هذه آخر جمعة من شهر شعبان، وقد ورد في السّيرة النبويَّة الشَّريفة، أنَّ رسول الله (ص) وقف في مثل هذه الجمعة ليحدّث المسلمين عن قيمة شهر رمضان، وليوجّههم إلى الجوانب الروحيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة الَّتي تحكم حياتهم عندما يعيشون أجواءه، حتَّى لا يدخل الإنسان شهر رمضان دخولاً تقليديّاً، كما لو كان يمارس عادةً من عاداته وتقليداً من تقاليده.
الاستعداد لاستقبال رمضان
إنّ رسول الله (ص) يريد لنا أن نجدّد روحيَّتنا في الإحساس، في التَّخطيط لحركتنا الروحيَّة في هذا الشَّهر، حتَّى تنمو روحيَّتنا في أجوائه، فيرتفع إحساسنا بالله، لنعيش حضوره في الكون في مشاعرنا وأحاسيسنا، ولننطلق إلى حياتنا الأخلاقيَّة من أجل أن نقوّم أخلاقنا، لتكون أخلاق الإنسان الَّذي يكون "بدَنُهُ مِنهُ في تَعَبٍ، والنَّاسُ مِنهُ في راحَةٍ"، بحيث نعطي النَّاس الّذين نعيش معهم من عقلنا وقلبنا وروحنا وطاقاتنا، ما نستطيع بها أن نجعلهم يعيشون السَّعادة عندما يعيشون معنا.
وهكذا يريد الله لنا أن ننطلق في هذا الشَّهر انطلاقة اجتماعيَّة، نتحسَّس فيها دورنا الاجتماعيّ في علاقتنا بالنَّاس، كما نتحسَّس دورنا الفرديّ في علاقتنا بذواتنا.
ويبقى لنا أن نكون الحذرين في ساحة الصّراع مع الشَّيطان الَّذي لا يمثّل مخلوقاً خفيّاً نحذر منه، ولكنَّه يمثّل خطّاً شرّيراً في حركة الإنسان في الحياة، بحيث يمكن أن تجد الشَّيطان في إنسان يعيش معك، كما يمكن أن تتحسَّسه في القوَّة الخفيَّة الَّتي تختبئ في أجواء الغيب حولك، وربما تجده في منهج معيَّن، وفي قانون معيَّن، وفي سياسة معيَّنة، لأنَّ الشَّيطان يمثّل رمز الشّرّ في حركة الإنسان وواقعه.
لذلك، وقف رسول الله (ص)، ليستقبل شهر رمضان من خلال هذا الخطّ الروحيّ والأخلاقيّ والاجتماعيّ والحركيّ في حركة الإنسان في الصّراع الدَّائم مع الشَّيطان.
في ضيافة الله ورحمته
لنستمع إليه (ص) يقول: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ".
هذا الجانب الرّوحيّ الَّذي يطلّ على حركة الشَّهر فيما يتمثَّل فيه من غنى الرّوح، وفيما ينطلق فيه الحنان الإلهيّ، والبركة الإلهيَّة، والرَّحمة الإلهيَّة، والمغفرة الإلهيَّة... عندما يطلّ الله علينا برحمته ومغفرته ورضوانه، ليقول لنا: يا عبادي، أنتم في الدّنيا خلقي، وأنتم منذ أن انطلقتم في وجودكم، حتَّى وأنتم أجنَّة في بطون أمَّهاتكم، كنتم ضيوفي، لأني أنا الَّذي أعطيتكم نعمة الحياة، فجعلتكم بقدرتي ضيوفاً في هذه الدّنيا، وأنا الَّذي أعطيتكم كلَّ ما يمتدّ في حياتكم مما تحتاجه حياتكم؛ أعطيتكم الهواء الَّذي تتنفَّسون، والغذاء الَّذي تتغذّون، والماء الَّذي تشربون، ومهَّدت لكم الأرض، حتَّى استطعتم أن تعيشوا فيها في راحة وطمأنينة واستقرار، وهيَّأت لكم كلّ شروط الحياة؛ في الشَّمس الَّتي تشرق، وفي السَّحاب المثقل بالمطر ينزل مدراراً، وفي كلّ ما يدبّ على أرضكم وما ينطلق في جوفها، حتَّى كانت الحياة في هذه الأرض فرصة طيّبة لكم، في الأجل الَّذي ضربته لكم في هذه الدّنيا.. أنتم ضيوفي، لأنَّ مائدتي تمتدّ في كلّ بيت من بيوتكم، وفي كلّ ساحة من ساحاتكم. من أعطاكم كلّ هذا؟ قد تقولون إنَّ فلاناً أعطانا طعامنا وشرابنا، ولكن من أعطى فلاناً كلّ ذلك؟ من أعطى الأرض طاقة الإنبات والنّموّ؟ {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}[النّحل: 53]. تلك ضيافة الحياة، ولكنّي جعلت لكم في كلّ سنة ضيافة من نوع آخر، فهناك ضيافة البركة، ستتَّسع حياتكم لتعيش البركة والنّموّ فيما تنفتحون فيه على آفاق الرّوح في هذه الحياة، وستنفتح حياتكم على رحمتي الَّتي وسعت كلّ شيء، والَّتي كان وجودكم انطلاقةً منها، وكانت كلّ حياتكم حركة في كلّ مجالاتها، وستعيشون مغفرة الله لكم، لأنَّ الله يضيّف عباده بالبركة والرَّحمة والمغفرة.
