عندما ندرس شخصيَّة الإمام الحسن (ع) من النَّاحية الرّوحيَّة، إذا صحَّ التَّعبير، من ناحية مكانته عند الله، وفي ضوء أحاديث رسول الله (ص)، نجد أنَّ هناك عدّة أحاديث تبيّن هذه المكانة، منها الحديث المشهور: "الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنَّة"، والحديث الَّذي يقول: "الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا".
مكانة الإمام الحسن (ع)
فهذان الحديثان يدلَّان على إمامة الحسن والحسين (عليهما السّلام) بالنَّصّ، وعلى مكانتهما العليا بين أهل الجنَّة، لأنَّ من يكون سيّد شباب أهل الجنَّة، وفي الجنَّة الكثيرون من الأنبياء والأولياء والصّلحاء، فلا بدَّ أن يكون على مستوى عظيم جدًّا.
طبعًا، عندما يقال "سيّدا شباب أهل الجنّة"، فهناك استثناءات بالنّسبة إلى النبيّ (ص) وغيره لسنا في مقام تفصيلها، لكنَّ الفكرة أنَّهما إذا كانا سيّدي شباب أهل الجنَّة، فإنَّ هذا يدلّ على مرتبة عظيمة لهما عند الله سبحانه وتعالى.
كما أنَّنا نستفيد من هذين الحديثين معًا شرعيَّة كلّ ما قاما به، وأنَّ كلَّ ما قاما به منسجم مع ما يرضاه الله سبحانه وتعالى، وأنَّ كلَّ ما أخذا به وانطلقا به هو في خطّ رضاه سبحانه، وبذلك نقترب من استيحاء مسألة العصمة من الحديث، باعتبار أنَّ سيّدي شباب أهل الجنَّة لا يمكن أن يقترب الباطل من فكرهما ولا من حياتهما.
النّشأة في كنف الرّسالة
وعندما ندرس أيضًا الرّوايات الواردة بالنّسبة إلى الإمام الحسن (ع) في طفولته، نرى أنَّ طفولته كانت محلَّ رعاية رسول الله (ص). وتنقل بعض الروايات أنَّه كان يذهب إلى المسجد وهو في طفولته الأولى، وكان يسمع رسول الله (ص) وهو يحدّث أصحابه، وعندما يعود إلى البيت، يحدّث أمَّه الزَّهراء (ع) بما سمع، ويأتي عليّ (ع) إلى البيت، وتحدّثه الزَّهراء بما كان في المسجد من حديث رسول الله، فيسألها عن مصدر علمها بذلك، فتشير إلى الحسن وتقول: ابني هذا حدَّثني بذلك.
ومن الطَّبيعيّ أنَّ طفولةً تعيش في رعاية رسول الله (ص)، وفي رعاية عليّ والزّهراء (عليهما السّلام)، هي طفولة مغسولة بالوحي، وممزوجة بالعصمة، وهي طفولة تجعل صاحبها يعيش القيم الرّوحيَّة بكلّ آفاقها العالية.
ثقة عليّ (ع) في المهمّات
ثمَّ نجد أنَّ الحسن (ع) عاش مع أبيه طفولته الثَّانية بعد رسول الله (ص)، كما عاش شبابه معه، وقد كان عليٌّ (ع) يصحبه معه، حتَّى إنَّه عندما نُفِيَ أبو ذرّ إلى الرّبذة، خرج عليّ (ع) ومعه الحسن والحسين (عليهما السّلام) يودّعون أبا ذر، وتكلَّم الحسن بكلمات المؤاساة في ذلك الوقت لأبي ذرّ.
وهكذا رأينا أنَّ عليًّا (ع) أرسل الحسن (ع) والحسين (ع) من أجل أن يدفعا النَّاس عن عثمان، كما تقول الرّواية، إمَّا من جهة أنَّ عليًّا (ع) أراد أن يوازن الأمور، أو أنَّه أراد أن يبعد ما قد ينسب إليه مما نسب إليه بعد ذلك أنَّه شارك في قتل عثمان، في الوقت الَّذي كان أرسل ولديه ليدافعا عنه.
وهكذا رأينا أنَّ الحسن (ع) كان محلّ اعتماد أبيه، فقد أرسله الإمام عليّ (ع) إلى الكوفة من أجل أن يسيطر على التمرّد، ورأينا من حديث الإمام الحسن (ع) مما نقله الرواة، الشخصيَّة القويَّة المتحدّية لوالي الكوفة آنذاك الَّذي كان يريد أن يميّع الأمور في هذا المجال.
