محاضرات
01/09/2026

الجهاد الأكبر وبناء الشّخصيَّة المؤمنة

الجهاد الأكبر وبناء الشّخصيَّة المؤمنة

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69].  

تبيّن هذه الآية قيمة النَّاس الَّذين لا يعيشون الحياة لذَّةً وعبثًا واسترخاءً ولامبالاة، ولكنَّهم يعيشون الحياة مسؤوليَّة، حيث يعتبر الواحد منهم نفسه مجاهدًا في سبيل الله. والجهاد في سبيل الله ليس جهاد السِّلاح فحسب، ولكنَّه كلّ جهادٍ يتحرَّك الإنسان فيه من أجل أن يقدّم لله شيئًا من عقله وقلبه وجهده وطاقته، في كلّ ما يحبّه الله في الحياة.

أكبر الجهاد

وأوّل جهادٍ يريده الله من الإنسان – وهو أكبر الجهاد - جهاد النَّفس؛ أن يدرس كلَّ نفسه، ويتعرّف ما فيها من عناصر الحقّ والخير، وعناصر الباطل والشَّرّ، فإنَّ الإنسان - كلّ إنسانٍ منَّا - عندما يبدأ طفولته، فهناك أشياء يرثها في أصل تكوينه من أجداده وآبائه، وهناك أشياء يكتسبها الإنسان من بيئته. ففي الطُّفولة، نختزن أشياء كثيرة تدخل إلى عقولنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وعاداتنا، لا نعرف كيف دخلت؛ قد يمتصّ الطّفل شيئًا من عادات أبيه أو أمّه أو من الأطفال الَّذين يلعب معهم، وقد يمتصّ شيئًا من الأفكار الَّتي يسمعها من أبيه أو أمّه أو مَنْ حولهما، وقد يمتصّ شيئًا من الأفكار والأحاسيس والمشاعر من خلال ما يشاهده في التّلفزيون، أو ما يسمعه في الإذاعة أو ما إلى ذلك.

وهكذا عندما ينطلق الإنسان في مرحلة الشَّباب، وللشَّاب رفاقه وأصدقاؤه وملاعبه ومجالاته في الحياة، يأخذ من هذا فكرةً، ومن ذاك طبعًا، ومن هذا عادةً وما إلى ذلك. وهكذا تزحف الكثير من الأفكار الَّتي نقرأها أو نسمعها أو نعيشها، والكثير من العادات الموجودة في مجتمعاتنا، تزحف إلينا من دون اختيار، فنشعر بأنَّنا نفكّر بطريقةٍ لم يكن لنا خيارٌ فيها، ولكنَّنا تأثَّرنا بها.

مراقبة الذّات وتفحّصها

هنا، يريد الله للإنسان أن يدرس نفسه دائمًا قبل أن تنظر عيناه إلى ما عند الآخرين، وقبل أن يتوجَّه فكره إلى ما عندهم، لذلك سلّطْ - أيُّها الإنسان - عين عقلك على كلّ ما في عقلك من أفكار الخير والشَّرّ، والحقّ والباطل، والعدل والظّلم، وسلّطْ عين قلبك على كلّ ما في قلبك من عواطف الحبّ والبغض، ومن عواطف الخير والشَّرّ، وسلّط عين ذاتك على كلّ ما تعتاده من أعمالٍ وحركاتٍ وما تطلقه من كلمات، فإذا رأيت أنَّ هناك شرًّا يرقد في عقلك، وباطلًا يعيش في فكرك، وإحساسًا خبيثًا يعيش في قلبك، وعادةً سيّئةً تسيطر على حياتك، أو أعمالًا شرّيرةً تتحرَّك في طاقاتك، فحاول أن تجاهد نفسك، وتجعل منها شيئًا آخر، كما لو كان عدوًّا تجاهده، أو شخصًا يريد أن يقتلك لتدافع عن نفسك، لأنَّه ليس هناك فرقٌ بين النَّاس الَّذين يهجمون علينا ليقتلونا جسديًّا، وبين من يهجم علينا ليقتلنا روحيًّا ودينيًّا من أجل أن يُسقط روحنا ويفقدنا ديننا. ونحن نعرف أنَّنا نُحشر إلى الله بما نملك من روحٍ تنفتح عليه سبحانه، وأنَّنا نقف بين يدي الله من خلال هذا الدّين الَّذي أرادنا الله أن نجعل حياتنا من أجله.

لذلك، قد يغلبكم النَّاس على دينكم، ويضيّع النَّاس روحكم، قد يتحرَّك الكثيرون من أصدقائكم وأقربائكم ليستغلّوا عاطفة الصَّداقة والقرابة ليكيدوا لكم وليوجّهوكم في الطَّريق الَّتي لا يريدها الله. لذلك اجلسوا مع أنفسكم ساعةً أو ساعتين وافحصوها فحص الطَّبيب للمريض، وحاولوا أن تكتشفوا المرض في بداياته، قبل أن يستفحل المرض فلا تستطيعون إلى علاجه سبيلًا.

ومن هنا، إنَّكم عندما تجاهدون أنفسكم فإنَّكم تربحونها، أمَّا إذا تركتموها على هواها وأهملتموها وجعلتموها تخوض مع الخائضين وتركض مع الرَّاكضين، إلى أين؟ لا تدرون إلى أين! التَّيّار يحملكم من موجةٍ إلى موجة، والأوضاع تدفع بكم إلى هذا وإلى ذاك، وأنتم لا تدرون ولا تعرفون أين الشَّاطئ. لا بدَّ لنا إذا حملتنا أمواج الضَّلال والفسق والفجور والباطل - سواء كان باطلًا في العقيدة أو الشَّريعة أو السياسة - أن نسبح ونسبح ونسبح حتَّى نبلغ الشَّاطئ، لأنَّ الَّذي لا يبلغه، سوف تسحبه الأمواج إلى الأعماق، والأعماق هنا نار جهنَّم وليست عمق البحر.

أحاديث في جهاد النّفس

تعالوا إلى رسول الله (ص) وإلى عليّ (ع) وإلى الأئمَّة من أهل البيت (ع)، كيف يحدّثوننا عن هذا الجهاد الَّذي أرادنا الله أن نخوضه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ إذا قرَّرت أن تجاهد نفسك، أو أن تسير في أيّ جهادٍ يريد الله لك أن تتحرَّك فيه، فإنَّ الله يكون معك..

يقول النَّبيّ (ص) فيما رُوي عنه، أنَّه بعث بسريَّةٍ للغزو، فلمَّا رجعوا قال (ص): "مرحبًا بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر - وهم الَّذين عرَّضوا أنفسهم للموت - وبقي عليهم الجهاد الأكبر"، قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال (ص): "جهاد النَّفس"، ثمَّ قال: "أفضل الجهاد من جاهد نفسه الَّتي بين جنبيه"، جاهدها في عناصر الباطل والظّلم والشَّرّ الكامنة في داخلها، لأنَّ النَّاس إذا لم يجاهدوا أنفسهم، فإنَّ الشَّرَّ يسيطر عليهم، فتكون عقولهم عقول الشَّرّ والباطل، وتكون قلوبهم قلوب الأحاسيس والمشاعر الخبيثة، وتكون حركتهم حركة الباطل والظّلم، وبذلك يكونون خطرًا على أنفسهم وعلى الحياة.

وإذا أردت أن تكون واحدًا من المجاهدين في ساحة الجهاد، فإنَّك إذا لم تعمل على أن تصوغ شخصيَّتك على أساس أن تكون محبًّا لله خائفًا منه، تحمل مسؤوليَّتك تجاه عباد الله، وتتحرَّك في خطّ الله وتقاتل في سبيله، فأيّ جهادٍ سوف يكون جهادك؟ لذلك، إنَّ جهاد النَّفس يؤصّل لك نفسك ويطهّرها. إنَّنا نقوم بحمّامٍ يوميٍّ لأجسادنا حتَّى نخرج بجسمٍ نظيف، ولكن مَنْ منَّا يقوم بحمّامٍ لعقله ولقلبه، ليفحص ما في قلبه وعقله من الأوساخ، وليفحص ما في حياته وعلاقاته ومعاملاته ومواقفه من الأوساخ؟

لقد قال "أبو العلاء المعريّ" وهو يصوّر غفلة الإنسان عن أقذار قلبه:

ثوبيَ محتاجٌ إلى غاسلٍ    وليْتَ قلبي مثلَهُ في النَّقاءِ

ونحن لا نفكّر في غسل قلوبنا، وقلوبنا هي الَّتي نقف فيها بين يدي ربّنا. ألا نقرأ ما ينقله الله من كلام إبراهيم (ع): {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 87 - 89]؟!

لذلك، لا بدَّ لنا أن نقوم يوميًّا بحمّامٍ لعقولنا لنغسل منها أوساخ الباطل، وحمّامٍ لقلوبنا لنغسل منها مشاعر الشَّرّ، وحمّامٍ لحياتنا لنطرد منها كلَّ أوساخ عاداتنا وتقاليدنا وكلماتنا ومواقفنا الَّتي لا يرضاها الله تعالى.

وفي حديثٍ عن الإمام عليّ (ع): "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدوّ عدوَّه - كيف تقف مع عدوّك؟ كيف هي إرادتك عندما تقف في ساحة المعركة؟ كيف هو تصميمك على أن تقتل العدوّ؟ فعندما تقف نفسك وتريد منك أن تترك طاعة الله، اعتبرها كما لو كانت عدوًّا، لا بدَّ لك من أن تقتل هواها وما تدعوك إليه من البُعد عن طاعة الله - وغالبها مغالبة الضّدّ ضدَّه، فإنَّ أقوى النَّاس من قَوِيَ على نفسه". ويقول عليّ (ع): "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشَّريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه"، طالبها بما لله عليك في عبادتك وعلاقاتك ومالك وفي كلّ حياتك، طالبها كما تطلب خصمك الَّذي يجحدك حقّك.

وفي كلمةٍ أخرى مرويَّةٍ عن رسول الله (ص): "جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم"، لا بدَّ لك أن تكون سيّد نفسك، أن تملك أنت نفسك، ومعنى أن تملك نفسك، أن تستطيع أن تقول "لا" دائمًا إذا كانت الـ"لا" هي ما يريده الله منك، وأن تقول "نعم" إذا كانت الـ"نعم" هي ما يريده الله منك.

ويقول (ع): "جاهد شهوتك - إذا كانت محرَّمة - وغالب غضبك - إذا كان سيؤدّي بك إلى معصية الله - وخالف سوء عادتك، تزكُ نفسك، ويكملْ عقلك، وتستكمل ثواب ربّك".

ويقول (ع): "ألا وإنَّ الجهاد ثمن الجنَّة، فمن جاهد نفسه ملكها، أَلَا وَإِنَّ الْجِهَادَ ثَمَنُ الْجَنَّةِ، فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ مَلَكَهَا، وَهِيَ أَكْرَمُ ثَوَابِ اللَّهِ لِمَنْ عَرَفَهَا، وردْع النَّفس وجهادها عن أهويتها، يرفع الدَّرجات، ويضاعف الحسنات".

جهاد المرأة

وورد عن الإمام الباقر (ع): "أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ بظلم أحد". فإذا كنت تريد أن تكون مجاهدًا في كلّ صباح، إذا كنت لا تفكّر أن تظلم زوجتك أو ولدك وجارك ومن تتعامل وتعيش معه، فأنت المجاهد..

وللمرأة دورٌ في الجهاد، فإنَّ جهادها هو "حُسْن التَّبعُّل"، أن تكون زوجةً صالحةً لزوجها، أن تصبر على الكثير من سلبيَّاته من أجل أن تركّز بيتها على أساسٍ متين، وإذا كانت تتحمَّل بعض السَّلبيَّات من زوجها في حياتها الزَّوجيَّة، فإنَّها تحفظ بيتها وأولادها، وسوف تكون النَّتيجة لها في الدُّنيا مزيدًا من الاستقرار العائليّ، وفي الآخرة يعطيها الله أجر المجاهدين. إنَّ المسألة تحتاج إلى نوعٍ من سعة الصَّدر والعقل وهدوء الأعصاب.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ الله تعالى حدَّثنا في القرآن الكريم، وإن كان على لسان امرأة - زوجة عزيز مصر - لم تكن صالحةً فصلحت: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}[يوسف: 53].

وجاء في دعاء الثّلاثاء المرويّ عن الإمام زين العابدين (ع): "وأعوذ به من شرّ نفسي إنَّ النَّفس لأمَّارةٌ بالسوء إلَّا ما رحم ربّي".. لنجلس مع أنفسنا، ولندرسها ولنجاهدها ولنطهّرها من كلّ سوء، لأنَّنا قد نذهب في الحياة يمينًا وشمالًا، قد يصفّق لنا النَّاس وقد يهتفون بأسمائنا، ولكنَّنا سوف نُحشر مع ما في عقولنا من حقّ أو باطل، ومع ما في قلوبنا من خيرٍ وشرّ، ومع ما في حياتنا من ظلمٍ وعدل.

الاستعداد ليوم الحساب

أيُّها الإنسان، ستنزل في قبرك مع كلّ هذا في نفسك، وستُحشر غدًا مع كلّ هذا في موقفك، وستقف بين يدي الله ليحاسبك على كلّ ما في قلبك، لأنَّه تعالى ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى وجوهكم، فرتّب شغلك، واحسب حساباتك، قبل أن يأتي اليوم الحاسم الَّذي تقف فيه بين يدي ربّك.

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 5 أيلول 1997م.

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69].  

تبيّن هذه الآية قيمة النَّاس الَّذين لا يعيشون الحياة لذَّةً وعبثًا واسترخاءً ولامبالاة، ولكنَّهم يعيشون الحياة مسؤوليَّة، حيث يعتبر الواحد منهم نفسه مجاهدًا في سبيل الله. والجهاد في سبيل الله ليس جهاد السِّلاح فحسب، ولكنَّه كلّ جهادٍ يتحرَّك الإنسان فيه من أجل أن يقدّم لله شيئًا من عقله وقلبه وجهده وطاقته، في كلّ ما يحبّه الله في الحياة.

أكبر الجهاد

وأوّل جهادٍ يريده الله من الإنسان – وهو أكبر الجهاد - جهاد النَّفس؛ أن يدرس كلَّ نفسه، ويتعرّف ما فيها من عناصر الحقّ والخير، وعناصر الباطل والشَّرّ، فإنَّ الإنسان - كلّ إنسانٍ منَّا - عندما يبدأ طفولته، فهناك أشياء يرثها في أصل تكوينه من أجداده وآبائه، وهناك أشياء يكتسبها الإنسان من بيئته. ففي الطُّفولة، نختزن أشياء كثيرة تدخل إلى عقولنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وعاداتنا، لا نعرف كيف دخلت؛ قد يمتصّ الطّفل شيئًا من عادات أبيه أو أمّه أو من الأطفال الَّذين يلعب معهم، وقد يمتصّ شيئًا من الأفكار الَّتي يسمعها من أبيه أو أمّه أو مَنْ حولهما، وقد يمتصّ شيئًا من الأفكار والأحاسيس والمشاعر من خلال ما يشاهده في التّلفزيون، أو ما يسمعه في الإذاعة أو ما إلى ذلك.

وهكذا عندما ينطلق الإنسان في مرحلة الشَّباب، وللشَّاب رفاقه وأصدقاؤه وملاعبه ومجالاته في الحياة، يأخذ من هذا فكرةً، ومن ذاك طبعًا، ومن هذا عادةً وما إلى ذلك. وهكذا تزحف الكثير من الأفكار الَّتي نقرأها أو نسمعها أو نعيشها، والكثير من العادات الموجودة في مجتمعاتنا، تزحف إلينا من دون اختيار، فنشعر بأنَّنا نفكّر بطريقةٍ لم يكن لنا خيارٌ فيها، ولكنَّنا تأثَّرنا بها.

مراقبة الذّات وتفحّصها

هنا، يريد الله للإنسان أن يدرس نفسه دائمًا قبل أن تنظر عيناه إلى ما عند الآخرين، وقبل أن يتوجَّه فكره إلى ما عندهم، لذلك سلّطْ - أيُّها الإنسان - عين عقلك على كلّ ما في عقلك من أفكار الخير والشَّرّ، والحقّ والباطل، والعدل والظّلم، وسلّطْ عين قلبك على كلّ ما في قلبك من عواطف الحبّ والبغض، ومن عواطف الخير والشَّرّ، وسلّط عين ذاتك على كلّ ما تعتاده من أعمالٍ وحركاتٍ وما تطلقه من كلمات، فإذا رأيت أنَّ هناك شرًّا يرقد في عقلك، وباطلًا يعيش في فكرك، وإحساسًا خبيثًا يعيش في قلبك، وعادةً سيّئةً تسيطر على حياتك، أو أعمالًا شرّيرةً تتحرَّك في طاقاتك، فحاول أن تجاهد نفسك، وتجعل منها شيئًا آخر، كما لو كان عدوًّا تجاهده، أو شخصًا يريد أن يقتلك لتدافع عن نفسك، لأنَّه ليس هناك فرقٌ بين النَّاس الَّذين يهجمون علينا ليقتلونا جسديًّا، وبين من يهجم علينا ليقتلنا روحيًّا ودينيًّا من أجل أن يُسقط روحنا ويفقدنا ديننا. ونحن نعرف أنَّنا نُحشر إلى الله بما نملك من روحٍ تنفتح عليه سبحانه، وأنَّنا نقف بين يدي الله من خلال هذا الدّين الَّذي أرادنا الله أن نجعل حياتنا من أجله.

لذلك، قد يغلبكم النَّاس على دينكم، ويضيّع النَّاس روحكم، قد يتحرَّك الكثيرون من أصدقائكم وأقربائكم ليستغلّوا عاطفة الصَّداقة والقرابة ليكيدوا لكم وليوجّهوكم في الطَّريق الَّتي لا يريدها الله. لذلك اجلسوا مع أنفسكم ساعةً أو ساعتين وافحصوها فحص الطَّبيب للمريض، وحاولوا أن تكتشفوا المرض في بداياته، قبل أن يستفحل المرض فلا تستطيعون إلى علاجه سبيلًا.

ومن هنا، إنَّكم عندما تجاهدون أنفسكم فإنَّكم تربحونها، أمَّا إذا تركتموها على هواها وأهملتموها وجعلتموها تخوض مع الخائضين وتركض مع الرَّاكضين، إلى أين؟ لا تدرون إلى أين! التَّيّار يحملكم من موجةٍ إلى موجة، والأوضاع تدفع بكم إلى هذا وإلى ذاك، وأنتم لا تدرون ولا تعرفون أين الشَّاطئ. لا بدَّ لنا إذا حملتنا أمواج الضَّلال والفسق والفجور والباطل - سواء كان باطلًا في العقيدة أو الشَّريعة أو السياسة - أن نسبح ونسبح ونسبح حتَّى نبلغ الشَّاطئ، لأنَّ الَّذي لا يبلغه، سوف تسحبه الأمواج إلى الأعماق، والأعماق هنا نار جهنَّم وليست عمق البحر.

أحاديث في جهاد النّفس

تعالوا إلى رسول الله (ص) وإلى عليّ (ع) وإلى الأئمَّة من أهل البيت (ع)، كيف يحدّثوننا عن هذا الجهاد الَّذي أرادنا الله أن نخوضه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ إذا قرَّرت أن تجاهد نفسك، أو أن تسير في أيّ جهادٍ يريد الله لك أن تتحرَّك فيه، فإنَّ الله يكون معك..

يقول النَّبيّ (ص) فيما رُوي عنه، أنَّه بعث بسريَّةٍ للغزو، فلمَّا رجعوا قال (ص): "مرحبًا بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر - وهم الَّذين عرَّضوا أنفسهم للموت - وبقي عليهم الجهاد الأكبر"، قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال (ص): "جهاد النَّفس"، ثمَّ قال: "أفضل الجهاد من جاهد نفسه الَّتي بين جنبيه"، جاهدها في عناصر الباطل والظّلم والشَّرّ الكامنة في داخلها، لأنَّ النَّاس إذا لم يجاهدوا أنفسهم، فإنَّ الشَّرَّ يسيطر عليهم، فتكون عقولهم عقول الشَّرّ والباطل، وتكون قلوبهم قلوب الأحاسيس والمشاعر الخبيثة، وتكون حركتهم حركة الباطل والظّلم، وبذلك يكونون خطرًا على أنفسهم وعلى الحياة.

وإذا أردت أن تكون واحدًا من المجاهدين في ساحة الجهاد، فإنَّك إذا لم تعمل على أن تصوغ شخصيَّتك على أساس أن تكون محبًّا لله خائفًا منه، تحمل مسؤوليَّتك تجاه عباد الله، وتتحرَّك في خطّ الله وتقاتل في سبيله، فأيّ جهادٍ سوف يكون جهادك؟ لذلك، إنَّ جهاد النَّفس يؤصّل لك نفسك ويطهّرها. إنَّنا نقوم بحمّامٍ يوميٍّ لأجسادنا حتَّى نخرج بجسمٍ نظيف، ولكن مَنْ منَّا يقوم بحمّامٍ لعقله ولقلبه، ليفحص ما في قلبه وعقله من الأوساخ، وليفحص ما في حياته وعلاقاته ومعاملاته ومواقفه من الأوساخ؟

لقد قال "أبو العلاء المعريّ" وهو يصوّر غفلة الإنسان عن أقذار قلبه:

ثوبيَ محتاجٌ إلى غاسلٍ    وليْتَ قلبي مثلَهُ في النَّقاءِ

ونحن لا نفكّر في غسل قلوبنا، وقلوبنا هي الَّتي نقف فيها بين يدي ربّنا. ألا نقرأ ما ينقله الله من كلام إبراهيم (ع): {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 87 - 89]؟!

لذلك، لا بدَّ لنا أن نقوم يوميًّا بحمّامٍ لعقولنا لنغسل منها أوساخ الباطل، وحمّامٍ لقلوبنا لنغسل منها مشاعر الشَّرّ، وحمّامٍ لحياتنا لنطرد منها كلَّ أوساخ عاداتنا وتقاليدنا وكلماتنا ومواقفنا الَّتي لا يرضاها الله تعالى.

وفي حديثٍ عن الإمام عليّ (ع): "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدوّ عدوَّه - كيف تقف مع عدوّك؟ كيف هي إرادتك عندما تقف في ساحة المعركة؟ كيف هو تصميمك على أن تقتل العدوّ؟ فعندما تقف نفسك وتريد منك أن تترك طاعة الله، اعتبرها كما لو كانت عدوًّا، لا بدَّ لك من أن تقتل هواها وما تدعوك إليه من البُعد عن طاعة الله - وغالبها مغالبة الضّدّ ضدَّه، فإنَّ أقوى النَّاس من قَوِيَ على نفسه". ويقول عليّ (ع): "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشَّريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه"، طالبها بما لله عليك في عبادتك وعلاقاتك ومالك وفي كلّ حياتك، طالبها كما تطلب خصمك الَّذي يجحدك حقّك.

وفي كلمةٍ أخرى مرويَّةٍ عن رسول الله (ص): "جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم"، لا بدَّ لك أن تكون سيّد نفسك، أن تملك أنت نفسك، ومعنى أن تملك نفسك، أن تستطيع أن تقول "لا" دائمًا إذا كانت الـ"لا" هي ما يريده الله منك، وأن تقول "نعم" إذا كانت الـ"نعم" هي ما يريده الله منك.

ويقول (ع): "جاهد شهوتك - إذا كانت محرَّمة - وغالب غضبك - إذا كان سيؤدّي بك إلى معصية الله - وخالف سوء عادتك، تزكُ نفسك، ويكملْ عقلك، وتستكمل ثواب ربّك".

ويقول (ع): "ألا وإنَّ الجهاد ثمن الجنَّة، فمن جاهد نفسه ملكها، أَلَا وَإِنَّ الْجِهَادَ ثَمَنُ الْجَنَّةِ، فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ مَلَكَهَا، وَهِيَ أَكْرَمُ ثَوَابِ اللَّهِ لِمَنْ عَرَفَهَا، وردْع النَّفس وجهادها عن أهويتها، يرفع الدَّرجات، ويضاعف الحسنات".

جهاد المرأة

وورد عن الإمام الباقر (ع): "أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ بظلم أحد". فإذا كنت تريد أن تكون مجاهدًا في كلّ صباح، إذا كنت لا تفكّر أن تظلم زوجتك أو ولدك وجارك ومن تتعامل وتعيش معه، فأنت المجاهد..

وللمرأة دورٌ في الجهاد، فإنَّ جهادها هو "حُسْن التَّبعُّل"، أن تكون زوجةً صالحةً لزوجها، أن تصبر على الكثير من سلبيَّاته من أجل أن تركّز بيتها على أساسٍ متين، وإذا كانت تتحمَّل بعض السَّلبيَّات من زوجها في حياتها الزَّوجيَّة، فإنَّها تحفظ بيتها وأولادها، وسوف تكون النَّتيجة لها في الدُّنيا مزيدًا من الاستقرار العائليّ، وفي الآخرة يعطيها الله أجر المجاهدين. إنَّ المسألة تحتاج إلى نوعٍ من سعة الصَّدر والعقل وهدوء الأعصاب.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ الله تعالى حدَّثنا في القرآن الكريم، وإن كان على لسان امرأة - زوجة عزيز مصر - لم تكن صالحةً فصلحت: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}[يوسف: 53].

وجاء في دعاء الثّلاثاء المرويّ عن الإمام زين العابدين (ع): "وأعوذ به من شرّ نفسي إنَّ النَّفس لأمَّارةٌ بالسوء إلَّا ما رحم ربّي".. لنجلس مع أنفسنا، ولندرسها ولنجاهدها ولنطهّرها من كلّ سوء، لأنَّنا قد نذهب في الحياة يمينًا وشمالًا، قد يصفّق لنا النَّاس وقد يهتفون بأسمائنا، ولكنَّنا سوف نُحشر مع ما في عقولنا من حقّ أو باطل، ومع ما في قلوبنا من خيرٍ وشرّ، ومع ما في حياتنا من ظلمٍ وعدل.

الاستعداد ليوم الحساب

أيُّها الإنسان، ستنزل في قبرك مع كلّ هذا في نفسك، وستُحشر غدًا مع كلّ هذا في موقفك، وستقف بين يدي الله ليحاسبك على كلّ ما في قلبك، لأنَّه تعالى ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى وجوهكم، فرتّب شغلك، واحسب حساباتك، قبل أن يأتي اليوم الحاسم الَّذي تقف فيه بين يدي ربّك.

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 5 أيلول 1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية