كنَّا في عاشوراء، كنَّا مع الحسين (ع) ومع الصَّفوة الطيِّبة من أهل بيته وأصحابه، كنَّا معهم ونحن نستمع إلى الحسين (ع) إماما ًمصلحاً ثائراً يطلب الإصلاح في أمَّة جدِّه، ويأمر بالمعروف وينهَى عن المنكر، ولا يُعْطِي بيدِهِ إعطاءَ الذَّليل لأيِّ طاغيةٍ ولأيِّ ظالم، ولا يقرُّ إقرار العبيد لأيِّ إنسانٍ مهما كان.
لم ينزل الحسين (ع) على حكم أحد، لأنَّه نزل على حكم الله وحده وحكم رسوله، ووقف يحاور ويعظ وينصح ليهدي النَّاس الحاقدين إلى الحقِّ، لأنَّ رسالته كانت، كما هي رسالة جدِّه وأبيه وأخيه والأئمَّة المعصومين من بنيه، أن يهدي النَّاس إلى الحقّ، وأن يفتح قلوبهم على الله، وأن يجمع بينهم على كلمة الله وكلمة رسوله.
الحسينُ (ع) نهجٌ ورسالة
لذلك، أيُّها الأحبَّة، كانت هذه الصّحبة العاشورائيَّة مع الحسين (ع) تحمِّلنا مسؤوليَّة أن نبقى أصحابه، أن تبقى كلمته فكراً في عقولنا، ونبضةً في قلوبنا، وحركةً في حياتنا، أن يتحوَّل الحسين (ع) في فكره وروحه وإخلاصه لربِّه جزءاً منَّا، بحيث نبكي مأساته تماماً كما يبكي الإنسانُ مأساةَ نفسِهِ.
وقد أراد أهلُ البيت (ع)، بما خطَّطوا له من هذه المآتم الكربلايَّة الدّائمة على مدى السنة، ومن هذا النَّهج الَّذي يثير العاطفة ويعمِّقها، أن يتحوَّل الحسين (ع) إلى جزء من الذَّات والعقل والروح، لنحبَّه حبَّ الرسالة، ولنبكي عليه بكاء الإنسان على شهادة الحقِّ، وما إلى ذلك.
لذلك، لا تنسوا الحسين (ع) رسالةً، ولا تنسوه حركة، ولا تنسوه أساساً للوحدة بينكم. ربما كان كلّ واحد منكم يحضر في مجلس، وهذا خيرٌ؛ أن تنتشرَ المجالس في كلِّ بقاع الأرض لتذكر الحسين (ع)، ولكن، أيُّها الأحبَّة، ليجمع الحسينُ كلَّ هذه المجالس، ويجمع كلَّ الَّذين يحضرونها، ليجمعهم على محبَّة الحقّ، وعلى وحدة الدَّرب، وعلى خوف الله سبحانه وتعالى، وعلى الالتزام بدين الله في كلِّ حكمٍ من أحكامه، وكلِّ شريعةٍ من شرائعه.
خذوا من الحسين (ع) الَّذي كان في قمَّة التَّقوى لله أن تكونوا الأتقياء، وخذوا من الحسين (ع) الَّذي كان في قمَّة الإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين أن تكونوا المخلصين، خذوا من الحسين الَّذي كان قلبه مفتوحاً حتَّى لأعدائه، وكان يبكي قلبه قبل أن تبكي عيناه على أعدائه لأنَّهم ضلّوا طريق الحقّ، ولأنَّ الله سوف يعذِّبهم بسببه. كان (ع) يبكي عليهم، لأنهم لم يستمعوا إلى كلمات الحقّ، ولأنَّ ذلك سيدخلهم النَّار..
وذلك هو شأن أهل البيت (ع)، فإذا كنتم من شيعة أهل البيت ومحبّيهم، فإنَّ أهل البيت (ع) كانوا لا يحملون في أنفسهم حقداً على أحد، ولا بغضاً لأحد، ولا عصبيَّة على أحد، إلَّا إذا كانت العصبيَّة لله ولرسوله وللحقّ، كانوا يحملون كلَّ المحبَّة، تأسّياً بجدّهم رسول الله (ص) الَّذي كان يلاقي عنت المشركين وضغطهم، وكان يقول: "اللَّهمَّ اهدِ قَوْمي فَإِنَّهم لا يَعْلَمُون"، اللَّهُمَّ هيِّئْ لهم وسائلَ الغفْرانِ، فَإِنَّ قَوْمي لا يعلمون.
التَّوحُّدُ بالحسين (ع)
هكذا، أيُّها الأحبَّة، ينبغي لنا أن نعيش الحسين (ع)، محبّةً للمؤمنين جميعاً، وللمسلمين جميعاً، وللخطِّ الإيمانيّ.. لا تخرجوا من عاشوراء متفرّقين: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[الروم: 32]، لا تخرجوا من عاشوراء متباغضين نتيجة مشكلة هنا ومشكلة هناك، لا تخرجوا من عاشوراء متعصِّبين، ولكن اخرجوا منها ملتزمين.. إذا لم يوحِّدكم الحسين موقفاً وفكراً وقلباً وإيماناً، فمن الَّذي يوحِّدكم بعده؟ وقد سالت دماؤه على صعيد كربلاءَ من أجل أن يتوحَّد المؤمنون، ومن أجلِ أن يستقيموا، ومن أجلِ أن يتحرّكوا في خطٍّ واحد؛ خطِّ الإصلاح في أمَّة جدِّه.. لن تستطيع أن تصلح أحداً إذا كان قلبك مملوءاً بالحقد وبالعداوة والبغضاء.
أيُّها الأحبَّة، أسقطوا كلَّ ثقافة الحقد والبغضاء والعداوة، لتكن ثقافتكم ثقافة الإسلام، ثقافة الحبّ لله ولرسوله ولأوليائه وللإسلام.
ونحن نريد في هذه الوقفة بعد جوِّ عاشوراء في المأساة، وفي الثَّورة، وفي حركة الواقع السياسيّ، نريد أن نلتقي بالحسين (ع) في بعض كلماته موجِّهاً في مفردات الإسلام. تعالوا لنستمع إليه في ما رواه الرّواة عنه.
مجاهدةُ النَّفس والكفّار
سئل الحسين (ع) عن الجهاد، "أَسُنَّةٌ هُوَ أَمْ فَرِيضَةٌ؟"، هل هو مستحبّ أو واجب؟ فقال (ع): "الْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، فَجِهَادَانِ فَرْضٌ، وجِهَادٌ سُنَّةٌ لَا يُقَامُ إِلَّا مَعَ الْفَرْضِ، وَجِهَادٌ سُنَّة – يعني مستحبّ - فَأَمَّا أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ، فَمُجَاهَدَةُ الرَّجُلِ نَفْسَه عَنْ مَعَاصِي اللَّه عَزَّ وجَلَّ، وهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ - أن تجاهد نفسك عندما تأمرك نفسك بأن تعصي الله في كلمةٍ تقولها لا ترضي الله، أو في عملٍ تعمله لا يرضي الله، أو في علاقة تنشئها لا يحبُّها الله، أو في موقفٍ تقفه لا يلتقي مع خطِّ الله... إذا دعتك نفسك إلى ذلك، حتَّى تحصل على مطمعٍ هنا، وشهوةٍ هناك، وجاهٍ هنا، فحاول أن تجاهد نفسك وتحاربها، حارب كلَّ هذا الإلحاح على المعصية، وقل لنفسك: يا نفس، إذا عصيتِ ربَّك، فهل تتحمَّلين غداً عذابَ الله وسخطَه، وهذا ما لا تقوم له السَّموات والأرض؟! قل لنفسك ذلك، قل لها كما كان النَّبيُّ (ص) يقول، وهو لا يعصي الله طرفة عين، ولكنَّه كان يخاطب النَّاس: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}[الزّمر: 13]. جاهد نفسك كما تجاهد عدوَّك، لأنَّ نفسك تمثِّل ذاتك، ولكنَّها في شهواتها وفي غرائزها، عندما تريد أن تقودك إلى نار جهنَّم، فإنّها تمثّل عدوّك، فأيّ عدوّ أعدى من الَّذي يريد أن يدخلك في نار جهنَّم؟! {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[فاطر: 6]، ولذلك علَّمنا الأئمَّة (ع) أن نقول، كما في دعاء المنسوب إلى الإمام زين العابدين (ع) في يوم الثّلاثاء: "وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شرِّ نَفْسِي، إِنَّ النَّفْسَ لَأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَاْ رَحِمَ ربِّي".
لذلك، يقول لك الحسين (ع) راقب نفسك، راقبها في نقاط ضعفها الَّتي تقودك إلى المعصية، وفي نقاط قوَّتها الَّتي تقودك إلى الطَّاعة.
- ومُجَاهَدَةُ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ فَرْضٌ - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً}[التَّوبة: 123]، وهذا ما نواجهه الآن في الَّذين يلوننا من اليهود الَّذين هم أشدّ النَّاس عداوةً للَّذين آمنوا.
جهادُ الأمَّة.. وجهادُ السنَّة
- وأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ لَا يُقَامُ إِلَّا مَعَ فَرْضٍ – يعني هو مستحبّ من جهة، وفرض من جهة، ولكنَّ هذا المستحبَّ لا يقام إلَّا مع فرض. ما هو؟ - فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ الْعَدُوِّ - في كلِّ أنحاء العالم - فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ - فعلى الأمَّة أن تكون صفّاً واحداً في مواجهة كلِّ أعدائها، فهو فرضٌ على الكفاية يجب على الجميع، فإذا قامَ به البعض، سقطَ عن الكلّ - ولَوْ تَرَكُوا الْجِهَادَ لأَتَاهُمُ الْعَذَابُ، وهَذَا هُوَ مِنْ عَذَابِ الأُمَّةِ، وهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الإِمَامِ، وَحدُّهُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَدُوَّ مَعَ الأُمَّةِ فَيُجَاهِدَهُمْ - يعني إذا كان للأمَّة جهاد، فينبغي على الإمام أن يتحرَّك مع الأمَّة في فرضها الجهاديّ، ليقودَ المسيرة ويشرف عليها.
- وأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ – مستحبّ - فَكُلُّ سُنَّةٍ أَقَامَهَا الرَّجُلُ، وجَاهَدَ فِي إِقَامَتِهَا وبُلُوغِهَا وإِحْيَائِهَا، فَالْعَمَلُ والسَّعْيُ فِيهَا مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ، لأَنَّهَا إِحْيَاءُ سُنَّةٍ - وهذا الجهاد الرّابع المستحبّ، هو كلّ عمل خير، وكلّ مشروع خير، كلّ سعي خير، كلّ موقف خير، كلّ موقفٍ وعملٍ ومشروعٍ وسعيٍ يمكن أن يحقِّقَ الخيرَ للأفراد وللجماعات، سواء كان متَّصلاً بالجوانب الاجتماعيَّة أو الصّحيَّة أو السياسيَّة أو الثَّقافيَّة، كلُّ عمل خيرٍ يستحبّ لك أن تعيش جهاده، بأن تتحمَّل المشاقّ في سبيل تحقيقه - وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَه أَجْرُهَا وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ".
هذا في مسألة الجهاد. وعلى هذا نعرف أنَّ كلَّ حركة الإنسان في مواجهة التحدّي، وفي تثبيت الأمَّة وتركيز حركتها، هو جهاد يحبُّه الله ويرضاه، وقد يفرض الله بعضه، ويستحبّ بعضه.
مسؤوليَّةُ مواجهةِ المنكر
أمَّا في باب الأمر المعروف والنَّهي عن المنكر، فيروى عن الحسين (ع) أنّه قال: "لَا يَنْبَغِي لِنَفْسٍ مُؤْمِنةٍ تَرَى مَنْ يَعْصِي اللهَ فَلَا تُنْكِرُ عَلَيْهِ". يقول الإمام (ع) إنَّك إذا رأيت، مثلاً، إنساناً أو يشرب الخمر، أو يلعب القمار، أو لا يصلِّي، أو لا يصوم، أو لا يحجّ، أو لا يدفع حقوق الله، أو يغتاب، أو يفتن بين النَّاس، أو ما إلى ذلك من معاصي الله، فكلُّ مؤمن لا بدَّ له من أن ينكر على الَّذي يعصي الله: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغيِّرْهُ بيدِهِ، فإِنْ لَمْ يَستطعْ فَبِلسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتطعْ فبقَلبِهِ، وذلكَ أَضْعفُ الإيمانِ". المهمّ أن يكون موقفك أمام الَّذين يعصون الله، موقف الإنسان الَّذي يحتجّ على الموقف، ويعلن رفضه له، ويقوم بتجربة تغييره، لأنَّ النَّاس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولم ينكروه في أولادهم وأزواجهم وأقربائهم وأصدقائهم وجيرانهم، لو قال كلّ واحد لا أريد أن أوجع رأسي، فكلّ شخص سيحاسب في قبره وما إلى ذلك، لو قال كلّ واحد ذلك، فسينتشر المنكر ويقوى، ويضعف المعروف، ويأتي ما قال عنه رسول الله (ص): "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، وهذا ما نعيشه في كلِّ تجاربنا في الواقع.
شيعة أم موالون؟!
"قالَ رجلٌ للحُسَيْن (ع) - وهذه خطيرة لكلِّ من يقول أنا من شيعة أهل البيت (ع)، ليعرف ما هو شرط أن يكون الشَّخص شيعيّاً - يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ، قَالَ (ع): اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَدَّعِيَنَّ شَيْئاً يَقُولُ اللَّهُ لَكَ كَذَبْتَ وَفَجَرْتَ فِي دَعْوَاكَ – فعندما تدَّعي دعوى، ينبغي أن تكون قد درستها جيِّداً وتعمَّقت فيها، وأن تكون صادقاً فيها، وإلَّا قال لك الله أنت كاذب وفاجر في دعواك - إِنَّ شِيعَتَنَا مَنْ سَلِمَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ كُلِّ غِشٍّ وَغِلٍّ وَدَغَلٍ، وَلَكِنْ قُلْ أَنَا مِنْ مَوَالِيكُمْ وَمُحِبِّيكُمْ"، لأنَّ الحسين (ع) عاش التَّجربة، فقد كان يقال عن أهل الكوفة إنّهم شيعة أهل البيت (ع)، ولكنَّ قلوبهم كانت مع الحسين (ع)، أمَّا سيوفهم فكانت في خدمة بني أميَّة، كما قال له الشَّاعر الفرزدق: "قُلُوبُهُم مَعَكَ، وَسُيُوفُهُم عَلَيْكَ".
