طرح الحسين (ع) في كربلاء كثيراً من الشِّعارات الَّتي تؤكِّد في وعي النَّاس كلّهم قيمةً أخلاقيّةً إسلاميَّة إنسانيّةً، ما يفرض علينا، إذا كنَّا ننفتح عليه، ونعمل على أن نبقي حركته ونهضته في مدى الزَّمن، أن نؤكِّد هذه القيمة في نفوسنا، وأن نحركها في كلِّ مواقع حياتنا، ليشعر الإنسان أمام كلِّ التحدّيات الَّتي تفرض عليه، وكلّ الضّغوط الَّتي تطبق عليه، لتنحرف به عن خطِّه، ولتجعله يتنازل للآخرين عن موقفه ليخضع لهم، بأنَّ عليه أن يقف وقفة الحسين (ع)، وهذا هو الَّذي يبقي معنى الحسين في وجدان الزمن، وفي حركة الواقع، وفي مسيرة الإنسان.
والحسين (ع)، كما نعرف، ليس إنساناً يثور من موقع ذاتيّ على أساس طموح شخصيّ بالحكم، ولكنَّه (ع) كان مسلماً، وكان إمام المسلمين، والمؤتمن على حركة الإسلام. ولذلك كان (ع) ثائراً من موقع إسلامه، وكانت حركته من موقع إمامته، وكان يعمل من أجل أن تؤكِّد الإمامةُ وجودَها في واقع المسلمين، لتكون عمليَّة فعل يغيِّر الواقع على صورة الإسلام كلِّه، لأنَّ الحسين (ع) كان هو الشَّرعيَّة، ولا شرعيَّة لغيره، وهذا ما عبَّر عنه في أكثر من موقف، ومنها عندما قال: "نُصبِحُ وتُصْبِحونَ، وننظرُ وتنظرونَ، أيُّنا أَوْلَى بالبَيْعَة".
لذلك، أيُّها الأحبَّة، نحن نريد في هذه اللَّيلة أن نتحدَّث عن هذه القيمة الإنسانيَّة الأخلاقيَّة الَّتي أكَّدها الحسين (ع) عملاً وواقعاً وموقفاً، لأنَّنا بحاجة إلى أن نحرِّك هذه القيمة في الواقع، لأنَّ واقعنا، من حيث طبيعة المسألة المطروحة علينا، تماماً كواقع الحسين (ع) في ما طُرح عليه.
رفضُ موقفِ الذُّلّ
لقد طُرِح على الحسين (ع) أن ينزل على حكم يزيد وعبيد الله بن زياد، وعندما بدأ عمر يحاور الحسين (ع)، ويبحث عن الحلول الوسط، قال له عبيد الله بن زياد: "إنِّي لمْ أبعثْكَ إلى الحسينِ لتكفَّ عنْهُ، ولا لتطاولَهُ، ولا لتمنِّيَهُ السَّلامةَ والبقاءَ، ولا لتعتذرَ له، ولا لتكونَ له عندي شافعاً. انظرْ، فإنْ نزلَ حسينٌ وأصحابُهُ على حكمي واستَسْلَمُوا، فابْعَثْ بهم إليَّ سِلْماً، وإنْ أَبَوا، فازحَفْ إِلَيْهم حتَّى تقتلَهُم وتُمثِّلَ بِهِمْ".
إنَّ هذه المسألة وهذا الطَّرح يعني أن يتنازل الحسين (ع) عن الإسلام وعن الأمَّة، في طرح ضبابيٍّ لا معنى له، فعندما يقول لك شخصٌ انزل على حكمي، وأنت لا تدري بما يفكِّر، وإلى أين يريد أن يصل، فمعنى ذلك أن توقّع على ورقة بيضاء لا تعرف ماذا يكتب فيها. هل منكم من يقبل أن يُطلَب منه أن يوقِّع على ورقة بيضاء، بحيث يكتب صاحب التَّوقيع ما يشاء فيها؟ ومن الممكن أن يسجِّل اعترافاً بما يوجب إعدامك، أو بيع كلِّ أملاكك، أو أيّ شيء آخر، فكيف إذا كانت القضيَّة قضيَّة إسلاميَّة تتَّصل بواقع الإسلام وواقع الأمَّة كلِّها؟!
