محاضرات
29/07/2026

بين المستضعفين والمستكبرين: مسؤوليَّة الوعي وصناعة القوَّة

يقول الله سبحانه وتعالى، وهو يحدّثنا عن المستضعفين والمستكبرين عندما يلتقون في نار جهنّم، ويعيشون وحدة المصير، ويدور الحوار بينهم: ‏{‏وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتَضْعَفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏(سبأ: 31 - 33).

وتتكرَّر هذه الأحاديث القرآنيّة في أكثر من آيةٍ، فنجد أنَّ بعض الآيات تتضمّن استعطاف المستضعفين للمستكبرين، في أن يخفّفوا عنهم شيئًا من عذاب الله: ‏{‏وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ‏}‏(إبراهيم: 21).

وهكذا نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يتحدّث عن المستكبرين والمستضعفين بطريقةٍ أخرى: ‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏(البقرة: 166 - 167).

هذا هو الجوّ الّذي نحتاج أن نعيشه ونحن في الدّنيا، لنستطيع من خلال التّأمّل فيه، أخذ العبرة منه، وتخطيط حياتنا من خلاله.. وهو الجوّ الَّذي استعاده القرآن في أكثر من آيةٍ مع وحدة المضمون، أو مع اختلافٍ في بعض الخصوصيّات فيه.. نحتاج أن نعيشه دائمًا، لأنَّ المشكلة الّتي نعيشها في كلّ موقعٍ في العالم هي مشكلة المستضعفين والمستكبرين، لأنّنا عندما ندرس كلّ تعقيدات العالم ومشاكله وحروبه، وكلّ الضّغوط المتنوّعة الّتي تحيط بالنَّاس فيه، نجد أنَّ مشكلته هي مشكلة استضعافٍ واستكبارٍ.

أصناف المستضعفين والمستكبرين

هناك فئةٌ من النَّاس يعيشون الضّعف في أنفسهم، أو يوحون إلى أنفسهم بالضّعف، كما في بعض النّاس الّذين يملكون القوّة ولكنّهم يخافون من استخدامها، من جهة خوفهم من النّتائج السّلبيَّة الّتي تحدث من خلال ذلك. وهناك ضعفاء يستضعفهم النَّاس، وهناك مستضعفون يستضعفون أنفسهم، فيسلّمون أنفسهم للأقوياء وهم قادرون على أن يتماسكوا.

وهناك، في المقابل، مستكبرون ينطلقون في حياتهم من عقدة العلوّ في الأرض، لأنّهم يرون أنفسهم أكبر من النَّاس، ويرون شخصيّاتهم أضخم من شخصيّات النَّاس، لما يملكونه من قوَّة مالٍ، أو قوَّة سلاحٍ، أو قوَّة موقعٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ، بحيث يواجهون أناسًا يشعرون بالضّعف أمامهم، فلا يحتاجون إلى جهدٍ حتّى يخضعوهم لهم.

هؤلاء المستكبرون في الأرض، قد يتمثّلون في أشخاصٍ، وقد يتمثّلون في عوائل، وقد يتمثّلون في محاور سياسيّةٍ، وقد يتمثّلون في دولٍ كبرى أو دولٍ صغرى.

فعندما نواجه هذه المسألة، كيف نتحرّك أمامها من خلال مسؤوليَّاتنا؟ لأنَّ مسألة الاستضعاف والاستكبار في تأثيراتها السَّلبيَّة، هي مسألةٌ لا تتَّصل بالجانب الدّنيويّ فقط، بل إنّها تتَّصل بالجانب الأخرويّ أيضًا.

فأنت كإنسانٍ، إذا خضعت لإنسانٍ، وقادك هذا الإنسان إلى الضّلال - سواء كان الضَّلال ضلالًا في العقيدة، أو ضلالًا في الخطّ، أو ضلالًا في العمل والسّلوك - فأنت لا تسقط في موقعك في الدّنيا فحسب، ولكن تسقط في موقعك في الآخرة أيضًا، لأنَّ الله لم يجعل استضعافك مبرّرًا لك، ومؤمِّنًا لك من نار جهنّم، إلّا إذا كان استضعافك بالمستوى الَّذي يحوّلك إلى إنسانٍ عاجزٍ مشلولٍ لا يستطيع حيلةً ولا يهتدي سبيلًا {فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ}[النساء: 99]. أمَّا إذا كنت إنسانًا تملك أن تقول، وأن تخطّط، وأن تجابه، وأن تتعاون مع الآخرين، ولكنّك لا تحبّ وجع الرّأس، ولا تحبّ لنفسك الأذى، فتستسلم، وتُعطي بيدك إعطاء الذَّليل، وتقرّ للمستكبرين إقرار العبيد؛ فإنّ ذلك لن يكون مبرّرًا لك أمام الله.

الضّعف ليس مبرّرًا للاستسلام

ونحن نقرأ القرآن، ولكنَّنا نقرأه بطريقةٍ جامدةٍ، ولا نقرأه بطريقةٍ متحرّكةٍ.