أيُّها النَّاس، في شهر رمضان تتَّسع رحمة الله، حتَّى تبلغ كلّ عباده الَّذين ينفتحون عليه، ويغفر لهم ويبارك لهم. ولهذا، فإنَّك في شهر رمضان، قد تنام وأنت مثقل بالتَّعب وبالجهد، جهد مسؤوليَّاتك في العمل، وجهد جسدك في العبادة، وجهد معاناتك في البلاء، فتنام، ولكنَّ قلبك قبل أن تنام كان مفتوحاً على الله، ولأنَّ عقلك كان يتحرَّك في طريق محبَّة الله.. أنت تنام، ولكنَّ الإنسان الَّذي يعيش مع الله في عقله وقلبه وحركته، يتحوَّل نومه إلى عبادة، لأنَّ جسده إذا نام، فإنَّ يقظة الإيمان في قلبه تبقى تعبد الله، لتتحوَّل أنفاسه إلى تسابيح، الأنفاس الَّتي تنطلق من صدر لا يحمل إلَّا الخير والمحبَّة للنَّاس، إنَّ هذه الأنفاس هي تسابيح الرّوح المؤمنة الطيّبة، والتَّسابيح ليست كلمات، هي روح وإحساس وشعور وانفتاح على الله. ولذلك يحدّثنا الله أنَّ الرَّعد يسبّح بحمده، وأنَّ كلَّ شيء يسبّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
إنَّ المسألة أنَّ قلبك عندما يختزن محبَّة الله ومحبَّة النَّاس من خلال محبَّة الله، فإنَّك تسبّح حتى ولو لم تكن شفتاك تتحرّكان.
موسم استجابة الدّعاء
"وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ". لذلك يقول (ص): "اسْأَلُوا اللَّهَ"؛ إنَّها الفرصة، إنَّه الموسم. ولكن عندما تسألون الله، افتحوا قلوبكم له، ليجد فيها الطَّهارة كلّ الطَّهارة، والنّقاء كلَّ النَّقاء، افتحوا نيَّاتكم لله، ليرى أنَّكم صادقون فيما تنوونه، وبعد ذلك قولوا: يا ربَّنا وفّقنا لصيامه، لأنَّ صيامه يجعل إرادتنا طوعاً لإرادتك، ووفّقنا لتلاوة كتابه، لأنَّ تلاوة كتابه تجعلنا ننفتح على كلّ ما تحبّه فينا وما تريده لنا، وما ترضاه في أقوالنا وأعمالنا، لأنَّه الحقّ الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ويقول (ص) بعد ذلك: "فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ". إنَّك إذا حُرِمْتَ المغفرة في موسم المغفرة، وَحُرِمْتَ الرَّحمة في موسم الرَّحمة، فأين تجد المغفرة والرَّحمة خارج الموسم؟! إنَّك إذا كنت غافلاً في هذا الجوّ الَّذي يفيض بالرّوح، ويسمو بالإيمان، وينطلق بالقرب إلى الله، فستكون أشدّ غفلة في أجواء أخرى.
نافذةٌ على الآخرة
ثمَّ يقول (ص): "وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ، جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ". إنَّه النّداء الرّوحيّ الَّذي يقول لكم: أيُّها النَّاس، عندما تعيشون في الدّنيا، حاولوا أن تجعلوا الدّنيا نافذة على الآخرة، حتَّى تتكامل لكم الدنيا والآخرة في إحساسكم.. إنَّ هناك مواقف في الدنيا تشبه في كثير من الحالات المواقف في الآخرة، فعندما تعيش الجوع والعطش في الصَّوم الحارّ أو اليوم الطَّويل، تذكَّر ذلك اليوم الَّذي يقوم فيه النَّاس لربّ العالمين، يوم {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[الحجّ: 2]، ذلك اليوم الَّذي تخرج فيه عريان ذليلاً حاملاً ثقلك على ظهرك، تنظر مرَّة عن يمينك، وأخرى عن شمالك، إذ الخلائق في شأن غير شأنك {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}[عبس: 37 - 41]، ذلك اليوم الَّذي تقف فيه كلّ نفس تجادل عن نفسها، ذلك اليوم الّذي هو {عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}[الحجّ: 47]، وفكّر أنَّك عندما تجوع وتظمأ في الدّنيا في طاعة الله، فإنَّك تتفادى بذلك جوع يوم القيامة وعطشه.
التّصدّق على الفقراء
"وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ"، فعندما تجوع وأنت في بيتك، تذكَّر أنَّ هناك جاراً لك قد يبيت جائعاً لا يجد لقمةً تسدّ جوعه، أو عطشان لا يجد ماءً يروي ظمأه. وقد قال النَّبيّ (ص): "ما آمَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وجارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ وهُوَ يَعْلَمُ بِهِ". تذكَّر جوع النَّاس من حولك، واجعل الصَّدقة فعلاً حيّاً، وحركةً إيجابيَّة نابعة من إحساسٍ صادق، إحساسٍ يتفاعل مع آلام الآخرين ومعاناتهم. لا تكن الأنانيّ المنغلق على ذاته، يرى آلام الدُّنيا محصورةً في ألمه، وأحزانها مختصرةً بحزنه، بل وسِّع قلبك، واعتبر أنَّ حزن الآخرين هو حزنك، وأنَّ ألمهم هو ألمك.
العلاقة بين الأجيال
"وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ". من هنا تنطلق المسألة الأخلاقيَّة في بناء العلاقات الاجتماعيَّة، ولا سيَّما في العلاقة بين الجيل القديم والجيل الجديد.
فقد يستغرق الجيل القديم في قيمه وذهنيَّته وتجربته الخاصَّة، فيتعسَّف في تعامله مع الجيل الجديد، فلا يسعى إلى فهمه، ولا إلى إدراك ظروفه، ولا إلى استيعاب المتغيِّرات الَّتي تحيط به، ولا إلى قراءة ذهنيَّته قراءةً واعية. ومن هنا، قد يقسو الكبار على الصِّغار، فيقسو الآباء والأمَّهات على أبنائهم وبناتهم، وما إلى ذلك.