ومن الطبيعي أنَّ المسألة إلى جانب ذلك، تعني أن يكون الحسين (ع) في موقف الذّلّ، ليربح الحياة، ويتنازل عن كلِّ مبادئه، وعن كلِّ أمانة الأمَّة بين يديه. ولذلك قال (ع): "ألَا وإنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنَتَينِ؛ بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهيهاتَ منّا الذِّلَّةُ! يأبَى اللهُ لَنَا ذلكَ ورَسُولُهُ والمؤمِنونَ، وحُجورٌ طابَتْ وطَهُرَتْ، وأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، ونُفُوسٌ أبِيَّةٌ، مِنْ أنْ نؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مَصَارِعِ الكِرَام"، وقال كلمته الثَّانية: "لَا وَاللَهِ، لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ".
والحسين (ع) عندما يتكلَّم بكلمة الرَّفض لكلِّ موقف ذلّ، وبالتَّأكيد لكلِّ موقف عزّ، فهو لا يتكلَّم من موقع عنفوانه الذاتيّ، ولكنَّه يتكلم من خلال عنفوانه الإسلاميّ، لأنَّ الله لا يقبل للمسلم أن يذلَّ نفسه حتَّى في القضايا الصَّغيرة، فكيف يمكن أن يذلَّ نفسه في القضايا الكبيرة، وهو يحمل صفة إمام المسلمين؟! إنَّ معنى أن يذلَّ الحسين (ع) ليزيد وابن زياد، أن تذلَّ الإمامة لابن زياد ويزيد. والحسين إذا كان يملك نفسه، فهو لا يملك الإمامة، لأنَّ الإمامة مسؤوليَّة من الله سبحانه وتعالى لكلِّ إمام، كما هي النبوَّة مسؤوليَّة. الإمامة ليست ثوباً يمكن أن تلبسه ويمكن أن تنزعه بفعل أيِّ حالة، هي جزء من تركيبتك الذاتية في موقع المسؤوليَّة أمام الله سبحانه وتعالى.
نحن عندما نريد أن نقارن بين موقف الإمام الحسين (ع) وبين الموقف الموجود عندنا الآن؛ نرى الآن أنَّ إسرائيل تفرض علينا أن ننزل على حكمها، وتفرض على سوريا أن تنزل على حكمها في ضمِّ الجولان، وتفرض على لبنان أن ينزلَ على حكمها في مسألة المياه وفي مسألة اقتطاع جزء من أجزاء البلد، إضافةً إلى الشّروط الأمنيَّة والسياسيَّة المذلَّة، وتفرض على الفلسطينيّين أيضاً أن يعيشوا في حكم ذاتيّ ذليل لا يملكون فيه لأمرهم أيَّ فرصة لتقرير المصير، وتفرض على العرب أن يعترفوا بها اعترافاً مطلقاً من دون قيدٍ ولا شرط، وأن ينشئوا معها العلاقات الأمنيَّة والسياسيّة والاقتصادية وما إلى ذلك، بحيث لا يكون لأيِّ شخص وأيّ بلد عربي أيُّ رأي في مسألة الواقع السياسي أو الأمني او الاقتصادي، لأنَّ إسرائيل تريد أن تكون سيِّدة المنطقة، والأقوى في المنطقة، لا عسكريّاً فقط، بل من كلِّ الجوانب الأخرى. وأمريكا تريد أن تحوِّل المنطقة إلى منطقة أمريكيَّة شاملة، بحيث يكون البترولُ أمريكيّاً، ويكون الاقتصادُ أمريكيّاً، والسياسةُ أمريكيّة، والأمنُ أمريكيّاً، فلا يكون للعرب ولا للمسلمين أيُّ دور في المنطقة. أمريكا تقول إنّكم لن تستقرّوا، ولن تأمنوا، ولن تعيشوا بعيداً من المشاكل، إلَّا أن تنزلوا على حكم الإدارة الأمريكيَّة، وهناك أيضاً من يقول إلَّا على حكم الإدارة الإسرائيليَّة. فالموقف هو نفسه.
بكاءُ الوعيِ والجهاد
ولذلك، إذا أردنا أن نجعل قضيّة الحسين (ع) في حجمها الطبيعي، فإنَّ وعي هذه القضيّة ليس في أن نحتفل بالحسين بكاءً، وإن كان للمأساة دورها في إثارة العاطفة، وفي تعميق علاقة النَّاس بالحسين (ع)، ليتحوَّل ذلك إلى علاقة النَّاس برسالة الحسين وبمواقفه. نحن نقول لا بدَّ أن يبكي النَّاسُ حسيناً وأصحابه وأهل بيته، ولكن علينا أن تكون دموعنا دموع العزِّ لا دموع الذّلّ، ودموع الحريَّة لا دموع العبودية، ودموع القوَّة لا دموع الضّعف، لأنَّنا لا نريد أن نربِّي أجيالنا على أن تكون أجيالاً تقف أمام المآسي الَّتي تُفرَض عليها في التَّاريخ أو في الواقع، فلا يكون لها شغل أمامها إلَّا البكاء.
نحن نبكي ونقاوم، نبكي ونجاهد، نبكي ونتحدَّى، نبكي ونردّ التحدّي، تبقى العاطفة حيّة في قلوبنا، وتنطلق الإرادة قويّةً في مواقفنا، لأنَّ الحسين (ع) كان كذلك، الحسين (ع) لربّما بكى في بعض المواقف عند مصرع ولده أو ابن أخيه أو بعض أصحابه، لكنَّه (ع) كان لا يسمح للبكاء أن يكون طابع الواقع، حتَّى إنَّه عندما رأى السيِّدة زينب (ع) قد انطلقت في حالة بكاء عندما صُرع عليّ الأكبر، أرجعها إلى الخيمة وقال لها: "لا تُشْمِتي بِنَا الأَعْدَاء"، لأنَّ الحسين (ع) كان وهو يعيش العاطفة، كأقسى ما تكون حرارة العاطفة في قلبه، كان يريد للسَّاحة أن تكون ساحة القوَّة.
هذا ما نريده، أيُّها الأحبَّة، وهذا ما يؤكِّده كلّ الحسينيين الَّذين وقفوا في مواقف الجهاد، في العراق وإيران ولبنان، هؤلاء الَّذين يبكون حسيناً بدموعهم، ويقفون معه (ع) بالتحدّيات الَّتي يوجِّهونها إلى الأعداء.
ولذلك، نحن نعتبر أنَّ الحسينيّين الَّذين احتفلوا بكربلاء، هم الشَّباب المجاهد العزيز الطيِّب القويّ الحسينيّ، الَّذين استطاعوا أن يقتحموا على العدوِّ معاقله، واستطاعوا أن يسقطوا عنفوانه، وأن يجعلوه يعيش حالة طوارئ أمنيَّة من أجل أن يستكشف كيف حدث ذلك، وربما لم يستطيعوا أن يفعلوا الكثير مما يريدون، ولكنَّهم استطاعوا أن يؤكِّدوا إرادة الأمَّة في رفض الاحتلال، وأن يسقطوا عنفوان الاحتلال، وأن يقفوا - وهم القلَّة - في مقابل جيش من أقوى الجيوش في العالم. ربما لم يستطيعوا أن يهزموا الجيش، ولكنَّهم هزموا روحه وعنفوانه.
نحن نريد للحسين (ع)، والحسين كان يريد ذلك، أن ينتج جيلاً يستطيع أن يصنع التَّغيير، وهذا ما عبَّر عنه الإمام الخميني (رض) عندما قال: "كُلُّ مَا عِنْدَنا مِنْ عَاشُورَاء"، لأنَّه فهم عاشوراء إسلاميَّةً جهاديَّةً منفتحةً على قضايا المسلمين كلِّهم، وعلى قضايا المستضعفين كلِّهم في خطّ مواجهة التحدّي. لقد استلهم (رض) عاشوراء، وتحرَّك من خلال ذلك.
