يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب: 33).
في اليوم الثامن من ربيع الأوَّل، كانت وفاة الإمام الحادي عشر من أئمَّة أهل البيت (ع)، الإمام الحسن بن عليّ العسكري (ع). وفي هذه المناسبة، نتحدث عن تأثيره في مجتمعه وعن بعض كلماته.
سبب لقب العسكريّ
في البداية، إنَّ كلمة "العسكريّ" هي نسبة إلى البلدة التي كان يقيم فيها الإمام (ع)، وهي التي تسمَّى الآن "سامرّاء"، لأنَّ أحد الخلفاء العباسيَّين بنى هذه المدينة لإقامة الجيش فيها، ولذلك، فإن أغلب الناس الذين كانوا ينتمون إلى هذه المدينة أو يقيمون فيها، يطلق عليهم لقب "العسكري".
والإمام العسكري (ع) عاش، كما عاش آباؤه من أئمَّة أهل البيت (ع)، في موقع الإمامة، من أجل أن يفتح عقول الناس وقلوبهم على الإسلام الأصيل الَّذي انطلق به رسول الله (ص) وسار فيه أئمَّة أهل البيت (ع)، باعتبار أنهم أمناء الله على الرسالة، وأنهم خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده. وقد تلمّذ عليه الكثيرون من الرواة والعلماء، وأثّر في مجتمعه، بالرّغم من حداثة سنّه، تأثيرًا كبيرًا جدًّا، حتى إنَّ أعداءه كانوا يشهدون له بما يشهد له به أولياؤه.
شهادةُ الأعداء بفضله
وينقل المؤرّخون عن شخصٍ اسمه "أحمد بن عبيد الله بن خاقان"، ويقولون عندما يتحدثون عنه إنَّه كان من ناصبي العداء لأهل البيت (ع)، بحيث كان يبغضهم ويكرههم، ومع ذلك، عندما تحدَّث عن الإمام العسكري (ع)، قال: "ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى - أي في سامرَّاء - من العلويَّة مثل الحسن بن عليّ بن محمَّد بن الرّضا (ع) في هديه - أو هدوئه - وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم، وتقديمهم إيَّاه على ذوي السنّ منهم، وكذلك كانت حاله عند القوَّاد والوزراء وعامَّة الناس".
وكان أبو هذا الرجل مقدَّمًا عند الخلافة، وقد رأى أباه يومًا يتواضع للإمام العسكريّ (ع) تواضعًا غير مألوف عندما زاره، حيث جلس بين يديه، وهو الوزير المقدَّم الَّذي كان في المستوى الَّذي لا يحترم فيه حتَّى أولاد الخلفاء إلَّا بشكل بسيط، وقيل له إنَّ وليّ عهد الخلافة أتى ليزوره والإمام عنده، فجعله ينتظر، وأكمل حديثه مع الإمام العسكريّ (ع). وسأله ابنه: "يا أبه، من الرَّجل الَّذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتَّبجيل، وفديته بنفسك وأبويك؟ فقال: يا بنيّ، ذاك الحسن بن عليّ المعروف بابن الرّضا... ثمَّ قال: يا بنيَّ، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبَّاس، ما استحقَّها أحد من بني هاشم غير هذا، وإنَّ هذا ليستحقّها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه".
ويكمل أحمد بن عبيد الله بن خاقان: "فما سألْتُ أحدًا من بني هاشم والقوَّاد والكتَّاب والفقهاء وسائر الناس إلَّا وجدته عنده في غاية الإجلال والإعظام والمحلّ الرَّفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته، فعظم قدره عندي - وهو النَّاصبيّ كما قلنا - ولم أر له وليًّا ولا عدوًّا إلَّا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه".
فالشخص الذي يلتقي أعداؤه وأولياؤه على تعظيمه ومدحه والثناء عليه، هو شخص استطاع أن يقتحم عقول الناس وقلوبهم بكلّ ما يرفع ثقافتهم، وما يؤكد الخير والعلم والعدل في حياتهم كلّها، لأنه لا يمكن أن يلتقي الناس على شخص إلَّا إذا استطاع أن يفرض نفسه عليهم بكلّ الطاقات العلمية والروحية والأخلاقية التي تتمثل فيه. وهكذا كان الإمام العسكريّ (ع).
