في السَّابعَ عشرَ من شهر ربيع الأوَّل، التقينا بذكرى مولد النَّبيّ محمَّد (ص) التي رافقتها ذكرى مولد الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (ع)، هذا الإمام الَّذي افترض الله علينا طاعته من خلال إمامته الَّتي هي وصاية من رسول الله (ص) لكلّ إمام، منذ عليّ (ع) إلى الحجَّة من آل محمَّد (عج).
ونحن عندما نستعيد ذكرى هذا الإمام العظيم، فإننا نغتني بذلك علمًا وروحانيَّة وفكرًا وسدادًا وموقفًا وحركةً، لأنَّ هذا الإمام (ع) قد استطاع من خلال الظروف التي عاشها، أن ينشر علمه في النَّاس، لأنها كانت الظروف التي عاش فيها الأمويّون والعباسيّون الصّراع من أجل الخلافة، وانتهت بهزيمة الأمويين أمام العباسيّين، وكان العباسيّون يتحركون من أجل تثبيت قواعد حكمهم، ما جعل الأمويين قبلًا، والعباسيين بعدًا، ينشغلون عن الإمام الصَّادق (ع) وعن أبيه الإمام الباقر (ع).
وعندما نريد أن نطلّ على شخصيَّة الإمام الصَّادق (ع)، فإننا قد نحتاج إلى أن نتعرَّف كيف كان ينظر إليه علماء عصره ممن لا يرى رأيه ولا يرى مذهبه، من بعض أئمَّة المذاهب الأربعة ومن غيرهم، ومن خلال شهادة عمّه زيد بن عليّ بن الحسين (ع). ولذلك، فنحن هنا لكي نتعرف نظرة ذلك العصر إليه، لا لنستزيد في تعظيمه، فإنَّ إمامته هي سرّ عظمته، لأنَّها تمثّل اللّطف الإلهيّ به، ورعاية الله له باعتباره الحجَّة على عباده، وليس في ذلك زيادة لمستزيد، ولكن لنتعرّف من خلال هذه الشَّهادات، كيف استطاع الإمام الصَّادق (ع)، بالرغم من اختلاف النَّاس حول الإمامة وحوله بالذات في موقع الإمامة، أن يفرض عظمته وعلمه وكلّ القيم المتمثلة فيه على كلّ رجالات عصره.
شهادات في الإمام (ع)
يروى عن زيد بن عليّ بن الحسين (ع) أنَّه قال: "في كلّ زمان رجل منَّا، أهل البيت، يحتجّ الله به على خلقه، وحجَّة زماننا ابن أخي جعفر، لا يضلّ من تبعه، ولا يهتدي من خالفه".
وزيد الثَّائر الشَّهيد، الَّذي يقول بعض الناس، ولا سيَّما في اليمن بإمامته، لم يكن يرى نفسه إمامًا، بالرغم من قول بعض النَّاس بإمامته، بل إنّه روي عن الإمام الصَّادق (ع)، أنَّ زيدًا لو انتصر وأخذ بالخلافة لسلَّمها إلى الرضا من آل محمَّد، لأنَّه كان لا يدعو إلى نفسه في حركته ضدّ الظّلم في الحكم الأموي، بل كان يدعو إلى الرّضا من آل محمَّد، ولذلك كان الإمام الصَّادق (ع) يشيد به ويعظّمه ويذكره بكلّ تقدير.
ويقول مالك بن أنس، إمام المذهب المالكي، فيما يذكره كتّاب سيرته من غير الشيعة: "جعفر بن محمَّد اختلفت إليه زمانًا - يعني كنت أتردَّد عليه -كنت لا أراه إلَّا على إحدى ثلاث خصال؛ إمَّا مصلّ، وإمَّا صائم، وإمَّا يقرأ القرآن. وما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر، أفضل من جعفر بن محمَّد الصَّادق علمًا وعبادة وورعًا".