يقول تعالى: ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ - بمعنى تتوفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بالكفر، أو ظلموها بالانحراف، أو ظلموها بظلم النَّاس. ووقفوا أمام الملائكة، وبدأ السّؤال والجواب - قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ - في أيّ موقعٍ كنتم؟ بأيّ وضعٍ كنتم؟ في أيّ خطٍّ كنتم؟ في أيّ ظروفٍ كنتم؟ -  قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ - كنَّا ضعفاء، وكان الأقوياء يستضعفوننا؛ كانوا يفرضون علينا الكفر فنكفر، وكانوا يهيّئون لنا أجواء الفسق فنفسق، وكانوا يقودوننا نحو الانحراف عن الخطّ المستقيم فننحرف، وكانوا يخوّفوننا من أنفسهم فنخافهم، ويؤمّنوننا من الله فنأمن إذا عصيناه. وهكذا، كنَّا مجرَّد صدىً لهم، كنّا خشبةً في مجرى التّيّار، كنّا شيئًا لا يتماسك ولا يقف، كنَّا مستضعفين في الأرض، ونحن نعتبر ذلك عذرًا لنا.

- قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا - فإذا كانت هناك ضغوطٌ مطبقةٌ عليكم، بحيث تؤدّي بكم إلى الكفر بالله أو إلى معصيته، فهل إنَّ المكان الَّذي يسيطر عليه المستكبرون الّذين يضغطون عليكم هو كلّ أرض الله؟ ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها؟ ويسكتون، لأنَّهم لا يملكون جوابًا - فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا‏}‏(النساء: 97).

الضّعف ليس مبرّرًا لك، إذا كنت تستطيع أن تجد منفذًا أو موقعًا أو ساحةً تتخلَّص فيها من الضّغط لتحصل على القوّة، ثمّ لترجع من جديدٍ حيث تكون لك القوَّة على المستكبرين.

والمستثنى من هؤلاء ممّن يمكن أن يكونوا معذورين عند الله {‏إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا‏}‏(النساء: 98 - 99).

إنَّ هذه الآيات القرآنيَّة تقول لك: إذا كنت تملك قدرًا من القوَّة تواجه به القويّ، أو كنت تملك فرصةً للتَّخلّص منه ولو بالابتعاد عن ساحته، فإنَّه لا عذر لك عند الله في ذلك كلّه.

ومصيرك هو مصير المستكبر عند الله، وهذا ما أشارت إليه الآيات الّتي قرأناها، وما تشير إليه آيات أخرى، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}[غافر: 47 - 48].

يعني ليس هناك فرقٌ بين مصير المستكبر والمستضعف في النَّتيجة. ولماذا ذلك؟ لأنَّ الله أعطاك قوّةً كما أعطاه قوّةً، وأعطاك عقلًا كما أعطاه عقلًا، وأعطاك إرادةً كما أعطاه إرادةً. كان ضعيفًا فأخذ بأسباب القوّة فصار قويًّا، وأنت إذا كنت ضعيفًا، فإنّ عليك أن تأخذ بأسباب القوّة لتكون قويًّا.. فلماذا جمّدت نفسك؟ ولماذا أسقطت قوَّتك؟ ولماذا أسقطت موقعك؟ لقد خلق الله لك عقلًا يفكّر، فإذا طرح عليك المستكبر أو القويّ فكرًا معيّنًا فيه ضلالٌ لك، فلماذا لا تُعمِلُ عقلك؟ لماذا تجعل عقلك ينحني لعقله؟ ولماذا تجعل إرادتك تسقط أمام إرادته؟

إنَّك تستطيع أن تناقش فكره وتناقش طروحاته، وتستطيع أن تتَّخذ لنفسك عقيدةً وقناعةً تختلف عمّا يفرضه عليك. وإذا كان المستكبر يستطيع أن يضغط على جسدك ليُخضعه، فإنَّه لا يستطيع أن يضغط على فكرك، لأنّ الفكر لا يستطيع أحدٌ أن يضغط عليه، ولا يستطيع أحدٌ أن يُسقطه إذا كان صاحبه لا يُسقطه.

لهذا، يؤكّد القرآن دائمًا فكرة أن يصنع النَّاس القوّة لأنفسهم. إذا كنت ضعيف العلم فاصنع لنفسك قوَّة العلم: ‏{وَقُل ‏رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا‏}‏(طه: 114). وإذا كنت ضعيف الجسد، فقوّ جسدك. وإذا كنت ضعيف الموقع، فقوّ موقعك ‏{‏وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ - اجمعوا ما تستطيعون من قوّةٍ، أيًّا كان حجم القوّة - ‏وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ‏}‏(الأنفال: 60). لا تسقط أمام إرهاب العدوّ لك، بل اعمل على أن تكون أنت الَّذي ترهب عدوّك من خلال قوّتك الّتي تصنعها.

لهذا لا يريد الله للإنسان أن يستسلم أمام القويّ.