لذلك، عندما يقول الإنسان عن نفسه إنَّني من شيعة أهل البيت (ع)، وأهلُ البيت هم الخطُّ الإسلامي الأصيل، فلا بدَّ له من أن يفحص قلبه جيّداً، إذا عاش التجربة الَّتي عاشها أولئك الَّذين حاربوا الحسين (ع)، فهل تكون حركته في خطِّ قلبه، أو تكون في خطِّ جيبه، كما يفعل الكثيرون من النَّاس؟ هل يقف كما وقف الحرّ ليقول: "إِنِّي واللهِ أُخَيِّرُ نَفْسِي بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَوَاللهِ لا أَخْتارُ عَلَى الجَنَّةِ شَيْئاً وَلَوْ قُطِّعْتُ وحُرِّقْتُ"، أم يقف كما وقف عمر بن سعد، الَّذي هو قريب الحسين (ع)، ليقول:
| فَوَاللّهِ مَا أًدْري وإنـِّـــــــي لـحَائرٌ |
أُفكِّرُ في أمــــري على خَطَرَيْنِ |
| أَأَتْرُكُ مُلْكَ الرّيِّ والرّيُّ مُـــنْيتي |
أَمْ أرجِعُ مأثــــــوماً بقَتْلِ حُسَينِ |
إلى أن يقول:
يقولونَ إنَّ اللّهَ خالقُ جَنَّةٍ
|
ونارٍ وتعذيبٍ وغلِّ يَدَيْنِ |
| فإنْ صَدَقُوا فيما يقولونَ فإنَّني |
أَتوبُ إلى الرَّحْمَنِ مِنْ سَنَتَيْنِ |
فهو يقول أقتل الحسين وأصحابه وأهل بيته، ثمَّ أتوب إلى الله من ذلك. ولكنَّ بعض الأشياء ليس فيها توبة.. أليس هناك من النَّاس من يفعل ذلك؟ يعني تعصي الله، وتنصر الظَّالم - وكم نصرنا من الظَّلمة! - وتدافع عنه، وتتجسَّس لحساب إسرائيل، وتعمل السَّبعة وذمَّتها، ثمَّ تقرِّر أن تذهب إلى الحجّ، بعد أن تكون حياتك ملطَّخةً بدماء النَّاس حتّى تعتق رقبتك. وهذا لا ينفع، فهذه حسابات دقيقة جداً.
واجبُ قبولِ الاعتذار
وهناك مسألة أخرى، فبعض النَّاس قد يخطئ معك، في شيءٍ حقيقيٍّ أو في شيءٍ نسب إليه، فيأتي ليعتذر منك، فترفض تماماً قبول عذره، يقال لك سامحه فقد جاء معتذراً، فتقول لا أسامحه أبداً - وهذا في القضايا الشَّخصيَّة وليس في القضايا العامَّة، فللقضايا العامَّة حساباتها الخاصَّة - أنا غير مستعدّ أن أقبل عذراً لفلان لو مهما فعل.. ألا نفعل ذلك؟ اسمعوا ماذا يقول الإمام عليّ بن الحسين (ع) عن أبيه الحسين (ع).
قال (ع): "سَمِعْتُ الحسينَ (ع) يقولُ: لو شَتَمَني رَجُلٌ في هذه الأُذُنِ، وأَوْمأَ إلى اليُمْنى، واعتذَرَ لي في الأُخْرى، لَقَبِلْتُ ذلكَ منْهُ - ويؤكِّد الإمام الحسين (ع) المسألة من خلال شرعيَّة الموضوع عن رسول الله (ص) - وذلكَ أنَّ أميرَ المؤمنينَ عليَّ بنَ أَبي طَالبٍ (ع) حدَّثَني أنَّهُ سَمِعَ جدِّي رسولَ اللهِ (ص) يَقُولُ: لا يَرِدُ عَلَيَّ الحَوِضَ مَنْ لمْ يَقْبَلِ العُذِرَ مِنْ مُحقٍّ أو مُبْطِلٍ"، فالنَّبيّ (ص) هو ساقي العطاشى في يوم القيامة، والحوض بيده هناك، كما ورد عندنا. والحسين (ع) يقول إنَّ الشَّخص الَّذي لا يقبل عذر أحد، سواء كان ذلك المعتذر محقّاً أو مبطلاً، يقول الرَّسول (ص) إنّي لا أسقيه من هذا الحوض يوم القيامة. وهذه مسألة صعبة جدّاً.
ما سرُّ هذا الموضوع؟ سرُّه أنَّه صحيحٌ أنَّ الشَّخص أخطأ معك، ولكن عندما يأتي ليعتذر منك، فهو يبذل ماءَ وجهِهِ لك، لأنَّ موقف العذر هو موقف ذلّ. ولذلك رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (ع) أنَّهُ قال: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا، وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَه". قالوا: وكيف يذلّ نفسه؟ قال (ع): "يَدْخُلُ فِيمَا يَعْتَذِرُ مِنْهُ"، لأنَّ أيَّ موقف يلجئك إلى الاعتذار هو موقف ذلّ، فهذا الإنسان جاء وباعك ماء وجهه، جاء ليعترف لك أنّه أخطأ معك، فعليك أن تحفظَ له ماء وجهِه، وتعتبر أن حقَّك قد وصلك، لأنَّ هذا الرَّجل أعطاك من ماء وجهه ومن عزّته، ومن لا يقبل بهذا الشَّيء، فهذا يدلّ على أنّه شخص لا يعيش المسؤوليَّة في هذا المجال.
التَّفكيرُ في مسألةِ المصير
نأتي إلى ما يعلِّمنا إيَّاه الإمام إذا أصبح علينا الصَّباح، أو إذا أمسى علينا المساء.
قيل له: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟ فقال (ع): "أَصْبَحْتُ وَلِي رَبٌّ فَوْقي – يشرف عليَّ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور - والنَّارُ أَمَامِي – إذا عصيت ربّي - والمَوْتُ يَطلبُني – فلا أعرف متي يأتيني الموت - والحِسَابُ مُحْدِقٌ بي – حساب يوم القيامة يحيط بي في كلّ أعمالي - وأَنَا مُرْتهنٌ بِعملِي - {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدّثّر: 38] - لا أجدُ مَا أُحِبُّ – فلا أستطيع أن أحصل على كلّ الأشياء الّتي أريدها - ولا أَدْفَعُ ما أكْرهُ – لا أستطيع أن أدفع كلّ ما يتوجَّه إليّ من المكروهات - والأمورُ بِيَدِ غَيْري، فإِنْ شاءَ عَذَّبَني، وإِنَ شَاءَ عَفَا عَنِّي، فَأَيُّ فَقِيرٍ أَفْقَرُ منّي؟!".