وفي المقابل، قد يندفع الجيل الجديد في هذه الأجواء المتسارعة، فيقع في احتقار الجيل القديم، باعتبار أنَّه أكثر ثقافةً منه، أو أكثر قوَّة، أو أنَّ ساحاته أوسع وأغنى من ساحات من سبقوه؛ فينسى أنَّ لكلِّ جيلٍ تجربته، ولكلِّ مرحلةٍ حكمتها.
هنا، أيُّها الصِّغار، تعلَّموا أن تنظروا إلى إيجابيَّات الكبار، فهم أسبق منكم تجربةً، وأكثر احتكاكاً بالحياة، ولذلك قد يكونون أوعى منكم في فهم مساراتها وتعقيداتها. قد تكونون أكثر علماً منهم في النظريَّات العلميَّة والمعارف الحديثة، لكنَّهم أعمق خبرةً منكم في التَّجربة الحياتيَّة.. فاحترموا أعمارهم وتجاربهم، لا لأنَّ القِدَمَ يعني العصمة، وهو لا يعنيه، ولا لأنَّ كِبَر السِّنِّ يعني الصَّواب دائماً، وهو لا يعني ذلك، ولكنَّه يدلّ على حياةٍ طويلةٍ مليئةٍ بالتَّجاربِ والمعاناة، وعلى مسيرةٍ حافلةٍ بالعِبَرِ والدّروسِ، وهي مسيرةٌ تستحقّ التَّقديرَ والاحترامَ.
"وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ"، لم يقل "أطيعوا كباركم"، لأنَّ قضيَّة الطَّاعة ترتبط بالموقع القياديّ الواعي الَّذي يملك فيه الإنسان الَّذي يراد إطاعته، عمق الصَّواب والانفتاح والوعي، لا يكفي أن تكون كبيراً لتطاع، ولا أن تكون أباً لتطاع، لذلك قال الله لنا: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[الإسراء: 23]، ولم يقل "وبالوالدين إطاعة"، قد تكون الطَّاعة من الإحسان، ولكن {إِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}[لقمان: 15]، إذا انحرف والداك أو أخطآ فلا تطعهما، وإذا انطلقا مع أهوائهما فلا تطعهما، إنَّ عليك أنَّ تحسن إليهما حتّى لو أخطآ، ولكن لا تطعهما إلَّا فيما لا معصية لله فيه، وفيما لا يكون ضدَّ مصلحتك ومصلحة الحياة من حولك.
ولذلك قال لنا (ص): "َوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ"، وقال: "وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ". ارحم الصَّغير بأن تفهمه. إنَّ الكثير من كبارنا، أيُّها الأحبَّة، سواء كانوا الكبار في الموقع الاجتماعيّ أو العائليّ، الكثيرون منهم لا يفهمون ذهنيَّة الصّغار ولا حاجاتهم وتطلّعاتهم وأحلامهم.. ارحموهم رحمة الإنسان الَّذي يحاول أن يتحرَّك مع هذه النَّبتة الطريَّة الَّتي لا تزال لا تملك الصَّلابة الَّتي تستطيع من خلالها أن تواجه العواصف، ارحموهم بأن تعطوهم القوَّة والنّصح، استمعوا إليهم، واتركوهم يتحرَّكون في أحلامهم، وحاولوا أن تصونوهم من الخيال والانحراف.
صلةُ الأرحام بلا تعصّب
"وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ". وليس معنى أن تصل أرحامك أن تستغرق في عائلتك، أو أن تتعصَّب لها، فالعصبيَّة ليست من الإسلام، لأنَّ العصبيَّة حالة انغلاق، والله لا يريد لنا أن ننغلق عن أحد، حتَّى الَّذين نختلف معهم في الرَّأي، علينا أن نفتح عقولنا وقلوبنا لهم، حتَّى يعرفوا ماذا نفكّر، لنعرف ماذا يفكّرون.
لا تتعصَّبوا لأرحامكم، وحذارِ من كلّ الجمعيَّات العائليَّة الَّتي تقوم على العصبيَّة، بحيث تعيش هذه الجمعيَّةُ العصبيَّةَ ضدّ العائلات الأخرى، لتنغلق عنها، ولتثير الحساسيَّات، وبذلك نصنع من كلّ جمعية عائليَّة حالة تعصّب تثير الجوّ المستقبلي نحو الفتنة، من خلال بذور الفتنة الَّتي ترعاها العصبيَّة في قلوب الكبار والصّغار.
لذلك، لم يقل (ص): تعصَّبوا لأرحامكم، ولكن قال "صِلُوا أَرْحَامَكُمْ"، لأنَّ الأرحام يمثّلون العلاقة الَّتي تتَّصل بالدَّم وبالإحساس والشعور والتاريخ. لذلك لا تقطعوا هذه الصّلة التي تمتدّ في دمائكم وأنسابكم وتاريخكم.. صلوا أرحامكم بالكلمة الطيّبة، والزيارة المنفتحة، وبالهديَّة والرعاية والنّصح والإرشاد والهداية، صلوهم بأن تنصروهم على أنفسهم إذا ظلموا الآخرين، وأن تنصروهم على ظالميهم إذا ظلمَهم الآخرون.
لذلك، لا مانع من أن تكون هناك جمعيَّات عائليَّة تحت عنوان صلة الأرحام، لترعى أفرادها في الدَّاخل، ولتنفتح على العائلات الأخرى من خلال ذلك. إنَّ الدَّوائر الإنسانيَّة متنوّعة، ولكن حذار من أن نغلق دائرة عن دائرة أخرى، تماماً كما هي الشَّوارع الصَّغيرة، فهناك شوارع مغلقة لا تستطيع أن تتجاوزها، ولكن هناك شوارع صغيرة مفتوحة على هذا الشَّارع أو على هذا الزّقاق أو ذاك الزّقاق، إنَّ الشَّوارع المسدودة والمغلقة تربك حركتنا وحياتنا، ولكن الشَّوارع المفتوحة تسهّل لنا حركة السَّير، ويمكن أن تقدّم إلينا خطوات جيّدة ومصالح جيّدة.