لا عزَّةَ للمستكبرين
إذاً، نحن نستوحي من الحسين (ع) قيمة العزَّة، وقيمة رفض الذلّ. وعندما نقرأ القرآن، نجد أنَّ الله يريد للإنسان وهو يعيش مع ربِّه، أن يختزن في داخل نفسه عزَّة الله، أن تتصوَّر أنَّ العزَّة كلَّها لله، فإذا تصوَّرْتَ ذلك، أمكنك أن تواجه كلَّ الطغاة والظَّالمين والمستكبرين في وجدانك، أن تواجههم على أنَّهم مهما ملكوا من القوَّة، فإنَّهم الأذلَّاء أمام ربِّ العزَّة، لأنَّهم لا يملكون العزَّة الحقيقيَّة، لأنَّ العزَّة الحقيقيّة تنطلق من القدرة المطلقة، ومن الإرادة الرافضة في واقع الإنسان. ولذلك، لاحظوا كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى تحدَّث عن عزّته، يقول سبحانه وتعالى وهو يتحدَّث عن كثير من النَّاس الَّذين يخضعون للمستكبرين وللكافرين، ويُسقِطون أمامهم مواقفهم وإرادتهم ومبادئهم، لكي يحصلوا على شيء من جاههم وشيء من عزَّتهم وشيء من موقعهم، وهم كثر في واقعنا، هؤلاء الَّذين يتجسَّسون للأعداء، والَّذين يقاتلون معهم، ويدعمون مواقعهم، ويسلِّطونهم على أمَّتهم وشعوبهم، هؤلاء الَّذين يظهرون لك الإيمان، ولكنَّهم يعيشون مع الكفرِ كلِّهِ؛ كفر العقيدةِ وكفرِ الاستكبار، ليخطِّطوا لتقويةِ الكفرِ الاستكباري في الواقع.
يقول تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا - من هم المنافقون - ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ - لماذا يفضِّلون الكافرين على المؤمنين، ويؤيِّدون الكافرين ويخذلون المؤمنين، ولماذا ينصرون الكافرين ويحاربون المؤمنين؟ هل لأنَّهم يرون أنَّ الكافرين يملكون ملكاً ومالاً وجاهاً؟ ولكنَّهم لو فكَّروا جيّداً، لعرفوا أنَّ هذه عطايا الله الَّتي يملك الله أن ينزعها متى شاء، كما أعطاها متى شاء {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26].
هذا هو التصوّر الإسلاميّ التَّوحيديّ الَّذي يعيش فيه الإنسان مع ربِّه، فلا يرى أحداً مع الله، ويرى أنَّ كلَّ الأقوياء وكلَّ الملوك وكلَّ الأعزاء، هم بين يدي الله خائفون خاضعون، لأنَّ الله الَّذي أعطى لحكمة، سوف يمنع من خلال حكمة أخرى، لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً - أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[النساء: 138 - 139]، إنَّهم لا يملكون شيئاً إلَّا ما ملَّكهم الله إيَّاه.
وفي آيةٍ أخرى، يلتفت الله إلى النَّبيّ (ص) وهو يواجه سخرية المشركين وتحدّياتهم واستعراضهم القوَّة أمامه، ويقول له: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ - لا تتألّم ولا تحزن، لأنَّهم مجرَّد أشخاصٍ لا يملكون عمقَ العزَّةِ وعمقَ القوَّة - إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}[يونس: 65].
وفي آية ثالثة يقول الله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ - هل تريد العزّة؟ إذا أردتها فلا تطلبها من الآخرين، بل اطلبها من الله - فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ}[فاطر: 10].
عزَّةُ اللهِ في القرآن
وهكذا أكَّد الله عزَّته، وأعطانا بعض الإيحاءات في القرآن، فالله سبحانه عندما وصف نفسه بالعزَّة قال: {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[البقرة: 209]، يعني أنَّ عزَّة الله سبحانه وتعالى لا تبتعد عن حكمته، وهي ليست كعزّة النّاس الّذين يتصوَّرون لأنفسهم العزَّة، فيتحرّكون عشوائيّاً بمنطق القوَّة من دون أيِّ حكمة. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ}[إبراهيم: 47]، يحرِّك عزَّته في الانتقام من كلِّ الَّذين يتمرَّدون عليه، ومن كلِّ الذين يظلمون المستضعفين من عباده. {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحجّ: 74] فهي عزّةٌ تمثّل القوَّة {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[البقرة: 165]. {الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}[الملك: 2]. وإذا كانت كلمة {عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} الَّتي توحي بالقوَّة المطلقة والهيمنة المطلقة، تجعلك تخاف، فالله يقول لك، صحيحٌ أنّي {عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ}، ولكنِّي {الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} أيضاً، "وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النّكالِ وَالنَّقِمَةِ، وَأَعْظَمُ المُتَجَبِّرِينَ فِي مَوْضِعِ الكِبْرِياءِ وَالعَظَمَةِ". فللعذاب حكمته عند ربِّ العالمين، وللثَّواب حكمته عنده.