أمَّا أبو حنيفة، إمام المذهب الحنفي، فقد نقل عنه نصان: النص الأول أنه قال: "لولا السنتان لهلك النعمان"، وهو اسمه، والسنتان، كما يقول الألوسي وهو من علماء السنَّة - هما اللتان تلمّذ فيهما على الإمام الصادق، فهو يقول: لولا هاتان السنتان اللتان تلمذت بهما على الإمام الصادق لهلكت. لأن ما أخذه أبو حنيفة من علم منه، فيهما قد استطاع أن يركز كل قواعد العلم عنده.
والنص الثاني يحدّث فيه أبو حنيفة، كما في كتاب "مناقب أبي حنيفة"، يقول: "ما رأيت أفقه من جعفر بن محمَّد، لما أقدمه المنصور، بعث إليّ - وكان المنصور يريد أن يحطّ من قيمه الإمام الصَّادق (ع)، بأن يظهر عجزه أمام العلماء - فقال: يا أبا حنيفة، إنَّ النَّاس قد افتتنوا بجعفر بن محمَّد، فهيّئ له من المسائل الشّداد. فهيأت له أربعين مسألة، ثمَّ بعث إليّ أبو جعفر (المنصور) وهو بالحيرة، فأتيته ودخلت عليه، وجعفر بن محمَّد جالس عن يمينه، فلمَّا أبصرت به، دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمَّد الصَّادق ما لم يدخلني لأبي جعفر (المنصور)، فسلَّمت عليه، وأومأ إليّ فجلست، فقال: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة قد أتانا، قال جعفر الصَّادق (ع): نعم. ثمَّ أتبعها: قد أتانا، وكأنَّه كره ما يقول فيه قوم أنَّه إذا رأى الرجل عرفه، ثمَّ التفت إليَّ المنصور وقال: يا أبا حنيفة، ألق على أبي عبد الله مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعهم، وربما خالفنا جميعًا، حتَّى أتيت على الأربعين مسألة".
ثمَّ قال أبو حنيفة: "ألسنا روينا أنَّ أعلم النَّاس أعلمهم باختلاف الناس؟!". فالإمام الصَّادق (ع) - وكما يقول أبو حنيفة – لم يكن يملك علم أهل البيت (ع) فقط، بل كان يملك علم النَّاس كلّهم في كلّ اختلافاتهم الفقهيَّة، لذلك قال عنه أبو حنيفة إنَّه "أعلم النَّاس".
أمَّا ابن أبي العوجاء، ويقال عنه إنَّه كان من الزنادقة، فقد كان يلتقي الإمام الصَّادق (ع) في المسجد الحرام في أيام الحج، ومعه عدَّة من الذين يرون رأيه، وكان الإمام (ع) يجلس إليهم ويفتح عقله وقلبه لهم ويكلمهم بالَّتي هي أحسن. هذا الرَّجل الّذي لم يكن مسلمًا في عقيدته - قال: "ما هذا بشر، وإن كان هناك في الدنيا روحاني يتجسَّد إذا شاء، ويتروّح إذا شاء، فهو هذا"، وأشار إلى الإمام الصَّادق (ع).
ويقول ابن حجر الهيثمي، وهو من المتعصّبين، في بعض كلماته في كتاب "الصَّواعق المحرقة": "جعفر الصَّادق نقل النَّاس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمَّة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السجستاني". وقال الحسن بن عليّ بن زياد الوشّاء: "أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ – أستاذ - كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمَّد".
وهكذا روى المؤلّفون أسماء الذين تلمّذوا عليه من شيوخ الرواية الَّذين يقصدهم النَّاس للأخذ بما رووه، فعدّوا أربعة آلاف راو من الأشخاص الَّذين يعطون للمسلمين ثقافة ما رووه في ذلك كلّه.