هيبته (ع) في قلوب سجّانيه
وقد سجن في عهد خلفاء بني العباس، لأنَّ الخلفاء اعتادوا عندما يتحسَّسون الخطر من أيّ شخص، ولا سيَّما إذا كان من أبناء عليّ (ع)، ممّن يعتقد فريق من الأمَّة بإمامته، لأنهم يعرفون عمق انتماء هذا الفريق من الأمَّة إلى أئمَّتهم، عندما يتحسّسون الخطر منه، يضيّقون عليه، ويصادرون حريته، ويوظّفون المخابرات لكي ترصد كلّ الناس الذين يأتون إليه والذين يراجعونه.
وقد سجن الإمام العسكري (ع) لدى شخص يسمَّى "صالح بن وصيف"، ومن الطبيعي أنَّ العباسيّين كانوا يحقدون على الإمام لأنهم كانوا يخافون منه على سلطانهم، كما أنَّه كان هناك بعض الناس المعقّدين منه، كما نجد ذلك في كلّ زمان ومكان، عندما ينطلق المعقَّدون ضدّ الذين يتحركون في الحياة من أجل الخير كله والحق كلّه. "وكان صالح بن وصيف من جلاوزة بني العبَّاس، وقد دخل عليه العبّاسيّون يومًا عندما حبسَ أبا محمَّد، فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع. فقال لهم صالح: ما أصنع به، وقد وكلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصَّلاة والصّيام إلى أمر عظيم. فقلت لهما: ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النَّهار، ويقوم اللَّيل كلّه، لا يتكلّم ولا يتشاغل، وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا، ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين".
من كراماته (ع)
وينقل من كراماته (ع) – وهو ما ينقله الشيخ المفيد والكثير من العلماء - أنَّه عندما كان في سجنه، جاء بعض النَّاس إلى السجّان، أو أنَّه جاءه أمر من الخلافة بأن يطلق الإمام (ع) في ساحة فيها عدَّة من الأسود ليفترسوه، وكان أن ألقي الإمام إليها، وإذا بالإمام (ع) واقف يصلّي، والأسود تحوم حوله بكلّ وداعة.
وينقل عنه الكثير من الكرامات، منها أنَّه كان (ع) يعرف بما في نفوسهم من دون أن يخبروه، ويروى عن شخص قوله: "قَعَدْتُ لأبي محمَّد الحسن على ظهر الطَّريق، فلمَّا مرَّ، قمت في وجهه شكوت إليه الحاجة والضَّرورة، وحلفت له ليس عندي درهم فما فوقه، فقال: تحلف بالله كاذباً، وقد دفنت مائتي دينار؟".
فالله سبحانه يلهم أنبياءه وأولياءه كلَّ ما يحتاجون إليه مما يثبت كرامتهم وقربهم إلى الله وحبوتهم عنده. وهذا لا يختصّ بالإمام العسكريّ (ع) فقط، فعندما ندرس حياة كلّ إمام من أئمَّة أهل البيت (ع)، نجد الكثير من هذه الكرامات الَّتي لولا الإيمان بالله، ولولا المعرفة بأوليائه سبحانه، لما كان أحد يصدّقها.
وعندما توفي الإمام العسكري (ع)، ينقل المؤرخون أنَّ "سرّ من رأى - وهي سامرَّاء- صارت ضجّة واحدة وعطّلت الأسواق، وركب بنو هاشم والقوّاد والكتّاب وسائر النَّاس إلى جنازته، "فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيهًا بالقيامة"، وهذا ما يدلّ على مدى الامتداد الروحي الذي كان يملكه الإمام (ع) في واقع الناس كلهم.
وصايا وتوجيهات
ما هي وصاياه؟ لأنَّنا نريد أن نعرف بماذا يوصينا الإمام (ع) بما كان يوصي به أصحابه.
قال (ع) لشيعته،كما يروى عنه، ويروون أيضًا أنَّ هذا القول هو للإمام الصادق (ع) تحدث به الإمام العسكري، فقولهم واحد، وخطّهم واحد، وعلمهم واحد، فبعضهم يقول ما يقوله الآخر، كما أنَّهم يقولون ما يقوله رسول الله (ص) -: "أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أوفاجر، وطول السّجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمَّد (ص)".