حاولوا أن يكون كلّ واحد منكم دائرةً مفتوحةً على الآخر؛ أن تنفتح أنت على الإنسان الآخر، وأن تنفتح عائلتك على العائلة الأخرى، وأن تنفتح منطقتك على المنطقة الأخرى، وأن ينفتح وطنك على الوطن الآخر، وتنفتح أمَّتك على الأمم الأخرى، وبعد ذلك، ننفتح جميعاً على الله.
حفظ الجوارح من الحرام
"وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ". إنَّ اللّسان جموح بصاحبه، قد تنطلق الكلمة منك من دون وعي فتدمّر حياتك، وقد تنطلق فتبني لك حياتك، قد تنطلق الكلمة بفتنة، وقد تهيّئ لحرب، وقد تتحرَّك في فساد... لذلك احفظوا ألسنتكم عن كلّ كلمة باطل وظلم وفساد وتدمير، لأنَّ قصَّة الإنسان في كلماته هي قصَّة حركة الكلمات في واقع النَّاس، ولذلك ورد في بعض الأحاديث: "وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم؟!"، ما يحصده لسانك، قد يكون السَّبب الَّذي يجعلك تعيش في أجواء النَّار وتتعذّب فيها. احفظوا ألسنتكم من أن تتكلَّم كلمة سوء، ومن أن تسيء إلى أمن النَّاس ومستقبلهم، ومن أن تكون وسيلة من وسائل تأييد من لا يستحقّ التَّأييد، أو رفض من لا يستحقّ الرّفض. ليكن كلامك صورة لإيمانك، وصورة لخطّك، ولكلّ تطلّعاتك الخيّرة في الحياة.
وقد ورد في بعض كلمات أمير المؤمنين (ع)، وقد سمع شخصاً يكثر اللّغو ويتكلّم بلا حساب، فقال له: "يا هذا، إنَّك تملي على كاتبيك كتاباً إلى ربّك - إنَّ كلَّ كلمة تقولها هي تقرير ترسله إلى الله سبحانه وتعالى {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 18]، فكلّ ما تقوله من سبّ وشتم وفتنة، يسجّله الملكان الكاتبان عليك - فتكلَّم بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك"، فلا تستهلك الكلمة بما يسيء إلى موقفك أمام ربّك.
"وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لا يَحِلُّ الاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ". لقد أعطاك الله نعمة البصر، وأراد لك أن {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[طه: 131]، وأراد لك أن تغضَّ بصرك عمَّا يثيرك، وعمَّا يؤدّي بك إلى نتائج سلبيَّة على مستوى حياتك.
والله أعطاك السَّمع، والكلمة الَّتي تسمعها تمثّل حركتك نحو عقلك، لأنَّ الأذن هي النَّافذة الَّتي تطلّ بها من خلال الكلمات على عقلك، ولكن لا تسمع لغواً ولا حراماً، فإنَّ للسَّمع برنامجه، وللبصر برنامجه، فلا تخطئ برنامج الله فيهما.
أمانة الأيتام
"وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ". إنَّ الأيتام هم أمانة الله في كلّ المجتمع، وعلى المجتمع تحمّل مسؤوليَّتهم، إذا لم يكن بشكل مباشر، فعليه أن يتحمَّل مسؤوليَّتهم بشكل غير مباشر. تحنَّنوا عليهم بكلّ ما تسطيعون أن تجسّدوا فيه الحنان، طعاماً وشراباً ولباساً وتعليماً وتقويماً وهدايةً وإرشاداً، الحنان العمليّ المتجسّد في حركتك في رعاية اليتيم كما ترعى ولدك.
وإنَّ القضيَّة كما يطرحها الحديث، أنَّك ربَّما يكون لك أيتام في المجتمع، فإذا كانت سيرة المجتمع أن يتحنَّن كلّ فرد فيه على أيتام النَّاس، فإنَّ القضيَّة سوف تطالك في نهاية الأمر، لأنَّ أيتامك سوف لا يضيعون، لأنَّك بنيت في المجتمع هذا السّلوك من الحنان، فأعطاك المجتمع من هذا الحنان ما يعيش به أيتامك.
التَّوبة من الذّنوب
ثمّ تنطلق الخطبة في اتجاه روحيّ جديد، فيقول (ص): "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ".
أيُّها النَّاس، كلّنا خطَّاؤون، من منَّا لا يخطئ ولا يذنب؟! ولكنَّ المسألة ليست في أنّنا نخطئ، بل إنَّ القضيَّة الأساسيَّة في إنسانيَّتنا وإيماننا هي أن نتراجع عن الخطأ ولا نصرّ عليه. والله أفسح لنا هذا المجال، وهو القائل لنا: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}[الشّورى: 25]، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}[البقرة: 222]، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر: 53].
والمسألة أيضاً أن لا نؤجّل التَّوبة من الذّنوب والأخطاء باعتبار أنَّ هناك متّسعاً من الوقت، لأنّك لا تدري إذا كان هناك غد لك، والشَّاعر يقول:
لا تقل في غد أتوب لعلَّ الـ
غد يأتي وأنت تحت التّرابِ
عجّل بالتَّوبة قبل الموت، حتّى تقف بين يدي الله وقد تخفَّفت من كلّ ذنوبك، لأنَّ "التَّائبَ منَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ له"، كما ورد في الحديث، والإنسان يخرج من ذنوبه إذا تاب توبةً نصوحاً، يندم فيها على ما فات، ويعزم على التَّصحيح فيما هو آت، إنَّ التّائب يخرج كيوم ولدته أمّه، ويقال له استأنف العمل من جديد. وليس للتَّوبة رسميَّات ولا تقاليد، فلا تحتاج أن تأتي إلى السيّد أو إلى الشَّيخ لتقول له إني أريد أن أتوب، فقد تكون أنت أخفّ منه ذنوباً.. إنَّ الله لا يحتاج إلى وسيط مع عباده، وهو الَّذي يقول لعباده تعالوا إليّ
{فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186].