هذا هو الجوّ الرّوحيّ من وعي الإنسان لواقعه في مسألة المصير، فالإمام (ع) يعلِّمنا أنَّه عندما يصبح الصَّباح، أن لا أجلس لأفكِّر بأنِّي سأضرب فلاناً، أو أضرّ فلاناً، أو أؤذي فلاناً، وبأنّي سآكل هذا الطّعام وأشرب هذا الشَّراب، بل فكِّر في مصيرك، وفكِّر في ربِّك من فوقك، وهو المهيمن على الأمر كلّه، فكِّر في الموت الَّذي يطلبك، فكِّر في الحساب الَّذي يحدق بك وينتظرك، فكِّر في عملك الَّذي أنت رهين به، فكِّر في كلّ ذلك، وحاول أن تعدَّ للأمر عدَّته، وأن تحسب له حسابه، ليكون يومك في طاعة الله إذا فكَّرت بهذه الطَّريقة، وليكون ليلك في طاعة الله إذا حسبت هذا الحساب.
إنَّ الحسين (ع) يقول لنا فكِّروا، أيّها النَّاس، في حركة المسؤوليَّة أمام الله في كلِّ أوضاعكم وأعمالكم: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}[الانفطار: 19]، {يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}[النّحل: 111]، وينطلق النِّداء: {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}[غافر: 17]، {فَمَنْ یَعمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَیْرًا یَرَهُ * وَمَنْ یَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّة شَرًّا یَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8].
أشرفُ النَّاس
وفي ختام كلماته (ع)، قال له رجل:
"مَنْ أشرفُ النَّاس؟". ولو توجَّه إلينا هذا السؤال: من أشرف النَّاس نسباً أو جاهاً أو مجداً؟! فنشير إلى الأغنياء والزّعماء وأصحاب النَّسب العريق، أمَّا الحسين (ع)، فيقول إنَّ أشرف النَّاس
"مَنِ اتَّعظَ قبلَ أنْ يُوعَظَ - يعني من يرى المواعظ أمامه؛ فلانٌ مات، فلانٌ كيف عاش البلاء، الغنيّ كيف افتقر، والفقير كيف اغتنى، وهكذا بحيث يجعل من الحياة في كلِّ أحداثها السَّلبيَّة والإيجابيَّة، موعظة يتَّعظ بها فيما يريد أن يعمله، وفيما يريد أن يتركه. هذا هو الشَّريف، لأنَّ الشَّرف هو أن تصوغ نفسك بالطَّريقة الَّتي لا تحتاج فيها إلى أن يعظك أحد، وقد ورد في بعض الكلمات المأثورة:
"مَنْ لَمْ يكنْ لَهُ مِنْ نفسِهِ واعظٌ، لمْ تنفعْهُ المَوَاعِظ" –
واستيْقَظَ قبلَ أنْ يوقَظَ"، فقال الرّجل:
"أشهدُ أنَّ هذا هو السَّعيدُ"! بمعنى أن يفتح الإنسان عيني قلبه وعقله على كلِّ مسؤوليَّاته قبل ما يأتي أحد ليوقظه.
بينَ الصَّمتِ والكَلام
وخلاصة هذه الفكرة، أن يكون الإنسان واعياً لنفسه، بحيث يتحدَّث مع نفسه ويخاطبها ويفهمها، قبل أن يأتي الآخرون ليُفهِّموه نفسه وليعرِّفوه نفسه. وهذا معناه، أيُّها الأحبَّة، أن نتعلَّم دائماً أن نجلس مع أنفسنا، لأنَّ مشكلتنا في حياتنا كلِّها – وليرجع كلٌّ منَّا إلى نفسه - أنَّنا نتحدَّث مع النَّاس من الصَّباح إلى اللَّيل؛ يتحدَّث بعضنا مع بعض عن الماضي والحاضر، وفي السياسة والتِّجارة والاجتماع، حتّى إنَّنا في بعض جلساتنا، وهذا يحصل عادةً في سهرات الشِّتاء، ويكون اللَّيل طويلاً، نتحدَّث ونتحدَّث، وعندما نسكت قليلاً، يلتفت بعضنا إلى بعض ويقول تكلَّموا، لماذا تسكتون؟ ألا نقول ذلك؟ ولا يقول أحدٌ للآخر فكِّر في هذا الكلام الَّذي حكيناه، هل هذا سيحاسبنا الله عليه أم لا... فكِّر في هذا الكلام الَّذي سنحكيه، هل هو كلام فيه خير أو شرّ؟ المهمّ أن نحكي، والله يقول: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 18].
الإمام عليّ (ع) عنده لقطاتٌ جميلة جدّاً في كلماته القصار، رأى مرّةً شخصاً يكثر الكلام، قال له: "يا هذا، إنَّكَ تُمِلِي على كَاتِبَيْكَ كِتَاباً إِلَى رَبِّكَ - أنت تُرِسِلُ إلى ربِّك تقريراً يوميّاً عن كلِّ أعمالك، فإذا كنت سترسل إلى صاحبك رسالة، وأردت من أحد أن يكتب لك هذه الرِّسالة، فهل تتكلَّم بكلِّ هذا الكلام من دون أساس، أم أنَّك تتأمَّل بكلِّ كلمة تقولها، حتَّى لا يفهمها الَّذي يكتب الرِّسالة بشكلٍ خاطئ، وحتّى لا تكون الكلمة مسيئة، فكيف إذا كنت ترسل تقريرك إلى الله، والملكان يسجِّلان عليك كلَّ ما تقوله وتنطقه؟! - فتَكَلَّمْ بمَا يَعْنيكَ، وَدَعْ مَا لا يَعْنيكَ". فانتبِه إلى مضمون هذا الكتاب، فالقرآن يقول: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
لذلك، علينا أن نتعلَّم أن نتكلَّم مع أنفسنا، أن نصمت، لأنَّه في الصَّمت حركة العقل، وفي الصَّمت وعي الواقع، وفي الصَّمت وعي المسؤوليَّة، وفي الصَّمت تفهم نفسَكَ، أمَّا في الضَّوضاء، فإنَّك لا تفهم نفسَكَ، ربما تفترض أنَّك تسير باتّجاه الجنَّة، بينما في الواقع يكون سيرك باتّجاه النَّار، والله سبحانه يقول: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - أكثر النَّاس خسارة - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[الكهف: 103 - 104]. فلنفترض أنَّ هناك أوتوستراداً طويلاً تسير عليه، وأنت تفترض أنَّك تسير باتّجاه معيَّن، لترى نفسك في النِّهاية في اتّجاه آخر غير الَّذي ظننت أنّك تسير عليه. وهذا قد يتدبَّر أمره في الدّنيا، ولكن في الآخرة ماذا تفعل؟ {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ - وماذا يكون الجواب؟ - كَلَّا – إنَّها بعيدة عنك - إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون: 99 - 100].
على هديِ الحسينِ (ع)
أيُّها الأحبَّة، مع الحسين (ع) نفتح قلوبنا مع الله، ومع الحسين نفتح قلوبنا على يوم القيامة، ومع الحسين نفتح قلوبنا على ما يخلّصنا عند الله. فلننطلق مع الحسين (ع) إماماً وواعظاً ومرشداً ووليّاً وحبيباً وثائراً، كما قلت لكم في بعض الكلمات: لنأخذ الحسين كلّه، ولا نأخذ الحسين بعضه، وكلّ الحسين هو الإسلام، وكلّ الحسين هو الإيمان، وكلّ الحسين هو التَّقوى، ويبقى الحسين نوراً في عقولنا وفي قلوبنا وفي ضمائرنا، هو الَّذي يهدينا الطَّريق إلى الحقّ.
*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 08/05/1998م.
كنَّا في عاشوراء، كنَّا مع الحسين (ع) ومع الصَّفوة الطيِّبة من أهل بيته وأصحابه، كنَّا معهم ونحن نستمع إلى الحسين (ع) إماما ًمصلحاً ثائراً يطلب الإصلاح في أمَّة جدِّه، ويأمر بالمعروف وينهَى عن المنكر، ولا يُعْطِي بيدِهِ إعطاءَ الذَّليل لأيِّ طاغيةٍ ولأيِّ ظالم، ولا يقرُّ إقرار العبيد لأيِّ إنسانٍ مهما كان.
لم ينزل الحسين (ع) على حكم أحد، لأنَّه نزل على حكم الله وحده وحكم رسوله، ووقف يحاور ويعظ وينصح ليهدي النَّاس الحاقدين إلى الحقِّ، لأنَّ رسالته كانت، كما هي رسالة جدِّه وأبيه وأخيه والأئمَّة المعصومين من بنيه، أن يهدي النَّاس إلى الحقّ، وأن يفتح قلوبهم على الله، وأن يجمع بينهم على كلمة الله وكلمة رسوله.
الحسينُ (ع) نهجٌ ورسالة
لذلك، أيُّها الأحبَّة، كانت هذه الصّحبة العاشورائيَّة مع الحسين (ع) تحمِّلنا مسؤوليَّة أن نبقى أصحابه، أن تبقى كلمته فكراً في عقولنا، ونبضةً في قلوبنا، وحركةً في حياتنا، أن يتحوَّل الحسين (ع) في فكره وروحه وإخلاصه لربِّه جزءاً منَّا، بحيث نبكي مأساته تماماً كما يبكي الإنسانُ مأساةَ نفسِهِ.
وقد أراد أهلُ البيت (ع)، بما خطَّطوا له من هذه المآتم الكربلايَّة الدّائمة على مدى السنة، ومن هذا النَّهج الَّذي يثير العاطفة ويعمِّقها، أن يتحوَّل الحسين (ع) إلى جزء من الذَّات والعقل والروح، لنحبَّه حبَّ الرسالة، ولنبكي عليه بكاء الإنسان على شهادة الحقِّ، وما إلى ذلك.
لذلك، لا تنسوا الحسين (ع) رسالةً، ولا تنسوه حركة، ولا تنسوه أساساً للوحدة بينكم. ربما كان كلّ واحد منكم يحضر في مجلس، وهذا خيرٌ؛ أن تنتشرَ المجالس في كلِّ بقاع الأرض لتذكر الحسين (ع)، ولكن، أيُّها الأحبَّة، ليجمع الحسينُ كلَّ هذه المجالس، ويجمع كلَّ الَّذين يحضرونها، ليجمعهم على محبَّة الحقّ، وعلى وحدة الدَّرب، وعلى خوف الله سبحانه وتعالى، وعلى الالتزام بدين الله في كلِّ حكمٍ من أحكامه، وكلِّ شريعةٍ من شرائعه.
خذوا من الحسين (ع) الَّذي كان في قمَّة التَّقوى لله أن تكونوا الأتقياء، وخذوا من الحسين (ع) الَّذي كان في قمَّة الإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين أن تكونوا المخلصين، خذوا من الحسين الَّذي كان قلبه مفتوحاً حتَّى لأعدائه، وكان يبكي قلبه قبل أن تبكي عيناه على أعدائه لأنَّهم ضلّوا طريق الحقّ، ولأنَّ الله سوف يعذِّبهم بسببه. كان (ع) يبكي عليهم، لأنهم لم يستمعوا إلى كلمات الحقّ، ولأنَّ ذلك سيدخلهم النَّار..
وذلك هو شأن أهل البيت (ع)، فإذا كنتم من شيعة أهل البيت ومحبّيهم، فإنَّ أهل البيت (ع) كانوا لا يحملون في أنفسهم حقداً على أحد، ولا بغضاً لأحد، ولا عصبيَّة على أحد، إلَّا إذا كانت العصبيَّة لله ولرسوله وللحقّ، كانوا يحملون كلَّ المحبَّة، تأسّياً بجدّهم رسول الله (ص) الَّذي كان يلاقي عنت المشركين وضغطهم، وكان يقول: "اللَّهمَّ اهدِ قَوْمي فَإِنَّهم لا يَعْلَمُون"، اللَّهُمَّ هيِّئْ لهم وسائلَ الغفْرانِ، فَإِنَّ قَوْمي لا يعلمون.
التَّوحُّدُ بالحسين (ع)
هكذا، أيُّها الأحبَّة، ينبغي لنا أن نعيش الحسين (ع)، محبّةً للمؤمنين جميعاً، وللمسلمين جميعاً، وللخطِّ الإيمانيّ.. لا تخرجوا من عاشوراء متفرّقين: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[الروم: 32]، لا تخرجوا من عاشوراء متباغضين نتيجة مشكلة هنا ومشكلة هناك، لا تخرجوا من عاشوراء متعصِّبين، ولكن اخرجوا منها ملتزمين.. إذا لم يوحِّدكم الحسين موقفاً وفكراً وقلباً وإيماناً، فمن الَّذي يوحِّدكم بعده؟ وقد سالت دماؤه على صعيد كربلاءَ من أجل أن يتوحَّد المؤمنون، ومن أجلِ أن يستقيموا، ومن أجلِ أن يتحرّكوا في خطٍّ واحد؛ خطِّ الإصلاح في أمَّة جدِّه.. لن تستطيع أن تصلح أحداً إذا كان قلبك مملوءاً بالحقد وبالعداوة والبغضاء.
أيُّها الأحبَّة، أسقطوا كلَّ ثقافة الحقد والبغضاء والعداوة، لتكن ثقافتكم ثقافة الإسلام، ثقافة الحبّ لله ولرسوله ولأوليائه وللإسلام.
ونحن نريد في هذه الوقفة بعد جوِّ عاشوراء في المأساة، وفي الثَّورة، وفي حركة الواقع السياسيّ، نريد أن نلتقي بالحسين (ع) في بعض كلماته موجِّهاً في مفردات الإسلام. تعالوا لنستمع إليه في ما رواه الرّواة عنه.