وهكذا قوله: {عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ}[القمر: 42]، حتَّى تتصوَّر قدرة الله، فتجعلك قدرة الله في موقع الإنسان الَّذي يعيش الأمل في كلِّ شيء يطلبه من الله تعالى، وتتصوَّر الله في موقع قدرته، ليدفعك ذلك إلى أن تخافه سبحانه وتعالى، عندما تتصوَّره في صورة العزَّة المقتدرة.
عزَّةُ الرَّسولِ (ص) والمؤمنين
وهكذا نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى الَّذي يملك العزَّة كلَّها، لأنَّ العزَّة له جميعاً، يريد العزَّة لنفسه ولرسوله وللمؤمنين.
ويحدِّثنا الله عن بعض المواقع، عندما رجع المسلمون بقيادة النَّبيِّ (ص) من تبوك، وكان هناك رأس النِّفاق عبد الله بن أُبي، وكان يتصوَّر نفسه أنَّه سيصبح ملك المدينة، فعندما أُرسلَ النَّبيّ (ص)، ودخل النَّاس في دين الله أفواجاً، وانطلقت المدينة كلُّها لتؤمن بالإسلام ولتبايعه، عاش الرَّجل في الزَّاوية، فبدأ يقود حركة النِّفاق بالتَّحالف مع اليهود، وقد نقل القرآن ما كان يقوله ابن أبي {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا - ويقصد نفسه - الْأَذَلَّ - ويقصد النَّبيَّ (ص)، باعتبار أنَّه صاحب العشيرة، وصاحب القوَّة، والنَّبيُّ وافد من مكَّة، وليست له عشيرة وجماعة، والإنسان يكون عزيزاً بقوَّة عشيرته، ويكون ذليلاً إذا لم تكن له عشيرة. هكذا كان يفكِّر، ولكنَّ الله يردُّ على هذا التَّفكير بقوله - وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[المنافقون: 8].
العزَّةُ في حديثِ الصَّادق (ع)
والإمام الصَّادق (ع) يلتقط هذه الآية، ويستوحي منها، وعظمة أئمَّتنا (ع) في تفسيرهم للقرآن، أنَّهم يحركون القرآن ليتحرَّك في الزَّمن، وفي كلِّ موقع. يقول (ع) وهو يستوحي هذه الآية: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا – لك الحريَّة في أن تأكل ما تشاء، وتشرب ما تشاء في نطاق الحلال، تلذَّذ وانطلق في شهواتك في نطاق الحلال، العب كلَّ لعب تحبّه في نطاق الحلال، الهُ كلَّ لهو تريده في نطاق الحلال، لك كلُّ الحريَّة أن تفعل أيَّ شيء في نطاق الحلال، ولكن هناك شيء واحد لم يجعل الله لك الحريَّة فيه، وهو أنَّه – وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، لأنَّ الله يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.
فإذا كان الله قد جعلك عزيزاً وأرادك عزيزاً، فإنَّ عزَّتك تصبح جزءاً من ذاتك وجزءاً من علاقتك بربِّك ورسوله، وجزءاً من علاقتك بمجتمعك، لأنَّك جزء من أمَّة، فإذا أذللت نفسك، فإنَّك تذلّ جزءاً من الأمَّة، ويمكن أن يسري المرض إلى بقيَّة أجزاء الأمَّة.
لذلك، كن العزيز حتَّى أمام الضغوط القاسية، كن العزيز أمام كلّ القوى المستكبرة، قد لا تستطيع أن تنطلق، وقد لا تستطيع أن تتحرَّك، قد يحبسونك في زنزانة، ولكنَّ العزَّة تنطلق من إرادتك؛ أن تكون حرّاً تعيش العزَّة في نفسك، وهذا ما عبَّر عنه أحد أبطال النَّهضة الحسينيَّة، وهو الشَّهيد مسلم بن عقيل، عندما كان يرتجز فيما يقوله كتَّاب سيرته:
| أقسمْتُ لا أقتلُ إلَّا حرّا |
وإنْ رأيْتُ الموتَ شيئاً نكرا |
فقد كانوا يعرضون عليه الكثير من الإغراءات الَّتي تسقط موقفه، وتضعف موقعه، وتوهن إرادته، فكان كلامه:
"أقسمت لا أقتل إلَّا حرّا". وهو في عمق الخطر، كان يعيش حريَّته ويؤكِّدها، حتى لو كان ثمن هذه الحريَّة وإصراره عليها الموت.
وقد ركَّز الإمام جعفر الصَّادق (ع) على هذه المسألة، في ربط الحريَّة بالإرادة، فالحريَّة ليست شيئاً تحصل عليه بمرسوم، ولا شيئاً يعطيك إيَّاه الآخرون، بل هي شيء تعيشه في داخل وجدانك ونفسك وإرادتك، عندما تكون لك إرادة رفض الآخرين الَّذين يظلمونَكَ، والّذين يفرضونَ استكبارَهم عليك، فأنت حرٌّ حتَّى لو كنت في الزَّنزانة، وعندما تعيش الخضوع لأيِّ قويٍّ ومستكبر، فأنت ذليلٌ حتَّى لو كنت تعيش في أرض الله الواسعة. يقول الإمام الصَّادق (ع):
"إنَّ الحرَّ حرٌّ على جميعِ أحوالِهِ؛ إنْ نابتْهُ نائبةٌ صبرَ لَها، وإِنْ تداكَّتْ عليْهِ المصائبُ لم تكسرْهُ، وإنْ أُسِرَ وَقُهِرَ، واستُبْدِلَ باليُسْرِ عُسْراً".
الاقتداءُ بعليٍّ (ع)
وأريدكم، أيُّها الأحبَّة والشّباب والمثقَّفون، أيُّها المنفتحون على خطِّ أهل البيت (ع)، أن تعيشوا مع أئمَّة أهل البيت (ع) في كلِّ كلماتهم الَّتي تضيء لنا مواقعنا في الحياة، والَّتي تحرِّك لنا طاقاتنا وتؤكِّد إنسانيَّتنا. وأن نعيش مع أهل البيت (ع)، أن يكونوا أئمَّتنا في كلِّ مرحلة من مراحلنا، بحيث يقودوننا حتَّى وهم في رحاب الله. لا تبحثوا عن مفهوم الحريَّة عند سارتر أو أيِّ شخص من هؤلاء، ولا تبحثوا عن مفاهيم حياتكم عند هذا المستشرق أو ذاك، ارجعوا إلى قرآنكم، فستجدون فيه كلَّ برنامج للحريَّة وللتحدِّي وللعزَّة والكرامة، وكلّ معاني الإنسانيَّة، وارجعوا إلى رسول الله (ص)، والأئمَّة من أهل بيته، اقرأوا نهج البلاغة جيّداً، فإنَّكم ستجدون أنَّ عليّاً يعالج قضايا العصر كلَّها، تماماً كما لو كان يعيش مع العصر.
ولكنَّنا نريد شباباً يفهمون عليّاً، ونريد علماء يتعمَّقون في فكر عليّ ليحركوه في الواقع، أن لا يكون عليٌّ مجرَّد سيفٍ، كما قلنا قبل ليلتين، وإن كان سيفه هو السَّيف. والفرق بين سيف عليّ وبقيَّة السّيوف، أنَّ سيفه (ع) كان سيفاً مثقَّفاً، وكان سيفاً مسلماً، وكان سيفاً واعياً، لم يكن عليّ مقاتلاً يحبّ القتال، كان إنساناً يحبُّ للنَّاس أن يهتدوا.
يُنقَل أنَّ عليّاً (ع) عندما دفع جيشه إلى صفِّين، ووقفوا في المواجهة، كان عسكره المتحمِّس ينتظر أن يأذن له الإمام رأساً بالقتال، ولكن مضى اليوم الأوَّل، ثمَّ اليوم الثّاني والثَّالث، ولم يأذن لهم الإمام (ع) بالبدء بالمعركة، فراحوا يتكلّمون عليه، ويقولون هو أمرٌ من اثنين، فإمَّا أن الإمام تقدّم به العمر، وصار يخاف من الموت، وإمَّا أنَّ عنده شكّاً في أحقيَّة المعركة.
عليٌّ (ع) فوقَ العصمة
وقيمة الإمام عليّ (ع) أنَّه يحترم شعبه وأمَّته، كان لا يتضايق من النَّاس أن ينقدوه، وإن كان (ع) فوق النَّقد، كان يستمع جيِّداً إلى كلام النَّاس من حوله، وكان يجد أنَّ من واجبه أن يواجههم، وأن يوضِّح لهم أعماله، ولم يكن (ع) يؤمن بولاية تختزن لنفسها ما تريده، بل كان يرى أنَّ من حقِّ النَّاس أن ينتقدوا الوليّ، حتَّى لو كان بمستوى الإمام عليّ (ع) الَّذي لم يكن فقط معصوماً، بل هو فوق العصمة، فالإمام عليّ (ع) لا يمكن أن نتصوَّره أبداً في موقع الإنسان الَّذي يخطئ، فهو عالم آخر، وأنا لا أستطيع أن أتصوَّر إنساناً بعد الرَّسول (ص)، في موقع العظمة، بحيث ترى العظمة تمشي أمامَكَ وترتفع كما عليّ بن أبي طالب (ع).
قال لهم (ع):
"أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ - ما زلت أنا نفسي عليّ بن أبي طالب كما كنت في شبابي -
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: شَكّاً في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلَّا وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ، فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْئِي، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا". يقول لهم إنَّ الحرب عندي ليست شهوة، وأنا لست محارباً، بل صاحب رسالة، وأنا عندما أدفع الحرب، فإنّما أدفعها لتكون عنصر ضغط تجعل الآخرين يفكِّرون في مواقفهم، فلعلَّهم يعيشون بعض اليقظة مما هم فيه من غفلة، فيأتون إليَّ وإلى ضوئي ويتحركون معي، وهذه رغبتي في هدايتهم الَّتي هي أكثر من رغبتي في قتالهم، وإن كانوا ضالّين، ولذلك أنا أؤخِّر الحرب، لعلَّ واحداً يهتدي بي.
لذلك، كان سيف عليٍّ سيفاً رساليّاً، ولم يكن سيفاً ذاتيّاً قتاليّاً، هذا الَّذي يمثّل الإمام عليّاً (ع)، وهذا الَّذي يجعل الإمام (ع) يعيش في هذا الأفق الواسع في قضيَّة موقف العزَّة والكرامة.
العلاقةُ بينَ المؤمنين
ويحدِّثنا الله سبحانه وتعالى عن العلاقة فيما بيننا كمؤمنين؛ هل هناك عزَّة بين المؤمنين بعضِهم مع بعض؟
في البداية، يتحدَّث الله عن علاقة الإنسان بوالديه.. بعض الشَّباب يكون في مرحلة العنفوان، وخصوصاً إذا كان شابّاً قويّاً، فإذا ما صفعه والده لسبب، أو عاقبته والدته على شيء، استنفر وغضب، وقال أنا لا أقبل أن يذلَّني أحد حتَّى لو كان أبي أو أمّي، أليس هناك من يقول ذلك؟ وقد يتمادى البعض فيضرب والديه أو يهينهما، ولكنَّ الله يقول:
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء: 24]، كن العزيز مع كلِّ النَّاس، لكن مع والديك اللَّذين صنعاك بقدرة الله، واللَّذين رعياك وربَّياك، كن ذليلاً لهما، واخفض لهما جناح الذّلّ، كما الطَّائر الَّذي يخفض جناحه عندما تأتي فراخه.. فلا تعتبر أنَّه إذا صفعك والدك، أو تكلَّم عليك، أنَّك خسرت عزَّتك، قل له أنت تمون، وإذا ما صفعك على خدٍّ، فأدر له الخدّ الآخر، وهنا مع والديك يمكن أن تطبِّق "مَنْ ضَرَبَكَ على خَدِّكَ الأيمنِ فأدرْ لهُ الأيسر".