أهميّة الدّعاء والاستغفار
"وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ، يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ".
وفي الدّعاء، ليس من الضّروريّ أن تتعلَّم اللّغة العربيَّة الفصحى لتدعو الله، وليس من الضّروريّ أن تمسك كتاب "مفاتيح الجنان" أو أيّ كتاب دعاء آخر لتدعو، بل تحدَّث مع الله كما تتحدَّث مع أيّ إنسان، باللّغة الَّتي تعرفها وتفهمها، المهمّ أن ينفتح قلبك على ربّك وأنت تدعو.. ادعه في كلّ شيء تحتاجه، في الصَّغير والكبير، لأنَّ الإنسان لا بدَّ أن يعيش مع ربّه أكثر مما يعيش مع أبيه، فكما نطلب من آبائنا وأمَّهاتنا عندما نكون صغاراً ما نحبّ، ونتمرّغ على صدورهم، ونحضنهم ونبكي بين أيديهم، فلتكن علاقتنا بالله في دعائنا أكثر من علاقتنا بآبائنا وأمَّهاتنا، لأنَّ الله أرحم بنا من كلّ أحد.
"أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُونَةٌ بِأَعْمَالِكُمْ، فَفُكُّوهَا بِاسْتِغْفَارِكُمْ، وَظُهُورَكُمْ ثَقِيلَةٌ - فكما لا يستطيع الإنسان أن يفكّ الرّهن إلَّا إذا سدَّد ما عليه، كذلك النّفس {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدّثّر: 38]، كيف نفكّ هذا الرَّهن؟ بأن نستغفر الله سبحانه وتعالى - مِنْ أَوْزَارِكُمْ، فَخَفِّفُوا عَنْهَا بِطُولِ سُجُودِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسَّاجِدِينَ، وَأَنْ لا يُرَوِّعَهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ".
ثقافة التَّكافل
ثمَّ بعد ذلك يتابع (ص): "أيُّها النَّاس، مَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ صَائِماً مُؤْمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عِتْقُ رَقبَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ (ص): اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ"، يعني أن تُعاوِنُوا الصَّائمين على الإفطار بما تستطيعون وبما يحتاجونه، فمن يحتاج منهم إلى شربة ماء أعطه من عندك، ومن يحتاج إلى شقّ التَّمرة أعطه من عندك، وليس المعنى أن تجلب مائة تمرة إلى المسجد، وتوزّعها على مائة مصلّ ليفطروا عليها، وتكون بذلك أمسكت مفتاح الجنَّة، بل معناه أن تعطي ما عندك مما يحتاجه، وإذا لم تستطع على الكثير، فأعط القليل.
حسن الخلق طريق النَّجاة
"أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ". نحن نرى أنّ الكثير من النّاس في شهر رمضان يصبحون سريعي الغضب، فترى الرَّجل يغضب على زوجته، أو أولاده، أو عمَّاله، بحجَّة أنّه صائم، ولكن معنى الصَّوم أن تملك إرادتك، وتسيطر على أعصابك، وأن تنطلق في وعيك لمسؤوليَّتك مع النَّاس أمام الله.
وفي ذلك جائزة، فمن حسَّن خلقه في هذا الشَّهر، بحيث يرتفع إلى مستوى الخلق الحسن، كان له جواز على الصّراط، وذلك كناية عن أنَّه ينجو يوم القيامة ويصل إلى مبتغاه.
لذلك، ينبغي أن تتعلَّموا قبل شهر رمضان الابتسامة بدلاً من العبوس، والكلمة الطيّبة والخلق الطيّب، وكيف تتزاورون، وكيف يعفو بعضكم عن بعض...
"وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، خَفَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ"، وما ملكت يمينه كما في العمّال تحت يديه، والموظّفين، وأولاده، وكلّ من هم تحت سلطته.
"وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً، أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلاةٍ – أي الصّلاة المستحبّة - كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً، كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيَّ، ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ".
"أيُّها النَّاس - وهذا هو النّداء الأخير - إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ".
محطَّة التَّجديد الرّوحيّ
هذه هي أجواء شهر رمضان الروحيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة، ليتحوَّل الإنسان فينا إلى إنسان الله وعبده الَّذي ينفتح على الله في كلّ أوامره ونواهيه، ليجدّد روحيَّته، وليحسّن خلقه، وليقوّي علاقته بمجتمعه من خلال مسؤوليَّته، ولينطلق في الحياة ليحقّق ما فيه رضا الله، وليتفادى غضب الله حتَّى ما كان فيه رضا النَّاس... أن نكون النَّاس الَّذين يتحركون نحو الله، ويملكون القوَّة في كلّ المواقع الصَّعبة في الحياة.
وعندما نواجه مسؤوليتنا أمام هذا الشَّهر العظيم، فإنَّ علينا أن ندخل في واقعنا الَّذي نعيشه، ونحن عندما نريد أن ندخل هذا الواقع، فإنَّما نريد أن ندخله كجزء من مسؤوليَّتنا في كلّ قضايانا العمليَّة في حياتنا وحياة النّاس من حولنا، لأنَّ الله يريدنا أن نتكامل في شخصيَّتنا الفرديَّة والاجتماعيَّة، في شخصيَّة الإنسان وشخصيَّة الأمَّة، بحيث لا يعيش الإنسان فرديّته بعيداً من الجماعة، ولا يعيش ذاتيَّته بعيداً من الأمَّة. لذلك، كما يريد الله لنا أن نكون الأحرار في فرديتنا وذاتيَّاتنا، يريد لنا أن نكون الأحرار في أمَّتنا. وهناك نقاط لا بدَّ أن نعالجها بشكل مختصر.