وقال أحد المؤلفين، وهو السيّد مير علي الهندي، وهو يتحدَّث عن مرحلة الإمام الصَّادق (ع): "إنَّ الَّذي تزعّم حركة فكّ الفكر من عقاله، هو حفيد عليّ بن أبي طالب المسمّى بالإمام الصَّادق، وهو رجل رحب أفق التَّفكير، بعيد أغوار العقل، ملمّ كلَّ الإلمام بعلوم عصره، ويعتبر في الواقع أنَّه أوَّل من أسَّس المدارس الفلسفيَّة المشهورة في الإسلام، ولم يكن يحضر حلقته - مجلس درسه - العلميَّة أولئك الذين أصبحوا مؤسّسي المذاهب الفقهية فحسب، ولكن كان يحضرها طلَّاب الفلسفة والمتفلسفون من الأنحاء القاصية".
المذهب الجعفريّ
ولذلك، فإننا عندما ندرس تراث الإمام الصَّادق (ع)، نرى أنَّه تراث متنوّع، لم تكن هناك أية مسألة يثار حولها الجدل، سواء كانت مسألة فلسفيَّة أو اجتماعيَّة أو فقهيَّة أو كلاميَّة أو سياسيَّة، إلَّا ورأينا الإمام الصَّادق (ع) أوَّل من يعالجها على أساس الخطّ الإسلاميّ الأصيل.
ومن هنا، سميّ المذهب الإمامي بالمذهب الجعفري نسبةً إلى الإمام الصَّادق (ع)، لا لأنَّ الإمام هو رئيس مذهب، إنَّ علينا أن نفهم أنَّ عقيدتنا في حديث الأئمَّة (ع) أنّه حديث رسول الله (ص) وكلامهم كلامه، فهم ليسوا مجتهدين يخطئون ويصيبون، بل إنَّ كلامهم هو الكلام الحقّ الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لذلك، فهم ليسوا أئمَّة مذهب بالمعنى المصطلح لإمام المذهب وهو المجتهد، بل هم أئمَّة الإسلام لأنَّهم يجسّدون الإسلام الأصيل في كلّ ما قالوه وما فعلوه. إنَّ دورنا، ونحن نتطلَّع إلى الإمام الصَّادق (ع) في رحاب التَّاريخ، هو أن نتعلَّم منه كلَّ ما بثَّه وما قاله وما وعظ فيه وكلّ ما نصحه.
من مواعظه (ع)
ولنستمع إلى بعض كلماته (ع). يقول أحد الرواة وهو أبو الربيع الشَّامي: "دخلت على أبي عبد الله (ع) - الصَّادق - والبيت غاصّ، فيه الخراساني والشَّامي ومن أهل الآفاق، فلم أجد موقعًا أقعد فيه، فجلس أبو عبد الله وكان متَّكئًا، ثمَّ قال: يا شيعة آل محمَّد، ليس منَّا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه، ومخالقة من خالقه، ومرافقة من رافقه. يا شيعة آل محمَّد، اتَّقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله".
وكان (ع) يقول لمن يلتقيه: "خف الله كأنَّك تراه، وإن كنت لا تراه فإنَّه يراك، وإن كنت ترى أنَّه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنَّه يراك ثمَّ برزت له بالمعصية، فقد جعلته من أهون النَّاظرين إليك"، لأنَّ الإنسان إذا أراد أن يرتكب معصية واطّلع عليه أحد، حتَّى لو كان طفلًا صغيرًا، فإنَّه يتراجع، ولكنَّ الله يرانا ونحن نعصيه جهارًا، فإن فعلنا ذلك، نكون قد جعلناه من أهون النَّاظرين إلينا.
وهكذا، كان الإمام الصَّادق (ع) يقول: "لا ينبغي للمسلم أن يذلَّ نفسه. فقيل له: كيف يذلّ نفسه؟ فقال (ع): يدخل في شيء يعتذر منه". فإذا أردت أن تبقى على عزَّتك، فوفّر على نفسك كلَّ ما يدفعك إلى الاعتذار، وفكّر في كلّ موقف أو كلمة قبل أن تطلقهما.
سأل الإمام (ع) رجلًا: "كيف من خلّفت من إخوانك؟ قال: فأحسن الثّناء وزكّى وأطرى، فسأله الإمام: كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟ فقال: قليلة. قال له: فكيف مساعدة أغنيائهم لفقرائهم؟ قال: قليلة. قال: فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟ قال: إنَّك لتذكر أخلاقًا قلَّ ما هي فيمن عندنا. فقال الإمام (ع): فكيف تزعم هؤلاء أنَّهم شيعة؟".
مواجهة الانحرافات العقيديّة
وكان الإمام (ع) يراقب الناس في عقائدهم ليضعهم أمام حقيقة العقيدة، وقد كان هناك قوم من الغلاة الذين ينسبون إلى الأئمَّة (ع) ما هو من صفات الله سبحانه وتعالى، كما نجد الكثير ممن ينسب إلى الأئمَّة ما هو من صفات الله تعالى الآن.
دخل صالح بن سهل على الإمام الصَّادق (ع)، وكان يذهب مذهب الغلاة، فلما نظر إليه قال: "يا صالح، إنّا والله عبيد مخلوقون، لنا ربّ نعبده، وإن لم نعبده عذَّبنا"، فترك صالح ما كان يذهب إليه.
إنَّه (ع) يقول، صحيح أنَّ الإمامة والقيادة لنا، ولكنَّنا عبيد مخلوقون لربّنا، ولا بدّ لنا أن نطيعه. وهذا هو منطق النَّبيّ (ص) فيما حدّثنا القرآن عنه {قُلْ إِنِّي أَخٰافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}[الأنعام: 15].
وقد ذكر أنه قد جاء شخص إلى الإمام الصادق (ع) فقال له: "حدِيثٌ رُوِيَ لَنَا أَنَّكَ قُلْتَ: إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ؟ فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زَنَوْا أَوْ سَرَقُوا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ؟ فَقَالَ لِي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونَا أَنْ نَكُونَ أُخِذْنَا بِالْعَمَلِ وَوُضِعَ عَنْهُمْ، إِنَّمَا قُلْتُ: إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ". فقاعدة الولاء لآل محمَّد هي قاعدة أساسيَّة في قبول العمل، فركّز القاعدة، وافعل الخير، فستجد الكثير من قبول العمل عند الله تعالى.
صفات المؤمن
ثم يعطينا الإمام (ع) صفة المؤمن، فيقول: "المؤمن من طاب مكسبه، وحسنت خليقته، وصحت سريرته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من كلامه، وكفى النَّاس شرّه، وأنصف النَّاس من نفسه"، وقال: "المؤمن حسن المعونة، خفيف المؤونة، جيّد التَّدبير لأمر معيشته، لا يلسع من جحر مرَّتين".
الالتزام بنهج الأئمَّة (ع)
هذا هو الإمام الصَّادق (ع) في بعض كلماته، وهو بحر عميق واسع لا ساحل له. وهكذا أئمَّتنا من أهل البيت (ع) الَّذين عاشوا رحابة فكر الإسلام وفقهه وأخلاقه ومنهجه، لقد قالها رسول الله (ص): "مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح؛ من ركبها - في علمه وروحه وسياسته وعلاقاته ومنهجه – نجا، ومن تخلّف عنها غرق"، وهذا هو معنى أن نلتزم بهم بالتزام نهجهم وخطّهم، لا أن نكتفي بالحبّ في القلب والكلمة في اللّسان، لأنَّ أهل البيت جاؤوا من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا في كلّ الواقع، وكلمة الشَّيطان هي السّفلى في كل الواقع.
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، 25 تموز 1997م/ الموافق: 20 ربيع الأوَّل 1418 ه.