دعاء التَّوبة
اللَّهُمَّ يَا مَنْ لَا يَصِفُهُ نَعْتُ الْوَاصِفِينَ
(1)، ويَا مَنْ لَا يُجَاوِزُهُ رَجَاءُ الرَّاجِينَ
(2)، ويَا مَنْ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ الْمُحْسِنِينَ، ويَا مَنْ هُوَ مُنْتَهَى خَوْفِ الْعَابِدِينَ، ويَا مَنْ هُوَ غَايَةُ خَشْيَةِ الْمُتَّقِينَ، هَذَا مَقَامُ مَنْ تَدَاوَلَتْهُ
(3) أَيْدِي الذُّنُوبِ، وقَادَتْهُ أَزِمَّةُ
(4)الْخَطَايَا، واسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، فَقَصَّرَ عَمَّا أَمَرْتَ بِهِ تَفْرِيطًا، وتَعَاطَى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَغْرِيرًا
(5)، كَالْجَاهِلِ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ، أَوْ كَالْمُنْكِرِ فَضْلَ إِحْسَانِكَ إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا انْفَتَحَ لَهُ بَصَرُ الْهُدَى، وتَقَشَّعَتْ
(6)
عَنْهُ سَحَائِبُ الْعَمَى، أَحْصَى مَا ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وفَكَّرَ فِيمَا خَالَفَ بِهِ رَبَّهُ، فَرَأَى كَبِيرَ عِصْيَانِهِ كَبِيرًا، وجَلِيلَ مُخَالَفَتِهِ جَلِيلًا
(7)
، فَأَقْبَلَ نَحْوَكَ مُؤَمِّلًا
(8)
لَكَ، مُسْتَحْيِيًا مِنْكَ، ووَجَّهَ رَغْبَتَهُ إِلَيْكَ ثِقَةً بِكَ، فَأَمَّكَ بِطَمَعِهِ يَقِينًا، وقَصَدَكَ بِخَوْفِهِ إِخْلَاصًا، قَدْ خَلَا طَمَعُهُ مِنْ كُلِّ مَطْمُوعٍ فِيهِ غَيْرِكَ، وأَفْرَخَ رَوْعُهُ مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ
(9)
مِنْهُ سِوَاكَ، فَمَثَلَ
(10)
بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَضَرِّعًا، وغَمَّضَ بَصَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ مُتَخَشِّعًا
(11)
، وطَأْطَأَ رَأْسَهُ لِعِزَّتِكَ مُتَذَلِّلًا، وأَبَثَّكَ
(12)
مِنْ سِرِّهِ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ خُضُوعًا، وعَدَّدَ مِنْ ذُنُوبِهِ مَا أَنْتَ أَحْصَى لَهَا خُشُوعًا، واسْتَغَاثَ بِكَ مِنْ عَظِيمِ مَا وَقَعَ بِهِ فِي عِلْمِكَ، وقَبِيحِ مَا فَضَحَهُ فِي حُكْمِكَ مِنْ ذُنُوبٍ أَدْبَرَتْ لَذَّاتُهَا فَذَهَبَتْ، وأَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا فَلَزِمَتْ
(13)
. لَا يُنْكِرُ يَا إِلَهِي عَدْلَكَ إِنْ عَاقَبْتَهُ، ولَا يَسْتَعْظِمُ عَفْوَكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ ورَحِمْتَهُ، لِأَنَّكَ الرَّبُّ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا يَتَعَاظَمُهُ غُفْرَانُ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ.
اللَّهُمَّ فَهَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ مُطِيعًا لِأَمْرِكَ فِيمَا أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ، مُتَنَجِّزًا وَعْدَكَ
(14)
فِيمَا وَعَدْتَ بِهِ مِنَ الْإِجَابَةِ، إِذْ تَقُولُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، والْقَنِي بِمَغْفِرَتِكَ كَمَا لَقِيتُكَ بِإِقْرَارِي، وارْفَعْنِي عَنْ مَصَارِعِ الذُّنُوبِ
(15)
كَمَا وَضَعْتُ لَكَ نَفْسِي، واسْتُرْنِي بِسِتْرِكَ كَمَا تَأَنَّيْتَنِي
(16)
عَنِ الِانْتِقَامِ مِنِّي.
اللَّهُمَّ وثَبِّتْ فِي طَاعَتِكَ نِيَّتِي، وأَحْكِمْ فِي عِبَادَتِكَ بَصِيرَتِي، ووَفِّقْنِي مِنَ الْأَعْمَالِ لِمَا تَغْسِلُ بِهِ دَنَسَ الْخَطَايَا
(17)
عَنِّي، وتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِكَ ومِلَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا تَوَفَّيْتَنِي.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ فِي مَقَامِي هَذَا مِنْ كَبَائِرِ ذُنُوبِي وصَغَائِرِهَا، وبَوَاطِنِ سَيِّئَاتِي وظَوَاهِرِهَا، وسَوَالِفِ زَلَّاتِي وحَوَادِثِهَا
(18)
، تَوْبَةَ مَنْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةٍ، ولَا يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَةٍ، وقَدْ قُلْتَ يَا إِلَهِي فِي مُحْكَمِ كِتَابِكَ إِنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ، وتَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وتُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَمَا وَعَدْتَ، واعْفُ عَنْ سَيِّئَاتِي كَمَا ضَمِنْتَ، وأَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَمَا شَرَطْتَ، ولَكَ يَا رَبِّ شَرْطِي أَلَّا أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ
(19)
، وضَمَانِي أَنْ لَا أَرْجِعَ فِي مَذْمُومِكَ
(20)
، وعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعَاصِيكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِمَا عَمِلْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا عَلِمْتَ، واصْرِفْنِي بِقُدْرَتِكَ إِلَى مَا أَحْبَبْتَ.