المجاهدون يسقطون منطق العدوّ
النّقطة الأولى، هي أنَّنا عشنا في هذا الأسبوع الحرب المفتوحة بكلّ قوَّة بين العدوّ الصّهيوني وبين المجاهدين الَّذين يدافعون عن حريَّة النَّاس وعزَّتهم وكرامتهم، وقد لاحظنا كما لاحظ كلّ النَّاس، أنَّ مسألة العدوّ ليست مسألة أن يردَّ الضَّربة بمثلها، وليست مسألة أن يخوض الحرب ضدَّ الَّذين يحاربونه، إنَّ المسألة الَّتي تمثّل أسلوب العدوّ الَّذي يختزن في داخله الحقد على الإنسان كلّه، وعلى الضعفاء كلّهم، أنَّه يقصف المدنيّين، بينما يقصف المجاهدون العسكريّين، هو يقصف البيوت ويدمّرها، ويقصف المساجد والحسينيات ويدمّرها، ويقتل النساء والشيوخ والأطفال الآمنين في بيوتهم، ويعيش الحقد على كلّ هؤلاء النَّاس. لماذا ذلك؟ لأنَّه، كما يقول الَّذين يساندونه، يريد أن يدافع عن حدوده، ويعتبر "الحزام الأمني" منطقة أمن له، لا منطقة احتلال بالنّسبة إليه.
إنَّ مشكلة بعض السياسات أنَّها تبدّل الكلمات لتلعب على عقول النَّاس من خلال ذلك، فتسمعهم يقولون إنّها منطقة أمنيَّة لا منطقة احتلال.. ولكنّك إذا كنت محقّاً، فقد تكون لك منطقة أمنيَّة في البلد الَّذي تسيطر عليه، أمَّا أن تكون لك منطقة أمنيَّة في بلاد الآخرين، فإنَّ بإمكان كلّ المحتلّين أن يبرّروا احتلالهم بذلك.. إنَّ بريطانيا وفرنسا وأمريكا الآن، عندما كانوا يدخلون العالم الثَّالث، كانوا يدخلونه بعنوان أنَّهم يريدون أن يحموا مصالحهم الحيويَّة، وأن يركّزوا دفاعهم ضدّ الاتحاد السوفياتي، أو ضدّ هذه الدّولة أو تلك، علماً أنَّ الاحتلال في العالم ينفذ إلى بلدان المستضعفين بعنوان أنَّها منطقة أمنيَّة لمصالحه الحيويَّة ولدفاعاته العسكريَّة، هذه هي المسألة، على أساس أنَّ مناطقنا العربيَّة والإسلاميَّة هي مناطق البترول الَّذي يعتبره أساساً لمصالحه الحيويَّة... فإذا أردنا أن نبرّر الأمر بهذا التّبرير، فبإمكان كلّ قويّ أن يتَّخذ من أيّ بلد موقعاً لحماية أمنه ومصالحه، ويبرّر الأمر بأنَّ ذلك ليس احتلالاً.
هذا هو المنطق الإسرائيليّ، ولذلك فإنَّه يرفض الحديث مع لبنان عن أرض محتلَّة، يرفض ذلك لأنَّه يرفض أن يكون دولة محتلَّة، ولذلك فإنَّ قيمة المجاهدين هنا هي في إسقاط هذا المنطق، لتؤكّد له دائماً وللعالم أنَّه عدوّ محتلّ.
وهكذا تتكامل المقاومة، ولا سيَّما المقاومة الإسلاميَّة في لبنان، مع الانتفاضة الإسلاميَّة في فلسطين الَّتي تريد أن تؤكّد بدماء الشّهداء هناك، أنَّ وجود اليهود في فلسطين هو وجود احتلال، لتؤكّد أنَّها أرض محتلَّة، لأنَّ اليهود يتحدَّثون دائماً أنَّ الضفَّة الغربيَّة وغزَّة كما هي بقيّة فلسطين، هي أرض الميعاد وأرض اليهود ووطن إسرائيل وما إلى ذلك، ولهذا اعتبروا أنَّ مسألة الضفَّة الغربيَّة وغزَّة لا بدَّ أن تخضع للمفاوضات، تماماً كما يعتبرون أنَّ المناطق الأخرى، كالجولان وجنوب لبنان، لا بدَّ أن تخضع للمفاوضات، وإلَّا فالعالم كلّه يرفض أن تكون هناك أرض محتلَّة، فالأمم المتَّحدة ترفض أن يحتلّ بلد بلداً، وباعتبار ذلك، المفروض أن تنسحب إسرائيل من دون قيد أو شرط.
الضّعف العربيّ أمام العدوّ
الآن في هذه الأيَّام، المسؤول عن المفاوضات اللّبنانيَّة الإسرائيليَّة، يقول إنَّنا لم نتحدَّث بشأن لبنان عن تطبيق القرار 425، وقال لو كنَّا نعرف أنَّ لبنان يدخل المفاوضات على أساس القرار 425 لرفضنا الجلوس مع اللّبنانيّين، هكذا يقول، ولبنان يقوم بجولة حول العالم العربيّ باسم أنَّه يطالب بتطبيق القرار، كما لو أنَّ العرب قادرون على تطبيقه! يعني ألطف نكتة عربيَّة سياسيَّة، هي نكتة الزيارات اللبنانيَّة إلى بعض الدول العربيَّة، لتأتي التَّصريحات أنَّ هذا الملك العربيّ أو ذاك الرئيس العربيّ وعدنا بأن يسعى لتطبيق القرار 425.