مسؤوليّة صناعة القوّة

ولعلّنا في دراستنا للقرآن الكريم، نستطيع أن نخرج بفكرةٍ، وهي أنَّ الله سبحانه وتعالى يُثير أمامنا دائمًا نقاط ضعف الأقوياء، وفي مقابلها عظمة القوَّة عنده، يريدنا الله دائمًا أن ندخل في مقارنةٍ بين قوَّته وقوَّة الّذين يسيطرون على الأرض، ولذا يكرّر سبحانه ‏{‏أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏(البقرة: 165)، و‏{‏إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏(يونس: 65)، ويحدّثنا: ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ‏إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}‏(الحج: 73 - 74). و‏{‏وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏}‏(الزّمر: 67).

إنَّ الله سبحانه يحدّثنا دائمًا عن عظمته، عن كبريائه، عن جبروته، عن عزَّته وقوَّته. لماذا ذلك؟ حتّى تمتلئ القلوب بعظمته سبحانه، فإذا امتلأت بعظمته، فلا يمكن أن يكون فيها مكانٌ لعظمة أحد من النّاس.. أن تفرّغ قلبك من عظمة كلّ عظيمٍ، لتبقى العظمة لله وحده.

وإذا عشت عظمة الله في نفسك، فإنَّ عظمته في إيمانك به تكون في قلبك مثل الينبوع الَّذي يتفجَّر وتشرب منه الماء دائمًا. وهذا ما عاشه الرّسول (ص) في ليلة الهجرة، إذ يقول لصاحبه: ‏{‏لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا‏}‏(التَّوبة: 40)، بحيث إنّه (ص) وهو في أشدّ حالات الضّعف والخطر، كان قلبه ممتلئًا بالله، وكان يرى الكون كلّه ممتلئًا بالله. ولذلك، عندما خوَّفه النّاس بالنّاس، شعر بالأمن من خلال الله ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏(آل عمران: 173).

هذه نقطةٌ، أيُّها الأحبَّة، نحتاج أن نعيشها في حياتنا، ولا سيَّما في المراحل الصّعبة الّتي يريد الاستكبار أن يفرض نفسه علينا، ليُسقط روحنا، وليُسقط مواقعنا ومواقفنا وحياتنا. ولذلك، فإنَّ التّربية الإسلاميّة ركّزت على نقطةٍ، وهي أنَّك إذا لم تستطع أن ترفض المنكر بيدك فارفضه بلسانك، فإذا لم تستطع أن ترفضه بلسانك فارفضه بقلبك.

ليكن قلبك الرَّافض لكلّ القوى المستعلية المستكبرة الطَّاغية، سواء تمثّلت في شخصٍ، أو في جماعةٍ، أو في دولةٍ، لأنّك إذا استطعت أن تعيش الرّفض في قلبك، فإنَّ ذلك يجعلك تتماسك وتثبت، وتتمرّد على كلّ الأشياء الّتي تريد أن تهزّ موقفك، أو تريد أن تُسقطك في موقفك.

هذا ما يؤكّده القرآن الكريم لنا، وهذا ما كان النّبيّ (ص) يثيره في المسلمين عندما كانوا ضعفاء، وكان يدعوهم إلى أن يواجهوا الأقوياء من خلال ما كان يثيره في نفوسهم من عناصر القوّة الخفيّة الّتي لم يكونوا ينتبهون إليها.

نحن أقوياء، ولكنّنا لا ندرس عناصر قوَّتنا، تمامًا كما هو الإنسان الّذي يملك مالًا كثيرًا ولكنّه مدفونٌ في الأرض، ولا يحاول أن يبحث في الأرض ليستخرجه.

سرُّ القوَّة بالإيمان

ولذلك، علينا أن نواجه المسألة في البداية من النَّاحيتين النّفسيَّة والإعلاميَّة. ففي أكثر التَّجارب الّتي نمرّ بها، تكون هناك قوّةٌ مسيطرةٌ، سواء كانت قوَّة ميليشياتٍ، أو قوّة طاغيةٍ اجتماعيّ، أو طاغيةٍ سياسيٍّ، أو دولةٍ، أو محورٍ دوليٍّ، فتجد النَّاس يجبّن بعضهم بعضًا، ويحاول كلّ فريقٍ أن يوحي إلى الفريق الآخر أو إلى بيئته، بأنّه لا جدوى من بناء القوَّة أو الاستعداد للمواجهة. وبذلك، قد يكون هناك شخصٌ واحدٌ ضعيفٌ في البلد، ولكنَّ النَّاس تضخّم قوّته. افرض أنَّ هذا الشّخص معه عشرة آلافٍ، لكنَّ العشرة آلافٍ موزّعون في منطقةٍ فيها مليون شخصٍ.

من أين يسقط النَّاس؟ أمام السّلاح؟ أمام الطّغيان الاجتماعيّ؟ أمام الطّغيان الماليّ؟ أمام الطّغيان السّياسيّ؟ من أين يسقط النَّاس؟ النَّاس يسقطون لأنّهم يحاولون أن يحطّموا قوَّة بعضهم بعضًا، على الطَّريقة الّتي كانت في "خيبر"، ففي معركة خيبر، أرسل رسول الله (ص) رجلًا ومعه جماعةٌ من المسلمين ليستطلع الأحوال، ‏"فَرَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَيُجَبِّنُونَهُ"، فكان يقول لهم: والله إنَّ هؤلاء لا يُقهَرون، وهم يوافقونه ويقولون له إذًا يجب أن نرجع، فلا نستطيع أن نقتحم... ثمَّ أرسل (ص) شخصًا ثانيًا، فرجع أيضًا يجبّن أصحابه ويجبّنونه، وعندما جاء الدّور على أمير المؤمنين (ع)، اختلفت المسألة..