كيف يصوِّر الله لنا المؤمنين في علاقات بعضهم مع بعض؟ ما هي الصّورة
{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}[المائدة: 54]. المجتمع الإسلاميّ هو المجتمع الَّذي يتواضع بعضه لبعض، والَّذي يتسامح بعضه من بعض، والَّذي يذلّ بعضه لبعض، وليس بمعنى الذّلّ النّفسي والانسحاق، بل بمعنى التَّواضع والتَّسامح، وبمعنى التّجاوز إذا أساء إليك، فمن صفات المؤمنين أنّهم
{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}،
{يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[المائدة: 54].
إذاً، علينا أن لا نعيش العنفوان بعضنا مع بعض، بل نعيش المحبَّة والتسامح والحنان والتَّواضع والعفو وما إلى ذلك.
سبيلُ العزَّةِ في الآخرة
هذا كلّه في الدنيا، أمَّا في الآخرة؛ فهل تحبّ أن تكون عزيزاً، أو تريد أن تكون ذليلاً هناك؟ ما هو طريقك إلى أن تكون عزيزاً في الدّنيا والآخرة؟ قالها الإمام الحسن (ع):
"مَنْ أَرَادَ عِزّاً بِلَا عَشِيرَة، وَغِنَى بِلَا مَال، وَهَيْبَةً بِلَا سُلْطَان، فَلْيَنْتَقِلْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَى عِزِّ طَاعَتِهِ".
والإمام زين العابدين (ع)، في دعائه إذا نظر إلى أصحاب الدّنيا، وعادةً نحن عندما نرى إنساناً صاحب مال نخشع أمامه، طمعاً أو ضعفاً أو ما إلى ذلك، ولكنَّ الإمام (ع) يقول:
"واعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أَظُنَّ بِذِي عَدَمٍ خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَةٍ فَضْلًا، فَإِنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْه طَاعَتُكَ، والْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْه عِبَادَتُكَ"، لأنَّ المال يذهب، والجاه يذهب، وتبقى طاعة الله زادَكَ لما عند الله
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}[البقرة: 197]، ستموت، وستلقى تحت التّراب، وسيرثك ورثتك وقد لا ينفِّذون حتَّى وصيَّتك،
{وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}[الرَّحمن: 27]، يبقى عملك فقط. إنَّ شرفك أن تطيع ربَّك، لأنَّك ترتفع بذلك عند الله، والله هو مالك السموات والأرض. إنَّ عزَّتك أن تكون عزيزاً عند الله، وأيّ شرف أعظم من أن يحبَّك الله، وأن يقرِّبك الله إليه، وأن يرفع درجتك يوم القيامة؟!
الأعزّاء والأذلّاء في القرآن
كيف يتحدَّث القرآن عن الأعزّاء والأذلّاء؟
في الحديث عن الأعزّاء، يقول تعالى:
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ - غبرة وتعب -
وَلَا ذِلَّةٌ - لأنَّهم الأعزّاء يوم القيامة، لأنّهم أحسنوا -
أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[يونس: 26].
أمَّا القسم الثاني، وهم الأذلّاء، فيقول تعالى عنهم:
{وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱللَّيْلِ مُظْلِمًا – فكأنَّ الله استعار قطعةً من اللَّيل وجعلها على وجوههم بشكلٍ دائم، فإذا صبغَ الله وجوههم باللَّيل والظّلام، فكيف تبدو وجوههم؟! -
أُوْلَٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}[يونس: 27].
العزَّةُ في خطِّ الحسين (ع)
لذلك، أيُّها الأحبَّة، مع الحسين العزيز، في عزَّته التي أكَّد فيها موقفه من أجل رضوان الله، ومن أجل أن يعيش مسؤوليَّته.
لنكن الأعزَّاء في طاعة الله، ولنكن الأعزَّاء بتقوى الله، ولنكن الأعزَّاء بكلِّ معنى المحبَّة للمؤمنين والمؤمنات، ولنكن الأعزَّاء في وجه المستكبرين والظَّالمين.. ذلك معنى أن نكون حسينيّين؛ أن لا نعيش ضعفاً في قلوبنا، ولا عبوديَّة في وجداننا، ولا نعيش تراجعاً في مواقفنا، أن نقف أمام كلّ الظالمين والمستكبرين صفّاً واحداً، وقوَّة واحدة:
{إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيٰانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصّفّ: 4].
والحمد لله ربِّ العالمين.