنزال الوحي على هذا أو ذاك، مع وحدة المضمون الرِّساليِّ في تنوّع الخصائص. وهذا ما يريد الله تأكيده في القرآن من الإيمان بالكتاب كلِّه وبالرُّسل كلِّهم الّذين يلتقون على الخطوط العامّة، حيث يكون الإيمان بأحدهم إيمانًا بالآخر. ‏

‏هذا مع ملاحظةٍ أخرى، وهي أنّ فريق إبراهيم لم يعلم أنّه أُوحي إليه غير ما أُنزل على إبراهيم، ولا سيّما الأسباط الّذين ذُكر أنّ المراد بهم يوسف وإخوته، علمًا أنّ إخوته لم يكونوا أنبياء؛ لأنّ الّذين تآمروا على يوسف لا يمكن أن يكونوا في مستوى النُّبوّة، فيكون الإيتاء لهم باعتبار أنّهم من الأُمّة الّتي يؤتى نبيُّها الرِّسالة الّتي تؤمن بها. ‏

‏والخلاصة: إنّنا لا نرى في اختلاف التّعبير إلاّ التّنوُّع فيه الّذي يمنح الكلام حيويّةً وحركةً مع اتِّحاد الفكرة. ‏

‏ اللّه يكفي نبيّه شرّ المعاندين ‏

{فإِنْ آمنُوا بِمِثْلِ ما آمنْتُمْ بِهِ} ، من الشُّموليّة في الإيمان للأنبياء كلِّهم، وللكتاب كلِّه، {فقدِ اِهْتدوْا} إلى الطّريق الحقِّ الّذي يؤدِّي بهم إلى الجنّة. وربّما كان التّعبير بكلمة «مثل» - مع أنّ المقصود المضمون الإيمانيُّ نفسه بالمحافظة على شخصيّة المحاور الآخر الّذي لا يريد أن يلغي ذاته بالسُّقوط تحت تأثير الآخر - للإيحاء بأنّ المسألة مسألة توافقٍ في الرّأي الواحد بحيث يصدر من كلِّ واحدٍ منهما بشكلٍ مستقلٍّ، على نهج توارد الأفكار أو الخواطر، باعتبار أنّ العقيدة لا بُدّ أن تنطلق من القناعة الذّاتيّة للإنسان بمعزلٍ عن الآخر، وإن كان المضمون العقيديُّ واحدًا. ‏

{و إِنْ تولّوْا} ، وأعرضوا عن الإيمان وأنكروا مضمونه الحقّ وجحدوه، {فإِنّما هُمْ فِي شِقاقٍ} ونزاعٍ، لإثارة الجدال المعقّد الّذي لا يريد أن يصل بالحديث إلى نتيجةٍ حاسمةٍ، بل يريد أن يربك الأجواء بالمزيد من عناصر الفرقة والاختلاف، للإبقاء على خطِّ الكفر من دون أن يتحوّل السّائرون عليه إلى خطِّ الإيمان. {فسيكْفِيكهُمُ اللّهُ} ، ويحميك من شرِّهم، وينصرك عليهم، لتكون كلمتك -الّتي هي كلمة الله - هي العليا، وكلمتهم - الّتي هي كلمة الشّيطان - السُّفلى. {و هُو السّمِيعُ الْعلِيمُ} ، الّذي يسمع أقوالهم ويعلم أعمالهم، فلن يصلوا إليك بسوءٍ ما دمت في حماية الله ورعايته. ‏

‏ صبغة اللّه ‏

{صِبْغة اللّهِ} . إنّه الإيمان الّذي يمنح صاحبه اللّون المميّز، الّذي يطبع الذّات بطابعه في جميع خصائصها، تمامًا كما هو الصِّبغ عندما يطبع الثّوب أو الجسد فيلوِّن كلّ جزئيّاته. ‏

‏وقد قيل في المراد بصبغة الله: ‏

‏ أولاً: إنّه دين الله؛ وقد سُمِّي دين الله بالصِّبغة، على طريقة المشاكلة؛ لما يتحقّق به الانتماء إلى النّصرانيّة بغمس الولد في الماء، فيصير نصرانيًّا بذلك. ‏

‏ ثانيًا: إنّه الفطرة. ‏

‏ ثالثًا: إنّ صبغة الله هي الختان. ‏

‏رابعًا: إنّه حجّة الله. وقيل: إنّه سُنّة الله‏‏16‏. ‏

‏ومن الواضح أنّ الظّاهر من حديث الآية السّابقة عن الايمان أنّ صبغة الله بيانٌ لهذا الإيمان، وهو يلتقي بالمعنى الأوّل؛ لأنّ الإيمان يدخل في دين المرء. والله العالم. ‏