مجاهدةُ النَّفس والكفّار
سئل الحسين (ع) عن الجهاد، "أَسُنَّةٌ هُوَ أَمْ فَرِيضَةٌ؟"، هل هو مستحبّ أو واجب؟ فقال (ع): "الْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، فَجِهَادَانِ فَرْضٌ، وجِهَادٌ سُنَّةٌ لَا يُقَامُ إِلَّا مَعَ الْفَرْضِ، وَجِهَادٌ سُنَّة – يعني مستحبّ - فَأَمَّا أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ، فَمُجَاهَدَةُ الرَّجُلِ نَفْسَه عَنْ مَعَاصِي اللَّه عَزَّ وجَلَّ، وهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ - أن تجاهد نفسك عندما تأمرك نفسك بأن تعصي الله في كلمةٍ تقولها لا ترضي الله، أو في عملٍ تعمله لا يرضي الله، أو في علاقة تنشئها لا يحبُّها الله، أو في موقفٍ تقفه لا يلتقي مع خطِّ الله... إذا دعتك نفسك إلى ذلك، حتَّى تحصل على مطمعٍ هنا، وشهوةٍ هناك، وجاهٍ هنا، فحاول أن تجاهد نفسك وتحاربها، حارب كلَّ هذا الإلحاح على المعصية، وقل لنفسك: يا نفس، إذا عصيتِ ربَّك، فهل تتحمَّلين غداً عذابَ الله وسخطَه، وهذا ما لا تقوم له السَّموات والأرض؟! قل لنفسك ذلك، قل لها كما كان النَّبيُّ (ص) يقول، وهو لا يعصي الله طرفة عين، ولكنَّه كان يخاطب النَّاس: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}[الزّمر: 13]. جاهد نفسك كما تجاهد عدوَّك، لأنَّ نفسك تمثِّل ذاتك، ولكنَّها في شهواتها وفي غرائزها، عندما تريد أن تقودك إلى نار جهنَّم، فإنّها تمثّل عدوّك، فأيّ عدوّ أعدى من الَّذي يريد أن يدخلك في نار جهنَّم؟! {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[فاطر: 6]، ولذلك علَّمنا الأئمَّة (ع) أن نقول، كما في دعاء المنسوب إلى الإمام زين العابدين (ع) في يوم الثّلاثاء: "وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شرِّ نَفْسِي، إِنَّ النَّفْسَ لَأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَاْ رَحِمَ ربِّي".
لذلك، يقول لك الحسين (ع) راقب نفسك، راقبها في نقاط ضعفها الَّتي تقودك إلى المعصية، وفي نقاط قوَّتها الَّتي تقودك إلى الطَّاعة.
- ومُجَاهَدَةُ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ فَرْضٌ - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً}[التَّوبة: 123]، وهذا ما نواجهه الآن في الَّذين يلوننا من اليهود الَّذين هم أشدّ النَّاس عداوةً للَّذين آمنوا.
جهادُ الأمَّة.. وجهادُ السنَّة
- وأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ لَا يُقَامُ إِلَّا مَعَ فَرْضٍ – يعني هو مستحبّ من جهة، وفرض من جهة، ولكنَّ هذا المستحبَّ لا يقام إلَّا مع فرض. ما هو؟ - فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ الْعَدُوِّ - في كلِّ أنحاء العالم - فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ - فعلى الأمَّة أن تكون صفّاً واحداً في مواجهة كلِّ أعدائها، فهو فرضٌ على الكفاية يجب على الجميع، فإذا قامَ به البعض، سقطَ عن الكلّ - ولَوْ تَرَكُوا الْجِهَادَ لأَتَاهُمُ الْعَذَابُ، وهَذَا هُوَ مِنْ عَذَابِ الأُمَّةِ، وهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الإِمَامِ، وَحدُّهُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَدُوَّ مَعَ الأُمَّةِ فَيُجَاهِدَهُمْ - يعني إذا كان للأمَّة جهاد، فينبغي على الإمام أن يتحرَّك مع الأمَّة في فرضها الجهاديّ، ليقودَ المسيرة ويشرف عليها.
- وأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ – مستحبّ - فَكُلُّ سُنَّةٍ أَقَامَهَا الرَّجُلُ، وجَاهَدَ فِي إِقَامَتِهَا وبُلُوغِهَا وإِحْيَائِهَا، فَالْعَمَلُ والسَّعْيُ فِيهَا مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ، لأَنَّهَا إِحْيَاءُ سُنَّةٍ - وهذا الجهاد الرّابع المستحبّ، هو كلّ عمل خير، وكلّ مشروع خير، كلّ سعي خير، كلّ موقف خير، كلّ موقفٍ وعملٍ ومشروعٍ وسعيٍ يمكن أن يحقِّقَ الخيرَ للأفراد وللجماعات، سواء كان متَّصلاً بالجوانب الاجتماعيَّة أو الصّحيَّة أو السياسيَّة أو الثَّقافيَّة، كلُّ عمل خيرٍ يستحبّ لك أن تعيش جهاده، بأن تتحمَّل المشاقّ في سبيل تحقيقه - وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَه أَجْرُهَا وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ".
هذا في مسألة الجهاد. وعلى هذا نعرف أنَّ كلَّ حركة الإنسان في مواجهة التحدّي، وفي تثبيت الأمَّة وتركيز حركتها، هو جهاد يحبُّه الله ويرضاه، وقد يفرض الله بعضه، ويستحبّ بعضه.
مسؤوليَّةُ مواجهةِ المنكر
أمَّا في باب الأمر المعروف والنَّهي عن المنكر، فيروى عن الحسين (ع) أنّه قال: "لَا يَنْبَغِي لِنَفْسٍ مُؤْمِنةٍ تَرَى مَنْ يَعْصِي اللهَ فَلَا تُنْكِرُ عَلَيْهِ". يقول الإمام (ع) إنَّك إذا رأيت، مثلاً، إنساناً أو يشرب الخمر، أو يلعب القمار، أو لا يصلِّي، أو لا يصوم، أو لا يحجّ، أو لا يدفع حقوق الله، أو يغتاب، أو يفتن بين النَّاس، أو ما إلى ذلك من معاصي الله، فكلُّ مؤمن لا بدَّ له من أن ينكر على الَّذي يعصي الله: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغيِّرْهُ بيدِهِ، فإِنْ لَمْ يَستطعْ فَبِلسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتطعْ فبقَلبِهِ، وذلكَ أَضْعفُ الإيمانِ". المهمّ أن يكون موقفك أمام الَّذين يعصون الله، موقف الإنسان الَّذي يحتجّ على الموقف، ويعلن رفضه له، ويقوم بتجربة تغييره، لأنَّ النَّاس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولم ينكروه في أولادهم وأزواجهم وأقربائهم وأصدقائهم وجيرانهم، لو قال كلّ واحد لا أريد أن أوجع رأسي، فكلّ شخص سيحاسب في قبره وما إلى ذلك، لو قال كلّ واحد ذلك، فسينتشر المنكر ويقوى، ويضعف المعروف، ويأتي ما قال عنه رسول الله (ص): "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، وهذا ما نعيشه في كلِّ تجاربنا في الواقع.
شيعة أم موالون؟!
"قالَ رجلٌ للحُسَيْن (ع) - وهذه خطيرة لكلِّ من يقول أنا من شيعة أهل البيت (ع)، ليعرف ما هو شرط أن يكون الشَّخص شيعيّاً - يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ، قَالَ (ع): اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَدَّعِيَنَّ شَيْئاً يَقُولُ اللَّهُ لَكَ كَذَبْتَ وَفَجَرْتَ فِي دَعْوَاكَ – فعندما تدَّعي دعوى، ينبغي أن تكون قد درستها جيِّداً وتعمَّقت فيها، وأن تكون صادقاً فيها، وإلَّا قال لك الله أنت كاذب وفاجر في دعواك - إِنَّ شِيعَتَنَا مَنْ سَلِمَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ كُلِّ غِشٍّ وَغِلٍّ وَدَغَلٍ، وَلَكِنْ قُلْ أَنَا مِنْ مَوَالِيكُمْ وَمُحِبِّيكُمْ"، لأنَّ الحسين (ع) عاش التَّجربة، فقد كان يقال عن أهل الكوفة إنّهم شيعة أهل البيت (ع)، ولكنَّ قلوبهم كانت مع الحسين (ع)، أمَّا سيوفهم فكانت في خدمة بني أميَّة، كما قال له الشَّاعر الفرزدق: "قُلُوبُهُم مَعَكَ، وَسُيُوفُهُم عَلَيْكَ".
لذلك، عندما يقول الإنسان عن نفسه إنَّني من شيعة أهل البيت (ع)، وأهلُ البيت هم الخطُّ الإسلامي الأصيل، فلا بدَّ له من أن يفحص قلبه جيّداً، إذا عاش التجربة الَّتي عاشها أولئك الَّذين حاربوا الحسين (ع)، فهل تكون حركته في خطِّ قلبه، أو تكون في خطِّ جيبه، كما يفعل الكثيرون من النَّاس؟ هل يقف كما وقف الحرّ ليقول: "إِنِّي واللهِ أُخَيِّرُ نَفْسِي بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَوَاللهِ لا أَخْتارُ عَلَى الجَنَّةِ شَيْئاً وَلَوْ قُطِّعْتُ وحُرِّقْتُ"، أم يقف كما وقف عمر بن سعد، الَّذي هو قريب الحسين (ع)، ليقول:
| فَوَاللّهِ مَا أًدْري وإنـِّـــــــي لـحَائرٌ |
أُفكِّرُ في أمــــري على خَطَرَيْنِ |
| أَأَتْرُكُ مُلْكَ الرّيِّ والرّيُّ مُـــنْيتي |
أَمْ أرجِعُ مأثــــــوماً بقَتْلِ حُسَينِ |
إلى أن يقول:
يقولونَ إنَّ اللّهَ خالقُ جَنَّةٍ
|
ونارٍ وتعذيبٍ وغلِّ يَدَيْنِ |
| فإنْ صَدَقُوا فيما يقولونَ فإنَّني |
أَتوبُ إلى الرَّحْمَنِ مِنْ سَنَتَيْنِ |
فهو يقول أقتل الحسين وأصحابه وأهل بيته، ثمَّ أتوب إلى الله من ذلك. ولكنَّ بعض الأشياء ليس فيها توبة.. أليس هناك من النَّاس من يفعل ذلك؟ يعني تعصي الله، وتنصر الظَّالم - وكم نصرنا من الظَّلمة! - وتدافع عنه، وتتجسَّس لحساب إسرائيل، وتعمل السَّبعة وذمَّتها، ثمَّ تقرِّر أن تذهب إلى الحجّ، بعد أن تكون حياتك ملطَّخةً بدماء النَّاس حتّى تعتق رقبتك. وهذا لا ينفع، فهذه حسابات دقيقة جداً.
واجبُ قبولِ الاعتذار
وهناك مسألة أخرى، فبعض النَّاس قد يخطئ معك، في شيءٍ حقيقيٍّ أو في شيءٍ نسب إليه، فيأتي ليعتذر منك، فترفض تماماً قبول عذره، يقال لك سامحه فقد جاء معتذراً، فتقول لا أسامحه أبداً - وهذا في القضايا الشَّخصيَّة وليس في القضايا العامَّة، فللقضايا العامَّة حساباتها الخاصَّة - أنا غير مستعدّ أن أقبل عذراً لفلان لو مهما فعل.. ألا نفعل ذلك؟ اسمعوا ماذا يقول الإمام عليّ بن الحسين (ع) عن أبيه الحسين (ع).
قال (ع): "سَمِعْتُ الحسينَ (ع) يقولُ: لو شَتَمَني رَجُلٌ في هذه الأُذُنِ، وأَوْمأَ إلى اليُمْنى، واعتذَرَ لي في الأُخْرى، لَقَبِلْتُ ذلكَ منْهُ - ويؤكِّد الإمام الحسين (ع) المسألة من خلال شرعيَّة الموضوع عن رسول الله (ص) - وذلكَ أنَّ أميرَ المؤمنينَ عليَّ بنَ أَبي طَالبٍ (ع) حدَّثَني أنَّهُ سَمِعَ جدِّي رسولَ اللهِ (ص) يَقُولُ: لا يَرِدُ عَلَيَّ الحَوِضَ مَنْ لمْ يَقْبَلِ العُذِرَ مِنْ مُحقٍّ أو مُبْطِلٍ"، فالنَّبيّ (ص) هو ساقي العطاشى في يوم القيامة، والحوض بيده هناك، كما ورد عندنا. والحسين (ع) يقول إنَّ الشَّخص الَّذي لا يقبل عذر أحد، سواء كان ذلك المعتذر محقّاً أو مبطلاً، يقول الرَّسول (ص) إنّي لا أسقيه من هذا الحوض يوم القيامة. وهذه مسألة صعبة جدّاً.
ما سرُّ هذا الموضوع؟ سرُّه أنَّه صحيحٌ أنَّ الشَّخص أخطأ معك، ولكن عندما يأتي ليعتذر منك، فهو يبذل ماءَ وجهِهِ لك، لأنَّ موقف العذر هو موقف ذلّ. ولذلك رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (ع) أنَّهُ قال: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا، وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَه". قالوا: وكيف يذلّ نفسه؟ قال (ع): "يَدْخُلُ فِيمَا يَعْتَذِرُ مِنْهُ"، لأنَّ أيَّ موقف يلجئك إلى الاعتذار هو موقف ذلّ، فهذا الإنسان جاء وباعك ماء وجهه، جاء ليعترف لك أنّه أخطأ معك، فعليك أن تحفظَ له ماء وجهِه، وتعتبر أن حقَّك قد وصلك، لأنَّ هذا الرَّجل أعطاك من ماء وجهه ومن عزّته، ومن لا يقبل بهذا الشَّيء، فهذا يدلّ على أنّه شخص لا يعيش المسؤوليَّة في هذا المجال.
التَّفكيرُ في مسألةِ المصير
نأتي إلى ما يعلِّمنا إيَّاه الإمام إذا أصبح علينا الصَّباح، أو إذا أمسى علينا المساء.
قيل له: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟ فقال (ع): "أَصْبَحْتُ وَلِي رَبٌّ فَوْقي – يشرف عليَّ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور - والنَّارُ أَمَامِي – إذا عصيت ربّي - والمَوْتُ يَطلبُني – فلا أعرف متي يأتيني الموت - والحِسَابُ مُحْدِقٌ بي – حساب يوم القيامة يحيط بي في كلّ أعمالي - وأَنَا مُرْتهنٌ بِعملِي - {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدّثّر: 38] - لا أجدُ مَا أُحِبُّ – فلا أستطيع أن أحصل على كلّ الأشياء الّتي أريدها - ولا أَدْفَعُ ما أكْرهُ – لا أستطيع أن أدفع كلّ ما يتوجَّه إليّ من المكروهات - والأمورُ بِيَدِ غَيْري، فإِنْ شاءَ عَذَّبَني، وإِنَ شَاءَ عَفَا عَنِّي، فَأَيُّ فَقِيرٍ أَفْقَرُ منّي؟!".
هذا هو الجوّ الرّوحيّ من وعي الإنسان لواقعه في مسألة المصير، فالإمام (ع) يعلِّمنا أنَّه عندما يصبح الصَّباح، أن لا أجلس لأفكِّر بأنِّي سأضرب فلاناً، أو أضرّ فلاناً، أو أؤذي فلاناً، وبأنّي سآكل هذا الطّعام وأشرب هذا الشَّراب، بل فكِّر في مصيرك، وفكِّر في ربِّك من فوقك، وهو المهيمن على الأمر كلّه، فكِّر في الموت الَّذي يطلبك، فكِّر في الحساب الَّذي يحدق بك وينتظرك، فكِّر في عملك الَّذي أنت رهين به، فكِّر في كلّ ذلك، وحاول أن تعدَّ للأمر عدَّته، وأن تحسب له حسابه، ليكون يومك في طاعة الله إذا فكَّرت بهذه الطَّريقة، وليكون ليلك في طاعة الله إذا حسبت هذا الحساب.
إنَّ الحسين (ع) يقول لنا فكِّروا، أيّها النَّاس، في حركة المسؤوليَّة أمام الله في كلِّ أوضاعكم وأعمالكم: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}[الانفطار: 19]، {يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}[النّحل: 111]، وينطلق النِّداء: {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}[غافر: 17]، {فَمَنْ یَعمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَیْرًا یَرَهُ * وَمَنْ یَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّة شَرًّا یَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8].
أشرفُ النَّاس
وفي ختام كلماته (ع)، قال له رجل:
"مَنْ أشرفُ النَّاس؟". ولو توجَّه إلينا هذا السؤال: من أشرف النَّاس نسباً أو جاهاً أو مجداً؟! فنشير إلى الأغنياء والزّعماء وأصحاب النَّسب العريق، أمَّا الحسين (ع)، فيقول إنَّ أشرف النَّاس
"مَنِ اتَّعظَ قبلَ أنْ يُوعَظَ - يعني من يرى المواعظ أمامه؛ فلانٌ مات، فلانٌ كيف عاش البلاء، الغنيّ كيف افتقر، والفقير كيف اغتنى، وهكذا بحيث يجعل من الحياة في كلِّ أحداثها السَّلبيَّة والإيجابيَّة، موعظة يتَّعظ بها فيما يريد أن يعمله، وفيما يريد أن يتركه. هذا هو الشَّريف، لأنَّ الشَّرف هو أن تصوغ نفسك بالطَّريقة الَّتي لا تحتاج فيها إلى أن يعظك أحد، وقد ورد في بعض الكلمات المأثورة:
"مَنْ لَمْ يكنْ لَهُ مِنْ نفسِهِ واعظٌ، لمْ تنفعْهُ المَوَاعِظ" –
واستيْقَظَ قبلَ أنْ يوقَظَ"، فقال الرّجل:
"أشهدُ أنَّ هذا هو السَّعيدُ"! بمعنى أن يفتح الإنسان عيني قلبه وعقله على كلِّ مسؤوليَّاته قبل ما يأتي أحد ليوقظه.
بينَ الصَّمتِ والكَلام
وخلاصة هذه الفكرة، أن يكون الإنسان واعياً لنفسه، بحيث يتحدَّث مع نفسه ويخاطبها ويفهمها، قبل أن يأتي الآخرون ليُفهِّموه نفسه وليعرِّفوه نفسه. وهذا معناه، أيُّها الأحبَّة، أن نتعلَّم دائماً أن نجلس مع أنفسنا، لأنَّ مشكلتنا في حياتنا كلِّها – وليرجع كلٌّ منَّا إلى نفسه - أنَّنا نتحدَّث مع النَّاس من الصَّباح إلى اللَّيل؛ يتحدَّث بعضنا مع بعض عن الماضي والحاضر، وفي السياسة والتِّجارة والاجتماع، حتّى إنَّنا في بعض جلساتنا، وهذا يحصل عادةً في سهرات الشِّتاء، ويكون اللَّيل طويلاً، نتحدَّث ونتحدَّث، وعندما نسكت قليلاً، يلتفت بعضنا إلى بعض ويقول تكلَّموا، لماذا تسكتون؟ ألا نقول ذلك؟ ولا يقول أحدٌ للآخر فكِّر في هذا الكلام الَّذي حكيناه، هل هذا سيحاسبنا الله عليه أم لا... فكِّر في هذا الكلام الَّذي سنحكيه، هل هو كلام فيه خير أو شرّ؟ المهمّ أن نحكي، والله يقول: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 18].
الإمام عليّ (ع) عنده لقطاتٌ جميلة جدّاً في كلماته القصار، رأى مرّةً شخصاً يكثر الكلام، قال له: "يا هذا، إنَّكَ تُمِلِي على كَاتِبَيْكَ كِتَاباً إِلَى رَبِّكَ - أنت تُرِسِلُ إلى ربِّك تقريراً يوميّاً عن كلِّ أعمالك، فإذا كنت سترسل إلى صاحبك رسالة، وأردت من أحد أن يكتب لك هذه الرِّسالة، فهل تتكلَّم بكلِّ هذا الكلام من دون أساس، أم أنَّك تتأمَّل بكلِّ كلمة تقولها، حتَّى لا يفهمها الَّذي يكتب الرِّسالة بشكلٍ خاطئ، وحتّى لا تكون الكلمة مسيئة، فكيف إذا كنت ترسل تقريرك إلى الله، والملكان يسجِّلان عليك كلَّ ما تقوله وتنطقه؟! - فتَكَلَّمْ بمَا يَعْنيكَ، وَدَعْ مَا لا يَعْنيكَ". فانتبِه إلى مضمون هذا الكتاب، فالقرآن يقول: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
لذلك، علينا أن نتعلَّم أن نتكلَّم مع أنفسنا، أن نصمت، لأنَّه في الصَّمت حركة العقل، وفي الصَّمت وعي الواقع، وفي الصَّمت وعي المسؤوليَّة، وفي الصَّمت تفهم نفسَكَ، أمَّا في الضَّوضاء، فإنَّك لا تفهم نفسَكَ، ربما تفترض أنَّك تسير باتّجاه الجنَّة، بينما في الواقع يكون سيرك باتّجاه النَّار، والله سبحانه يقول: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - أكثر النَّاس خسارة - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[الكهف: 103 - 104]. فلنفترض أنَّ هناك أوتوستراداً طويلاً تسير عليه، وأنت تفترض أنَّك تسير باتّجاه معيَّن، لترى نفسك في النِّهاية في اتّجاه آخر غير الَّذي ظننت أنّك تسير عليه. وهذا قد يتدبَّر أمره في الدّنيا، ولكن في الآخرة ماذا تفعل؟ {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ - وماذا يكون الجواب؟ - كَلَّا – إنَّها بعيدة عنك - إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون: 99 - 100].
على هديِ الحسينِ (ع)
أيُّها الأحبَّة، مع الحسين (ع) نفتح قلوبنا مع الله، ومع الحسين نفتح قلوبنا على يوم القيامة، ومع الحسين نفتح قلوبنا على ما يخلّصنا عند الله. فلننطلق مع الحسين (ع) إماماً وواعظاً ومرشداً ووليّاً وحبيباً وثائراً، كما قلت لكم في بعض الكلمات: لنأخذ الحسين كلّه، ولا نأخذ الحسين بعضه، وكلّ الحسين هو الإسلام، وكلّ الحسين هو الإيمان، وكلّ الحسين هو التَّقوى، ويبقى الحسين نوراً في عقولنا وفي قلوبنا وفي ضمائرنا، هو الَّذي يهدينا الطَّريق إلى الحقّ.
*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 08/05/1998م.