ولذا السّؤال: هل يستطيع كلّ العرب بعقليَّتهم السياسيَّة الَّتي يعيشونها الآن، أن يحرّكوا قراراً واحداً من كلّ قرارات الأمم المتَّحدة فيما يتعلَّق بفلسطين؟ حتَّى القرار 799، هذا القرار غير النَّاضج بعد، أصبح العرب عاجزين عن تطبيقه. وعندما وافقت إسرائيل في صفقة أمريكيّة إسرائيليّة على إطلاق مائة شخص من المبعدين الفلسطينيّين، لينتظر الآخرون إلى آخر السَّنة، تبرّع بعض العرب بخطوة، وانطلقت أمريكا لتتحدَّث أنَّها خطوة مهمَّة إيجابيّة، ولكن إذا كانت الأمم المتَّحدة تقول إنّه لا بدَّ من إعادتهم فوراً، فما وجه الإيجابيَّة في ذلك؟ ولكنَّ المسألة هي أنَّ القضيَّة عندما تكون عربيَّة، فإنَّ المطلوب من العرب أن يقدّموا التّنازلات، وعندما تكون إسرائيليَّة، فإنَّ إسرائيل لا يمكن أن تتحرَّك خطوة إلَّا على أساس صفقة، فهي تقدّم شيئاً لتأخذ شيئاً، ولا ندري ما هو حجم الصَّفقة بين أمريكا وإسرائيل في هذه المسألة.
ونحن نخشى أن تنطلق صفقة جديدة يراد من خلالها للعرب أن يقدّموا التَّنازلات لمصلحة إسرائيل، سواء في مجال الحكم الذّاتي في فلسطين، أو في مجالات أخرى على أساس حلّ مسألة المبعدين، ولا يزال الضّغط على الفلسطينيّين من أجل أن يقدّموا التّنازلات.
خطر التّنازلات
ونحن نحبّ أن نقول للفلسطينيّين من هذا الموقع، إنَّ مسألة إعادة المبعدين الأربعمائة إلى فلسطين، هي جزء من مسألة إعادة كلّ المبعدين خارج فلسطين منذ سنة 48. إذا قدَّمتم التنازلات في هذه القضيَّة، فسيقال لكم إنّه لا مجال إلَّا أن تقدّموا التَّنازلات في القضيَّة الكبرى، إنَّ مسألة الإبعاد رمز للقضيّة كلّها، وليست مجرَّد مسألة صغيرة.
ولكنَّ المشكلة هي أنَّ هذه الإدارة الأمريكيَّة تنطلق على أساس أن تحقّق لإسرائيل ما تريد، ولا تحقّق للعرب أيّ شيء، ولكنَّها تصوغ المسألة بطريقة دبلوماسيّة، بأنَّها تريد للعرب ولإسرائيل أن يقدّموا التنازلات لمصلحة السلام، ولكنَّ واقع المسألة هي أنّها تريد للعرب فقط أن يقدّموا التّنازلات، لأنَّ القضيَّة هي أنَّ قرارات الأمم المتَّحدة ليست هي أساس المفاوضات، وإن وضعت عنواناً لها، ولو كانت أساساً للمفاوضات، لكان من المفروض أن تنفَّذ من دون مفاوضات، فأيّ حاجة إلى المفاوضات ما دام العالم قرَّر ذلك من خلال الأمم المتَّحدة؟!
لقد عملت أمريكا في مؤتمر مدريد وما بعد ذلك، على إبعاد الأمم المتَّحدة عن أن تكون مسؤولة عن المسألة الفلسطينيَّة وعن علاقة المسألة بقرارات الأمم المتَّحدة، فهي عزلت الأمم المتّحدة من جهة، حتَّى لا تواجه قراراتها بالطَّريقة الَّتي تعمل فيها على فرض قراراتها، أو إحراج الَّذين يريدون أن لا يطبّقوا قراراتها، وعزلت الجامعة العربيَّة أيضاً، لأنَّها لا تريد أن يكون هناك عالم عربيّ، بل أن يكون هناك عالم مجزّأ لا يحمل أيَّ معنى عربيّ بالنّسبة إلى المسألة السياسيَّة.
الانحياز الأمريكيّ للعدوّ
ولذلك، نحن، أيُّها الأحبَّة، عندما نفكّر كأمَّة، علينا أن نفكّر ولو من خلال قوانا المحدودة، أنَّ أمريكا لا تريد بنا خيراً، وأن نفكّر أنّه لو أنّ كلّ العالم العربي والإسلامي وضع في كفَّة، ووضع يهود العالم وإسرائيل في كفّة، لرجَّحت أمريكا كفّة اليهود وإسرائيل على كلّ المسلمين والعرب.
إذا كانت الدَّولة تفكّر بهذه الطَّريقة، وتتحرَّك بهذه الطَّريقة، فكيف يمكن أن نأمنها على مستقبلنا وقضايانا؟! بعض النَّاس يتصوَّرون أنَّ أمريكا هي الَّتي يمكن أن تحلَّ المشكلة العربيَّة والمشكلة اللّبنانيَّة، وأن تحلّ أيَّة مشكلة، كما يتصوَّر المعارضون العراقيّون أنَّ أمريكا هي الّتي يمكن أن تحلَّ مشكلتهم، ولكنَّ الواقع أنّنا عندما ندرس المسائل بتجرّد وموضوعيَّة، سنجد أنَّ أمريكا كانت سرَّ كلَّ مشاكلنا، ولا نقولها شعاراً؛ من الَّذي صنع المشكلة اللّبنانيَّة، أليس وزير الخارجيّة الأمريكيّة الأسبق هنري كيسنجر؟ فقد أصبح من البديهيَّات السياسيّة، أنَّ الحرب اللّبنانيَّة صنعت من خلال الخطَّة الأمريكيَّة، وأنَّ الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة صنعت بتخطيط أميركي أوروبي سوفياتي، وأنَّ حرب العراق على الكويت هيّئت لها الأجواء السياسيَّة الَّتي استغلَّت ذهنيَّة حاكم العراق من خلال خطَّة أمريكيَّة، وهذا على طريقة ما يقول الشَّاعر: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.