ولكن ما هي قصّة أمير المؤمنين (ع)؟ هل إنَّ عضلاته كانت أقوى من عضلات الآخرين؟ هل إنَّ سيف "ذي الفقار" فيه قوّةٌ غيبيّةٌ وقوّةٌ سحريّةٌ تختلف عن سيوف الآخرين؟ هو سيفٌ من السّيوف، لم ينزل من الجنَّة ولا من أيّ مكانٍ. إذًا، هل إنَّ الجماعة الّذين ساروا مع عليٍّ (ع)، أو الّذين كانوا يريدون أن يسيروا معه، أكثر من أولئك الجماعة الّذين سبقوهم؟ لم يكونوا أكثر.

ما هي المسألة إذًا؟ المسألة هي أنَّ عليًّا (ع) كان يعيش في إيمانه سرَّ القوّة، وكان يستمدّ قوَّته من الله ومن محبَّته له، ولذلك كان كما وصفه النَّبيّ (ص): ‏"كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ". لم تكن تُسقطه التَّهاويلُ ولا الاستعراضاتُ النَّفسيَّة، فقد كان الفرسانُ في تلك الأيَّام يخرجون إلى الميدان بأسلوب التَّخويف والتَّرهيب ليرتجف الخصم، تماماً كما قال مبارزُه: "أنا الَّذي سمّتني أمّي مرحبًا"، وكان بمجرَّد أن يُعلن اسمَه - ومرحبٌ معروفٌ ببأسه - يُتوقَّع من خصمه أن يرتجف ويهتزّ وينسحب.

 لكنَّ عليًّا (ع) قال له: "أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَة"، ولم يذكر اسم عليٍّ، لأنَّ كلمة "حيدرة" من أسماء الأسد، يعني أنّه لا يخاف. عند ذلك، انطلقت المعركة، وانتهت بسقوط مرحبٍ، وباقتلاع الإمام (ع) للباب وسيطرته على الحصن.

وَنُقل عنه (ع) قوله: "والله، ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوَّة جسديَّة، ولا حركة غذائيَّة، لكنَّني أيّدت بقوَّة ملكوتيَّة". والقوّة الرَّبّانيّة لا تعني أنَّ الله أعطاه القوَّة هكذا، بل معناها أنَّه كان يعيش مع الله بملء وجوده، فكان كلّما أوشك جسدُه أن يضعف، رفَدَهُ إيمانُه بالقوَّة، فيتصلَّبُ ويشتدّ. هذه هي المسألة.

الإنسان، في كثيرٍ من الحالات، قد تكون عنده بندقيّةٌ أفضل من بندقيّة عدوّه، ويملك القدرة على مقاتلته بها، لكنَّه لا يملك أعصابًا، ولا قلبًا ثابتًا، ولا يثق بنفسه. عندئذٍ، قد يستطيع شخصٌ يحمل عصًا أن يهزم جيشًا، إذا كان ذلك الجيش يعيش هذه العقليَّة الانهزاميّة.

لاحظوا تقييم النّبيّ (ص) لعليّ (ع): "رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". وسرّ عليّ بن أبي طالبٍ (ع) هو هذا؛ أنّه أحبّ الله ورسوله، وعمل على أن يرضى الله ورسوله عنه في كلّ موقفٍ. ولذلك، لم يعرف الخوف طريقًا إلى قلب عليّ (ع)، لأنَّ الله كان في عقله وقلبه وإحساسه، وكان الله أمامه، ومن بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله. كان يقول: ‏"مَا رَأَيْتُ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَمَعَهُ". إنَّ أمير المؤمنين (ع) ليس ذلك الشَّخص الأسطوريّ في قوّته الجسديَّة، ولكنّه ذلك الشَّخص العظيم في قوّته الرّوحيّة والإيمانيَّة.

لذلك، نحن في الدَّرجة الأولى، لا بدَّ أن لا يجبّن بعضنا بعضًا ويخوّف بعضنا بعضًا، بل علينا أن نقول كما قال أولئك: ‏{‏حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏(آل عمران: 173)، وننطلق من الله، وإذا ارتبطنا بالله، استطعنا أن نثبّت أقدامنا، وعندما نثبّت أقدامنا، نثبّت مواقفنا، وعند ذلك نفكّر، ونخطّط، ونكتشف الكثير من عناصر القوَّة في حياتنا. هذا إذا أردنا أن لا يسحقنا الطّغاة، وإذا أردنا أن لا نعيش على موائد الآخرين ليُلقوا إلينا بفتاتهم، وليعملوا على أساس أن نكون الضّعفاء دائمًا، لأنَّ المشكلة الّتي نعيشها في العالم - كما قلنا - هي أنَّ هناك أقوياء لا يسمحون للضَّعيف أن يكون قويًّا... 

* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد بئر العبد، يوم الجمعة للرّجال، بتاريخ: 05/07/1991م.

يقول الله سبحانه وتعالى، وهو يحدّثنا عن المستضعفين والمستكبرين عندما يلتقون في نار جهنّم، ويعيشون وحدة المصير، ويدور الحوار بينهم: ‏{‏وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتَضْعَفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏(سبأ: 31 - 33).

وتتكرَّر هذه الأحاديث القرآنيّة في أكثر من آيةٍ، فنجد أنَّ بعض الآيات تتضمّن استعطاف المستضعفين للمستكبرين، في أن يخفّفوا عنهم شيئًا من عذاب الله: ‏{‏وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ‏}‏(إبراهيم: 21).

وهكذا نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يتحدّث عن المستكبرين والمستضعفين بطريقةٍ أخرى: ‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏(البقرة: 166 - 167).

هذا هو الجوّ الّذي نحتاج أن نعيشه ونحن في الدّنيا، لنستطيع من خلال التّأمّل فيه، أخذ العبرة منه، وتخطيط حياتنا من خلاله.. وهو الجوّ الَّذي استعاده القرآن في أكثر من آيةٍ مع وحدة المضمون، أو مع اختلافٍ في بعض الخصوصيّات فيه.. نحتاج أن نعيشه دائمًا، لأنَّ المشكلة الّتي نعيشها في كلّ موقعٍ في العالم هي مشكلة المستضعفين والمستكبرين، لأنّنا عندما ندرس كلّ تعقيدات العالم ومشاكله وحروبه، وكلّ الضّغوط المتنوّعة الّتي تحيط بالنَّاس فيه، نجد أنَّ مشكلته هي مشكلة استضعافٍ واستكبارٍ.

أصناف المستضعفين والمستكبرين

هناك فئةٌ من النَّاس يعيشون الضّعف في أنفسهم، أو يوحون إلى أنفسهم بالضّعف، كما في بعض النّاس الّذين يملكون القوّة ولكنّهم يخافون من استخدامها، من جهة خوفهم من النّتائج السّلبيَّة الّتي تحدث من خلال ذلك. وهناك ضعفاء يستضعفهم النَّاس، وهناك مستضعفون يستضعفون أنفسهم، فيسلّمون أنفسهم للأقوياء وهم قادرون على أن يتماسكوا.

وهناك، في المقابل، مستكبرون ينطلقون في حياتهم من عقدة العلوّ في الأرض، لأنّهم يرون أنفسهم أكبر من النَّاس، ويرون شخصيّاتهم أضخم من شخصيّات النَّاس، لما يملكونه من قوَّة مالٍ، أو قوَّة سلاحٍ، أو قوَّة موقعٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ، بحيث يواجهون أناسًا يشعرون بالضّعف أمامهم، فلا يحتاجون إلى جهدٍ حتّى يخضعوهم لهم.

هؤلاء المستكبرون في الأرض، قد يتمثّلون في أشخاصٍ، وقد يتمثّلون في عوائل، وقد يتمثّلون في محاور سياسيّةٍ، وقد يتمثّلون في دولٍ كبرى أو دولٍ صغرى.

فعندما نواجه هذه المسألة، كيف نتحرّك أمامها من خلال مسؤوليَّاتنا؟ لأنَّ مسألة الاستضعاف والاستكبار في تأثيراتها السَّلبيَّة، هي مسألةٌ لا تتَّصل بالجانب الدّنيويّ فقط، بل إنّها تتَّصل بالجانب الأخرويّ أيضًا.

فأنت كإنسانٍ، إذا خضعت لإنسانٍ، وقادك هذا الإنسان إلى الضّلال - سواء كان الضَّلال ضلالًا في العقيدة، أو ضلالًا في الخطّ، أو ضلالًا في العمل والسّلوك - فأنت لا تسقط في موقعك في الدّنيا فحسب، ولكن تسقط في موقعك في الآخرة أيضًا، لأنَّ الله لم يجعل استضعافك مبرّرًا لك، ومؤمِّنًا لك من نار جهنّم، إلّا إذا كان استضعافك بالمستوى الَّذي يحوّلك إلى إنسانٍ عاجزٍ مشلولٍ لا يستطيع حيلةً ولا يهتدي سبيلًا {فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ}[النساء: 99]. أمَّا إذا كنت إنسانًا تملك أن تقول، وأن تخطّط، وأن تجابه، وأن تتعاون مع الآخرين، ولكنّك لا تحبّ وجع الرّأس، ولا تحبّ لنفسك الأذى، فتستسلم، وتُعطي بيدك إعطاء الذَّليل، وتقرّ للمستكبرين إقرار العبيد؛ فإنّ ذلك لن يكون مبرّرًا لك أمام الله.

الضّعف ليس مبرّرًا للاستسلام

ونحن نقرأ القرآن، ولكنَّنا نقرأه بطريقةٍ جامدةٍ، ولا نقرأه بطريقةٍ متحرّكةٍ.