وهكذا رأينا أنَّ الإمام عليًّا (ع) كان يعتمده في الإجابة عن سؤال السَّائلين، فعندما كان النَّاس يأتون إلى عليّ (ع) ليسألوه، كان يحيلهم على الإمام الحسن (ع) ليجيبهم عن ذلك، وكان عليّ (ع) يوحي إلى النَّاس بأنَّ كلام الإمام الحسن (ع) هو كلامه، كأسلوب من أساليب تأكيد إمامة الإمام الحسن من بعده.
ظروفُ الإمامةِ الصَّعبة
وهكذا رأينا كيف أنَّ الإمام الحسن (ع) تسلَّم الخلافة بعد وفاة أبيه في ظرف كان من أصعب الظّروف، لأنَّ أهل الكوفة كانوا ممزَّقين، وكانت الغالبيَّة منهم لا تريد الحرب، وكان منهم المنحرفون عن عليّ (ع)، ممن أرسل إليهم معاوية الأموال لاجتذابهم إلى سلطته، ما جعل عليًّا (ع) يعيش مشكلةً كبرى في حياته قبل أن يستشهد، باعتبار أنَّ معاوية وصل به الحدّ أنَّه كان يرسل العصابات لتغير على المواقع الَّتي كانت تحت سلطة عليّ (ع).
وقد دارت بين الإمام الحسن (ع) وبين معاوية مكاتبات ينقلها المؤرّخون، وتدلّ على قوَّة شخصيَّة الإمام الحسن، وعلى ضراوة موقفه، وعلى أنَّ أسلوبه الشَّديد في وجه معاوية كان لا يختلف عن أسلوب عليّ (ع) قيد شعره.
وأنا أنصح بدراسة الرَّسائل الَّتي كان يرسلها الإمام الحسن (ع) إلى معاوية، حتَّى نخرج من الصّورة الَّتي صُوّرَ بها الإمام الحسن من أنَّه شخصيَّة ليّنة سهلة لا يميل إلى المواجهة ولا إلى الشّدَّة، حيث نجد أنَّ الحسن (ع) كان كأبيه؛ يشتدُّ عندما يريد الله له أن يشتدّ، ويلين عندما يريد الله له أن يلين، فليست شخصيَّة الحسن (ع) شخصيَّة تتحرَّك بالدّعة لأنَّها لا تريد أن تواجه المصاعب، كما قد يصوَّر من بعض الكتَّاب، ولكنَّها شخصيَّة تستهدي إرادة رضا الله سبحانه وتعالى، وتتحرَّك على أساس الحكمة، والحكمة قد تفرض اللّين، وقد تفرض الشّدَّة.
أزمته (ع) مع الجيش
ثمَّ إنَّ جيش الإمام الحسن كان موزَّع الانتماءات، تسيطر عليه القيادات العشائريَّة غير التَّقيَّة وغير الورعة، وكان معاوية يجتذب بعضًا من أفراد هذا الجيش، حتَّى قيل إنَّ الأمر وصل بأن يجتذب ابن عمّ الحسن (ع)، وهو عبيد الله بن العبَّاس، الَّذي كان قائدًا لبعض سرايا جيش الإمام الحسن (ع)، فإذا بالنَّاس يستفيقون على مفاجأة خروجه من معسكر الإمام الحسن (ع) وانضمامه إلى معسكر معاوية.
وحاول الإمام الحسن (ع) أن يختبر جيشه، فأوحى إليهم إيحاءً بالسّلم، فثار البعض عليه، حتَّى إنَّه يقال إنَّه طُعِنَ في فخذه. وكان معاوية يرسل إليه الرَّسائل الَّتي كان يبعثها إليه رؤساء العشائر والأشخاص ممّن هم مع الحسن (ع) في جيشه، ويقولون له: "إن شئت سلَّمناك الحسن حيًّا، وإن شئت سلَّمناه ميتًا"، فأدرك الإمام الحسن (ع) أنَّ هذا الجيش ليس هو الجيش الَّذي يمكن أن يحارب معاوية، بل إنَّه الجيش الَّذي يمكن لمعاوية أن يستخدمه، ولو من خلال بعض عناصره، ليقتل الإمام الحسن أو ليأسره.
وإذا كان في الجيش من يوالي الإمام الحسن (ع)، كهمدان وربيعة، فإنَّ فيه أيضًا من كان يقف ضدّه.
ولو فرضنا أنَّ الإمام الحسن (ع) استعان بمن يخلص له، لدخل الجيش في معركة تكون نتيجتها لصالح معاوية، لا لصالح الإمام الحسن (ع).
بين الصّلح والتّضحية!
قد يقال لماذا لم يضحّ الإمام الحسن (ع) كما ضحَّى الإمام الحسين (ع).
أوّلًا: بسبب ما أشرنا إليه من أنَّ الإمام الحسن (ع) لو دخل في الحرب بهذا الجيش، لكان من الممكن أن يُقتَل بيد جيشه، وأن يُقتَل إخوته وأصحابه وأهل بيته، فلا يكون الأمر مسألة جهاد وتضحية كما هي القضيَّة بين الإمام الحسين (ع) وبين بني أميَّة، لأنَّ هؤلاء الَّذين كتبوا إلى معاوية: "إن شئت سلَّمناك الحسن حيًّا، وإن شئت سلَّمناه ميتًا"، كان من الممكن أن يأمرهم معاوية بأن يقتلوا الإمام الحسن أو يأسروه أو ما إلى ذلك، أو يثيروا فتنة تؤدّي إلى انهيار الجيش وسقوطه تحت تأثيرها، وبذلك يربح معاوية المعركة من دون قتال، كما كان معاوية يريد أن يفعل في صفّين عندما رفع المصاحف، واختلف جيش الإمام عليّ حول الأمر، وأجبر الإمام (ع) على الهدنة والقبول بالتَّحكيم.
فموقف الإمام الحسن (ع) هو نفسه الَّذي كان فيه الإمام عليّ (ع) في قبوله بالتَّحكيم أمام مؤامرة معاوية الَّتي دبَّرها عمرو بن العاص، وقَبِلَ بالتَّحكيم حتَّى لا ينقسم جيشه، ولا يُقتَل هو بيد جيشه، وهذا ما يفسّر أنَّه عندما أرسل إلى مالك الأشتر أن يرجع، وكان مالك قد أوشك على الفتح، طلب من الإمام (ع) مواصلة القتال، ولكنّ الإمام ردّ عليه بـأنَّك أنت الآن تفتح وإمامك يقتل، إذا صحَّت الرّواية.
المهمّ أنَّ الظّروف التي عاشها الإمام عليّ (ع) الَّتي فرضت عليه القبول بالتَّحكيم، هي نفسها الظّروف الَّتي فرضت على الإمام الحسن (ع) القبول بالصّلح الَّذي عرضه عليه معاوية.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنَّ الإمام الحسن (ع) لو كان استمرَّ في المعركة، فإنَّه كان سيقتل، وسيقتل الحسين (ع) والعبَّاس وبنو هاشم، وتقتل كلَّ المعارضة الَّتي كانت متجمّعة مع الإمام الحسن (ع)، وعند ذلك، لا يبقى هناك أيّ صوت معترض على بني أميَّة ممَّن يمكن أيضًا أن تقوم به الحجَّة، وممَّن يمكن أن يقف ضدّ الوضع الأمويّ.
وهذا ما يفسِّر قول الإمام الحسن (ع)، عندما اعترض عليه بعض أصحابه، إنَّه إنَّما فعل ذلك للإبقاء عليهم، وللحفاظ على المعارضة، وعلى الحسين (ع)، وعلى الَّذين يمكن أن يواصلوا الخطَّ الصَّحيح الَّذي يمثِّله أهل البيت (ع).
فالإمام الحسن (ع) كان في ظروف لا تسمح له بدخول الحرب، وكان في ظروف لا تبرّر له التَّضحية بالطَّريقة الَّتي ضحَّى بها الإمام الحسين (ع).
كشفُ حقيقةِ بني أميَّة
ونستطيع أن نفهم أيضًا أنَّ الإمام الحسن (ع) كان يستهدف من خلال صلحه أن يمنح النَّاس فرصةً بعيدًا من أجواء الصّراع، ليعرفوا حقيقة حكم بني أميَّة، لأنَّ النَّاس في أثناء الحرب لا يستطيعون التَّمييز بوضوح، فعندما تستعر الحرب، يعيشون حالةً من الطَّوارئ النَّفسيَّة والواقعيَّة، فتختلط عليهم الأمور، فلا يعودون قادرين على التَّمييز بين شخصٍ وآخر. وهذا ما نعرفه غالبًا من الحروب الصَّغيرة الَّتي عشناها، مثلًا، في هذا البلد.