قد يتحدَّث بعض النَّاس عن الضعف، وعن الواقع العربيّ الجديد، أو عن النظام العالميّ الجديد، ولكن لم تصل المسألة إلى أن تطبق قوَّة كبرى على كلّ العالم، هناك مواقع ضغط، هناك ضغط عليك عندما تمارس حريتك، وهو الضَّغط الَّذي يبني لك إرادتك، وهناك الضَّغط الَّذي يمارس عليك وأنت تسقط حريتك.
خيار السّقوط أو الصّمود
أيُّها الأحبَّة، سوف تضغط علينا أمريكا إن سالمنا أو حاربنا، لأنَّها إذا ضغطت علينا فصالحنا وأنهينا الحرب مع إسرائيل، فإنَّها ستضغط علينا بعد ذلك حتَّى نفتح لإسرائيل كلّ أبوابنا الاقتصاديَّة والأمنيّة والثَّقافيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، إنَّ المطلوب هو ذلك، إنَّ وزير الخارجيّة الأميركيّ الجديد، جاء ليسأل العرب عن مفهومهم للسَّلام؛ هل أنتم مستعدّون أن تقبلوا إسرائيل عضواً فاعلاً في المنطقة، بحيث تدخل في كلّ مفاصل المنطقة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والأمنيَّة؟ والمطلوب من العرب هو ذلك، أن يفتحوا كلَّ الأبواب لإسرائيل لتكون جزءاً من العالم العربيّ. وأتصوَّر أنّ إسرائيل عندما يحصل الصّلح - ونسأل الله أن لا يحصل - سوف تتحوَّل الجامعة العربيَّة لتسمَّى لجامعة السَّاميَّة، باعتبار أنّنا واليهود أبناء عمّ، فكلّنا من ولد سام بن نوح! وعند ذلك، تدخل إسرائيل كعنصر في العالم العربيّ.
لذلك، إنَّ المسألة تدور بين أن نسقط أو أن نبقى واقفين، فإذا لم نستطع أن نواجه التحدّيات بمستواها بالقوَّة، فعلى الأقلّ أن لا ننهزم في عقولنا.. إنَّ أوَّل ما تغلبون عليه هو أفكاركم، المهمّ أن لا يحتلّوا عقولنا، وأن لا نحاول أن نتصوَّر أنَّ الذلّ عزّ، وأنَّ الاستعباد حريَّة، وأنَّ العدوّ صديق، وأن لا تتغيَّر مفاهيمنا في هذا المجال.
نحن لا ندعو إلى أن ننعزل عن العالم، ولكن ندعو إلى أن نكون حذرين أمام العالم المستكبر، حتَّى عندما نتعاون مع الآخرين، علينا أن نفكّر في حقيقة، وكلّكم تعرفونها، وليست شيئاً عميقاً حتّى نحتاج إلى فلسفة لنفكّر فيها؛ إنَّ العالم عندما يساعدنا أو عندما يحاورنا، أو عندما يقيم علاقاته معنا، فهو يبحث عن مصالحه عندنا، فعندما يخدمنا إنّما يخدم مصالحه، وعندما يدخل معنا في معاهدات ومواثيق فإنَّه يريد أن يحمي مصالحه. فلماذا يفكّر العالم في مصالحه وأطماعه عندنا، ولا نفكّر في مصالحنا عنده؟
احتضان المقاومة في لبنان
وهذا ما ينبغي لنا أن نفكّر فيه في لبنان، هذا البلد الَّذي تختصر مشاكله مشاكلَ العالم العربيّ والإسلاميّ، فقد حمل على ظهره كلَّ مشاكل المنطقة، ولا يزال يحمل على ظهره كلَّ مشاكلها، وهو القوَّة الوحيدة مع الانتفاضة الَّتي لا تزال تحمل ثقل المواجهة مع إسرائيل، وتحمل عنف المواجهة مع الاستكبار العالميّ.
لذلك، علينا أن نعرف كيف ندير أمورنا، وكيف نقود حياتنا، وكيف نحضن مجاهدينا، وعلينا أن لا نكون في خطّ الدّعاية الإسرائيليَّة، حتَّى إذا أصبنا من خلال الخطَّة الإسرائيليَّة في بعض الآلام، قلنا إنَّ الحقَّ على المجاهدين وليس الحقّ على إسرائيل! {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}[النّساء: 104].
علينا أن نشعر بالاعتزاز في هذا الموقف الَّذي يعبّر عن إرادة قويَّة مؤمنة منفتحة على المستقبل، من خلال حريَّة المستقبل وقواعد العدالة.
ومن خلال ذلك، نريد أن نقول للّبنانيّين جميعاً، مسيحيّين ومسلمين، إنَّ المجاهدين الَّذين يقفون الآن على ثغور لبنان، هم الَّذين يمثّلون العزَّة اللّبنانيَّة إذا كنتم تتحدّثون عن عزّة لبنانيّة، وهم الّذي يركّزون الاستقلال اللّبنانيّ إذا كنتم تتحدّثون عن استقلال. ونقول للدَّولة أيضاً، إذا كنتم تتحدَّثون عن بسط سيادة الدَّولة على لبنان، فهؤلاء هم الَّذين يقاتلون من أجل أن يخرجوا المحتلَّ، لتكون السَّاحة مفتوحة لتبسطوا سيادة الدّولة على البلد، فهم العنفوان والعزَّة والكرامة والحريَّة.
إنَّ أمَّة تقف موقفاً سلبيّاً من أبطالها ومجاهديها، هي أمَّة لا يمكن أن يكتب لها أيّ موقع في حركة الحريَّة والعدالة في العالم، وإنَّ أمَّة تحتضن مجاهديها وتنصرهم وتقدّم إليهم كلَّ ما تملكه، هي أمَّة تعرف معنى الحريَّة، ولن تكون إلَّا حرَّة في الحاضر من خلال إرادتها، وحرَّة في المستقبل من خلال حركتها.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].
والحمد لله ربّ العالمين.
*خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 19/02/1993م.