من العناصر الأساسيَّة في الإسلام الَّتي تختصر الدّين كلّه في كلمة، عنصر "النّصيحة"، فقد ورد عن رسول الله (ص) أنّه قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ". وفي مقابل النّصيحة، هناك "الغشّ"، فالغشّ والنّصيحة صفتان متضادّتان؛ الأولى في الجانب الإيجابيّ، والثّانية في الجانب السّلبيّ.
بين الغشّ والنّصيحة
ونريد أن نتفهّم مواقع هاتين الكلمتين، لأنّهما تتّصلان بإيمان المؤمن من حيث العمق، لأنَّ الله تعالى أراد للمؤمن أن ينفتح عليه بكلّه؛ أن يكون كلّ عقله لله، فلا يكون فيه شيءٌ بعيدٌ عنه، وأن يكون كلّ قلبه لله، فلا تكون فيه أيّة عاطفةٍ ضدّ ما يريده سبحانه من العاطفة، وأن تكون كلّ حياته - في طعامه وشرابه ولذّته وشهوته ومواقفه ومواقعه وعلاقاته – لله، فلا يكون فيها شيءٌ لغيره، لأنّه عبد الله بكلِّه، ومن كان عبدًا لله، فلا يملك لنفسه شيئًا إلّا من الله ولله.
وفي ضوء ذلك، فإنّ الكفر بالله يمثّل غشًّا للنّفس وابتعادًا عن النّصيحة لله، وهكذا الشّرك بالله والكفر برسالة رسله، وهكذا التّمرّد على طاعته، كلّ ذلك يقع في دائرة الغشّ ولا يقع في دائرة النّصيحة. وهكذا في أيّة مسألة من المسائل التي تتّصل برسول الله (ص).
فالنّصح لرسول الله، بأن تلتزم رسالته في عقلك وقلبك وحياتك، وأن تدعو النّاس إليها، وأن تجاهد في سبيل أن تكون قويّةً أمام كلّ دعوات الضّلال والشّرّ والكفر.
وأن تنصح للمؤمنين بأن يكون قلبك مفتوحًا لهم، ليس فيه غشٌّ لمسلم، وأن تكون أقوالك وأفعالك منفتحةً على النّصيحة لهم، بأن لا تقول كلمةً فيها ضررٌ وإضعافٌ وإفسادٌ لهم، وفيها فتنةٌ بينهم وتمكينٌ للعدوّ عليهم، أن تكون كلماتك في مصلحة المؤمنين في كلّ جوانبهم الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة، لأنّ النّصح للمؤمنين هو ذلك. أن تنصحهم، يعني أن تهديهم، فلا تقبل منهم ضلالةً، ولا تشجّعهم على ضلالة، وأن تعلّم جاهلهم، وتعود مريضهم، وتساعد فقيرهم، وتؤكّد الوحدة على القضايا الحيويّة فيما بينهم، فمن ضرَّ أو أهمل أمر مؤمنٍ، أو وقف حياديًّا بينه وبين الظّالم له، كان موقفه في دائرة الغشّ للمؤمنين، لا في دائرة النّصح لهم.
وهكذا، في كلّ المواقف أو الكلمات الَّتي تثير الحقد والعداوة بين المؤمنين، وتضعف الثّقة فيما بينهم، وتعمل على التّفريق بينهم ليعادي أحدهم الآخر، وليسبّ أحدهم الآخر وليتمزّقوا، في الوقت الذي يريد الله لهم فيه أن يتّحدوا، لأنَّ الأعداء من كلّ جانب يريدون الإيقاع بين المؤمنين لينهزموا من دون معركة، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[الأنفال: 46].
نصيحةٌ للمؤمنين
لذلك، فإنّني، من خلال مسؤوليّتي الشّرعيّة، أؤكّد دائمًا على الجانب الاجتماعيّ وعلى الوحدة الاجتماعيّة في المجتمع المؤمن، لأنّني أبصر الأخطار التي تتوجّه إلى المؤمنين، وخصوصًا بعد أن شعر الكافرون والمستكبرون أنّ المؤمنين في العالم الإسلاميّ استيقظوا من رقدتهم فعاشوا الصّحوة الإسلاميّة، وتخلّصوا من ضعفهم فتحرّكوا في خطّ الجهاد الإسلاميّ والمقاومة الإسلاميّة، وخرجوا من عزلتهم فانفتحوا في مواقفهم السياسيّة على العالم الإسلاميّ كلّه، لذلك خطّط المستكبرون والكافرون كي لا يعيش المسلمون وحدتهم، سواء كان ذلك في الدّائرة الإسلاميّة العامّة، حيث يكفّر كلّ مذهب المذهب الآخر، ويلعن كلّ أصحاب مذهب أصحاب المذهب الآخر، أو في دائرة أهل البيت (ع)، وهي دائرة الجهاد المرّ والموقف الحرّ، نراهم ينفذون من أجل أن يُثيروا الفتنة هنا وهناك، في أكثر المواقع في العالم الإسلاميّ السَّائر في خطّ أهل البيت (ع). ولا أتحدّث عن مجتمعنا هنا فحسب، ولكنّي أتحدّث عن أكثر من مجتمع تطوف به الفتنة، ويتحرَّك فيه دعاة الحقد باسم المحافظة على الإسلام وعلى خطّ أهل البيت (ع).
إنّ النّصيحة للمؤمنين ولأئمّة أهل البيت (ع) ولرسول الله (ص)، ولله تعالى قبل ذلك وبعده، تفرض أن ننشر المحبّة بين المسلمين، فإذا اختلفنا فيما بيننا، فإنّ علينا أن ننطلق جميعًا لنردّ ذلك إلى الله والرّسول، لا أن نتكاذب ونتلاعن وما إلى ذلك.
لذلك، فإنّ مسألة أن يكون الإنسان ناصحًا في قلبه ولسانه وعمله، منفتحًا على النّصح، هي قضيّة الأنبياء جميعًا، كان كلّ نبيّ يأتي إلى قومه ليقول لهم: إنّي ناصحٌ أمين، لقد أردت أن أنصح لكم. إنَّ رسالة النّبيّ - كلّ نبيّ - أن يكون النَّاصح لقومه، لأنَّ تلك هي الرّسالة الَّتي يريد الله للمسلمين أن ينطلقوا بها.
أحاديث في الغشّ
وفي مقابل النّصح، هناك الغشّ، فتعالوا إلى كلمات رسول الله (ص) وأهل بيته (ع) في مسألة النّصح والغشّ.
في الحديث عن رسول الله (ص): "لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ مُسْلِمًا أَوْ ضَرَّهُ أَوْ مَاكَرَهُ"، أي خادعه. وفي حديث عن عليّ (ع) في "الغرر والدّرر" أنّه قال: "الغِشُّ شِيمَةُ المَرَدَةِ"، أي الشّياطين، وفي أحاديث أخرى يقول (ع): "الغِشُّ يُكْسِبُ المَسَبَّةَ"، "الغِشُّ شَرُّ المَكْرِ"، "الغِشُّ مِنْ أَخْلَاقِ اللِّئَامِ"، "الغَشُوشُ لِسَانُهُ حُلْوٌ وَقَلْبُهُ مُرٌّ"، "مِنْ عَلَامَاتِ الشَّقَاءِ غِشُّ الصَّدِيقِ"، "شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَغُشُّ النَّاسَ"..
ثمّ نأتي إلى الجانب التّطبيقيّ، وهذا موجّه إلى الذين يبيعون ويشترون ويغشّون.. ففي رواية عن رسول الله أنّه: "مَرَّ (ص) فِي سُوقِ المَدِينَةِ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: مَا أَرَى طَعَامَكَ إِلَّا طَيِّبًا! وَسَأَلَهُ عَنْ سِعْرِهِ، فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ أَنْ يَدُسَّ يَدَيْهِ فِي الطَّعَامِ، فَفَعَلَ، فَأَخْرَجَ طَعَامًا رَدِيًّا، فَقَالَ (ص) لِصَاحِبِهِ: مَا أَرَاكَ إِلَّا وَقَدْ جَمَعْتَ خِيَانَةً وَغِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ".
وفي رواية أخرى، أنَّ رسول الله (ص): "مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ - مِنْ خِلَالِ المَطَرِ - فَقَالَ (ص): أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟! ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"..
وفي كلمة للإمام عليّ (ع): "المُؤْمِنُ لَا يَغُشُّ أَخَاهُ، وَلَا يَخُونُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَتَّهِمُهُ فِي دِينِهِ". فإذا كان هذا هو حال المؤمن، فأين نحن في هذا المجال من الإيمان؟!
وعن هشام بن الحكم، قال: "كنت أبيع السابريّ في الظّلال، فمرّ بي أبو الحسن موسى (ع) - الإمام الكاظم - فقال لي: يَا هِشَامُ، إِنَّ البَيْعَ فِي الظِّلِّ غِشٌّ، وَاَلْغِشُّ لاَ يَحِلُّ"، فإذا أردت أن تبيع، فاعرض بضاعتك في النّور، لأنّ الظّلّ يحجب الكثير من صفات البضاعة.
وعن "الحلبيّ" عن أبي عبد الله جعفر الصَّادق (ع)، سألته عن الرّجل يكون عنده لونان من طعام واحد، وسعرهما شيء، وأحدهما خير من الآخر، فيخلطهما جميعًا ثمّ يبيعهما بسعر واحد، قال (ع): "لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، يَغُشُّ بِهِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى يُبَيِّنَهُ".
وفي حديث عن رسول الله (ص) قال: "لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَبِيعُ شَيْئًا إِلَّا بَيَّنَ مَا فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إِلَّا يُبَيِّنَهُ"، من باب النّهي عن المنكر..
الغشُّ في تنوّعاته
نفهم من ذلك، أنَّ مسألة الغشّ بعيدة من الإسلام، والغشّ قد يكون في التّجارة، وقد يكون في أشياء أخرى. ففي الزّواج مثلًا، قد يريد بعض النّاس أن يزوّجوا ولدهم لفتاة من عائلة متديّنة، وعندما يسأل أهل الفتاة عن الشّابّ، يقول أهله عنه إنَّ أخلاقه كأخلاق الأنبياء، وبعد ذلك، يظهر أنَّ هذا الشّابّ لا يصلّي ولا يصوم، ويتعاطى المخدّرات أو يحتسي الخمر، ويتنقّل مع العاهرات، أو قد يكون عنده عجز أو مرض معدٍ، وهو ما يؤثّر سلبًا في الفتاة، ولا يُفصح أهله عن هذا المرض. وقد تكون القضيّة بالعكس، فعندما يسأل الشّابّ عن فتاة بهدف الزّواج، يُتحدَّث عنها أحاديث تجعلها بمقام السيّدة مريم (ع)، وبعد ذلك يظهر أنّها من أسوأ النّاس، وهو ما يخلق المشاكل الاجتماعيَّة بشكل فوق العادة.
وقد يكون هناك غشٌّ في السياسة، عندما ينطلق رجال السياسة ليدخلوا النّاس في أحلام ورديّة فيما يتحرّكون به، وإذا بالخطط الَّتي يخطّطونها هي على عكس ما ادّعوا، والنّاس تنتخبهم وتسير خلفهم وتقاتل من أجلهم، وهم في الواقع يكذبون على النّاس، ويعاونون أعداءهم وأعداء الله، وهذا الغشّ هو من أخطر أنواع الغشّ، لأنّه يتّصل بمصائر النَّاس وأوضاعهم.
عواقب الغشّ
ومن هنا، فإنّ على الغشّاش أن يلتفت إلى نفسه، ويفكّر في أنّ الله قد يفضحه في الدّنيا قبل أن يفضحه في الآخرة، وعلى الَّذين يشجّعون الغشّاش التّجاريّ أو الأمنيّ أو الاجتماعيّ أو غير ذلك، أن يعرفوا أنّ النّتائج سوف تنقلب عليهم، لأنَّ الإنسان إذا غشّ الآخرين، فالآخرون سيغشّونه أيضًا.
لذلك، وأمام هذه الأخلاق السّلبيّة التي سمعتم خطورتها وموقعها من سخط الله ونقمته من خلال أحاديث رسول الله (ص) وأئمّة الهدى (ع)، علينا أن نجعل أنفسنا صورةً لما يريده الله لنا، بالابتعاد عمّا يكرهه لنا، لأنّ المسألة تتّصل بالدّنيا والآخرة، وتتّصل بنا أيضًا سلبًا أو إيجابًا. وعندما نعرف أنّ الرّزق من الله، وأنّ العمر والجاه والنجاح من الله، لأنَّ الله يملك الأمر كلّه، فعلينا أن نحسب حساب الله في ذلك كلّه، وندرك أنّه يراقبنا عند البيع والشّراء والزّواج، وعند الحكم والحركة في مواقع السياسة والأمن والاقتصاد.
إنَّ على الإنسان دائمًا أن لا يقدّم رِجْلًا ولا يؤخّر أخرى حتّى يعلم أنَّ في ذلك لله رضا..
أيّها النّاس، كلّ حساباتنا تسقط وتموت معنا أو بعدنا، ولكنَّ حسابات الله تبقى، فلنضبط حساباتنا وأوضاعنا مع الله.. ولنكثّر رصيدنا عنده: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}[البقرة: 197]، {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ}[البقرة: 110]، فقدّموا لأنفسكم، لتجدوا عند الله السّعادة في الدّنيا والآخرة.
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 31 تشرين الأول 1997م.