لذلك، كان الإمام الحسن (ع) يريد من خلال صلحه أن يترك لبني أميَّة المجال لكي يكشفوا عن حقيقتهم، ويُظهروا ما يحملونه من انحرافٍ عن الإسلام، وخِسّةٍ ودناءة في السّلوك، حتَّى يصل النَّاس إلى موقف المعارضة عن وعيٍ وبصيرة، بعيدًا من أجواء الحرب وضغوطها وتشنّجاتها..
وهكذا يمكن أن نقول إنَّ صلح الحسن (ع) كان ممهّدًا للإمام الحسين (ع).
وحدةُ النَّهجِ والهدف
وإذا كان بعض النَّاس يقولون إنَّ هناك أسلوبًا حسنيًّا وأسلوبًا حسينيًّا، ونسمع من النَّاس من يقول أنا أسلوبي أسلوب الإمام الحسن، ومن يقول أنا أسلوبي أسلوب الإمام الحسين، فإنَّ هذا كلام ليس دقيقًا، وإن صدر عن بعض المراجع مثلًا في النجف.
لماذا هو ليس دقيقًا؟ لأنَّ الإمام الحسين (ع) كان حسنيًّا، إذا صحَّ التَّعبير، في مرحلة الإمام الحسن (ع)، فالإمام الحسين (ع) التزم مع الإمام الحسن (ع) بالصّلح، ولذلك لم يثر على معاوية طوال حياة معاوية، فكان مع الإمام الحسن (ع) في مرحلته، لأنَّ القضيَّة كانت مصلحة الإسلام العليا، ولم تكن مجرَّد أسلوب ذاتيّ ينطلق من شخصيَّة الإمام الحسن، إذا قلنا إنَّ شخصيَّته تميل إلى اللّين والسَّلام وما أشبه ذلك! كما أنَّ الإمام الحسن (ع) لو كان موجودًا في مرحلة الإمام الحسين (ع)، لكان معه في هذا المجال.
ونحن عندما نعرف أنَّ الأئمَّة (ع) معصومون، ندرك أنَّهم ينطلقون من منطلق واحد، ومن أساس الإسلام في ذلك كلّه.
لهذا، نحن عندما نريد أن ندرس شخصيَّة الإمام الحسن والإمام الحسين، فإنَّنا نرى أنَّهما يتكاملان في الأسلوب الإسلاميّ؛ فالإمام الحسن يصالح عندما يكون الصّلح مصلحة الإسلام، والإمام الحسين يثور عندما تكون الثَّورة هي مصلحة الإسلام.
وحتَّى الإمام الحسين (ع) فاوض عمر بن سعد في أن يرجع حتَّى يتفادى الحرب.
طبعًا، لم يف معاوية للإمام الحسن بشروط الصّلح، ودسَّ إليه السُّمّ على يدي زوجته الَّتي كانت تعيش بعض التَّعقيدات وبعض إغراءات معاوية لها بأن يزوّجها من ابنه يزيد عندما تقتل الإمام الحسن (ع).
وهكذا كان، ولكنَّ معاوية غدر بها، حيث بعث إليها المال ولم يزوّجها لابنه يزيد، لأنَّه كان يخاف عليه أن تفعل معه كما فعلت مع الإمام الحسن (ع).
هذا ملخَّص لبعض التَّاريخ الحركيّ في حياة الإمام الحسن (ع).
سموُّ أخلاقِهِ (ع)
ونحن نستوحي من الإمام الحسن (ع) سموّ الأخلاق وهدوء المواجهة للتحدّيات.
القصَّة المعروفة عن الإمام الحسن (ع)، أنَّه عندما كان سائرًا في المدينة، ووقف أمامه الشّامي، وعندما عرف أنَّ هذا هو الإمام الحسن، سبَّه وسبّ عليًّا (ع)، وكان الإمام الحسن (ع) يردّ عليه بكلّ وداعة: إن كنت فقيرا أغنيناك، إن كنت جائعًا أطعمناك، إلى غير ذلك... وأوصى غلمانه بأن يذهبوا به إلى المنزل، وخرج الرَّجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
هذا يعطينا فكرة أن لا ننطلق بردّ فعل لمجرَّد أن يكون هناك فعل. قد يتكلَّم أحد علينا، وقد يسبّنا ويشتمنا، ولكنَّ ذلك قد لا يكون ناشئًا من عقدة شخصيَّة، وإنَّما ناشئ من أنَّ هذا الشَّخص سمع بعض النَّاس تتحدث عنّا بطريقة غير مسؤولة، فاستطاعوا أن يغسلوا دماغه، كما يقال هذه الأيَّام، أو استطاعوا أن يسيطروا على فكره.