{و منْ أحْسنُ مِن اللّهِ صِبْغةً} ؛ لأنّه الخالق الّذي يعطي الإنسان وجوده ويمنحه أفضل الامتيازات المعنويّة والرُّوحيّة الّتي تمنحه حسنًا وإشراقًا. {و نحْنُ لهُ عابِدُون} ، وسائرون على النّهج الّذي أرادنا أن ننهجه في الحياة في تأكيد معنى عبوديّتنا له الّتي هي سرُّ التّوحيد والفطرة الّتي تنطلق في الذّات بالإسلام في جميع إيحاءاتها وألوانها، وذلك خلافًا لمن يرون الصِّباغ أمرًا مادِّيًّا، كما هي المعموديّة لدى النّصارى، في دخول الإنسان في دين الله. ‏

‏ ميزان القرب إلى اللّه ‏

{قُلْ أ تُحاجُّوننا فِي اللّهِ} ، لأنّكم الأقرب إليه دوننا؛ بزعم أنّكم شعب الله المختار، أو أبناء الله وأحبّاؤه، أو لأنّ لكم إلهًا يختلف عن إلهنا؟! وكلُّ ذلك باطلٌ. {و هُو ربُّنا و ربُّكُمْ} ، فهو ربُّ العالمين جميعًا، لا فرق في موقع ربوبيّته بين إنسانٍ وآخر، ولا ميزة لأحدٍ على أحدٍ إلاّ بالأعمال. وهو الّذي يحدِّد للنّاس وظائفهم ومهمّاتهم ومسؤوليّاتهم في تدبير أمورهم وأمور من حولهم وما حولهم. {و لنا أعْمالُنا و لكُمْ أعْمالُكُمْ} ؛ فهي الّتي تحدِّد لكلٍّ منّا موقعه منه وقربه إليه، {و نحْنُ لهُ مُخْلِصُون} في إيماننا به وتوحيدنا له وعبادتنا إيّاه. وهذا ما يجعلنا في الخطِّ المستقيم الّذي أرشدنا إليه وهدانا له. ‏

{أمْ تقُولُون إِنّ إِبْراهِيم و إِسْماعِيل و إِسْحاق و يعْقُوب و الْأسْباط كانُوا هُوداً أوْ نصار كان الرّمز العظيم للقاعدة الرِّساليّة الممتدّة في حركة الرُّسل والرِّسالات؛ لتحصلوا على غطاءٍ رساليٍّ لانحرافاتكم الفكريّة والعمليّة. ‏

{قُلْ أ أنْتُمْ أعْلمُ أمِ اللّهُ} ، وقد أخبركم بأنّ التّوراة والإنجيل اللّذين تنتمي إليهما اليهوديّة والنّصرانيّة قد أُنزلا مِنْ بعده، فكيف يكون انتماء إبراهيم إليهما من خلال الصِّفتين اللّتين تلصقونهما به، وذلك هو قوله تعالى: {يا أهْل الْكِتابِ لِم تُحاجُّون فِي إِبْراهِيم و ما أُنْزِلتِ التّوْراةُ و الْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بعْدِهِ أ فلا تعْقِلُون} [آل عمران: 65]. وهذا الاستفهام للتّوبيخ لا للحقيقة؛ إذ لا معنى لها في الموضوع، فوزانه وزان قوله تعالى: {أ أنْتُمْ أشدُّ خلْقاً أمِ السّماءُ بناها} [النّازعات: 27]. ‏

‏ومعناه - كما يقول صاحب (مجمع البيان) -: «قل يا محمّد لهم: أأنتم أعلم أم الله؟! وقد أخبر سبحانه أنّهم كانوا على الحنيفيّة، وزعمتم أنّهم كانوا هودًا أو نصارى، فيلزمكم أن تدّعوا أنّكم أعلم من الله، وهذا غاية الخزي»‏17‏. ‏

‏ كتمان الشّهادة ظلمٌ وبهتانٌ ‏

{و منْ أظْلمُ مِمّنْ كتم شهادةً عِنْدهُ مِن اللّهِ} ، ممّا يعلمه من شؤون الرُّسل والرِّسالات؛ لأنّ ذلك يؤدِّي إلى تشويه الحقيقة، وتزييف الواقع، وإيقاع النّاس في الضّلال، وهو من أبشع أنواع الظُّلم؛ لأنّه يسلب الإنسان حقّه في وعي الحقيقة الرِّساليّة الّتي تتوقّف عليها استقامة الإنسان في حياته، {و ما اللّهُ بِغافِلٍ عمّا تعْملُون} ، من كلِّ هذه الانحرافات الفكريّة والعمليّة، فيحاسبكم عليها تبعًا للنّتائج السّلبيّة الّتي تترتّب عليها في حياتهم وحياة النّاس من حولهم. ‏

{تِلْك أُمّةٌ قدْ خلتْ لها ما كسبتْ} من أعمالها الّتي تتحمّل مسؤوليّاتها، {و لكُمْ ما كسبْتُمْ} من أعمالكم الّتي تواجهون حساباتها يوم القيامة، {و لا تُسْئلُون عمّا كانُوا يعْملُون} ؛ فإنّ القاعدة الإسلاميّة، تفرض المسؤوليّة الفرديّة في حركة الإنسان، كما جاء في قوله تعالى: {ألاّ تزِرُ وازِرةٌ وِزْر أُخْرى‏*`و أنْ ليْس لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سعى‏} [النّجم: 38- 39]. ‏

‏وقد كرّر الله تعالى الآية ليؤكِّد - بعد كلِّ قصّةٍ من قصص التّاريخ - هذه الحقيقة الحضاريّة القائمة على خطِّ التّوازن العمليِّ في مضمون العدل الإلهيِّ في حياة الإنسان؛ ليمنع الإنسان من الاستغراق في كهوف الماضي وفي خلافاته، لتكون حياته انفتاحًا على مسؤوليّة الحاضر والمستقبل اللّذين يصنعهما بفكره وعمله في دوره في بناء الحياة على أساسٍ متين. ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏1.‏‏انظر: أحمد بن حنبل (ت 241 هـ-)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت - لبنان، ج 1، ص‏236.‏

‏2.‏‏انظر: الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 402.‏

‏3.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 404.‏

‏4.‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 264.‏

‏5.‏‏م. ن، ص 437.‏

‏6.‏‏الزّمخشري، الكشّاف، م. س، ج 1، ص 315.‏‎P‎‏}

‏7.‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 1، ص 794. ‏

‏8.‏‏الزّمخشري، م. ن، ص 316. ‏

‏9.‏‏الشّيخ الطّبرسي، م. ن، ص 407. ‏

‏10.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 408.‏

‏11.‏‏م. ن.‏

‏12.‏‏طمُّ الشعر: جزُّه. وطمّ شعره أيضًا: إذا عقصه.‏

‏13.‏‏القمِّي، تفسير القمِّي، م. س، ج 1، ص 59. والملاحظ أنّ الحرُّ العاملي، الشّيخ محمد بن الحسن (ت‏1104 هـ-)، في: تفصيل وسائل الشِّيعة إلى تحصيل مسائل الشّريعة، ط 2، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التُّراث، قم - إيران، 1414 هـ-، ج 2، ص 117، باب 67 من أبواب كتاب الطّهارة، ح‏5، يذكر أنّ هذا الحديث ينقله صاحب مجمع البيان عن تفسير القمِّي عن الإمام الصّادق عليه السلام . ولكنّ مراجعة كلا التّفسيرين تدلُّ على خلاف ذلك؛ إذ لم يُنسب الحديث فيهما إلى الصّادق عليه السلام . واللاّفت للنّظر أكثر أنّ السّيِّد البروجرديِّ، حسين الطّباطبائي (ت 1383 هـ-)، في: جامع أحاديث الشِّيعة، المطبعة العلميّة، قم - إيران، 1399 هـ-، ج 16، ص 608، ح 5، نقل هذا الحديث عن تفسير القمِّي عن الباقر لا عن الصّادق عليهما السلام . ومراجعة تفسير القمِّي إلى ثلاث صفحات قبل الصّفحة الّتي هي مصدر هذا المضمون قد تؤيِّد ذلك. ‏

‏14.‏‏العيّاشي، تفسير العيّاشي، م. س، ج 1، ص 388، ح 143.‏

‏15.‏‏السّيِّد الطّباطبائي، الميزان، م. س، ج 1، ص 311 - 312.‏

‏16.‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 1، ص 793 - 794. الثعلبي، أحمد بن محمد بن إبراهيم (ت‏427 هـ-)، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ط 1، تحقيق الإمام أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التُّراث العربي، بيروت - لبنان، 1422 هـ- - 2002 م، ج 2، ص 5 - 6. الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 408‏‏.‏

‏17.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 411.‏

‎ ‎

اقرأ المزيد