يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}[البقرة: 83]، ويقول سبحانه وتعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتي هِيَ أَحْسَنُ}[الإسراء: 53].
دعوةٌ إلى حسنِ التَّخاطبِ
في هاتين الآيتين، نداء إلى النَّاس أن يحسنوا التَّخاطب فيما بينهم، بأن يتحدَّث الإنسان مع الإنسان الآخر، سواء كان قريباً منه أو بعيداً عنه، بالطَّريقة الطيّبة الحسنة الَّتي تقرِّب عقله، وتجذب قلبه، وتفتح نفسه على علاقة المحبَّة مع الآخر.
وقد ورد في تفسير قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، قولوا للنَّاس أحسن ما تحبّون أن يقولوه لكم، فكما تحبّ أن يخاطبك النَّاس وأن يتحدَّثوا معك، خاطبهم أنت وتحدَّث معهم بالطَّريقة نفسها، سواء في العلاقات القريبة أو البعيدة.
مثلاً، في حديث الأب مع أولاده، كيف يحبُّ الأبُ لأولاده أن يتحدَّثوا معه؟ إذا كان يجبّ أن يتحدَّثوا معه بالمحبَّة والاحترام لرأيه وفكره، فإنَّ عليه هو أيضاً أن يتحدَّث معهم بهذه الطَّريقة، لأنَّ أولادك إذا أصبحوا في موقع العقل والرّشد، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، فإنَّهم يعيشون إنسانيَّتهم كما تعيش أنت إنسانيَّتك، ويملكون فكراً كما تملك أنت فكراً. ولذلك، فكما تحبّ أن يخاطبك أولادك بالاحترام والمحبَّة والكلمة الطيّبة، فعليك أن تخاطبهم بذلك؛ أن تحترم إنسانيَّتهم كما تريد لهم أن يحترموا إنسانيَّتك.
وكذلك عندما تعيش مع زوجتك، أو تعيش الزَّوجة مع زوجها، فإنَّ على كلّ واحد منهما أن يخاطب الآخر بما يحبّ للآخر أن يخاطبه به، فإذا كان الزَّوج يحبُّ من زوجته أن تخاطبه بالاحترام لذاته وبالمحبَّة له، فعليه أن يخاطب زوجته بالطَّريقة نفسها، لأنَّ مسألة أن تكون رجلاً، ليس معناه أنَّك إنسانٌ من الدَّرجة الأولى، وأنَّ امرأتَكَ إنسانٌ من الدَّرجة الثَّانية، هي في درجتك الإنسانيَّة، فأنت إنسانٌ وهي إنسان {الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً}[النّساء: 1].
وهكذا، عندما تعيشون في السَّاحات الاجتماعيَّة العامَّة والخاصَّة، قولوا للنَّاس أحسن ما تحبّون أن يقولوه لكم.
وهذا، أيُّها الأحبَّة، هو الَّذي يفتح القلوب بعضها على بعض، وهو الَّذي يفتح العقول بعضها على بعض. إذا كنت لا تحترم إنساناً في ذاته، فكيف تطمع أن يفتح لك قلبه أو عقله؟! إنَّ الكلمةَ الطيّبةَ الحلوةَ هي الَّتي تفتح العقل ليخاطبَه العقلُ الآخر، وهي الَّتي تفتح القلبَ لينجذبَ إلى القلب الآخر...
تحريمُ الفحشِ والبذاءة
لذلك، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ أن نتربَّى على أن نعرف كيف نتكلَّم، فقد يكون هناك شخص تعلّم في المدارس، ووصل إلى الجامعة، ولديه ثقافة، وتعلّم أحدث النظريَّات، ولكنَّه لا يعرف أن يتكلَّم مع الآخرين، ولا أن يستعمل أسلوب الكلام الطيّب معهم...
وهكذا نجد أنَّ بعض النَّاس قد يكون عنده تجارب كثيرة في الحياة، ولكن لا يعرف أن يستعمل الكلمة الَّتي تنفذ إلى عقول الآخرين وقلوبهم، وفي المثل الشَّعبيّ: "كلمة تحنّن، وكلمة تجنّن"، والفرق بينهما نقطة واحدة، فإذا تركنا النّقطة تصبح "تجنّن"، وإذا حذفناها تصبح "تحنّن"، فلنحذفها حتّى نستطيع العيش بعضنا مع بعض بشكل جيّد.
لذلك، اهتمَّ الإسلام كثيراً بهذا الجانب، فحرَّم أشياء لأنَّها تتنافى مع هذا الخطّ، ومن جملة الأشياء الَّتي حرَّمها، ما يسمَّى بالفحش والبذاء وسلاطة اللّسان، فقد اعتبر أنَّ الإنسانَ الفاحشَ والمتفحّش، البذيء في لسانه، هو الَّذي إذا جلس مع النَّاس تجنّبوا سلاطة لسانه، فهو الّذي لمجرَّد أن تتكلَّم معه، يتكلَّم كلام فحش وبذاء وسباب وما أشبه ذلك، ولذا من الأفضل لك أن تتجنّبه وتتَّقي شرَّه. أليس هناك أناس بهذا الشَّكل؟ ألا يقال فلان لا يُحتمَل، لأنّه لا يعرف كيف يتكلّم؟! وهذا الإنسان الَّذي يكون بهذا الشَّكل، قد يكون ممن يصلّي ويصوم، ولكنَّه قد يفقد دخول الجنَّة.
أحاديثُ عن فُحْشِ الكلام
لذلك، سوف نقرأ بعض الأحاديث الواردة في هذا المجال.
عن النَّبيّ (ص): "إنَّ اللّهَ حَرَّمَ الجَنَّةَ على كُلِّ فَحّاشٍ بَذِيءٍ قَليلِ الحَياءِ، لا يُبالِي ما قالَ ولا ما قيلَ لَهُ"، فهو يتكلَّم كيفما كان، حتّى لو ردّوا عليه بأسلوبه في الكلام، لا يبالي.
وعنه (ص): "إنَّ اللهَ يُحِبُّ الحَيِيَّ – الّذي عنده حياء - المُتَعَفِّفَ، وَيُبْغِضُ البَذِيءَ السَّائِلَ المُلْحِفَ".
وقال (ص): "أَلَا أُخْبركُمْ بِأَبْعَدِكُمْ مِنّي شَبَهاً؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: الفَاحِشُ المتَفَحِّشُ البَذِيءُ".
وعن أبي عبد الله الصّادق (ع)، قال: "قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ لَا يُبَالي مَا قَالَ وَلَا مَا قِيلَ لَهُ، فَإنَّهُ لَغيَّةٌ أَوْ شركُ شَيْطَان". واللّغيَّة هو ابن الزّنا.
وفي حديث آخر: "فقيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَفي النَّاسِ شركُ شَيْطَان؟ قَالَ (ص): أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}"[الإسراء: 64]، فقد يشارك الشَّيطان بطريقة وبأخرى في صنع هذا الإنسان.
وفي الحديث عن الإمام الصَّادق (ع)، يقول بعض أصحابه: "كَانَ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) صَدِيقٌ لَا يَكَادُ يُفَارِقُه إِذَا ذَهَبَ مَكَاناً، فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي مَعَه فِي الْحَذَّائِينَ - سوق الأحذية - ومَعَه غُلَامٌ لَه سِنْدِيٌّ - من السّند، وهو غير مسلم - إِذ الْتَفَتَ الرَّجُلُ يُرِيدُ غُلَامَه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَرَه، فَلَمَّا نَظَرَ فِي الرَّابِعَةِ، قَالَ: يَا بْنَ الْفَاعِلَةِ، أَيْنَ كُنْتَ؟ – ألا يردّد البعض مثل هذا الكلام؟ وابن الفاعلة يعني ابن الزّانية - قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع) يَدَه، فَصَكَّ بِهَا جَبْهَةَ نَفْسِه، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّه! تَقْذِفُ أُمَّه؟! قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ لَكَ وَرَعاً، فَإِذَا لَيْسَ لَكَ وَرَعٌ. فَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ أُمَّه سِنْدِيَّةٌ مُشْرِكَةٌ، فَقَالَ (ع): أمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ نِكَاحاً؟! – فالإسلام أمضى زواج كلّ الأمم، فلو فرضنا أنَّ امرأة متزوّجة من رجل غير مسلم، أيَّاً كان دينه، فلا يجوز لك أن تتزوَّجها، لأنّها متزوّجة، والإسلام يعترف بهذا الزّواج، حتّى ولو بطريقة غير إسلاميَّة. ثمّ قال له الإمام (ع): - تَنَحَّ عَنِّي. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُه يَمْشِي مَعَه حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا"، أي أنَّ الإمام قاطعة مقاطعة تامَّة بسبب ذلك.
والسؤال: ألا نستخدم هذا التَّعبير في كلّ مجال؟ فنحن نرى في الكثير من الحالات، أنَّ بعض الرّجال إذا حدثت مشكلة بينه وبين زوجته، أو كان عنده شيء من الشَّكّ تجاهها، تراه يتحدَّث عنها بالزّنا وبغير ذلك، والإمام (ع) قاطع صاحبة لأنّه رمى امرأة سنديّة مجوسيّة بالزّنا، فهذا لا يجوز.
وفي حديث آخر، وهذا مهمّ جدّاً، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع)، قَالَ: "كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ، فَدَعَا اللَّه أَنْ يَرْزُقَه غُلَاماً، ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّ اللَّه لَا يُجِيبُه – وهو رجل مؤمن يعبد الله - قَالَ: يَا رَبِّ، أبَعِيدٌ أَنَا مِنْكَ فَلَا تَسْمَعُنِي، أَمْ قَرِيبٌ أَنْتَ مِنِّي فَلَا تُجِيبُنِي؟ قَالَ: فَأَتَاه آتٍ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ تَدْعُو اللَّه عَزَّ وجَلَّ مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِينَ بِلِسَانٍ بَذِيءٍ، وقَلْبٍ عَاتٍ غَيْرِ تَقِيٍّ، ونِيَّةٍ غَيْرِ صَادِقَةٍ، فَاقْلَعْ عَنْ بَذَائِكَ - نظِّف لسانك من كلّ الكلمات القذرة والَّتي تؤذي النَّاس - ولْيَتَّقِ اللَّهَ قَلْبُكَ، ولْتَحْسُنْ نِيَّتُكَ. قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعَا اللَّه، فَوُلِدَ لَه غُلَامٌ".
نفهم من هذا، أنَّ كثيراً من دعواتنا في حاجاتنا الَّتي ندعو الله سبحانه وتعالى ليستجيبها لنا، ولا يستجيبها، يكون السَّبب أنَّ لساننا بذيء، كالَّذي يعرف أنَّ صاحباً له يحبّ طعاماً معيَّناً، فيرسل إليه منه بصحن مليء بالقذارة والميكروبات، فهل يقبله، أم يعيده إليه، حتّى لو كان الطَّعام المفضَّل لديه؟! والدّعاء أيضاً يجب أن يكون بصحن نظيف. لذلك، قد تكون بذاءة اللّسان وفحشه سبباً من أسباب عدم استجابة الدّعاء. ولينتبه الإنسان الَّذي يكون بهذا الشَّكل.
شرُّ العبادِ
وعن النَّبيّ (ص): "إِنَّ مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّه مَنْ تُكْرَه مُجَالَسَتُه لِفُحْشِه".
وعن أبي عبد الله الصَّادق (ع): "الْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، والْجَفَاءُ فِي النَّارِ".
وقال أبو عبد الله (ع): "إِنَّ الْفُحْشَ والْبَذَاءَ والسَّلَاطَةَ مِنَ النِّفَاقِ".
وهكذا قال رسول الله (ص) لعائشة: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الْفُحْشَ لَوْ كَانَ مُمَثَّلاً، لَكَانَ مِثَالَ سَوْءٍ".
وفي بعض الأحاديث: "مَنْ فَحُشَ عَلَى أَخِيه الْمُسْلِمِ – تكلّم عليه كلاماً بذيئاً قذراً - نَزَعَ اللَّه مِنْه بَرَكَةَ رِزْقِهِ، ووَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وأَفْسَدَ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ".
وعن بعض أصحاب الإمام الصَّادق (ع) واسمه سماعة، قال: "دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع)، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً: يَا سَمَاعَةُ، مَا هَذَا الَّذِي كَانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ جَمَّالِكَ؟ إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ فَحَّاشاً أَوْ صَخَّاباً – تصرخ كثيراً عندما تصطدم مع شخص - أَوْ لَعَّاناً، فَقُلْتُ: واللَّه لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ أَنَّه ظَلَمَنِي – فقد فعلت كلَّ ذلك لأنّه ظلمني ولم يحفظ حقوقي عنده – فقال (ع): إِنْ كَانَ ظَلَمَكَ لَقَدْ أَرْبَيْتَ عَلَيْه – يعني زدت عليه - إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعَالِي – فأنا إذا اختلفت مع أحد عمّالي أو أيّ أحد من النّاس، لا أفعل ذلك أبداً - ولَا آمُرُ بِه شِيعَتِي. اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، ولَا تَعُدْ. قُلْتُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّه ولَا أَعُودُ".
فهل نستغفر الله ولا نعود، كما فعل هذا الرَّجل؟ ونحن أصحاب الإمام الصَّادق (ع) وأصحاب الأئمَّة (ع)، لأنّنا شيعتهم ومواليهم، وأصحاب الإمام الصَّادق (ع) هم أصحاب رسول الله (ص)، لأنَّهم لا يقولون إلا ما يقوله، ولا يأمرون إلا بما يأمر به.
وفي حديثٍ عن رسول الله (ص): "شَرُّ النَّاسِ – هذا الَّذي يعتبر نفسه قويّاً، والنّاس تهابه وتخاف منه ومن سلاطة لسانه، وتتّقي شرّه، فقد يكون ممن يملك سلاحاً، أو جاهاً، أو سلطةً، أو موقعاً متقدّماً في المجتمع، ويحاول من خلال كلّ ذلك أن يلقي شرَّه على النَّاس. ماذا يقول الرّسول (ص) عنه؟ يقول (ص) إنَّ شرَّ النَّاس- عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ يُكْرَمُونَ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ".
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: "إِنَّ النَّبِيَّ (ص)، بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ عَائِشَةَ، إِذ اسْتَأْذَنَ عَلَيْه رَجُلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ. فَقَامَتْ عَائِشَةُ فَدَخَلَتِ الْبَيْتَ، وأَذِنَ رَسُولُ اللَّه (ص) لِلرَّجُلِ، فَلَمَّا دَخَلَ، أَقْبَلَ عَلَيْه بِوَجْهِه وبِشْرُه إِلَيْه يُحَدِّثُه، حَتَّى إِذَا فَرَغَ وخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّه، بَيْنَا أَنْتَ تَذْكُرُ هَذَا الرَّجُلَ بِمَا ذَكَرْتَه بِه، إِذْ أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ وبِشْرِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه (ص) عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّه مَنْ تُكْرَه مُجَالَسَتُهُ لِفُحْشِهِ".
الاقتداءُ بأخلاقِ الرَّسول (ص)
هذا الخطّ الإسلاميّ في الكتاب والسنَّة الَّذي يوجِّهنا إلى أن نقول للنَّاس حسناً، أن لا نكون ممن يخافُ النَّاسُ شرَّنا، أن لا نكون ممن يفحش في الكلام، أن لا يكون أسلوبنا في منازعاتنا كلمات فحش أو لعن أو سباب أو صخب.. إنَّ الإسلام يريد للمسلمين في مجتمعه أن يكونوا الطيّبين في كلامهم، ورسول الله هو هدانا وإمامنا ونبيّنا في ذلك: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران: 159]، لو كنت فظّ اللّسان، غليظ القلب، لما اتَّبعك أحد.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، فلبندأ بأن ننظّف ألسنتا؛ بإيماننا، وبخوفنا من ربّنا، وبالاقتداء بنبيّنا وباتّباع سنَّته في ذلك. لنتحدَّث مع النَّاس بأفضل ما يتحدَّث به المتحدّثون، حتَّى نستطيع أن نجعل المحبَّة هي ما توحي به الكلمات، وحتَّى نجعل الخير هو ما تتحرَّك به الكلمات.
أيُّها الأحبَّة، نحن بحاجة إلى نتقارب أكثر، وأن نتحابَّ أكثر، وأن نتعاون أكثر، وأن نتكامل أكثر، ولن يكون ذلك إلَّا إذا احترم كلّ واحد منَّا إنسانيّة أخيه، وإيمان أخيه، واحترم كلّ كرامته وعزَّته.
أيُّها الأحبَّة، هل تريدون الإسلام؟ هذا هو الإسلام الاجتماعيّ الَّذي إذا لم يأخذ به الإنسان، فإنَّه قد يؤدّي إلى سقوط عبادته، "إنَّ اللهَ حَرَّمَ الجنَّةَ عَلَى كُلّ فَحَّاشٍ بَذِيءِ اللِّسَانِ"، {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].
لقد كان رسول الله (ص) عظيماً في أخلاقه، فلنكن العظماء في أخلاقنا.
*خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 28/08/1998م.