فعلينا أن نتحلَّى بهدوء الطَّبع وبالحلم وسعة الصَّدر، فلا ننطلق في ردّ فعل لمجرَّد أن نخبَرَ بالفعل، بل علينا أن ندرس ما وراء ذلك الفعل، فلعلَّنا نستطيع أن نربح صديقًا بعد أن كان عدوًّا {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[فصّلت: 34].
كذلك نلتقي مع الإمام الحسن والحسين (ع) في أسلوبهما التَّربوي، عندما وقفا أمام ذاك الشَّيخ الَّذي لم يكن يتقن الوضوء، وحاولا أن ينبّهاه بطريقة لا تسيء إلى كرامته وشيخوخته.
فقالا له: احكم بيننا أيُّنا أحسن وضوءًا. وعندما لاحظ الشَّيخ أنَّ وضوءهما واحد، عرف القضيَّة وأنَّهما يريدان أن ينبّهاه.
فكان هذا أسلوبًا تربويًّا يمكن أن نستخدمه عندما نريد أن نعظ النَّاس ونرشدهم، فلا نتكلَّم بالكلمات الحادَّة، ولا نسيء إلى كراماتهم وذاتيَّاتهم، بل نراعي مشاعرهم وكرامتهم، حتَّى نجمع لهم بين الاحترام والتَّربية.
لا صلحَ معَ إسرائيل
هنا بعض النَّاس في أيَّام الصّلح مع إسرائيل، يحاولون أن يقولوا إنَّ الإمام الحسن (ع) صالح معاوية، وإنَّ الرَّسول (ص) صالح المشركين في الحديبية، وعلى هذا الأساس، يتحدَّثون عن شرعيَّة الصّلح مع إسرائيل.
ونحبّ أن ننبّه إلى أنَّ هذا قياس مع الفارق. أمَّا صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية، فهو صلح في داخل الحياة الإسلاميَّة فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض، بلحاظ النّقاط الَّتي ذكرناها، وحيث كان الصّلح مصلحة للمسلمين.
أمَّا بالنّسبة إلى صلح النّبيّ (ص) مع المشركين، فقد كان صلحًا تكتيكيًّا وليس صلحًا استراتيجيًّا، لأنَّ النَّبيَّ (ص) كان في ذلك الوقت يهيّئ لفتح مكَّة، وكان أيّ قتال بينه وبين قريش يعطّل الخطَّة تمامًا.
ولذلك دخل النَّبيّ (ص) معهم في صلح، وقد انتقد بعض المسلمين هذا الصّلح، وأبدوا استعدادهم لأن يحاربوا قريشًا، ولكنَّ النَّبيَّ منعهم من ذلك، حتَّى كان الفتح الكبير في مكَّة.
ولذا، جاء التَّعبير القرآنيّ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}[الفتح: 1] الّتي نزلت في موقعة الحديبيّة، مع أنَّه لم يكن هناك فتح، لكن باعتبار أنَّه هو الَّذي فتح الباب وشرّع الأفق أمام فتح مكَّة.
أمَّا بالنسبة إلى إسرائيل، فإسرائيل اغتصبت الأرض واغتصبت السّلطة، وكلاهما ليس شرعيّين، ولا يمكن أن يأخذا الشَّرعيَّة، وحتَّى لو قبل أهل فلسطين، لا يمكن أن نقبل، لأنَّ الله يقول: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}[النّساء: 141].
ولذلك نقول إنَّنا لا يمكن في أيّ حالة من الحالات أن نجد هناك أيّ شرعيَّة للصّلح مع إسرائيل، باعتبار أنَّ الغصب حرام، والصّلح معناه إعطاء الشَّرعيَّة للغصب، ولا يمكن أن نعطي الشَّرعيَّة لأيّ محرَّم.
ولذلك ينبغي أن ننبّه كلّ من يحاول أن يتحدَّث عن صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية، وعن صلح النَّبيّ (ص) في الحديبية مع المشركين، لتبرير الصّلح مع إسرائيل، إنَّ هذا شيء، وذاك شيء آخر.
والحمد لله ربّ العالمين.
* محاضرة لسماحته أمام طلَّاب العلوم الدينية، بتاريخ: 24/06/1996م.