اللَّهُمَّ وعَلَيَّ تَبِعَاتٌ قَدْ حَفِظْتُهُنَّ، وتَبِعَاتٌ قَدْ نَسِيتُهُنَّ
(21)
، وكُلُّهُنَّ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وعِلْمِكَ الَّذِي لَا يَنْسَى، فَعَوِّضْ مِنْهَا أَهْلَهَا، واحْطُطْ عَنِّي وِزْرَهَا
(22)، وخَفِّفْ عَنِّي ثِقْلَهَا، واعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أُقَارِفَ
(23)مِثْلَهَا.
اللَّهُمَّ وإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِي بِالتَّوْبَةِ إِلَّا بِعِصْمَتِكَ، ولَا اسْتِمْسَاكَ بِي عَنِ الْخَطَايَا إِلَّا عَنْ قُوَّتِكَ، فَقَوِّنِي بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ، وتَوَلَّنِي بِعِصْمَةٍ مَانِعَةٍ.
اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ تَابَ إِلَيْكَ وهُوَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ فَاسِخٌ لِتَوْبَتِهِ، وعَائِدٌ فِي ذَنْبِهِ وخَطِيئَتِهِ، فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ، فَاجْعَلْ تَوْبَتِي هَذِهِ تَوْبَةً لَا أَحْتَاجُ بَعْدَهَا إِلَى تَوْبَةٍ، تَوْبَةً مُوجِبَةً لِمَحْوِ مَا سَلَفَ، والسَّلَامَةِ فِيمَا بَقِيَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ جَهْلِي، وأَسْتَوْهِبُكَ سُوءَ فِعْلِي
(24)، فَاضْمُمْنِي إِلَى كَنَفِ رَحْمَتِكَ تَطَوُّلًا
(25)، واسْتُرْنِي بِسِتْرِ عَافِيَتِكَ تَفَضُّلًا.
اللَّهُمَّ وإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ مَا خَالَفَ إِرَادَتَكَ، أَوْ زَالَ عَنْ مَحَبَّتِكَ مِنْ خَطَرَاتِ قَلْبِي، ولَحَظَاتِ عَيْنِي، وحِكَايَاتِ لِسَانِي، تَوْبَةً تَسْلَمُ بِهَا كُلُّ جَارِحَةٍ عَلَى حِيَالِهَا مِنْ تَبِعَاتِكَ
(26)، وتَأْمَنُ مِمَا يَخَافُ الْمُعْتَدُونَ مِنْ أَلِيمِ سَطَوَاتِكَ(27).
اللَّهُمَّ فَارْحَمْ وَحْدَتِي بَيْنَ يَدَيْكَ، ووَجِيبَ قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ
(28)، واضْطِرَابَ أَرْكَانِي مِنْ هَيْبَتِكَ، فَقَدْ أَقَامَتْنِي يَا رَبِّ ذُنُوبِي مَقَامَ الْخِزْيِ بِفِنَائِكَ
(29)، فَإِنْ سَكَتُّ لَمْ يَنْطِقْ عَنِّي أَحَدٌ، وإِنْ شَفَعْتُ فَلَسْتُ بِأَهْلِ الشَّفَاعَةِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وشَفِّعْ فِي خَطَايَايَ كَرَمَكَ، وعُدْ عَلَى سَيِّئَاتِي بِعَفْوِكَ، ولَا تَجْزِنِي جَزَائِي مِنْ عُقُوبَتِكَ، وابْسُطْ عَلَيَّ طَوْلَكَ
(30)، وجَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ، وافْعَلْ بِي فِعْلَ عَزِيزٍ تَضَرَّعَ إِلَيْهِ عَبْدٌ ذَلِيلٌ فَرَحِمَهُ، أَوْ غَنِيٍّ تَعَرَّضَ لَهُ عَبْدٌ فَقِيرٌ فَنَعَشَهُ.
اللَّهُمَّ لَا خَفِيرَ لِي مِنْكَ فَلْيَخْفُرْنِي عِزُّكَ
(31)
، ولَا شَفِيعَ لِي إِلَيْكَ فَلْيَشْفَعْ لِي فَضْلُكَ، وقَدْ أَوْجَلَتْنِي خَطَايَايَ فَلْيُؤْمِنِّي عَفْوُكَ
(32)
. فَمَا كُلُّ مَا نَطَقْتُ بِهِ عَنْ جَهْلٍ مِنِّي بِسُوءِ أَثَرِي، ولَا نِسْيَانٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ ذَمِيمِ فِعْلِي، لَكِنْ لِتَسْمَعَ سَمَاؤُكَ ومَنْ فِيهَا وأَرْضُكَ ومَنْ عَلَيْهَا مَا أَظْهَرْتُ لَكَ مِنَ النَّدَمِ، ولَجَأْتُ إِلَيْكَ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَرْحَمُنِي لِسُوءِ مَوْقِفِي، أَوْ تُدْرِكُهُ الرِّقَّةُ عَلَيَّ لِسُوءِ حَالِي فَيَنَالَنِي مِنْهُ بِدَعْوَةٍ هِيَ أَسْمَعُ لَدَيْكَ مِنْ دُعَائِي، أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْكَدُ عِنْدَكَ مِنْ شَفَاعَتِي تَكُونُ بِهَا نَجَاتِي مِنْ غَضَبِكَ وفَوْزَتِي
(33)
بِرِضَاكَ.
اللَّهُمَّ إِنْ يَكُنِ النَّدَمُ تَوْبَةً إِلَيْكَ فَأَنَا أَنْدَمُ النَّادِمِينَ، وإِنْ يَكُنِ التَّرْكُ لِمَعْصِيَتِكَ إِنَابَةً
(34)
فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنِيبِينَ، وإِنْ يَكُنِ الِاسْتِغْفَارُ حِطَّةً لِلذُّنُوبِ
(35)
فَإِنِّي لَكَ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ.
اللَّهُمَّ فَكَمَا أَمَرْتَ بِالتَّوْبَةِ، وضَمِنْتَ الْقَبُولَ، وحَثَثْتَ عَلَى الدُّعَاءِ، ووَعَدْتَ الْإِجَابَةَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، واقْبَلْ تَوْبَتِي، ولَا تَرْجِعْنِي مَرْجِعَ الْخَيْبَةِ مِنْ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ، والرَّحِيمُ لِلْخَاطِئِينَ الْمُنِيبِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ كَمَا هَدَيْتَنَا بِهِ، وصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ كَمَا اسْتَنْقَذْتَنَا بِهِ، وصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ صَلَاةً تَشْفَعُ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَوْمَ الْفَاقَةِ إِلَيْكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهُوَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ.
***
الهامش:
(1) يَا مَنْ لَا يَصِفُهُ نَعْتُ الْوَاصِفِينَ، أي: يا من تعجز أوصاف الواصفين وكلماتهم عن الإحاطة بعظمتك وحقيقتك وكمالك، فمهما حاول الواصفون أن يصفوك، فلن يبلغوا حقيقة جلالك وعظمتك يا الله.↩
(2) لَا يُجَاوِزُهُ: لا يتعدّاه، أي لا يتخطّاه إلى غيره.↩
المعنى: يا ربّ، لا يوجد من هو أعظم منك يُرجى، ولا أكرم منك تُؤمَّل رحمته وعطاؤه.
(3) تداولته: تعاقبت عليه وتناوبت في السَّيطرة عليه. ↩
والمعنى: يا ربّ، هذا موقفُ عبدٍ تكاثرت عليه الذّنوب، وتناوبت عليه المعاصي، حتَّى أصبحت كأنّها تتحكّم به وتجرّه من ذنبٍ إلى آخر.
(4) أَزِمَّةُ: جَمْع (زِمَام)، وهو ما تُقاد به الدَّابّة من حبل أو غيره. ↩
والمعنى: التَّعبير يصوّر الإنسان وقد استسلم للمعاصي حتَّى صار كأنّ الخطايا تمسك بزمامه وتقوده حيث تشاء.
(5) التّغرير من غرّر: خدعه وأَطمعه بالباطل. ↩
والمعنى: أي أنّه أقدم على ارتكاب ما نهيتَ عنه، غافلًا عن عاقبته، ومُعرِّضًا نفسَه للخطر والهلاك.
(6) تَقَشَّعَتْ: زالت، وتفرَّقت، وانكشفت. السّحائب: الغيوم. ↩
والمعنى: حتّى إذا انكشفت عنه غشاوة الضَّلال والغفلة وزالت، فأصبح يرى الحقيقة بوضوح...
(7) الجليل: العظيم. تعني أنّه رأى مخالفته لله أمرًا عظيمًا وخطيرًا بحقّ نفسه وبحقّ ربّه، فاستشعر عظم الذَّنب وهيبته في قلبه.↩
(8) مؤمّلًا: من الأمل: أي راجيًا رحمتك ومغفرتك.↩
(9) أفرخ روعه: أي هدأ خوفه وسكن اضطرابه. والمحذور: هو كلّ شيء يُخاف منه ويُحذر وقوعه. ↩
والمعنى: أنّ خوفه وقلقه قد سكن واطمأنَّ، فلم يعد يخاف من شيءٍ أو أحدٍ بعد توبته إلّا الله.
(10)مثل بين يديه: وقف بين يديك. ↩
(11) متخشّعًا: تعني: في حالة خضوعٍ وخشوعٍ تامٍّ لله تعالى.↩
(12) أبثّك من سرّه: البثُّ في اللّغة هو النَّشر والإظهار، ويُقال: بثثتُ له شكواي، أي أخرجتُ له ما في قلبي دفعة واحدة دون إخفاء. ↩
(13) أَدْبَرَتْ لَذَّاتُهَا فَذَهَبَتْ، وأَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا فَلَزِمَتْ: أي أنّ هذه الذنوب كانت لها لذّة مؤقّتة زالت وانتهت، أمَّا آثارها ونتائجها (التَّبعات)، فقد بقيت تلازم الإنسان. ↩
(14)مُتَنَجِّزًا: تنجّز الأمر: طَلَبَ إنْجَازَهُ وَقَضاءهُ. أي أنّه يطلب من الله أن يحقّق له ما وعد به من الاستجابة والتَّوبة والرَّحمة، معتمدًا على وعده وواثقًا بتحقّقه.↩
(15) المصارع جمع مصرع: وهو مكان السّقوط وموضع الهلاك. والمعنى: يسأل الله أن يرفعه عن مواضع الهلاك والسّقوط في الذّنوب، وأن يُبعده عن أسباب المعصية الّتي تُرديه وتهلكه.↩
(16) تأنّيتني: من الأناة، وهو التّمهّل، والبطء، وعدم العجلة. واسْتُرْنِي بِسِتْرِكَ كَمَا تَأَنَّيْتَنِي عَنِ الِانْتِقَامِ مِنِّي: أي كما أمهلتني ولم تُنزِل بي العقوبة فورًا، رغم ذنوبي. ↩
(17) الدَّنس: الوسخ والقذارة. الخَطايا: الذنوب والمعاصي. ↩
(18) سَوَالِفِ: جمع سَالِف، وهو ما مَضى وتَقَدّم وسَبَق من العُمر والزمن. زَلَّاتِي: جمع زَلَّة، وهي السَّقطة أو الهفوة، مأخوذة من زلل القدم حين تنزلق على طين أو أرض ملساء...↩
حوادثها: جمع حَادِثَة، والمراد بها هنا: الذّنوب الجديدة.
والمعنى: يا ربّ، إنيّ أتوب إليك من كلّ ما صدر عني من زلّات قديمة وحديثة.
(19) أي يا ربّ، أنا أتوب إليك، وأتعهَّد لك وألتزم بالعهد أن لا أرجع إلى ما يُغضبك أو تكرهه من الذّنوب والمعاصي.↩
(20) وضَمَانِي: الضَّمان في اللّغة هو الالتزام، والكفالة، وتعهّد الشَّخص بأن يؤدّي ما عليه تامًّا دون نقص.↩
مذمومك: أي كلّ ما تذمّه وتبغضه من الأفعال والمعاصي.
والمعنى: يا ربّ، أسألك أن تُثبّتني وتُعينني بحيث لا أعود إلى ما تذمّه وتكرهه من الذّنوب والمعاصي.
(21)التَّبِعَات: جمع تَبِعَة، وهي عاقبة الأمر وما ينشأ عنه من أثر. وهي أيضًا كُلُّ ما يَتَرَتَّبُ على التَّصَرُّفِ ويَتَعَلَّقُ بِهِ. ↩
والمعنى: يا ربّ، ما زالت عليَّ تبعات وحقوق؛ منها تبعات وعيتها وحفظتها في ذاكرتي وأنا أعترف بها بين يديك، ومنها تبعات أخرى قد نسيتها وغفلت عنها ولكنَّها محصاة في علمك.
(22) حَطَّ الأحمالَ عن الدَّابَّة: أي أنزلها عنها وخفَّف ثقلها. الوزر: الحمل الثّقيل.↩
والمعنى: يا ربّ، خفّف عنّي حمل هذه الذّنوب الَّتي هي عليّ، فلا تُبقِ عليّ ثقلها وعقوبتها.
(23) أقارف: أرتكب، أعمل.↩
والمعنى: يا ربّ، احفظني وامنعني من أن أعود إلى ارتكاب مثل هذه الذّنوب مرَّة أخرى.
(24) أي: أسألك أن تهب لي العفو عن سوء فعلي وتتجاوز عنه.↩
(25) كنف الطّائر: جناحه. وكنف الله: رحمته وستره وحفظه. والتّطوّل هو التّفضّل والإنعام.↩
والمعنى: أدخلني، يا ربّ، في رحمتك الواسعة، وأحطني بعطفك ولطفك، لا لأنّي أستحقّ ذلك، بل تكرّمًا منك وإحسانًا.
(26) الجوارح هي أعضاء الإنسان، كالعين واللّسان واليد وغيرها. على حيالها: أي كلّ جارحةٍ على انفرادها بحسب ما صدر عنها. التّبعات: مفردها تبعة: وهي النتائج والعواقب والمسؤوليّات المترتّبة على الذّنوب أمام الله تعالى. ↩
والمعنى: يا ربّ، إنّي أتوب إليك توبةً صادقةً توبةً تنجو بها كلُّ جارحةٍ من جوارحي من تبعات الذّنوب وآثارها ومحاسبتها عندك.
(27)السّطوة: البطش والقوّة. ↩
والمعنى: أن تكون هذه التَّوبة سببًا لأمني من العقاب الشَّديد والبأس المؤلم الّذي يخشاه الظَّالمون والعصاة المعتدون على حدود الله.
(28) الوجيب: صوت خفقان القلب باضطراب ورجفة.↩
والمعنى: اللّهمّ ارحم قلبي الّذي يرتجف ويخفق خوفًا منك وهيبةً لجلالك، وخشيةً من التَّقصير والذّنوب.
(29) المعنى: يا ربّ، لقد جعلتني ذنوبي أقف موقف الذلّ والافتضاح والانكسار بين يديك.↩
(30) الطّول: الفضل والغنى واليسر.↩
والمعنى: يا ربّ، أفِض عليَّ من عطائك وكرمك الواسع، ولا تحرمني من إحسانك.
(31) الخفير: الحامي والمجير. ↩
والمعنى: يا ربّ، لا يوجد من يحميني منك أو يمنع عنّي عقابك إذا أردتَ بي سوءًا، فليكن عزّك هو الأمان لي.
(32) أوجلتني من الوجل، وهو الخوف الشَّديد. فليؤمنّي عفوك: أي: فليمنحني عفوك الأمان من العقوبة والخوف.↩
والمعنى: يا ربّ، لقد ملأتني ذنوبي خوفًا وقلقًا واضطرابًا، فاجعل عفوك سببًا لأمني وطمأنينتي.
(33) فوزتي: من الفوز: الظّفر. أي ظفري برضا الله ورحمته والنَّجاة من العذاب. ↩
(34) الإنابة: الرّجوع إلى الله.↩
(35) الحطّة: حَطَّ الحِمْلَ عن البعير، أي أنزله عنه وخفَّف به ثقله. فالحطّ من الذّنوب هو إنزالها عن كاهل الإنسان.↩
والمعنى: إذا كان الاستغفار سببًا لمحو الذّنوب وإسقاط آثارها والتّخفيف منها، فأنا لك من المستغفرين.
دعاء التَّوبة
اللَّهُمَّ يَا مَنْ لَا يَصِفُهُ نَعْتُ الْوَاصِفِينَ
(1)، ويَا مَنْ لَا يُجَاوِزُهُ رَجَاءُ الرَّاجِينَ
(2)، ويَا مَنْ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ الْمُحْسِنِينَ، ويَا مَنْ هُوَ مُنْتَهَى خَوْفِ الْعَابِدِينَ، ويَا مَنْ هُوَ غَايَةُ خَشْيَةِ الْمُتَّقِينَ، هَذَا مَقَامُ مَنْ تَدَاوَلَتْهُ
(3) أَيْدِي الذُّنُوبِ، وقَادَتْهُ أَزِمَّةُ
(4)الْخَطَايَا، واسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، فَقَصَّرَ عَمَّا أَمَرْتَ بِهِ تَفْرِيطًا، وتَعَاطَى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَغْرِيرًا
(5)، كَالْجَاهِلِ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ، أَوْ كَالْمُنْكِرِ فَضْلَ إِحْسَانِكَ إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا انْفَتَحَ لَهُ بَصَرُ الْهُدَى، وتَقَشَّعَتْ
(6)
عَنْهُ سَحَائِبُ الْعَمَى، أَحْصَى مَا ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وفَكَّرَ فِيمَا خَالَفَ بِهِ رَبَّهُ، فَرَأَى كَبِيرَ عِصْيَانِهِ كَبِيرًا، وجَلِيلَ مُخَالَفَتِهِ جَلِيلًا
(7)
، فَأَقْبَلَ نَحْوَكَ مُؤَمِّلًا
(8)
لَكَ، مُسْتَحْيِيًا مِنْكَ، ووَجَّهَ رَغْبَتَهُ إِلَيْكَ ثِقَةً بِكَ، فَأَمَّكَ بِطَمَعِهِ يَقِينًا، وقَصَدَكَ بِخَوْفِهِ إِخْلَاصًا، قَدْ خَلَا طَمَعُهُ مِنْ كُلِّ مَطْمُوعٍ فِيهِ غَيْرِكَ، وأَفْرَخَ رَوْعُهُ مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ
(9)
مِنْهُ سِوَاكَ، فَمَثَلَ
(10)
بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَضَرِّعًا، وغَمَّضَ بَصَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ مُتَخَشِّعًا
(11)
، وطَأْطَأَ رَأْسَهُ لِعِزَّتِكَ مُتَذَلِّلًا، وأَبَثَّكَ
(12)
مِنْ سِرِّهِ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ خُضُوعًا، وعَدَّدَ مِنْ ذُنُوبِهِ مَا أَنْتَ أَحْصَى لَهَا خُشُوعًا، واسْتَغَاثَ بِكَ مِنْ عَظِيمِ مَا وَقَعَ بِهِ فِي عِلْمِكَ، وقَبِيحِ مَا فَضَحَهُ فِي حُكْمِكَ مِنْ ذُنُوبٍ أَدْبَرَتْ لَذَّاتُهَا فَذَهَبَتْ، وأَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا فَلَزِمَتْ
(13)
. لَا يُنْكِرُ يَا إِلَهِي عَدْلَكَ إِنْ عَاقَبْتَهُ، ولَا يَسْتَعْظِمُ عَفْوَكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ ورَحِمْتَهُ، لِأَنَّكَ الرَّبُّ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا يَتَعَاظَمُهُ غُفْرَانُ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ.
اللَّهُمَّ فَهَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ مُطِيعًا لِأَمْرِكَ فِيمَا أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ، مُتَنَجِّزًا وَعْدَكَ
(14)
فِيمَا وَعَدْتَ بِهِ مِنَ الْإِجَابَةِ، إِذْ تَقُولُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، والْقَنِي بِمَغْفِرَتِكَ كَمَا لَقِيتُكَ بِإِقْرَارِي، وارْفَعْنِي عَنْ مَصَارِعِ الذُّنُوبِ
(15)
كَمَا وَضَعْتُ لَكَ نَفْسِي، واسْتُرْنِي بِسِتْرِكَ كَمَا تَأَنَّيْتَنِي
(16)
عَنِ الِانْتِقَامِ مِنِّي.
اللَّهُمَّ وثَبِّتْ فِي طَاعَتِكَ نِيَّتِي، وأَحْكِمْ فِي عِبَادَتِكَ بَصِيرَتِي، ووَفِّقْنِي مِنَ الْأَعْمَالِ لِمَا تَغْسِلُ بِهِ دَنَسَ الْخَطَايَا
(17)
عَنِّي، وتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِكَ ومِلَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا تَوَفَّيْتَنِي.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ فِي مَقَامِي هَذَا مِنْ كَبَائِرِ ذُنُوبِي وصَغَائِرِهَا، وبَوَاطِنِ سَيِّئَاتِي وظَوَاهِرِهَا، وسَوَالِفِ زَلَّاتِي وحَوَادِثِهَا
(18)
، تَوْبَةَ مَنْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةٍ، ولَا يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَةٍ، وقَدْ قُلْتَ يَا إِلَهِي فِي مُحْكَمِ كِتَابِكَ إِنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ، وتَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وتُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَمَا وَعَدْتَ، واعْفُ عَنْ سَيِّئَاتِي كَمَا ضَمِنْتَ، وأَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَمَا شَرَطْتَ، ولَكَ يَا رَبِّ شَرْطِي أَلَّا أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ
(19)
، وضَمَانِي أَنْ لَا أَرْجِعَ فِي مَذْمُومِكَ
(20)
، وعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعَاصِيكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِمَا عَمِلْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا عَلِمْتَ، واصْرِفْنِي بِقُدْرَتِكَ إِلَى مَا أَحْبَبْتَ.
اللَّهُمَّ وعَلَيَّ تَبِعَاتٌ قَدْ حَفِظْتُهُنَّ، وتَبِعَاتٌ قَدْ نَسِيتُهُنَّ
(21)
، وكُلُّهُنَّ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وعِلْمِكَ الَّذِي لَا يَنْسَى، فَعَوِّضْ مِنْهَا أَهْلَهَا، واحْطُطْ عَنِّي وِزْرَهَا
(22)، وخَفِّفْ عَنِّي ثِقْلَهَا، واعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أُقَارِفَ
(23)مِثْلَهَا.
اللَّهُمَّ وإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِي بِالتَّوْبَةِ إِلَّا بِعِصْمَتِكَ، ولَا اسْتِمْسَاكَ بِي عَنِ الْخَطَايَا إِلَّا عَنْ قُوَّتِكَ، فَقَوِّنِي بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ، وتَوَلَّنِي بِعِصْمَةٍ مَانِعَةٍ.
اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ تَابَ إِلَيْكَ وهُوَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ فَاسِخٌ لِتَوْبَتِهِ، وعَائِدٌ فِي ذَنْبِهِ وخَطِيئَتِهِ، فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ، فَاجْعَلْ تَوْبَتِي هَذِهِ تَوْبَةً لَا أَحْتَاجُ بَعْدَهَا إِلَى تَوْبَةٍ، تَوْبَةً مُوجِبَةً لِمَحْوِ مَا سَلَفَ، والسَّلَامَةِ فِيمَا بَقِيَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ جَهْلِي، وأَسْتَوْهِبُكَ سُوءَ فِعْلِي
(24)، فَاضْمُمْنِي إِلَى كَنَفِ رَحْمَتِكَ تَطَوُّلًا
(25)، واسْتُرْنِي بِسِتْرِ عَافِيَتِكَ تَفَضُّلًا.
اللَّهُمَّ وإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ مَا خَالَفَ إِرَادَتَكَ، أَوْ زَالَ عَنْ مَحَبَّتِكَ مِنْ خَطَرَاتِ قَلْبِي، ولَحَظَاتِ عَيْنِي، وحِكَايَاتِ لِسَانِي، تَوْبَةً تَسْلَمُ بِهَا كُلُّ جَارِحَةٍ عَلَى حِيَالِهَا مِنْ تَبِعَاتِكَ
(26)، وتَأْمَنُ مِمَا يَخَافُ الْمُعْتَدُونَ مِنْ أَلِيمِ سَطَوَاتِكَ(27).
اللَّهُمَّ فَارْحَمْ وَحْدَتِي بَيْنَ يَدَيْكَ، ووَجِيبَ قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ
(28)، واضْطِرَابَ أَرْكَانِي مِنْ هَيْبَتِكَ، فَقَدْ أَقَامَتْنِي يَا رَبِّ ذُنُوبِي مَقَامَ الْخِزْيِ بِفِنَائِكَ
(29)، فَإِنْ سَكَتُّ لَمْ يَنْطِقْ عَنِّي أَحَدٌ، وإِنْ شَفَعْتُ فَلَسْتُ بِأَهْلِ الشَّفَاعَةِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وشَفِّعْ فِي خَطَايَايَ كَرَمَكَ، وعُدْ عَلَى سَيِّئَاتِي بِعَفْوِكَ، ولَا تَجْزِنِي جَزَائِي مِنْ عُقُوبَتِكَ، وابْسُطْ عَلَيَّ طَوْلَكَ
(30)، وجَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ، وافْعَلْ بِي فِعْلَ عَزِيزٍ تَضَرَّعَ إِلَيْهِ عَبْدٌ ذَلِيلٌ فَرَحِمَهُ، أَوْ غَنِيٍّ تَعَرَّضَ لَهُ عَبْدٌ فَقِيرٌ فَنَعَشَهُ.
اللَّهُمَّ لَا خَفِيرَ لِي مِنْكَ فَلْيَخْفُرْنِي عِزُّكَ
(31)
، ولَا شَفِيعَ لِي إِلَيْكَ فَلْيَشْفَعْ لِي فَضْلُكَ، وقَدْ أَوْجَلَتْنِي خَطَايَايَ فَلْيُؤْمِنِّي عَفْوُكَ
(32)
. فَمَا كُلُّ مَا نَطَقْتُ بِهِ عَنْ جَهْلٍ مِنِّي بِسُوءِ أَثَرِي، ولَا نِسْيَانٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ ذَمِيمِ فِعْلِي، لَكِنْ لِتَسْمَعَ سَمَاؤُكَ ومَنْ فِيهَا وأَرْضُكَ ومَنْ عَلَيْهَا مَا أَظْهَرْتُ لَكَ مِنَ النَّدَمِ، ولَجَأْتُ إِلَيْكَ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَرْحَمُنِي لِسُوءِ مَوْقِفِي، أَوْ تُدْرِكُهُ الرِّقَّةُ عَلَيَّ لِسُوءِ حَالِي فَيَنَالَنِي مِنْهُ بِدَعْوَةٍ هِيَ أَسْمَعُ لَدَيْكَ مِنْ دُعَائِي، أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْكَدُ عِنْدَكَ مِنْ شَفَاعَتِي تَكُونُ بِهَا نَجَاتِي مِنْ غَضَبِكَ وفَوْزَتِي
(33)
بِرِضَاكَ.
اللَّهُمَّ إِنْ يَكُنِ النَّدَمُ تَوْبَةً إِلَيْكَ فَأَنَا أَنْدَمُ النَّادِمِينَ، وإِنْ يَكُنِ التَّرْكُ لِمَعْصِيَتِكَ إِنَابَةً
(34)
فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنِيبِينَ، وإِنْ يَكُنِ الِاسْتِغْفَارُ حِطَّةً لِلذُّنُوبِ
(35)
فَإِنِّي لَكَ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ.
اللَّهُمَّ فَكَمَا أَمَرْتَ بِالتَّوْبَةِ، وضَمِنْتَ الْقَبُولَ، وحَثَثْتَ عَلَى الدُّعَاءِ، ووَعَدْتَ الْإِجَابَةَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، واقْبَلْ تَوْبَتِي، ولَا تَرْجِعْنِي مَرْجِعَ الْخَيْبَةِ مِنْ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ، والرَّحِيمُ لِلْخَاطِئِينَ الْمُنِيبِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ كَمَا هَدَيْتَنَا بِهِ، وصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ كَمَا اسْتَنْقَذْتَنَا بِهِ، وصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ صَلَاةً تَشْفَعُ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَوْمَ الْفَاقَةِ إِلَيْكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهُوَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ.
***
الهامش:
(1) يَا مَنْ لَا يَصِفُهُ نَعْتُ الْوَاصِفِينَ، أي: يا من تعجز أوصاف الواصفين وكلماتهم عن الإحاطة بعظمتك وحقيقتك وكمالك، فمهما حاول الواصفون أن يصفوك، فلن يبلغوا حقيقة جلالك وعظمتك يا الله.↩
(2) لَا يُجَاوِزُهُ: لا يتعدّاه، أي لا يتخطّاه إلى غيره.↩
المعنى: يا ربّ، لا يوجد من هو أعظم منك يُرجى، ولا أكرم منك تُؤمَّل رحمته وعطاؤه.
(3) تداولته: تعاقبت عليه وتناوبت في السَّيطرة عليه. ↩
والمعنى: يا ربّ، هذا موقفُ عبدٍ تكاثرت عليه الذّنوب، وتناوبت عليه المعاصي، حتَّى أصبحت كأنّها تتحكّم به وتجرّه من ذنبٍ إلى آخر.
(4) أَزِمَّةُ: جَمْع (زِمَام)، وهو ما تُقاد به الدَّابّة من حبل أو غيره. ↩
والمعنى: التَّعبير يصوّر الإنسان وقد استسلم للمعاصي حتَّى صار كأنّ الخطايا تمسك بزمامه وتقوده حيث تشاء.
(5) التّغرير من غرّر: خدعه وأَطمعه بالباطل. ↩
والمعنى: أي أنّه أقدم على ارتكاب ما نهيتَ عنه، غافلًا عن عاقبته، ومُعرِّضًا نفسَه للخطر والهلاك.
(6) تَقَشَّعَتْ: زالت، وتفرَّقت، وانكشفت. السّحائب: الغيوم. ↩
والمعنى: حتّى إذا انكشفت عنه غشاوة الضَّلال والغفلة وزالت، فأصبح يرى الحقيقة بوضوح...
(7) الجليل: العظيم. تعني أنّه رأى مخالفته لله أمرًا عظيمًا وخطيرًا بحقّ نفسه وبحقّ ربّه، فاستشعر عظم الذَّنب وهيبته في قلبه.↩
(8) مؤمّلًا: من الأمل: أي راجيًا رحمتك ومغفرتك.↩
(9) أفرخ روعه: أي هدأ خوفه وسكن اضطرابه. والمحذور: هو كلّ شيء يُخاف منه ويُحذر وقوعه. ↩
والمعنى: أنّ خوفه وقلقه قد سكن واطمأنَّ، فلم يعد يخاف من شيءٍ أو أحدٍ بعد توبته إلّا الله.
(10)مثل بين يديه: وقف بين يديك. ↩
(11) متخشّعًا: تعني: في حالة خضوعٍ وخشوعٍ تامٍّ لله تعالى.↩
(12) أبثّك من سرّه: البثُّ في اللّغة هو النَّشر والإظهار، ويُقال: بثثتُ له شكواي، أي أخرجتُ له ما في قلبي دفعة واحدة دون إخفاء. ↩
(13) أَدْبَرَتْ لَذَّاتُهَا فَذَهَبَتْ، وأَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا فَلَزِمَتْ: أي أنّ هذه الذنوب كانت لها لذّة مؤقّتة زالت وانتهت، أمَّا آثارها ونتائجها (التَّبعات)، فقد بقيت تلازم الإنسان. ↩
(14)مُتَنَجِّزًا: تنجّز الأمر: طَلَبَ إنْجَازَهُ وَقَضاءهُ. أي أنّه يطلب من الله أن يحقّق له ما وعد به من الاستجابة والتَّوبة والرَّحمة، معتمدًا على وعده وواثقًا بتحقّقه.↩
(15) المصارع جمع مصرع: وهو مكان السّقوط وموضع الهلاك. والمعنى: يسأل الله أن يرفعه عن مواضع الهلاك والسّقوط في الذّنوب، وأن يُبعده عن أسباب المعصية الّتي تُرديه وتهلكه.↩
(16) تأنّيتني: من الأناة، وهو التّمهّل، والبطء، وعدم العجلة. واسْتُرْنِي بِسِتْرِكَ كَمَا تَأَنَّيْتَنِي عَنِ الِانْتِقَامِ مِنِّي: أي كما أمهلتني ولم تُنزِل بي العقوبة فورًا، رغم ذنوبي. ↩
(17) الدَّنس: الوسخ والقذارة. الخَطايا: الذنوب والمعاصي. ↩
(18) سَوَالِفِ: جمع سَالِف، وهو ما مَضى وتَقَدّم وسَبَق من العُمر والزمن. زَلَّاتِي: جمع زَلَّة، وهي السَّقطة أو الهفوة، مأخوذة من زلل القدم حين تنزلق على طين أو أرض ملساء...↩
حوادثها: جمع حَادِثَة، والمراد بها هنا: الذّنوب الجديدة.
والمعنى: يا ربّ، إنيّ أتوب إليك من كلّ ما صدر عني من زلّات قديمة وحديثة.
(19) أي يا ربّ، أنا أتوب إليك، وأتعهَّد لك وألتزم بالعهد أن لا أرجع إلى ما يُغضبك أو تكرهه من الذّنوب والمعاصي.↩
(20) وضَمَانِي: الضَّمان في اللّغة هو الالتزام، والكفالة، وتعهّد الشَّخص بأن يؤدّي ما عليه تامًّا دون نقص.↩
مذمومك: أي كلّ ما تذمّه وتبغضه من الأفعال والمعاصي.
والمعنى: يا ربّ، أسألك أن تُثبّتني وتُعينني بحيث لا أعود إلى ما تذمّه وتكرهه من الذّنوب والمعاصي.
(21)التَّبِعَات: جمع تَبِعَة، وهي عاقبة الأمر وما ينشأ عنه من أثر. وهي أيضًا كُلُّ ما يَتَرَتَّبُ على التَّصَرُّفِ ويَتَعَلَّقُ بِهِ. ↩
والمعنى: يا ربّ، ما زالت عليَّ تبعات وحقوق؛ منها تبعات وعيتها وحفظتها في ذاكرتي وأنا أعترف بها بين يديك، ومنها تبعات أخرى قد نسيتها وغفلت عنها ولكنَّها محصاة في علمك.
(22) حَطَّ الأحمالَ عن الدَّابَّة: أي أنزلها عنها وخفَّف ثقلها. الوزر: الحمل الثّقيل.↩
والمعنى: يا ربّ، خفّف عنّي حمل هذه الذّنوب الَّتي هي عليّ، فلا تُبقِ عليّ ثقلها وعقوبتها.
(23) أقارف: أرتكب، أعمل.↩
والمعنى: يا ربّ، احفظني وامنعني من أن أعود إلى ارتكاب مثل هذه الذّنوب مرَّة أخرى.
(24) أي: أسألك أن تهب لي العفو عن سوء فعلي وتتجاوز عنه.↩
(25) كنف الطّائر: جناحه. وكنف الله: رحمته وستره وحفظه. والتّطوّل هو التّفضّل والإنعام.↩
والمعنى: أدخلني، يا ربّ، في رحمتك الواسعة، وأحطني بعطفك ولطفك، لا لأنّي أستحقّ ذلك، بل تكرّمًا منك وإحسانًا.
(26) الجوارح هي أعضاء الإنسان، كالعين واللّسان واليد وغيرها. على حيالها: أي كلّ جارحةٍ على انفرادها بحسب ما صدر عنها. التّبعات: مفردها تبعة: وهي النتائج والعواقب والمسؤوليّات المترتّبة على الذّنوب أمام الله تعالى. ↩
والمعنى: يا ربّ، إنّي أتوب إليك توبةً صادقةً توبةً تنجو بها كلُّ جارحةٍ من جوارحي من تبعات الذّنوب وآثارها ومحاسبتها عندك.
(27)السّطوة: البطش والقوّة. ↩
والمعنى: أن تكون هذه التَّوبة سببًا لأمني من العقاب الشَّديد والبأس المؤلم الّذي يخشاه الظَّالمون والعصاة المعتدون على حدود الله.
(28) الوجيب: صوت خفقان القلب باضطراب ورجفة.↩
والمعنى: اللّهمّ ارحم قلبي الّذي يرتجف ويخفق خوفًا منك وهيبةً لجلالك، وخشيةً من التَّقصير والذّنوب.
(29) المعنى: يا ربّ، لقد جعلتني ذنوبي أقف موقف الذلّ والافتضاح والانكسار بين يديك.↩
(30) الطّول: الفضل والغنى واليسر.↩
والمعنى: يا ربّ، أفِض عليَّ من عطائك وكرمك الواسع، ولا تحرمني من إحسانك.
(31) الخفير: الحامي والمجير. ↩
والمعنى: يا ربّ، لا يوجد من يحميني منك أو يمنع عنّي عقابك إذا أردتَ بي سوءًا، فليكن عزّك هو الأمان لي.
(32) أوجلتني من الوجل، وهو الخوف الشَّديد. فليؤمنّي عفوك: أي: فليمنحني عفوك الأمان من العقوبة والخوف.↩
والمعنى: يا ربّ، لقد ملأتني ذنوبي خوفًا وقلقًا واضطرابًا، فاجعل عفوك سببًا لأمني وطمأنينتي.
(33) فوزتي: من الفوز: الظّفر. أي ظفري برضا الله ورحمته والنَّجاة من العذاب. ↩
(34) الإنابة: الرّجوع إلى الله.↩
(35) الحطّة: حَطَّ الحِمْلَ عن البعير، أي أنزله عنه وخفَّف به ثقله. فالحطّ من الذّنوب هو إنزالها عن كاهل الإنسان.↩
والمعنى: إذا كان الاستغفار سببًا لمحو الذّنوب وإسقاط آثارها والتّخفيف منها، فأنا لك من المستغفرين.