يقول تعالى: ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ - بمعنى تتوفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بالكفر، أو ظلموها بالانحراف، أو ظلموها بظلم النَّاس. ووقفوا أمام الملائكة، وبدأ السّؤال والجواب - قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ - في أيّ موقعٍ كنتم؟ بأيّ وضعٍ كنتم؟ في أيّ خطٍّ كنتم؟ في أيّ ظروفٍ كنتم؟ -  قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ - كنَّا ضعفاء، وكان الأقوياء يستضعفوننا؛ كانوا يفرضون علينا الكفر فنكفر، وكانوا يهيّئون لنا أجواء الفسق فنفسق، وكانوا يقودوننا نحو الانحراف عن الخطّ المستقيم فننحرف، وكانوا يخوّفوننا من أنفسهم فنخافهم، ويؤمّنوننا من الله فنأمن إذا عصيناه. وهكذا، كنَّا مجرَّد صدىً لهم، كنّا خشبةً في مجرى التّيّار، كنّا شيئًا لا يتماسك ولا يقف، كنَّا مستضعفين في الأرض، ونحن نعتبر ذلك عذرًا لنا.

- قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا - فإذا كانت هناك ضغوطٌ مطبقةٌ عليكم، بحيث تؤدّي بكم إلى الكفر بالله أو إلى معصيته، فهل إنَّ المكان الَّذي يسيطر عليه المستكبرون الّذين يضغطون عليكم هو كلّ أرض الله؟ ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها؟ ويسكتون، لأنَّهم لا يملكون جوابًا - فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا‏}‏(النساء: 97).

الضّعف ليس مبرّرًا لك، إذا كنت تستطيع أن تجد منفذًا أو موقعًا أو ساحةً تتخلَّص فيها من الضّغط لتحصل على القوّة، ثمّ لترجع من جديدٍ حيث تكون لك القوَّة على المستكبرين.

والمستثنى من هؤلاء ممّن يمكن أن يكونوا معذورين عند الله {‏إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا‏}‏(النساء: 98 - 99).

إنَّ هذه الآيات القرآنيَّة تقول لك: إذا كنت تملك قدرًا من القوَّة تواجه به القويّ، أو كنت تملك فرصةً للتَّخلّص منه ولو بالابتعاد عن ساحته، فإنَّه لا عذر لك عند الله في ذلك كلّه.

ومصيرك هو مصير المستكبر عند الله، وهذا ما أشارت إليه الآيات الّتي قرأناها، وما تشير إليه آيات أخرى، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}[غافر: 47 - 48].

يعني ليس هناك فرقٌ بين مصير المستكبر والمستضعف في النَّتيجة. ولماذا ذلك؟ لأنَّ الله أعطاك قوّةً كما أعطاه قوّةً، وأعطاك عقلًا كما أعطاه عقلًا، وأعطاك إرادةً كما أعطاه إرادةً. كان ضعيفًا فأخذ بأسباب القوّة فصار قويًّا، وأنت إذا كنت ضعيفًا، فإنّ عليك أن تأخذ بأسباب القوّة لتكون قويًّا.. فلماذا جمّدت نفسك؟ ولماذا أسقطت قوَّتك؟ ولماذا أسقطت موقعك؟ لقد خلق الله لك عقلًا يفكّر، فإذا طرح عليك المستكبر أو القويّ فكرًا معيّنًا فيه ضلالٌ لك، فلماذا لا تُعمِلُ عقلك؟ لماذا تجعل عقلك ينحني لعقله؟ ولماذا تجعل إرادتك تسقط أمام إرادته؟

إنَّك تستطيع أن تناقش فكره وتناقش طروحاته، وتستطيع أن تتَّخذ لنفسك عقيدةً وقناعةً تختلف عمّا يفرضه عليك. وإذا كان المستكبر يستطيع أن يضغط على جسدك ليُخضعه، فإنَّه لا يستطيع أن يضغط على فكرك، لأنّ الفكر لا يستطيع أحدٌ أن يضغط عليه، ولا يستطيع أحدٌ أن يُسقطه إذا كان صاحبه لا يُسقطه.

لهذا، يؤكّد القرآن دائمًا فكرة أن يصنع النَّاس القوّة لأنفسهم. إذا كنت ضعيف العلم فاصنع لنفسك قوَّة العلم: ‏{وَقُل ‏رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا‏}‏(طه: 114). وإذا كنت ضعيف الجسد، فقوّ جسدك. وإذا كنت ضعيف الموقع، فقوّ موقعك ‏{‏وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ - اجمعوا ما تستطيعون من قوّةٍ، أيًّا كان حجم القوّة - ‏وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ‏}‏(الأنفال: 60). لا تسقط أمام إرهاب العدوّ لك، بل اعمل على أن تكون أنت الَّذي ترهب عدوّك من خلال قوّتك الّتي تصنعها.

لهذا لا يريد الله للإنسان أن يستسلم أمام القويّ.

مسؤوليّة صناعة القوّة

ولعلّنا في دراستنا للقرآن الكريم، نستطيع أن نخرج بفكرةٍ، وهي أنَّ الله سبحانه وتعالى يُثير أمامنا دائمًا نقاط ضعف الأقوياء، وفي مقابلها عظمة القوَّة عنده، يريدنا الله دائمًا أن ندخل في مقارنةٍ بين قوَّته وقوَّة الّذين يسيطرون على الأرض، ولذا يكرّر سبحانه ‏{‏أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏(البقرة: 165)، و‏{‏إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏(يونس: 65)، ويحدّثنا: ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ‏إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}‏(الحج: 73 - 74). و‏{‏وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏}‏(الزّمر: 67).

إنَّ الله سبحانه يحدّثنا دائمًا عن عظمته، عن كبريائه، عن جبروته، عن عزَّته وقوَّته. لماذا ذلك؟ حتّى تمتلئ القلوب بعظمته سبحانه، فإذا امتلأت بعظمته، فلا يمكن أن يكون فيها مكانٌ لعظمة أحد من النّاس.. أن تفرّغ قلبك من عظمة كلّ عظيمٍ، لتبقى العظمة لله وحده.

وإذا عشت عظمة الله في نفسك، فإنَّ عظمته في إيمانك به تكون في قلبك مثل الينبوع الَّذي يتفجَّر وتشرب منه الماء دائمًا. وهذا ما عاشه الرّسول (ص) في ليلة الهجرة، إذ يقول لصاحبه: ‏{‏لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا‏}‏(التَّوبة: 40)، بحيث إنّه (ص) وهو في أشدّ حالات الضّعف والخطر، كان قلبه ممتلئًا بالله، وكان يرى الكون كلّه ممتلئًا بالله. ولذلك، عندما خوَّفه النّاس بالنّاس، شعر بالأمن من خلال الله ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏(آل عمران: 173).

هذه نقطةٌ، أيُّها الأحبَّة، نحتاج أن نعيشها في حياتنا، ولا سيَّما في المراحل الصّعبة الّتي يريد الاستكبار أن يفرض نفسه علينا، ليُسقط روحنا، وليُسقط مواقعنا ومواقفنا وحياتنا. ولذلك، فإنَّ التّربية الإسلاميّة ركّزت على نقطةٍ، وهي أنَّك إذا لم تستطع أن ترفض المنكر بيدك فارفضه بلسانك، فإذا لم تستطع أن ترفضه بلسانك فارفضه بقلبك.

ليكن قلبك الرَّافض لكلّ القوى المستعلية المستكبرة الطَّاغية، سواء تمثّلت في شخصٍ، أو في جماعةٍ، أو في دولةٍ، لأنّك إذا استطعت أن تعيش الرّفض في قلبك، فإنَّ ذلك يجعلك تتماسك وتثبت، وتتمرّد على كلّ الأشياء الّتي تريد أن تهزّ موقفك، أو تريد أن تُسقطك في موقفك.

هذا ما يؤكّده القرآن الكريم لنا، وهذا ما كان النّبيّ (ص) يثيره في المسلمين عندما كانوا ضعفاء، وكان يدعوهم إلى أن يواجهوا الأقوياء من خلال ما كان يثيره في نفوسهم من عناصر القوّة الخفيّة الّتي لم يكونوا ينتبهون إليها.

نحن أقوياء، ولكنّنا لا ندرس عناصر قوَّتنا، تمامًا كما هو الإنسان الّذي يملك مالًا كثيرًا ولكنّه مدفونٌ في الأرض، ولا يحاول أن يبحث في الأرض ليستخرجه.

سرُّ القوَّة بالإيمان

ولذلك، علينا أن نواجه المسألة في البداية من النَّاحيتين النّفسيَّة والإعلاميَّة. ففي أكثر التَّجارب الّتي نمرّ بها، تكون هناك قوّةٌ مسيطرةٌ، سواء كانت قوَّة ميليشياتٍ، أو قوّة طاغيةٍ اجتماعيّ، أو طاغيةٍ سياسيٍّ، أو دولةٍ، أو محورٍ دوليٍّ، فتجد النَّاس يجبّن بعضهم بعضًا، ويحاول كلّ فريقٍ أن يوحي إلى الفريق الآخر أو إلى بيئته، بأنّه لا جدوى من بناء القوَّة أو الاستعداد للمواجهة. وبذلك، قد يكون هناك شخصٌ واحدٌ ضعيفٌ في البلد، ولكنَّ النَّاس تضخّم قوّته. افرض أنَّ هذا الشّخص معه عشرة آلافٍ، لكنَّ العشرة آلافٍ موزّعون في منطقةٍ فيها مليون شخصٍ.

من أين يسقط النَّاس؟ أمام السّلاح؟ أمام الطّغيان الاجتماعيّ؟ أمام الطّغيان الماليّ؟ أمام الطّغيان السّياسيّ؟ من أين يسقط النَّاس؟ النَّاس يسقطون لأنّهم يحاولون أن يحطّموا قوَّة بعضهم بعضًا، على الطَّريقة الّتي كانت في "خيبر"، ففي معركة خيبر، أرسل رسول الله (ص) رجلًا ومعه جماعةٌ من المسلمين ليستطلع الأحوال، ‏"فَرَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَيُجَبِّنُونَهُ"، فكان يقول لهم: والله إنَّ هؤلاء لا يُقهَرون، وهم يوافقونه ويقولون له إذًا يجب أن نرجع، فلا نستطيع أن نقتحم... ثمَّ أرسل (ص) شخصًا ثانيًا، فرجع أيضًا يجبّن أصحابه ويجبّنونه، وعندما جاء الدّور على أمير المؤمنين (ع)، اختلفت المسألة..

ولكن ما هي قصّة أمير المؤمنين (ع)؟ هل إنَّ عضلاته كانت أقوى من عضلات الآخرين؟ هل إنَّ سيف "ذي الفقار" فيه قوّةٌ غيبيّةٌ وقوّةٌ سحريّةٌ تختلف عن سيوف الآخرين؟ هو سيفٌ من السّيوف، لم ينزل من الجنَّة ولا من أيّ مكانٍ. إذًا، هل إنَّ الجماعة الّذين ساروا مع عليٍّ (ع)، أو الّذين كانوا يريدون أن يسيروا معه، أكثر من أولئك الجماعة الّذين سبقوهم؟ لم يكونوا أكثر.

ما هي المسألة إذًا؟ المسألة هي أنَّ عليًّا (ع) كان يعيش في إيمانه سرَّ القوّة، وكان يستمدّ قوَّته من الله ومن محبَّته له، ولذلك كان كما وصفه النَّبيّ (ص): ‏"كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ". لم تكن تُسقطه التَّهاويلُ ولا الاستعراضاتُ النَّفسيَّة، فقد كان الفرسانُ في تلك الأيَّام يخرجون إلى الميدان بأسلوب التَّخويف والتَّرهيب ليرتجف الخصم، تماماً كما قال مبارزُه: "أنا الَّذي سمّتني أمّي مرحبًا"، وكان بمجرَّد أن يُعلن اسمَه - ومرحبٌ معروفٌ ببأسه - يُتوقَّع من خصمه أن يرتجف ويهتزّ وينسحب.

 لكنَّ عليًّا (ع) قال له: "أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَة"، ولم يذكر اسم عليٍّ، لأنَّ كلمة "حيدرة" من أسماء الأسد، يعني أنّه لا يخاف. عند ذلك، انطلقت المعركة، وانتهت بسقوط مرحبٍ، وباقتلاع الإمام (ع) للباب وسيطرته على الحصن.

وَنُقل عنه (ع) قوله: "والله، ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوَّة جسديَّة، ولا حركة غذائيَّة، لكنَّني أيّدت بقوَّة ملكوتيَّة". والقوّة الرَّبّانيّة لا تعني أنَّ الله أعطاه القوَّة هكذا، بل معناها أنَّه كان يعيش مع الله بملء وجوده، فكان كلّما أوشك جسدُه أن يضعف، رفَدَهُ إيمانُه بالقوَّة، فيتصلَّبُ ويشتدّ. هذه هي المسألة.

الإنسان، في كثيرٍ من الحالات، قد تكون عنده بندقيّةٌ أفضل من بندقيّة عدوّه، ويملك القدرة على مقاتلته بها، لكنَّه لا يملك أعصابًا، ولا قلبًا ثابتًا، ولا يثق بنفسه. عندئذٍ، قد يستطيع شخصٌ يحمل عصًا أن يهزم جيشًا، إذا كان ذلك الجيش يعيش هذه العقليَّة الانهزاميّة.

لاحظوا تقييم النّبيّ (ص) لعليّ (ع): "رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". وسرّ عليّ بن أبي طالبٍ (ع) هو هذا؛ أنّه أحبّ الله ورسوله، وعمل على أن يرضى الله ورسوله عنه في كلّ موقفٍ. ولذلك، لم يعرف الخوف طريقًا إلى قلب عليّ (ع)، لأنَّ الله كان في عقله وقلبه وإحساسه، وكان الله أمامه، ومن بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله. كان يقول: ‏"مَا رَأَيْتُ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَمَعَهُ". إنَّ أمير المؤمنين (ع) ليس ذلك الشَّخص الأسطوريّ في قوّته الجسديَّة، ولكنّه ذلك الشَّخص العظيم في قوّته الرّوحيّة والإيمانيَّة.

لذلك، نحن في الدَّرجة الأولى، لا بدَّ أن لا يجبّن بعضنا بعضًا ويخوّف بعضنا بعضًا، بل علينا أن نقول كما قال أولئك: ‏{‏حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏(آل عمران: 173)، وننطلق من الله، وإذا ارتبطنا بالله، استطعنا أن نثبّت أقدامنا، وعندما نثبّت أقدامنا، نثبّت مواقفنا، وعند ذلك نفكّر، ونخطّط، ونكتشف الكثير من عناصر القوَّة في حياتنا. هذا إذا أردنا أن لا يسحقنا الطّغاة، وإذا أردنا أن لا نعيش على موائد الآخرين ليُلقوا إلينا بفتاتهم، وليعملوا على أساس أن نكون الضّعفاء دائمًا، لأنَّ المشكلة الّتي نعيشها في العالم - كما قلنا - هي أنَّ هناك أقوياء لا يسمحون للضَّعيف أن يكون قويًّا... 

* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد بئر العبد، يوم الجمعة للرّجال، بتاريخ: 05/07/1991م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية