يقول الله سبحانه وتعالى، وهو يحدّثنا عن المستضعفين والمستكبرين عندما يلتقون في نار جهنّم، ويعيشون وحدة المصير، ويدور الحوار بينهم: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتَضْعَفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(سبأ: 31 - 33).
وتتكرَّر هذه الأحاديث القرآنيّة في أكثر من آيةٍ، فنجد أنَّ بعض الآيات تتضمّن استعطاف المستضعفين للمستكبرين، في أن يخفّفوا عنهم شيئًا من عذاب الله: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}(إبراهيم: 21).
وهكذا نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يتحدّث عن المستكبرين والمستضعفين بطريقةٍ أخرى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}(البقرة: 166 - 167).
هذا هو الجوّ الّذي نحتاج أن نعيشه ونحن في الدّنيا، لنستطيع من خلال التّأمّل فيه، أخذ العبرة منه، وتخطيط حياتنا من خلاله.. وهو الجوّ الَّذي استعاده القرآن في أكثر من آيةٍ مع وحدة المضمون، أو مع اختلافٍ في بعض الخصوصيّات فيه.. نحتاج أن نعيشه دائمًا، لأنَّ المشكلة الّتي نعيشها في كلّ موقعٍ في العالم هي مشكلة المستضعفين والمستكبرين، لأنّنا عندما ندرس كلّ تعقيدات العالم ومشاكله وحروبه، وكلّ الضّغوط المتنوّعة الّتي تحيط بالنَّاس فيه، نجد أنَّ مشكلته هي مشكلة استضعافٍ واستكبارٍ.
أصناف المستضعفين والمستكبرين
هناك فئةٌ من النَّاس يعيشون الضّعف في أنفسهم، أو يوحون إلى أنفسهم بالضّعف، كما في بعض النّاس الّذين يملكون القوّة ولكنّهم يخافون من استخدامها، من جهة خوفهم من النّتائج السّلبيَّة الّتي تحدث من خلال ذلك. وهناك ضعفاء يستضعفهم النَّاس، وهناك مستضعفون يستضعفون أنفسهم، فيسلّمون أنفسهم للأقوياء وهم قادرون على أن يتماسكوا.
وهناك، في المقابل، مستكبرون ينطلقون في حياتهم من عقدة العلوّ في الأرض، لأنّهم يرون أنفسهم أكبر من النَّاس، ويرون شخصيّاتهم أضخم من شخصيّات النَّاس، لما يملكونه من قوَّة مالٍ، أو قوَّة سلاحٍ، أو قوَّة موقعٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ، بحيث يواجهون أناسًا يشعرون بالضّعف أمامهم، فلا يحتاجون إلى جهدٍ حتّى يخضعوهم لهم.
هؤلاء المستكبرون في الأرض، قد يتمثّلون في أشخاصٍ، وقد يتمثّلون في عوائل، وقد يتمثّلون في محاور سياسيّةٍ، وقد يتمثّلون في دولٍ كبرى أو دولٍ صغرى.
فعندما نواجه هذه المسألة، كيف نتحرّك أمامها من خلال مسؤوليَّاتنا؟ لأنَّ مسألة الاستضعاف والاستكبار في تأثيراتها السَّلبيَّة، هي مسألةٌ لا تتَّصل بالجانب الدّنيويّ فقط، بل إنّها تتَّصل بالجانب الأخرويّ أيضًا.
فأنت كإنسانٍ، إذا خضعت لإنسانٍ، وقادك هذا الإنسان إلى الضّلال - سواء كان الضَّلال ضلالًا في العقيدة، أو ضلالًا في الخطّ، أو ضلالًا في العمل والسّلوك - فأنت لا تسقط في موقعك في الدّنيا فحسب، ولكن تسقط في موقعك في الآخرة أيضًا، لأنَّ الله لم يجعل استضعافك مبرّرًا لك، ومؤمِّنًا لك من نار جهنّم، إلّا إذا كان استضعافك بالمستوى الَّذي يحوّلك إلى إنسانٍ عاجزٍ مشلولٍ لا يستطيع حيلةً ولا يهتدي سبيلًا {فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ}[النساء: 99]. أمَّا إذا كنت إنسانًا تملك أن تقول، وأن تخطّط، وأن تجابه، وأن تتعاون مع الآخرين، ولكنّك لا تحبّ وجع الرّأس، ولا تحبّ لنفسك الأذى، فتستسلم، وتُعطي بيدك إعطاء الذَّليل، وتقرّ للمستكبرين إقرار العبيد؛ فإنّ ذلك لن يكون مبرّرًا لك أمام الله.
الضّعف ليس مبرّرًا للاستسلام
ونحن نقرأ القرآن، ولكنَّنا نقرأه بطريقةٍ جامدةٍ، ولا نقرأه بطريقةٍ متحرّكةٍ.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ - بمعنى تتوفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بالكفر، أو ظلموها بالانحراف، أو ظلموها بظلم النَّاس. ووقفوا أمام الملائكة، وبدأ السّؤال والجواب - قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ - في أيّ موقعٍ كنتم؟ بأيّ وضعٍ كنتم؟ في أيّ خطٍّ كنتم؟ في أيّ ظروفٍ كنتم؟ - قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ - كنَّا ضعفاء، وكان الأقوياء يستضعفوننا؛ كانوا يفرضون علينا الكفر فنكفر، وكانوا يهيّئون لنا أجواء الفسق فنفسق، وكانوا يقودوننا نحو الانحراف عن الخطّ المستقيم فننحرف، وكانوا يخوّفوننا من أنفسهم فنخافهم، ويؤمّنوننا من الله فنأمن إذا عصيناه. وهكذا، كنَّا مجرَّد صدىً لهم، كنّا خشبةً في مجرى التّيّار، كنّا شيئًا لا يتماسك ولا يقف، كنَّا مستضعفين في الأرض، ونحن نعتبر ذلك عذرًا لنا.
- قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا - فإذا كانت هناك ضغوطٌ مطبقةٌ عليكم، بحيث تؤدّي بكم إلى الكفر بالله أو إلى معصيته، فهل إنَّ المكان الَّذي يسيطر عليه المستكبرون الّذين يضغطون عليكم هو كلّ أرض الله؟ ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها؟ ويسكتون، لأنَّهم لا يملكون جوابًا - فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}(النساء: 97).
الضّعف ليس مبرّرًا لك، إذا كنت تستطيع أن تجد منفذًا أو موقعًا أو ساحةً تتخلَّص فيها من الضّغط لتحصل على القوّة، ثمّ لترجع من جديدٍ حيث تكون لك القوَّة على المستكبرين.
والمستثنى من هؤلاء ممّن يمكن أن يكونوا معذورين عند الله {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}(النساء: 98 - 99).
إنَّ هذه الآيات القرآنيَّة تقول لك: إذا كنت تملك قدرًا من القوَّة تواجه به القويّ، أو كنت تملك فرصةً للتَّخلّص منه ولو بالابتعاد عن ساحته، فإنَّه لا عذر لك عند الله في ذلك كلّه.
ومصيرك هو مصير المستكبر عند الله، وهذا ما أشارت إليه الآيات الّتي قرأناها، وما تشير إليه آيات أخرى، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}[غافر: 47 - 48].
يعني ليس هناك فرقٌ بين مصير المستكبر والمستضعف في النَّتيجة. ولماذا ذلك؟ لأنَّ الله أعطاك قوّةً كما أعطاه قوّةً، وأعطاك عقلًا كما أعطاه عقلًا، وأعطاك إرادةً كما أعطاه إرادةً. كان ضعيفًا فأخذ بأسباب القوّة فصار قويًّا، وأنت إذا كنت ضعيفًا، فإنّ عليك أن تأخذ بأسباب القوّة لتكون قويًّا.. فلماذا جمّدت نفسك؟ ولماذا أسقطت قوَّتك؟ ولماذا أسقطت موقعك؟ لقد خلق الله لك عقلًا يفكّر، فإذا طرح عليك المستكبر أو القويّ فكرًا معيّنًا فيه ضلالٌ لك، فلماذا لا تُعمِلُ عقلك؟ لماذا تجعل عقلك ينحني لعقله؟ ولماذا تجعل إرادتك تسقط أمام إرادته؟
إنَّك تستطيع أن تناقش فكره وتناقش طروحاته، وتستطيع أن تتَّخذ لنفسك عقيدةً وقناعةً تختلف عمّا يفرضه عليك. وإذا كان المستكبر يستطيع أن يضغط على جسدك ليُخضعه، فإنَّه لا يستطيع أن يضغط على فكرك، لأنّ الفكر لا يستطيع أحدٌ أن يضغط عليه، ولا يستطيع أحدٌ أن يُسقطه إذا كان صاحبه لا يُسقطه.
لهذا، يؤكّد القرآن دائمًا فكرة أن يصنع النَّاس القوّة لأنفسهم. إذا كنت ضعيف العلم فاصنع لنفسك قوَّة العلم: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه: 114). وإذا كنت ضعيف الجسد، فقوّ جسدك. وإذا كنت ضعيف الموقع، فقوّ موقعك {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ - اجمعوا ما تستطيعون من قوّةٍ، أيًّا كان حجم القوّة - وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}(الأنفال: 60). لا تسقط أمام إرهاب العدوّ لك، بل اعمل على أن تكون أنت الَّذي ترهب عدوّك من خلال قوّتك الّتي تصنعها.
لهذا لا يريد الله للإنسان أن يستسلم أمام القويّ.
مسؤوليّة صناعة القوّة
ولعلّنا في دراستنا للقرآن الكريم، نستطيع أن نخرج بفكرةٍ، وهي أنَّ الله سبحانه وتعالى يُثير أمامنا دائمًا نقاط ضعف الأقوياء، وفي مقابلها عظمة القوَّة عنده، يريدنا الله دائمًا أن ندخل في مقارنةٍ بين قوَّته وقوَّة الّذين يسيطرون على الأرض، ولذا يكرّر سبحانه {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}(البقرة: 165)، و{إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}(يونس: 65)، ويحدّثنا: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحج: 73 - 74). و{وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}(الزّمر: 67).
إنَّ الله سبحانه يحدّثنا دائمًا عن عظمته، عن كبريائه، عن جبروته، عن عزَّته وقوَّته. لماذا ذلك؟ حتّى تمتلئ القلوب بعظمته سبحانه، فإذا امتلأت بعظمته، فلا يمكن أن يكون فيها مكانٌ لعظمة أحد من النّاس.. أن تفرّغ قلبك من عظمة كلّ عظيمٍ، لتبقى العظمة لله وحده.
وإذا عشت عظمة الله في نفسك، فإنَّ عظمته في إيمانك به تكون في قلبك مثل الينبوع الَّذي يتفجَّر وتشرب منه الماء دائمًا. وهذا ما عاشه الرّسول (ص) في ليلة الهجرة، إذ يقول لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(التَّوبة: 40)، بحيث إنّه (ص) وهو في أشدّ حالات الضّعف والخطر، كان قلبه ممتلئًا بالله، وكان يرى الكون كلّه ممتلئًا بالله. ولذلك، عندما خوَّفه النّاس بالنّاس، شعر بالأمن من خلال الله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(آل عمران: 173).
هذه نقطةٌ، أيُّها الأحبَّة، نحتاج أن نعيشها في حياتنا، ولا سيَّما في المراحل الصّعبة الّتي يريد الاستكبار أن يفرض نفسه علينا، ليُسقط روحنا، وليُسقط مواقعنا ومواقفنا وحياتنا. ولذلك، فإنَّ التّربية الإسلاميّة ركّزت على نقطةٍ، وهي أنَّك إذا لم تستطع أن ترفض المنكر بيدك فارفضه بلسانك، فإذا لم تستطع أن ترفضه بلسانك فارفضه بقلبك.
ليكن قلبك الرَّافض لكلّ القوى المستعلية المستكبرة الطَّاغية، سواء تمثّلت في شخصٍ، أو في جماعةٍ، أو في دولةٍ، لأنّك إذا استطعت أن تعيش الرّفض في قلبك، فإنَّ ذلك يجعلك تتماسك وتثبت، وتتمرّد على كلّ الأشياء الّتي تريد أن تهزّ موقفك، أو تريد أن تُسقطك في موقفك.
هذا ما يؤكّده القرآن الكريم لنا، وهذا ما كان النّبيّ (ص) يثيره في المسلمين عندما كانوا ضعفاء، وكان يدعوهم إلى أن يواجهوا الأقوياء من خلال ما كان يثيره في نفوسهم من عناصر القوّة الخفيّة الّتي لم يكونوا ينتبهون إليها.
نحن أقوياء، ولكنّنا لا ندرس عناصر قوَّتنا، تمامًا كما هو الإنسان الّذي يملك مالًا كثيرًا ولكنّه مدفونٌ في الأرض، ولا يحاول أن يبحث في الأرض ليستخرجه.
سرُّ القوَّة بالإيمان
ولذلك، علينا أن نواجه المسألة في البداية من النَّاحيتين النّفسيَّة والإعلاميَّة. ففي أكثر التَّجارب الّتي نمرّ بها، تكون هناك قوّةٌ مسيطرةٌ، سواء كانت قوَّة ميليشياتٍ، أو قوّة طاغيةٍ اجتماعيّ، أو طاغيةٍ سياسيٍّ، أو دولةٍ، أو محورٍ دوليٍّ، فتجد النَّاس يجبّن بعضهم بعضًا، ويحاول كلّ فريقٍ أن يوحي إلى الفريق الآخر أو إلى بيئته، بأنّه لا جدوى من بناء القوَّة أو الاستعداد للمواجهة. وبذلك، قد يكون هناك شخصٌ واحدٌ ضعيفٌ في البلد، ولكنَّ النَّاس تضخّم قوّته. افرض أنَّ هذا الشّخص معه عشرة آلافٍ، لكنَّ العشرة آلافٍ موزّعون في منطقةٍ فيها مليون شخصٍ.
من أين يسقط النَّاس؟ أمام السّلاح؟ أمام الطّغيان الاجتماعيّ؟ أمام الطّغيان الماليّ؟ أمام الطّغيان السّياسيّ؟ من أين يسقط النَّاس؟ النَّاس يسقطون لأنّهم يحاولون أن يحطّموا قوَّة بعضهم بعضًا، على الطَّريقة الّتي كانت في "خيبر"، ففي معركة خيبر، أرسل رسول الله (ص) رجلًا ومعه جماعةٌ من المسلمين ليستطلع الأحوال، "فَرَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَيُجَبِّنُونَهُ"، فكان يقول لهم: والله إنَّ هؤلاء لا يُقهَرون، وهم يوافقونه ويقولون له إذًا يجب أن نرجع، فلا نستطيع أن نقتحم... ثمَّ أرسل (ص) شخصًا ثانيًا، فرجع أيضًا يجبّن أصحابه ويجبّنونه، وعندما جاء الدّور على أمير المؤمنين (ع)، اختلفت المسألة..
ولكن ما هي قصّة أمير المؤمنين (ع)؟ هل إنَّ عضلاته كانت أقوى من عضلات الآخرين؟ هل إنَّ سيف "ذي الفقار" فيه قوّةٌ غيبيّةٌ وقوّةٌ سحريّةٌ تختلف عن سيوف الآخرين؟ هو سيفٌ من السّيوف، لم ينزل من الجنَّة ولا من أيّ مكانٍ. إذًا، هل إنَّ الجماعة الّذين ساروا مع عليٍّ (ع)، أو الّذين كانوا يريدون أن يسيروا معه، أكثر من أولئك الجماعة الّذين سبقوهم؟ لم يكونوا أكثر.
ما هي المسألة إذًا؟ المسألة هي أنَّ عليًّا (ع) كان يعيش في إيمانه سرَّ القوّة، وكان يستمدّ قوَّته من الله ومن محبَّته له، ولذلك كان كما وصفه النَّبيّ (ص): "كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ". لم تكن تُسقطه التَّهاويلُ ولا الاستعراضاتُ النَّفسيَّة، فقد كان الفرسانُ في تلك الأيَّام يخرجون إلى الميدان بأسلوب التَّخويف والتَّرهيب ليرتجف الخصم، تماماً كما قال مبارزُه: "أنا الَّذي سمّتني أمّي مرحبًا"، وكان بمجرَّد أن يُعلن اسمَه - ومرحبٌ معروفٌ ببأسه - يُتوقَّع من خصمه أن يرتجف ويهتزّ وينسحب.
لكنَّ عليًّا (ع) قال له: "أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَة"، ولم يذكر اسم عليٍّ، لأنَّ كلمة "حيدرة" من أسماء الأسد، يعني أنّه لا يخاف. عند ذلك، انطلقت المعركة، وانتهت بسقوط مرحبٍ، وباقتلاع الإمام (ع) للباب وسيطرته على الحصن.
وَنُقل عنه (ع) قوله: "والله، ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوَّة جسديَّة، ولا حركة غذائيَّة، لكنَّني أيّدت بقوَّة ملكوتيَّة". والقوّة الرَّبّانيّة لا تعني أنَّ الله أعطاه القوَّة هكذا، بل معناها أنَّه كان يعيش مع الله بملء وجوده، فكان كلّما أوشك جسدُه أن يضعف، رفَدَهُ إيمانُه بالقوَّة، فيتصلَّبُ ويشتدّ. هذه هي المسألة.
الإنسان، في كثيرٍ من الحالات، قد تكون عنده بندقيّةٌ أفضل من بندقيّة عدوّه، ويملك القدرة على مقاتلته بها، لكنَّه لا يملك أعصابًا، ولا قلبًا ثابتًا، ولا يثق بنفسه. عندئذٍ، قد يستطيع شخصٌ يحمل عصًا أن يهزم جيشًا، إذا كان ذلك الجيش يعيش هذه العقليَّة الانهزاميّة.
لاحظوا تقييم النّبيّ (ص) لعليّ (ع): "رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". وسرّ عليّ بن أبي طالبٍ (ع) هو هذا؛ أنّه أحبّ الله ورسوله، وعمل على أن يرضى الله ورسوله عنه في كلّ موقفٍ. ولذلك، لم يعرف الخوف طريقًا إلى قلب عليّ (ع)، لأنَّ الله كان في عقله وقلبه وإحساسه، وكان الله أمامه، ومن بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله. كان يقول: "مَا رَأَيْتُ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَمَعَهُ". إنَّ أمير المؤمنين (ع) ليس ذلك الشَّخص الأسطوريّ في قوّته الجسديَّة، ولكنّه ذلك الشَّخص العظيم في قوّته الرّوحيّة والإيمانيَّة.
لذلك، نحن في الدَّرجة الأولى، لا بدَّ أن لا يجبّن بعضنا بعضًا ويخوّف بعضنا بعضًا، بل علينا أن نقول كما قال أولئك: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(آل عمران: 173)، وننطلق من الله، وإذا ارتبطنا بالله، استطعنا أن نثبّت أقدامنا، وعندما نثبّت أقدامنا، نثبّت مواقفنا، وعند ذلك نفكّر، ونخطّط، ونكتشف الكثير من عناصر القوَّة في حياتنا. هذا إذا أردنا أن لا يسحقنا الطّغاة، وإذا أردنا أن لا نعيش على موائد الآخرين ليُلقوا إلينا بفتاتهم، وليعملوا على أساس أن نكون الضّعفاء دائمًا، لأنَّ المشكلة الّتي نعيشها في العالم - كما قلنا - هي أنَّ هناك أقوياء لا يسمحون للضَّعيف أن يكون قويًّا.
مواجهة الحرب الإعلاميّة
يعني أنَّك الآن، أيُّها الضَّعيف، إذا أردت أن تكون قويًّا، يسلّطون عليك إعلامهم؛ من جرائد، ومحطّات تلفزيونيّة، وإذاعاتٍ، ووكالات أنباءٍ، وخطباء، ووعَّاظٍ، من كلّ هؤلاء الَّذين تسخّرهم المخابرات الدّوليَّة من أجل أن يُسقطوا روحيَّة النَّاس ومعنويّاتهم، وأن يعملوا على أن يجعلوا منهم مجرّد جماعاتٍ وأفرادٍ مشلولة القوَّة والإرادة والحركة.
ولهذا، أنتم تلاحظون أنَّ الحرب الإعلاميَّة قد تهزم جيشًا مزوّدًا بأحدث الأسلحة. فنحن عندما نعيش الخوف في كثيرٍ من المواقع، من أين يأتي ذلك؟ عندما تسمع الرّاديو مثلًا، فهو يحاول دائمًا أن ينفذ إلى كلّ مشاعرك وأحاسيسك ليثير التَّخويف والتَّهويل، وما إلى ذلك.
عندما كانت القوّة الأمريكيّة موجودةً هنا، كنتم تلاحظون في الإذاعات والصّحف، أنَّ الإعلام الأمريكيّ يتحدَّث عن قوّة القنبلة الّتي تطلقها البارجة نيوجرسي، وأنَّ مداها يبلغ كذا ألف كيلومترٍ. كانت المسألة أنّه يُراد تخويف النَّاس من القوَّة الأمريكيَّة، فخاف كلّ النّاس، باستثناء اثنين فقط لم يخافا، من الّذين قالوا {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(آل عمران: 173). اثنان لا أحد يعرف أسماءهما الآن، لأنّهما باعا أسماءهما لله، وباعا حياتهما لله.
هذان الاثنان أسقطا كلّ مواقع السّياسة الأمريكيّة في تلك المرحلة، وطَرَدا - من خلال ما أثاراه من تفاعلاتٍ - القوَّة الأمريكيَّة وكلّ القوَّات المتعدّدة الجنسيّات من لبنان. لماذا؟ لأنَّ هؤلاء لم يخافا، في حين خاف الجميع، لأنّهما اكتشفا عناصر القوَّة في أنفسهما، من خلال اكتشافهما عناصر القوّة في إيمانهما وفي مواقعهما.
أنا أقول: إذا أنت آمنت بقوَّتك، فهناك أكثر من موقع تستطيع أن تكتشف فيه قوّةً لا يعرفها العدوّ فتحاربه بها. وإذا اكتشف العدوّ هذه القوَّة، فحاول أن تبحث عن عنصر قوّةٍ جديدٍ إلى أن يكتشفها العدوّ بعد ذلك.
والمعركة بين الحقّ والباطل، وبين المستضعفين والمستكبرين، هي معركةٌ على مدى الحياة كلّها، لأنّها ليست معركة اليوم واليومين، بل هي معركةٌ ربّما تنهزم في بعض جولاتها، فتحاول أن تخطّط لتنتصر في البعض الآخر، أو تتوازن في البعض الآخر، وما إلى ذلك. إنَّ الله يريد لنا أن نعيش روحيَّة القوّة، وأن لا يهزمنا الآخرون بكلماتهم.
يعني عندما تسمع إذاعةً، أو تقرأ جريدةً، أو عندما تسمع خطيبًا من الخطباء الّذين يوحون إلى النّاس بالضّعف، ويحبّبون للنّاس الرَّاحة والاسترخاء، فاعرف أنَّ هذا منطق الشّيطان. هل تريدون دليلًا؟ {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ - يعني هذه الأساليب كلّها، أساليب التَّخويف الَّتي تريد أن تربطك بنقاط ضعفك وقوَّة الآخرين، ولا تريد أن تربطك بنقاط قوَّتك وضعف الآخرين، هذه أساليب شيطانيّةٌ من شياطين الإنس وشياطين الجنّ - فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(آل عمران: 175).
العقل في مواجهة التَّضليل
إذًا، علينا عندما نسمع خبرًا، أو نسمع خطبةً - وأنا دائمًا أقول لكم، حتّى الكلام الّذي أنا أقوله لكم، لا تسمعوه بقلوبٍ مغلقةٍ، فليس ضروريًّا أن تقبلوا كلّ شيءٍ أقوله لكم، بل أقول لكم دائمًا: فكّروا؛ فكّروا معي ومع كلّ الّذين تسمعونهم.. لا تُعط عقلك إجازةً عندما تريد أن تستمع إلى شخصٍ مهما كان عظيمًا.. حتّى لو كان الّذي يحدّثك أعظم العظماء؛ في العلم، وفي البطولة، وفي القيادة، لا تجعل قلبك يخشع فقط، بل اجعل قلبك يفكّر، واجعل عقلك يفكّر، لأنَّ هذا الإنسان - إذا لم يكن معصومًا - فقد يخطئ وهو يتحدَّث إليك.
علينا دائمًا أن نشغّل عقولنا، أيُّها الأحبَّة، لأنَّ الله لا يسمح لإنسانٍ أن يجمّد عقله: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ - هؤلاء الَّذين يصمّون آذانهم عن السّماع - أَوْ نَعْقِلُ - الّذين صادروا عقولهم، أو أعطوا عقولهم إجازةً - مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}(الملك: 10).
فعقلك لا بدَّ أن يكون دائمًا حاضرًا؛ حاضرًا في أوضاع الشَّهوات، حاضرًا في حال الحرب، حاضرًا في حال السّلم، وحاضرًا في كلّ مسألةٍ، سواء كانت صغيرةً أو كبيرةً، لأنَّ الله سيحاسب عقلك، فالله يخاطب العقل كما في الحديث القدسيّ: "إِيَّاكَ آمُرُ، وَإِيَّاكَ أَنْهَى". إنَّ الله يحاسب النَّاس على عقولهم، فيثيب الإنسان بقدر عقله، ويعاقبه بقدر عقله.
لهذا، أنا أقول لكم دائمًا: عندما تسمعون نشرة أخبارٍ، أو تحليلًا سياسيًّا، أو تقرأون صحيفةً، أو تستمعون إلى خطيبٍ يخطب في خطبة جمعةٍ، أو في حفلة أسبوعٍ، أو في أيّة مناسبةٍ سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ.. افتحوا نوافذ عقولكم وفكّروا في كلماته؛ فإن كان خيرًا فخذوه، لأنّكم اقتنعتم به، لا لأنّه قال لكم ذلك، وإذا لم تقتنعوا به فارفضوه.
قد تقول: أنا والله لستُ متعلّماً. هذا صحيحٌ، لكنَّك وإن لم تكن متعلّماً، فأنت صاحبُ تجربة؛ مرّت بك تجاربُ الحياة، وتستطيع من خلالها أن تفكّر وتتعلّم. فالعقلُ كلّما أعملتَ فيه الفكر وحرّكته، اتَّسَعَ وتصلّب وقوِيَ أكثر.
تماماً كقَدَمَيك؛ فهؤلاء الّذين يخوضون سباق المسافات الطّويلة، يمارسون المشيَ يوميّاً لتقوى عضلاتُ أرجُلِهم وتتصلَّب، كذلك حال من يحملون الأثقال. فلماذا لا نحاول إذًا أن نُمَرِّنَ عضلات عقولنا ونقوّيها؟!
إنَّ عضلاتِ رجليك إن لم تكن قويّةً، فبإمكانك أن تمشي بتمهّل دون أن تدخُل السّباق، وإن لم تكن لديك قوّةٌ بدنيّة، فيمكنك أن لا تحمل الأثقال.. لكنَّك إذا تركتَ عضلاتِ عقلك ضعيفةً، فعندئذٍ سيكُونُ الثَّمَنُ باهظًا، فقد تفقدُ حياتك، وقد تفقدُ آخرتك.
لهذا، حرّكوا عقولكم دائمًا، فكّروا في كلّ شيءٍ تقرأونه وتسمعونه، حتّى تكون لكم القوّة الرّوحيّة والنّفسيّة، وحتّى لا يخدعكم الخدّاعون، ولا يضلّلكم المضلّلون. هذه نقطةٌ.
هزائم القيادات لا الأمَّة
النّقطة الثّانية هي أن نحاول أن نقوّي أنفسنا ومواقعنا السّياسيّة، فلا نهتزّ أمام أيّة هزّةٍ سياسيّةٍ، ولا أمام كلّ الأوضاع الأمنيَّة، إذا كنّا مقتنعين بأنّنا على حقٍّ.. حتّى الهزائم، كان عمّار بن ياسر (رض) يقول وهو مع عليٍّ (ع) في صفّين: "وَاللَّهِ لَوْ ضَرَبُونَا حَتَّى يَبْلُغُوا بِنَا سَعَفَاتِ هَجَرَ - وهي منطقةٌ في الأحساء أو في القطيف - لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ"، أي أنَّ الهزيمة لا تُفقدنا ثقتنا بالحقّ الّذي نؤمن به، ولا تمنعنا من أن نشعر بالقوَّة.
ويُقال إنَّ الإمام الحسين (ع) كان يتمثَّل بهذين البيتين:
| فَإِنْ نَهْزِمْ فَهزَّامُونَ قدْمًا |
وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا |
| وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ |
مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا |
إنّها ظروف توازن القوى في بعض الحالات. قد يكون هناك شخصٌ أقوى منك فيهزمك، ولكن {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}(آل عمران: 140). لن يبقى الضّعيف ضعيفًا، ولن يبقى القويّ قويًّا.
قد نكون نحن الآن نواجه هزائم على مستوى الأمَّة، فما يُسمّى الآن بـ "العصر الأمريكيّ" يفرض هزائم علينا. وأنا أقول دائمًا أيُّها الإخوة: إنَّ الهزائم الَّتي عشناها منذ سقوط فلسطين حتّى الآن - والَّتي كانت آخرها حرب الخليج – هي ليست هزائم الأمَّة، ولكنَّها هزائم القيادات الّتي تسيطر على الأمَّة، هزائم النَّهج السّياسيّ الّذي كان يضيّع مواقع القوَّة للأمَّة، فهي هزائم الأنظمة والقيادات والشّخصيّات الّتي باعت نفسها للشّيطان وللأجنبيّ.
لماذا تُهزم الأمَّة، سواء كانت أمّةً عربيّةً أو أمّةً إسلاميّةً؟ لأنَّ أغلب القيادات الموجودة في العالم العربيّ أو في العالم الإسلاميّ، تعمل على أن تجعل شعوبها تعيش تحت رحمة أنظمةٍ بوليسيّةٍ مخابراتيّةٍ تمنعهم من التّفكير. ولهذا، تعيش الشّعوب تحت الضَّغط الدَّائم، والقهر الدّائم، وفي الأجواء الَّتي لا تملك فيها حريّة التّحرّك والتّعبير، ما أدّى إلى أن تسقط روحيَّة الشّعوب. ولذلك عندما تأتي العواصف لا ترى أحدًا يواجه، فكأنّهم يغطّون في نوم عميق، لأنَّ هذه القيادات السياسيَّة عرفت كيف تخدّر هذه الشّعوب، قد يكون هناك مخدّرٌ تأثيره لساعةٍ، ومخدّرٌ تأثيره ليومٍ، ومخدّرٌ تأثيره لسنين وأجيالٍ. ونحن نرى المخدّرات السّياسيّة الّتي تمنحها القيادات والأنظمة الّتي تحكمها المخابرات، والّتي يُعدّ الكثير من رؤسائها موظّفين عند المخابرات الأمريكيّة، وليسوا عملاء فحسب، ممّن جعلتهم ملوكًا أو رؤساء جمهورياتٍ، وما إلى ذلك. هناك نوعٌ من أنواع إسقاط الأمَّة.
ولذلك، المفروض أنّنا عندما تواجهنا الهزائم، أن ندرس أسبابها؛ إنّ كثيرًا من الهزائم الّتي واجهناها لم تكن تنطلق من قوّة العدوّ، بل لأنّنا لم نأخذ بأسباب القوَّة عندنا. كما قلنا لكم: قد يكون هناك شخصٌ يملك سلاحًا، بينما الشّخص أمامه يحمل عصًا، ولكنَّ الأوّل قلبه ضعيفٌ ويعيش الرّعب، وذاك قلبه قويٌّ، فهذا الّذي يحمل العصا سيهزم ذاك الَّذي يملك دبّابةً.
نحن كنّا هكذا.. سنة 47، ماذا كان اليهود يملكون من قوّةٍ؟ كان عندنا سبع دولٍ عربيّةٍ مستقلّةٍ على الأقلّ. لكن، لاحظ الجيش المصريّ عندما دخل القتال، دخله بأسلحةٍ فاسدةٍ، النّظام نفسه باع أسلحةً فاسدةً، وهكذا.
فإذًا، عندما ندرس أسباب الهزيمة، وعندما ندرس عناصر الضّعف الّتي أُثيرت، وعندما ندرس العوامل الّتي أسقطت كلّ جوانب القوَّة عندنا، عند ذلك نستطيع أن نفهم أنّنا لم نُهزم من ضعفٍ، وإنّما هُزمنا لأنّنا أسقطنا قوَّتنا، ولأنّنا لم نتقن لا سياسة الحرب ولا سياسة السّلم.
المقاومة وواقعيَّة الانتصار
لذلك، فإنَّ بعض النَّاس عندما يتحدَّثون بها عن المجاهدين - سواء في الانتفاضة أو في المقاومة – يقولون هل هؤلاء من سيحرّرون فلسطين، في حين أنَّ جيوشًا عربيّةً كاملة لم تستطع أن تفعل شيئًا وانهزمت جميعها؟! كم شخصًا سيأتي ليحرّر فلسطين؟! هذا هو المنطق الَّذي يتحدّث به بعضنا مع بعض. هناك مَثَلٌ يقول: "فلانٌ يأخذ اللّقمة من فم الأسد". بعض النَّاس قد يقول: "ما قيمة اللّقمة؟"، لكنّها تدلّ على أنّ هذه اللّقمة الّتي استطاع انتزاعها هي انتصارٌ. مرّةً تأخذ اللّقمة من فم هرّةٍ أو من فم خروف، فهذه ليست انتصارًا ولا شيئًا مهمًّا، لكن أن تأخذ لقمةً من فم الأسد المفترس، فهذه بطولةٌ، لأنَّ معنى ذلك أنّك استطعت أن تسيطر عليه حتّى انتزعت اللّقمة منه.
هنا، هذا العدوّ، سواء كان إسرائيل أو غيرها، عندما تستطيع أن تهزمه ولو في موقعٍ واحدٍ، عندما تستطيع أن تقتل جنديًّا له، عندما تستطيع أن تدمّر موقعًا له، فمعنى ذلك أنَّك استطعت أن تحقّق انتصارًا - ولو جزئيًّا - في مواجهة كلّ هذه القوّة الهائلة، معناه أنَّك اكتسبت قوّةً جديدةً، وتستطيع أن تقوّي هذا الموقع تدريجيًّا.
لهذا، نحن نقول إنَّ قيمة الانتفاضة في فلسطين، وقيمة المقاومة في لبنان، وقيمة كلّ المجاهدين في أيّ بلدٍ من البلدان الَّتي يسيطر عليها الظّلم والطّغيان، هي أنّهم يُعيدون إلى الأمَّة روحيَّتها وثقتها بنفسها.
فعندما كانت أيّام الاحتلال الإسرائيليّ في عمق الجنوب، عندما كان الجنوبيّون يحاربون الإسرائيليّين بالزّيت المغليّ وبالحجارة، وكان الأطفال يحاربونهم أيضًا بالطَّائرات الورقيّة ليخوّفوهم وما إلى ذلك، استطاعوا بذلك أن يُحدثوا صدمةً نفسيّةً عند جنود العدوّ، واستطاعوا أن يفرضوا الهزيمة والانسحاب من عمق الجنوب. ولم يكن ذلك انسحابًا فقط من ناحية أنَّ هناك مداخلاتٍ سياسيّةً، لا، بل هو واقعُ فرض نفسه.
مواجهة العصر الأمريكيّ
لذلك، عندما نواجه الآن الاستكبار الصّهيونيّ، والاستكبار العالميّ المتمثّل بالاستكبار الأمريكيّ، وما يأتي بعد الاستكبار الأمريكيّ، وهناك هجمةٌ إعلاميّةٌ واسعةٌ تحاول أن تهدّد كلّ شعوب العالم بأنّ "العصر الأمريكيّ" قد بدأ، وأنّ علينا أن ننحني له لأنّه لا فائدة من المقاومة! فعلى الأقلّ، علينا أن نرفض هذا المعنى بقلوبنا، ونحن قادرون على أن نرفضه بألسنتنا.
لقد سمعت كلمةً من آية الله السّيّد الخامنئيّ (حفظه الله) كان يقول فيها: نحن ربّما لا نستطيع - بحسب ما نملك من قوّةٍ ذاتيَّةٍ - أن نقف وقفةً عسكريّةً ضدّ أمريكا، لكن لا بدَّ لنا من أن نقف ضدّها سياسيًّا، فنخوض معها حربًا سياسيّةً، ونلاحقها في كلّ مكانٍ في العالم من أجل إسقاطها سياسيًّا بحسب حجم قوَّتنا. المهمّ أن لا تجعلنا القوّة العسكريّة للعدوّ نتنازل عن الإمكانات الّتي نستطيع أن نواجهه بها، وذلك من خلال الصّراع السّياسيّ.
وهذا هو الّذي نحتاج أن نعيشه؛ على الأقلّ أن تحرّر نفسك من الخضوع لهذا الخطّ الإعلاميّ. أمريكا حاربت في الخليج بنسبة خمسةٍ وعشرين في المائة عسكريًّا أو أقلّ، ولكنّها أخضعت العالم لقوّتها بنسبةٍ أكثر ربّما من خمسةٍ وسبعين في المائة.
لقد فرضت الأجهزة الإعلاميّة الأمريكيّة نفسها على كلّ أجهزة الإعلام في العالم، وتركت العالم مشدودًا إلى برامج التّلفزيون الأمريكيّ ووكالات التّلفزيون الأمريكيّة أربعًا وعشرين ساعةً، حتّى استطاعت أن تخدّر كلّ الذّهنيّات وكلّ النّاس بالقوّة الأمريكيَّة.
وإلّا؛ عندما نحن ندرس موضوع العراق، نقول لماذا حارب العراق! أنا أعجبني تصريحٌ لمسؤولٍ صهيونيٍّ - فبعض الكلمات يمكن أن تأخذ منها فكرةً حتّى لو جاءت من عدوّك - قال: إنّ حرب الخليج لم تكن حربًا، لأنّه لا معنى لحربٍ يسقط فيها من الحلفاء مائة شخصٍ، ويسقط فيها من الجيش العراقيّ عشرون أو ثلاثون ألفًا، يقول هذا كان حقل رمايةٍ وليس حقل حربٍ. يعني في تدريب الرّماية الآن يسقط مئة شخصٍ، لكن في الحرب، لا يمكن أن يُقتل عشرون ألفًا، بينما يُقتل من الطّرف الآخر مائةٌ فقط، فعلى الأقلّ أن يُقتل ألفان أو ثلاثة آلافٍ. لكنَّ أمريكا ضخّمت شخصيّة صدّام، وقوّة الجيش العراقيّ، وطبيعة المشكلة، حتّى يكون نصرها في ضخامة هذا الموقع، وإلَّا فالموقع ليس هكذا. وهكذا يُراد لنا أن نسقط روحيًّا، وأن نسقط إعلاميًّا.
ونحن مرارًا قلنا إنّنا لسنا ضدّ الشّعوب الأمريكيّة والأوروبّيّة وغيرها، لسنا ضدّ الشّعوب أبدًا، حتّى لو اختلفنا معها، حتّى لو فرضنا أنَّ الشّعب الأمريكيّ أغلبه مسيحيٌّ ويوجد الكثير من اليهود بينهم، ففي لبنان يوجد مسيحيّون ويوجد يهودٌ، وفي البلاد العربيَّة يوجد مسيحيّون ويوجد يهودٌ نعيش معهم، ولكنّنا ضدَّ الإدارة السّياسيّة الأمريكيّة الّتي تحاول أن تفرض سيطرتها على كلّ الشّعوب الإسلاميّة وكلّ شعوب العالم الثَّالث، وتحاول أن تركّز قوّتها في هذا الاتّجاه.
ولذلك، نحتاج دائمًا أن نرصد كلّ الخطط الأمريكيَّة في أكثر من موقعٍ. ونحن دائمًا نتحدَّث معكم عن المسألة الأمريكيَّة في تقاطعها مع المسألة الإسرائيليَّة، وأنَّ أمريكا عملت وتعمل بكلّ ما أوتيت من قوَّةٍ في سبيل أن تجعل أمن إسرائيل فوق كلّ أمنٍ.. هي تلاحق كلّ الدّول العربيَّة من أجل أن لا يكون لها سلاحٌ يمكن أن يهدّد إسرائيل، لأنَّ أمن إسرائيل هو أمنٌ محترمٌ وملتزَمٌ به عند أمريكا، ولكنَّهم لا يتحدَّثون مع إسرائيل أن لا يكون لها سلاحٌ يهدّد أمن البلاد العربيَّة والشّعوب العربيَّة! أن يكون لإسرائيل كلّ السّلاح الّذي تهدّد به المنطقة، فهذا مبرَّرٌ، لأنّها تخاف، أمَّا أن يكون لأيّ بلدٍ عربيٍّ سلاحٌ، فهذا يهدّد أمن إسرائيل!
الطّرح الأمريكيّ في لبنان
الآن مشكلتنا في لبنان. ما هو الطّرح الأمريكيّ على الدّولة اللّبنانيّة؟ الطّرح هو أنَّ إسرائيل إنّما احتلّت ما احتلّته من أراضٍ لبنانيّةٍ في الجنوب وفي البقاع، لأنّها تريد أن تحفظ حدودها من الاعتداءات الفلسطينيّة أو اللّبنانيّة. لذلك، لا بدَّ من إسقاط السّلاح الفلسطينيّ، ومن إسقاط المقاومة، حتّى تشعر إسرائيل بالأمن، وحتّى نتحدَّث معها بعد ذلك في إمكانيّة تطبيق القرار 425 لتنسحب.
يعني نحن في لبنان يجب أن نؤمّن إسرائيل مائة في المائة؛ يجب أن لا يبقى هناك سكّينٌ عند ابن الجنوب أو البقاع، يجب أن لا تكون هناك أيّ بندقيّةٌ عند لبنانيٍّ أو فلسطينيٍّ. وأيضًا يجب أن لا يُسمح للجيش اللّبنانيّ بأن يقاتل إسرائيل، حتّى تأمن إسرائيل، وحتّى نقدّم لها كلّ هذا على مائدةٍ دسمةٍ ونقول: "تفضّلي وارحلي عنَّا".
أمريكا تطلب كلّ هذا؛ أن تشعر إسرائيل بالأمن من خلال لبنان، لكنَّها لا تتحدَّث - ولو بكلمةٍ واحدةٍ - أن يشعر اللّبنانيّون والفلسطينيّون المقيمون في لبنان بالأمن من إسرائيل. ولنفرض أنَّ إسرائيل عملت على قصفنا بعد جمع السّلاح الفلسطينيّ وبعد تجميد المقاومة كما يُعمل لذلك، فهل إنَّ أمريكا مستعدّةٌ لأن تتدخَّل إذا حصل ذلك؟ وهل هي مستعدّةٌ أن تضغط على إسرائيل حتّى لا تهدّد أمننا، وحتّى لا تقصفنا، وحتّى لا تأخذ حرّيّتها في البرّ والبحر والجوّ؟
دعم بناء المستوطنات
أمريكا تقول: نحن لا نضغط على أحدٍ، ومقصدها تحت كلمة "أحدٍ" هو إسرائيل، بل نضغط على كلّ النّاس لحساب إسرائيل. هل إنَّ أمريكا مستعدّةٌ أن تضغط على إسرائيل لمصلحة الشّعب الفلسطينيّ الموجود في الضّفّة الغربيّة وغزّة، والّذي جعلته إسرائيل حقل رمايةٍ دائمٍ؟ هل إنَّ أمريكا مستعدّةٌ أن تضغط على إسرائيل حتّى لا تستولي على أراضي الفلسطينيّين المقيمين في الضّفّة الغربيّة وغزّة، الّذين يملكون أوراقًا وسنداتٍ فيها ترقى إلى العهد العثمانيّ؟ هل إنَّ أمريكا مستعدّة أن تضغط على إسرائيل لكي لا تبني المستوطنات في الضّفّة الغربيّة وغزّة، الّتي تعتبرها أمريكا - حتّى الآن - أرضًا غير إسرائيليّةٍ وأنّها أرضٌ محتلّةٌ؟
قبل أيّامٍ، قال "بوش" في تصريح له: نحن ضدّ بناء المستوطنات. ولكنَّ هذا التّصريح شيءٌ، وقضيّة التّفكير في تسهيل قرضٍ لإسرائيل بقيمة عشرة مليارات دولارٍ من أجل أن تُسكن المهاجرين اليهود الّذين يأتون شيءٌ آخر! يعني أنّنا نحتجّ بالكلام، ونُعطي إسرائيل ملياراتٍ حتّى تُسكن اليهود في مناطق الضّفّة الغربيّة وغزّة، حتّى لا يبقى مكانٌ للفلسطينيّين، وعند ذلك تُحلّ المشكلة تلقائيًّا، لأنّه إذا صار هناك مليونٌ أو مليونا شخصٍ في الضّفّة الغربيّة وغزّة، فلن يكون ممكنًا أن يقول أحدٌ: فليخرجوا منها.
لبنان بصياغة أمريكيّة!
لهذا، لا بدَّ أن نفكّر في المسائل على مستوى المستقبل. لماذا نحن ضدّ أمريكا؟ لأنّها تعمل على إذلالنا؛ فعندما تتحدَّث عن السّلام، تتحدّث عن السّلام الإسرائيليّ على حساب سلامنا، وعندما تتحدّث عن الأمن الإقليميّ، تتحدَّث عن الأمن الإقليميّ الّذي يمكن أن يحقّق لإسرائيل القوَّة في المنطقة، ويجعلها عضوًا من أقوى الأعضاء السّياسيَّة فيها.
أمَّا بالنّسبة إلينا، فهي تلاحق كلّ دولةٍ تسعى إلى أن تشتري سلاحًا يمكن أن تدافع به عن نفسها ضدّ إسرائيل، كما ذكرنا في الأسابيع الماضية، ولذلك هي الآن تلاحق سوريا في العالم حتّى لا يبيعها أحدٌ أيّ سلاحٍ، لأنّها لا تريد لها أن تملك سلاحًا تدافع به عن نفسها تجاه إسرائيل.
الآن، صحيحٌ أنّنا رحّبنا بالسَّلام في لبنان، وقلنا إنَّ الحرب الدَّاخليَّة لم تُفد أحدًا ولن تفيد أحدًا، بل هي تعمل على إسقاط كثيرٍ من أوضاعنا، فنحن لم نجنِ من الحروب الدّاخليّة - سواء حروب المسلمين مع المسيحيّين، أو حروب المسيحيّين بعضهم مع بعض، أو حروب المسلمين بعضهم مع بعض، أو حروب الشّيعة بعضهم مع بعض - لم نجنِ إلّا الدَّمار والخراب، وما استطعنا أن نجني شيئًا من كلّ هذه الحروب. ولذلك، فإنَّ السَّلام في الدّائرة الدّاخليّة يُعتبر شيئًا جيّدًا، وشيئًا ندعمه ونؤيّده، لأنّه يمكن للإنسان أن يمارس مسألة الصّراع السّياسيّ بالطّرق السّلميَّة والطّرق الحضاريَّة والطّرق السياسيّة.
لكن، يجب أن نفهم نقطةً مهمّةً، وهي أنَّ لبنان يُصاغ الآن صياغةً أمريكيّةً، يعني أنَّ أمريكا الآن تستغلّ حاجة النّاس إلى السّلام لتفرض أوضاعًا سياسيّةً وأمنيّةً، وترتّب الوضع الاقتصاديّ والأمنيّ والسّياسيّ في لبنان على طريقتها الخاصّة، ولخدمة مصالحها الخاصّة، حتّى لا يعترض أحدٌ، لأنَّ كلّ مَن يعترض يُقال له: أنت تريد أن تخرّب البلد، نحن نريد السّلام. فقد أصبح ذلك فزّاعةً، إذ يريدون من خلال رغبة النّاس في السّلام أن يفرضوا - باسم السّلام - على لبنان كلّ شيءٍ يريدونه.
ولذلك، نحن نعتقد أنَّ ما يتحرّك في لبنان الآن يتحرّك بأيدٍ لبنانيّةٍ، ولكنّه في الواقع يتحرّك على أساس خطّةٍ أمريكيّةٍ، قد تلتقي في بعض الحالات بما يرغب به النّاس وقد تلتقي بشيءٍ آخر. لسنا في مقام الدّخول في التَّفاصيل، لكن ما أريد أن أقوله: أن لا تكون رغبتنا في السَّلام مبرّرًا لأن لا نفهم طبيعة الموقف، وطبيعة الخلفيَّات، وطبيعة الواقع الَّذي نعيش فيه.
إنَّ هناك نقطة تتحرَّك فيها السّياسة الأمريكيّة في لبنان، وهي مسألة أن لا يكون هناك أيّ شيءٍ في لبنان يمثّل خطرًا على إسرائيل. لهذا، فإنَّ كلّ الواقع السّياسيّ الّذي يُدفَع به يتحرّك في هذا الاتّجاه، وكلّ اللّعبة السّياسيّة تنطلق في هذا الاتّجاه. وهذا ما يجب أن نفكّر فيه، حتَّى نستطيع أن نتفادى ما يمكن أن يحصل من تطوّراتٍ ومن مواقف معيّنة في المستقبل سوف لن تنعكس سلبًا على واقعنا في لبنان فحسب، ولكنّها ستنعكس سلبًا حتّى على واقع المنطقة، من خلال بعض الخطوط الأمريكيّة الّتي تريد أن تضغط على بعض الدّول العربيّة أو غير العربيّة في المنطقة.
هذا أمرٌ يجب علينا أن نفكّر فيه، وعلينا أن نواجه مسألةً نعيشها في هذه المرحلة من حياتنا.
طبعًا، نحن قلنا إنّنا مع كلّ الخطوات الّتي تفرض الأمن العادل الموحّد للّبنانيّين، ولا تسمح بالفوضى - سواء كانت فوضى سياسيّةً أو أمنيّةً - في حياة النَّاس، ولكن عندما تكون المسائل ذات حساسيّاتٍ معيَّنةٍ، وذات علاقةٍ بأكثر من وضعٍ في المنطقة، فلا بدَّ من أن تُركَّز بعيدًا من الألغام، وبعيدًا من التَّعقيدات السّياسيّة الّتي يمكن أن تُدخلنا في عُقَدٍ بشكلٍ أو بآخر.
لا مصلحة في التّقاتل
إنَّنا في كلّ الموقف الَّذي نعيشه، كنَّا مع الشَّعب الفلسطينيّ دائمًا، كما كنَّا مع كلّ الشّعوب المستضعفة في المنطقة، ولا نقول إنَّ الشّعب الفلسطينيّ شعبٌ معصومٌ، كما لا نقول إنَّ الشّعب اللّبنانيّ أو شعوب المنطقة شعوبٌ معصومةٌ، فلكلّ شعبٍ أخطاؤه وصواباته، ولكلّ شعبٍ مخلصوه وخونته، هذا أمرٌ معروفٌ. لكنّنا كنّا نفكّر دائمًا أنَّ هذا الشّعب كان ضحيّة الاستكبار العالمي، كما كنَّا نحن في لبنان ضحيّة الاستكبار العالميّ؛ الشّعب الفلسطينيّ ضحيّةٌ، والشّعب اللّبنانيّ ضحيّةٌ، كما كان الشّعب العراقيّ ضحيّةً، والشّعب الكويتيّ ضحيّةً، وكثيرٌ من الشّعوب ضحيّةٌ يتلاعب بها الاستكبار العالميّ كما يتلاعب بقطع الشَّطرنج.
لذلك، نحن كنَّا نفكّر دائمًا أنَّ لعبة الاستكبار العالميّ هي أن تُحارب الشُّعوب المستضعفة بعضها بعضًا؛ أن يحارب الشَّعبُ اللُّبنانيّ الشَّعبَ الفلسطينيّ، وأن يحارب الشَّعبُ الفلسطينيّ الشَّعبَ اللّبنانيّ، انطلاقًا من وجود بعض العُقَد عند الشَّعب الفلسطينيّ في لبنان، أو عند الشَّعب اللّبنانيّ بالنّسبة إلى القضيَّة الفلسطينيّة. كما أنَّه صنع أيضًا الفتنة الّتي عشناها، وجعل المستضعفين من كلّ اللّبنانيّين - سواء كانوا مسيحيّين أو مسلمين - يتقاتل بعضهم مع بعض.
وكما أنّه لا مصلحة لنا في أن نتقاتل في داخل لبنان بعضنا مع بعض، لأنَّ ذلك سوف يكون لمصلحة الاستكبار العالميّ في النّتائج، كذلك لا مصلحة في أن يتقاتل الشَّعب اللّبنانيّ والشّعب الفلسطينيّ. وإذا كانت هناك قيادات سيّئةٌ لدى الشّعب الفلسطينيّ - وكنّا نعارضها ولا نزال - وكانت هناك أيضًا قياداتٌ سيّئةٌ في لبنان وفي غيره ممّن تحمل كثيرًا من التّعقيدات الغرائزيّة، فإنّ ذلك لا يبرّر أن يُتَّخذ موقفٌ سَلبيٌّ من الشّعب الفلسطينيّ.
إخوة لا غرباء!
لقد سمعنا من بعض المسؤولين حديثًا عن الفلسطينيّين بأنّهم "غرباء"، ونحن لا نريد أن نسمع هذه الكلمة. صحيحٌ أنّهم ليسوا لبنانيّين بالمعنى الدّستوريّ اللّبنانيّ، لكنّهم إخوةٌ للّبنانيّين، فلبنان بلدٌ عربيّ الهوى والانتماء - هكذا يقول اتّفاق الطّائف - فالعرب ليسوا غرباء في لبنان. قد تكون غربة بالمعنى الدّستوريّ، ولكنَّها ليست غربةً حتّى بالمعنى القوميّ، عندما يُتحدّث عن القوميّة.
ثمّ إنَّ الشّعب الفلسطينيّ لم يختر بنفسه وجوده في لبنان، على الأقلّ كثيرٌ من الشّعب الفلسطينيّ، وإنّما فُرض عليه ذلك. وهناك فرقٌ في الحقوق المدنيّة - كحقّ العمل وما إلى ذلك - بين أجانب يأتون إلى البلد ويسكنون سنةً، أو سنتين، أو ثلاثًا، فيحتاجون إلى رخصةٍ في العمل، وبين الشّعب الفلسطينيّ الّذي مضى على وجوده في لبنان أكثر من أربعين سنةً، ولا ندري إلى متى يستمرّ هذا الواقع! يعني عندما نريد أن نخرجه من لبنان، أو أن لا نُعطيه حقوقًا مدنيّةً ولا حقوقًا اجتماعيّةً وما إلى ذلك، إلى أين يذهب؟ كلّ بلدٍ - كما رأيتم في عام 82 عندما كانوا يخرجون الفلسطينيّين - كان يقول: لست مستعدًّا لاستقبالهم، هذه مشكلةٌ فلتَبقَ للبنان، نحن لسنا مستعدّين لأن نُدخل أنفسنا في مشكلةٍ.
لهذا أقول إنَّ القرار الّذي ألغاه مجلس الوزراء الآن كان إلغاءً حكيمًا، لأنّه لا معنى لأن يعيش شعبٌ بمئات الألوف أو عشرات الألوف في بلدٍ أربعين أو خمسين سنةً، وممنوعٌ عنه الحقوق المدنيّة، لا يمكن هذا الشَّيء، لأنّه خلاف طبيعة الأشياء. نحن لا نريد للبنان أن يعيش في الفوضى، لا الفوضى الفلسطينيَّة، ولا الفوضى اللّبنانيَّة، ولا الفوضى من أيّة جهةٍ كانت، لأنَّ الفوضى لا تخدم أحدًا.
وهذا شيءٌ أساسيٌّ في الخطّ السّياسيّ، حتّى في الخطّ السياسيّ الإسلاميّ. صحيحٌ أنّه يرفض كثيرًا من الأمور، لكنَّه لا يشجّع الفوضى كبديلٍ من النّظام. وللإمام عليٍّ (ع) كلمةٌ يقول فيها: "لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ".
لذلك، نحن نسمع في أجواء الإعلام كلامًا عن "فلسطينيّ" وعن "لبنانيّ"، وعن "غرباء"، صحيحٌ أنَّ هناك ممارساتٍ سيّئةً، وفي القيادة قد تكون هناك بعض الخطوات الّتي تصل إلى حدّ الخيانة، هذا صحيحٌ. لكن، فلنمتنع عن الانطلاق من جديدٍ بالحالة الغرائزيَّة. لقد عشنا مدّةً غرائزيّةً "مسيحي - مسلم"، وعشنا مدّةً غرائزيّة "سنّي - شيعي"، وعشنا مدّةً غرائزيّة "لبناني - فلسطيني"... ولكنَّ هذا كلّه ليس في خدمة أحدٍ.
عندما تعيش الغرائزيّة الَّتي لا تنسجم مع مبادئك ومع إيمانك، ويعيش الآخر الغرائزيَّة أيضًا، فهذا يعني أنّنا نوجد مشكلةً في لبنان، وهي مشكلة الخوف والخوف المضادّ. المسيحيّون خائفون من المسلمين، والمسلمون خائفون من المسيحيّين! والآن يُراد أن يصير عندنا خوفٌ وخوفٌ مضادٌّ جديدٌ؛ اللّبنانيّون يخافون من الفلسطينيّين، والفلسطينيّون يخافون من اللّبنانيّين، فكيف يمكن حلّ هذه العقدة حينها؟!
الحوار بدل الاقتتال
ما دمنا موجودين في هذا البلد، وما دمنا نقول إنّنا ملتزمون بالقضيَّة الفلسطينيَّة، فيمكن أن نعيش معًا. يمكن أن يكون السّلاح الفلسطينيّ قد عاش فوضى، والسّلاح اللّبنانيّ قد عاش فوضى أيضًا.. يمكن أن يكون الوضع السّياسيّ الفلسطينيّ قد عاش أخطاءً، والوضع السّياسيّ اللّبنانيّ قد عاش أخطاءً، لكنّ هناك شعبًا مستضعفًا، قد تكون قيادته جيّدةً أو غير جيّدةٍ، فلا يجوز أن نحمّله وزر قيادته - سواء على مستوى لبنان، أو على مستوى فلسطين، أو على أيّ مستوى آخر - هناك شعبٌ، ولذلك نحن نسمع ببعض الممارسات السّيّئة، ونريد للدَّولة - إذا لم تكن مطّلعةً عليها ولم تكن مشاركةً فيها - أن تدقّق فيها، في مسألة الاعتقالات العشوائيّة بطريقةٍ أو بأخرى، لأنَّ ذلك لا ينسجم مع كلّ مبادئنا وتطلّعاتنا، ومع كلّ إنسانيَّتنا وحضاريّتنا، ومع كلّ القيم الّتي نؤمن بها.
إنَّنا في الموقف الَّذي نعيشه، نرفض القتال بين الجيش اللّبنانيّ وبين الفلسطينيّين، ونريد أن لا يعود القتال، ونرجو أن تكون الاتّفاقات الأخيرة اتّفاقاتٍ ثابتةً، لأنَّ القتال بين الجيش اللّبنانيّ والفلسطينيّين ليس في مصلحة لبنان ولا في مصلحة فلسطين. لذلك، نريد أن ينتهي هذا القتال بكلّ الأساليب والوسائل، ونريد أن يدخل الجميع في حوارٍ موضوعيٍّ هادئٍ يضع الخطوط الّتي تحفظ إنسانيَّة كلّ النّاس الّذين يعيشون في لبنان، سواء كانوا لبنانيّين أو فلسطينيّين أو غير ذلك، لأنَّ ذلك هو الأساس الّذي يمكن أن يثبّت الأرض، وأن يعيد الثّقة، وأن يجعل الجميع يتَّجهون إلى الاستحقاق الكبير في إخراج العدوّ الصّهيونيّ وفي تحرير فلسطين، وذلك لن يكون بالتَّقاتل في داخل لبنان. ولهذا، فنحن ندعو إلى وقفٍ ثابتٍ لإطلاق النَّار، وندعو إلى حوارٍ موضوعيٍّ دقيقٍ وعميقٍ.
المقاومة فوق الجدل
كما أنّنا نحبّ أن نثير في نهاية كلمتنا وحديثنا الاعتزاز بالعمليّات النّوعيّة والخطوات الجريئة الَّتي قامت بها المقاومة الإسلاميَّة ضدّ العدوّ، ونريد لكلّ الوسط السّياسيّ أن لا يدخل في جدلٍ جديدٍ حول مسألة المقاومة، لأنَّ المقاومة فوق الجدل، ولأنَّها شرف كلّ هذه الأمَّة، وشرف كلّ الواقع السّياسيّ، وعلى الجميع أن ينحنوا لأبطال المقاومة الَّذين يبذلون أنفسهم في سبيل الله، لأنّهم هم الّذين يرفعون رأس الأمَّة، ويعطونها عنفوانها.
والحمد لله ربّ العالمين.
* خطبة الجماعة لسماحته في مسجد بئر العبد، للرّجال، بتاريخ: 05/07/1991م.