ثم يتحدث الإمام العسكري (ع) عن علاقة الشّيعة بالمسلمين الآخرين الَّذين لا يرون رأيهم ولا يتمذهبون بمذهبهم، يقول (ع): "صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنَّ الرَّجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسّن خلقه مع النَّاس، قيل هذا شيعيّ، فيسرّني ذلك".
وهذا ما يريده الأئمَّة (ع) من الشيعة، وهو ما يريده الله من كلّ مسلم، لأنَّ هذه هي أخلاق الإسلام، والإسلام ليس كلمةً تقال فقط، ولكنَّه قول وعمل وموقف.
ويكمل الإمام (ع): "اتَّقوا الله، وكونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا. جرّوا إلينا كلَّ مودَّة، وادفعوا عنَّا كلَّ قبيح، فإنَّه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك، لنا حقٌّ في كتاب الله، وقرابةٌ من رسول الله، وتطهير من الله لا يدَّعيه أحد غيرنا إلَّا كذَّاب".
هذه وصية الإمام العسكري (ع) كما هي وصيَّة كل إمام من الأئمَّة، فانظروا كيف تنفّذون هذه الوصيَّة فيكم.
ومن كلماته الَّتي كان يوجّه فيها النَّاس أنَّه قال: "ليس العبادة كثرة الصّيام والصّلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله"، لأنَّ الإنسان كلَّما كان واعيًا أكثر، وعارفًا بالله أكثر، ومنفتحًا على الحياة والدين أكثر، كانت صلاته أوعى، فقد يصلّي الإنسان مائة ركعة وهو لا يعرف مقام ربّه، ولا يعرف مسؤوليته، فصلاته تكون مجرَّد حركات روتينيَّة جسديَّة، ولكنَّ الإنسان الَّذي يصلّي ركعتين وهو يتفكَّر في أمر الله، ربما تكونان أفضل من مائة ركعة يصلّيها العابد الَّذي لا معرفة له. وقد ورد: "تفكّر ساعة خير من عبادة سنة".. وهكذا يقول (ع): "أكثروا ذكر الله، وذكر الموت، وتلاوة القرآن، والصَّلاة على النَّبيّ، فإنَّ الصَّلاة على رسول الله عشر حسنات".
على نهج أهل البيت (ع)
هذه بعض كلمات الإمام العسكريّ (ع) الَّذي نحيي غدًا ذكرى وفاته، نحييها بالعمل على الخطّ الَّذي بدأه رسول الله (ص) وسار عليه الأئمَّة (ع).
وعندما نقف عند ذكرى وفاته، فإننا نقف عند انتظار ابنه القائم المنتظر (عج) من أجل أن يجمع لنا كلّ ما قاله رسول الله (ص) وكلّ ما فعله، وأن يجمع لنا العدل كلّه والخير كلّه ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. ولذلك، فإنَّنا عندما نستقبل ذكرى وفاة أبيه (ع) في الثّامن من ربيع الأوَّل، فإننا نستقبل ذكرى إمامته في اليوم التاسع من ربيع الأوَّل، باعتبار أنه اليوم الَّذي جعله الله فيه إمامًا للمسلمين.
إنَّ أئمَّتنا يريدون لنا أن نكون في موقع المسؤوليَّة الإسلاميَّة في كلّ قضايانا، أن نعيش الوحدة الإسلامية التي يلتقي المسلمون فيها على ما اتَّفقوا عليه، أن لا يسبّ بعضهم بعضًا، وأن لا يلعن بعضهم بعضًا، وأن لا يحقد بعضهم على بعض، بل أن يتعاونوا على البرّ والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وأن يتحاوروا فيما اختلفوا فيه على أساس أن يرجعوا كلَّ شيء إلى الله ورسوله.
هذا هو خطّ أهل البيت (ع)؛ خطّ المعرفة، والعلم، والعدل، والحقّ، والوحدة بين المؤمنين وبين المسلمين على أساس ما يحبّه الله ورسوله.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، {واِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعًا ولاٰ تَفَرَّقُوا واُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدٰاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوٰانًا وكُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنّٰارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهٰا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اَللّٰهُ لَكُمْ آيٰاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(آل عمران: 103).
اتَّقوا الله في كلّ أموركم، لأنَّ أعداء الله من المستكبرين في العالم كله ومن الكافرين، يعملون على أن يخطّطوا ويكيدوا لكم المكائد، ويثيروا بينكم الفتن والخلافات، حتَّى تتنازعوا وتفشلوا وتذهب ريحكم، ليسهل على العدوّ القريب أو البعيد أن يقضي على كل مصالحكم وأوضاعكم.
الوعي لخطط الأعداء
لقد كان الأمر في بعض البلدان يصل إلى حدّ أنَّ العدوَّ يطرق أبواب البلد، فيما ينشغل القوم فيما بينهم بالنّزاع والاختلاف. وعلى ماذا؟! هل إنَّ البيضة أصل الدَّجاجة أو أنَّ الدَّجاجة أصل البيضة؟! ويختار البعض أنَّ البيضة هي الأصل، فيما يقول البعض الآخر أنَّ الدَّجاجة هي الأصل، أمَّا كيف هي قضيَّة الحريَّة؟ كيف نواجه العدوّ صفًّا واحدًا؟ كيف نخطّط من أجل أن نكون الأقوياء؟ فهذا ما لا شغل لهم به... ويقتحم العدوّ البلد، فيسقط البلد والجميع تحت ضرباته.
كونوا الواعين لكلّ ما يراد لكم أن تتحركوا فيه، لا تفسحوا المجال لكلّ من يريد أن يعقّد علاقات بعضكم ببعض من خلال مسألة سياسيّة أو تاريخيَّة أو اجتماعيَّة صغيرة، حدّقوا في القضايا الكبرى التي تهزّ الأرض من تحت أقدامكم، حدّقوا في المصير الذي ينتظركم أمام العالم كيف تواجهونه بموقف واحد، لأنّ {اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيٰانٌ مَرْصُوصٌ}(الصّفّ: 4). ولا يريد لنا أن نكون كالذين {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}(الحديد: 16).
إنَّ الله يريدنا أن نتَّقيه في ذلك كما نتَّقيه في صلاتنا وصيامنا. وأقولها للمرة الألف: كونوا مع الذين يوحّدون ولا تكونوا مع الذين يفرّقون، كونوا مع الذين يجمعون الكلمة ولا تكونوا مع الذين يفرقونها، حاولوا أن تمنعوا أيّ إنسان يثير الكلمات الحادَّة والحاقدة والشاتمة والقلقة من أن يربك أفكاركم وأن يقسّي قلوبكم، ويجعل الأخ يغتاب أخاه ويفارقه. إنَّ الله سبحانه سوف يسألكم عن ذلك كلّه، وسيقول لكم: لقد برز الكفر كلّه والاستكبار كلّه إلى الإيمان كلّه والاستضعاف كلّه، فهل وقف الإيمان كلّه بجميع أفراده في وجه الكفر؟ وهل وقف المستضعفون كلّهم في وجه الاستكبار؟ فأعدّوا لكل سؤال جوابًا.
فإذا أردنا أن نعي ذلك، فعلينا أن ندرس ماذا تدبّر لنا أمريكا وإسرائيل وكل هؤلاء الظالمين والمستكبرين والمتعاملين معه في بلادنا؟
ضغطٌ على الفلسطينيّين
لا تزال أمريكا تمارس الضغط على الفلسطينيين لتقديم التنازلات لليهود، فقد قدمت نصيحة للفلسطينيين بقبول الاستيطان كقدر لا مفرّ منه مقابل الحصول على تعويض(1)، ويبدو أنَّ السلطات الفلسطينية قبلت بالنصيحة الأمريكية بالتسليم بتأجيل البحث بالاستيطان في مقابل السعي للحصول على تعويض، فيكون "المال في مقابل الأرض"، في الوقت الَّذي ترفض حكومة نتنياهو التعهّد بوقف أعمال الاستيطان.
إنَّ ذلك يعني أنَّ أمريكا تتبنَّى طروحات إسرائيل في المسألة الفلسطينيَّة، وهذا ما درجت عليه الإدارة الأمريكيَّة في سياسة الضَّغط على العرب من أجل أن تستمرَّ المفاوضات لحساب الخطَّة الإسرائيليَّة التي تريد للفلسطينيين نسيان القدس والمستوطنات والكيان الفلسطيني، والقبول بما حصلوا عليه... ما يوحي بأنَّ المطلوب هو استكمال اليهود لاستراتيجيتهم في إعطاء الفلسطينيين سلطة ذاتية لترتيب أمورهم في بعض الأرض المحاصرة بالمستوطنات من كلّ جهة، بحيث لا يملكون حرية الحركة، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فلا يبقى هناك شيء للقضيَّة الفلسطينيَّة. وهذا ما يجب الانتباه له، لأنَّه يعني استكمال الهزيمة العربيَّة أمام إسرائيل. فهل يقبل العرب بذلك؟ وهل تتحوّل أمريكا إلى القضاء والقدر؟
إساءة يهوديّة إلى المقدّسات
وعلى صعيد آخر، فإننا نلاحظ أنَّ الإساءة إلى المقدَّسات الإسلامية(2) لم تقابل من العالم الإسلامي بالمستوى الكبير في المواجهة، فقد اكتفت المؤسَّسات الإسلامية بالاستنكار والتهديد بقتل الفاعلين، في الوقت الَّذي تستعدّ بعض الدول العربية والإسلامية للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي في قطر، والذي يعقد بضغط أمريكي لإدخال إسرائيل في مفاصل الاقتصاد في المنطقة، من أجل أن يتحرك التطبيع الاقتصادي لإسقاط الممانعة السياسية.
وهكذا نرى أنّ رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يقوم بزيارة للأردن ليستقبل بكل حفاوة واحترام.. ولم تحصل أية عقوبة للكيان الصهيوني الذي جعل القضية في إطار تصرف شخصي لا يمثل حالة عامة، في الوقت الذي قام بعض اليهود بتمزيق القرآن الكريم، إضافةً إلى الإساءة إلى صور النبي محمَّد (ص) وصورة العذراء مريم (ع).. إنَّ المشكلة عندنا هي أنَّ اليهود يغيّرون الواقع، ونحن نتحرك بالكلمات بعيدًا من الواقع!
الجزائر: الحوار طريق الحلّ
أمَّا على المستوى الجزائري، فإننا ننظر بقلق إلى استمرار العنف في الجزائر، وإلى استمرار النظام هناك باحتجاز قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إضافةً إلى آلاف المعتقلين من الإسلاميين من دون محاكمة، ولا نرى في إطلاق "حشّاني"(3) بادرة خير في معالجة الوضع في الجزائر الذي لن يحصل على نتيجة إيجابية إلا بإطلاق الحريات السياسية، وعودة الحوار الموضوعي في الواقع السياسي الشعبي هناك.
علاقة إيران بالدّول العربيّة
كما أننا نتابع تطور العلاقات الإسلامية بين إيران والدول العربيَّة، ولا سيّما ما تمَّ بين السعودية وإيران في الاتفاقات التجارية بين البلدين، آملين في استكمال الحركة في هذا الاتجاه ليشمل كلّ دول الخليج وبقية الدول العربية، ولا سيَّما مصر التي قد تمثل عودة العلاقات بينها وبين إيران تحوّلًا سياسيًّا إيجابيًّا لمصلحة التكامل بين الدول الإسلامية في مواجهة الهجمة الإسرائيلية الأمريكية على الواقع السياسي والاقتصادي في المنطقة..
إنَّ أمريكا تعمل لإسقاط الموقع المميز للعالم الإسلامي، كما عملت بالتحالف مع إسرائيل لإسقاط العالم العربي، وعلى العرب والمسلمين أن ينتبهوا إلى هذه الخطة المشتركة لحماية ما بقي من الواقع السياسي في حركتهم نحو المستقبل.
خيار المقاومة
ونصل إلى لبنان، لنلاحظ أنَّ العدوّ لا يزال يواصل عدوانه على الجنوب في قصفه للمدنيّين الذين سقط منهم العديد من الجرحى، ولا يزال الطيران المعادي يشن الغارات عليهم، مستغلًّا الصمت العربي والإسلامي، في الوقت الذي يعلن وزير حربه "مردخاي" أنَّ الجيش الإسرائيلي سيبقى لفترة طويلة في جنوب لبنان. ولا تزال "لجنة المراقبة"(4) تجتمع لإصدار بيان هنا وهناك من دون أن تحقق أية نتيجة إيجابية لمنع العدوان، أو للضغط على إسرائيل، ولا سيَّما في المرحلة التي يتولَّى فيها المندوب الأمريكي رئاسة اللّجنة.
إنَّ المقاومة، ولا سيَّما الإسلامية، هي الجهة الوحيدة الواقعيَّة في مواجهة الاحتلال لاستكمال خطتها في تحويل الاحتلال الإسرائيلي إلى مأزق سياسي وأمني للعدو، ولا بدَّ للأمَّة كلها من أن تقف معها مادّيًّا ومعنويًّا لدعم صمودها وحركتها الفاعلة في ملاحقة جنود العدوّ، ولا سيَّما في العمليَّة الأخيرة في "سجد"(5)، وفي قصف المواقع الإسرائيلية بطريقة تحذيرية ردًّا على الاعتداء على المدنيين في الجنوب...
إننا نريد أن نقول لكلّ شبابنا المجاهدين في المقاومة الإسلامية، إن الكثيرين سيتحدثون معكم عن سلبية قصف الكاتيوشا، ولكنَّ القوَّة لا تردّ إلَّا بالقوَّة، إذا قصف العدوّ أطفالنا وشبابنا ونساءنا وشيوخنا في قراهم، فإنَّ مسألة أن يُقصَفَ العدوّ هي مسألة دفاع شرعي عن النفس وعن الإنسان وعن الواقع كله، فمرحبًا بهذه المواقف الطيّبة الكربلائية التي تؤكد قوة الإسلام والوطن والأمَّة كلها.
الهمّ الاقتصاديّ
وأخيرًا، تبقى المسألة الاقتصادية القضية الحيوية في الواقع الشعبي اللبناني كهمّ كبير للجميع من أجل التخطيط للحلول الواقعيَّة التي يمكن لها أن تكون أساسًا للخروج من الأوضاع المأساوية التي يعيشها الفقراء والمحرومون، كوسيلة جدّية لعودة الثقة بين الشَّعب والحكومة التي نريد لها أن تحترم شعبها، فلا تتعسّف في التحرك في ملاحقة المطلوبين بعقليَّة ردّ الفعل، كما حدث في البقاع. ونريد للدولة أن تدخل في حوار إيجابي سياسي مع كل القوى السياسية حول مشاكل البلاد في مؤتمر وطني يعيد الحياة السياسية إلى البلد، ليشعر الجميع بالمشاركة الحقيقية في الوصول إلى حلول واقعية للمشاكل الصعبة، بعيدًا من عملية التجاذب الخطابي،كما يحدث في مناقشات المجلس النيابي الذي تحوّلت جلساته إلى مهرجان خطابي لا حول له ولا قوَّة بين الموالاة والمعارضة من دون نتيجة.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 11 تمّوز 1997م/ الموافق: 6 ربيع الأوّل 1418هـ.
***
1- المشروع الأمريكي الإسرائيلي بخصوص الفلسطينيّين في الشَّتات هو أن يتوطنوا حيث هم، وأن تقدم لهم الإغراءات لقبول المشروع، ومنها التعويضات المالية وحريّة الانتقال.
2- المقصود هنا الصور والرسوم المهينة بحقّ النبيّ محمَّد (ص) والعذراء مريم (ع) التي قام الصهاينة بتوزيعها في مناطق فلسطين المحتلة، في مسعى منهم للإساءة إلى المسلمين ونبيهم، وإلى المسيحيين وعذرائهم.
3- أحد قادة جبهة الإنقاذ الإسلاميَّة في الجزائر.
4- لجنة مراقبة تفاهم نيسان التي تضم إلى جانب سوريا وفرنسا ولبنان أميركا وإسرائيل، وهذه اللجنة تقوم بالتحقق من الاعتداءات والخروقات بين لبنان والكيان الصهيوني.
5- موقع في مرتفعات إقليم التفاح في جنوب لبنان كانت تحتله "إسرائيل" قبل تحرير الجنوب عام 2000م.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب: 33).
في اليوم الثامن من ربيع الأوَّل، كانت وفاة الإمام الحادي عشر من أئمَّة أهل البيت (ع)، الإمام الحسن بن عليّ العسكري (ع). وفي هذه المناسبة، نتحدث عن تأثيره في مجتمعه وعن بعض كلماته.
سبب لقب العسكريّ
في البداية، إنَّ كلمة "العسكريّ" هي نسبة إلى البلدة التي كان يقيم فيها الإمام (ع)، وهي التي تسمَّى الآن "سامرّاء"، لأنَّ أحد الخلفاء العباسيَّين بنى هذه المدينة لإقامة الجيش فيها، ولذلك، فإن أغلب الناس الذين كانوا ينتمون إلى هذه المدينة أو يقيمون فيها، يطلق عليهم لقب "العسكري".
والإمام العسكري (ع) عاش، كما عاش آباؤه من أئمَّة أهل البيت (ع)، في موقع الإمامة، من أجل أن يفتح عقول الناس وقلوبهم على الإسلام الأصيل الَّذي انطلق به رسول الله (ص) وسار فيه أئمَّة أهل البيت (ع)، باعتبار أنهم أمناء الله على الرسالة، وأنهم خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده. وقد تلمّذ عليه الكثيرون من الرواة والعلماء، وأثّر في مجتمعه، بالرّغم من حداثة سنّه، تأثيرًا كبيرًا جدًّا، حتى إنَّ أعداءه كانوا يشهدون له بما يشهد له به أولياؤه.
شهادةُ الأعداء بفضله
وينقل المؤرّخون عن شخصٍ اسمه "أحمد بن عبيد الله بن خاقان"، ويقولون عندما يتحدثون عنه إنَّه كان من ناصبي العداء لأهل البيت (ع)، بحيث كان يبغضهم ويكرههم، ومع ذلك، عندما تحدَّث عن الإمام العسكري (ع)، قال: "ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى - أي في سامرَّاء - من العلويَّة مثل الحسن بن عليّ بن محمَّد بن الرّضا (ع) في هديه - أو هدوئه - وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم، وتقديمهم إيَّاه على ذوي السنّ منهم، وكذلك كانت حاله عند القوَّاد والوزراء وعامَّة الناس".
وكان أبو هذا الرجل مقدَّمًا عند الخلافة، وقد رأى أباه يومًا يتواضع للإمام العسكريّ (ع) تواضعًا غير مألوف عندما زاره، حيث جلس بين يديه، وهو الوزير المقدَّم الَّذي كان في المستوى الَّذي لا يحترم فيه حتَّى أولاد الخلفاء إلَّا بشكل بسيط، وقيل له إنَّ وليّ عهد الخلافة أتى ليزوره والإمام عنده، فجعله ينتظر، وأكمل حديثه مع الإمام العسكريّ (ع). وسأله ابنه: "يا أبه، من الرَّجل الَّذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتَّبجيل، وفديته بنفسك وأبويك؟ فقال: يا بنيّ، ذاك الحسن بن عليّ المعروف بابن الرّضا... ثمَّ قال: يا بنيَّ، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبَّاس، ما استحقَّها أحد من بني هاشم غير هذا، وإنَّ هذا ليستحقّها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه".
ويكمل أحمد بن عبيد الله بن خاقان: "فما سألْتُ أحدًا من بني هاشم والقوَّاد والكتَّاب والفقهاء وسائر الناس إلَّا وجدته عنده في غاية الإجلال والإعظام والمحلّ الرَّفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته، فعظم قدره عندي - وهو النَّاصبيّ كما قلنا - ولم أر له وليًّا ولا عدوًّا إلَّا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه".
فالشخص الذي يلتقي أعداؤه وأولياؤه على تعظيمه ومدحه والثناء عليه، هو شخص استطاع أن يقتحم عقول الناس وقلوبهم بكلّ ما يرفع ثقافتهم، وما يؤكد الخير والعلم والعدل في حياتهم كلّها، لأنه لا يمكن أن يلتقي الناس على شخص إلَّا إذا استطاع أن يفرض نفسه عليهم بكلّ الطاقات العلمية والروحية والأخلاقية التي تتمثل فيه. وهكذا كان الإمام العسكريّ (ع).
هيبته (ع) في قلوب سجّانيه
وقد سجن في عهد خلفاء بني العباس، لأنَّ الخلفاء اعتادوا عندما يتحسَّسون الخطر من أيّ شخص، ولا سيَّما إذا كان من أبناء عليّ (ع)، ممّن يعتقد فريق من الأمَّة بإمامته، لأنهم يعرفون عمق انتماء هذا الفريق من الأمَّة إلى أئمَّتهم، عندما يتحسّسون الخطر منه، يضيّقون عليه، ويصادرون حريته، ويوظّفون المخابرات لكي ترصد كلّ الناس الذين يأتون إليه والذين يراجعونه.
وقد سجن الإمام العسكري (ع) لدى شخص يسمَّى "صالح بن وصيف"، ومن الطبيعي أنَّ العباسيّين كانوا يحقدون على الإمام لأنهم كانوا يخافون منه على سلطانهم، كما أنَّه كان هناك بعض الناس المعقّدين منه، كما نجد ذلك في كلّ زمان ومكان، عندما ينطلق المعقَّدون ضدّ الذين يتحركون في الحياة من أجل الخير كله والحق كلّه. "وكان صالح بن وصيف من جلاوزة بني العبَّاس، وقد دخل عليه العبّاسيّون يومًا عندما حبسَ أبا محمَّد، فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع. فقال لهم صالح: ما أصنع به، وقد وكلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصَّلاة والصّيام إلى أمر عظيم. فقلت لهما: ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النَّهار، ويقوم اللَّيل كلّه، لا يتكلّم ولا يتشاغل، وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا، ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين".
من كراماته (ع)
وينقل من كراماته (ع) – وهو ما ينقله الشيخ المفيد والكثير من العلماء - أنَّه عندما كان في سجنه، جاء بعض النَّاس إلى السجّان، أو أنَّه جاءه أمر من الخلافة بأن يطلق الإمام (ع) في ساحة فيها عدَّة من الأسود ليفترسوه، وكان أن ألقي الإمام إليها، وإذا بالإمام (ع) واقف يصلّي، والأسود تحوم حوله بكلّ وداعة.
وينقل عنه الكثير من الكرامات، منها أنَّه كان (ع) يعرف بما في نفوسهم من دون أن يخبروه، ويروى عن شخص قوله: "قَعَدْتُ لأبي محمَّد الحسن على ظهر الطَّريق، فلمَّا مرَّ، قمت في وجهه شكوت إليه الحاجة والضَّرورة، وحلفت له ليس عندي درهم فما فوقه، فقال: تحلف بالله كاذباً، وقد دفنت مائتي دينار؟".
فالله سبحانه يلهم أنبياءه وأولياءه كلَّ ما يحتاجون إليه مما يثبت كرامتهم وقربهم إلى الله وحبوتهم عنده. وهذا لا يختصّ بالإمام العسكريّ (ع) فقط، فعندما ندرس حياة كلّ إمام من أئمَّة أهل البيت (ع)، نجد الكثير من هذه الكرامات الَّتي لولا الإيمان بالله، ولولا المعرفة بأوليائه سبحانه، لما كان أحد يصدّقها.
وعندما توفي الإمام العسكري (ع)، ينقل المؤرخون أنَّ "سرّ من رأى - وهي سامرَّاء- صارت ضجّة واحدة وعطّلت الأسواق، وركب بنو هاشم والقوّاد والكتّاب وسائر النَّاس إلى جنازته، "فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيهًا بالقيامة"، وهذا ما يدلّ على مدى الامتداد الروحي الذي كان يملكه الإمام (ع) في واقع الناس كلهم.
وصايا وتوجيهات
ما هي وصاياه؟ لأنَّنا نريد أن نعرف بماذا يوصينا الإمام (ع) بما كان يوصي به أصحابه.
قال (ع) لشيعته،كما يروى عنه، ويروون أيضًا أنَّ هذا القول هو للإمام الصادق (ع) تحدث به الإمام العسكري، فقولهم واحد، وخطّهم واحد، وعلمهم واحد، فبعضهم يقول ما يقوله الآخر، كما أنَّهم يقولون ما يقوله رسول الله (ص) -: "أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أوفاجر، وطول السّجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمَّد (ص)".
ثم يتحدث الإمام العسكري (ع) عن علاقة الشّيعة بالمسلمين الآخرين الَّذين لا يرون رأيهم ولا يتمذهبون بمذهبهم، يقول (ع): "صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنَّ الرَّجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسّن خلقه مع النَّاس، قيل هذا شيعيّ، فيسرّني ذلك".
وهذا ما يريده الأئمَّة (ع) من الشيعة، وهو ما يريده الله من كلّ مسلم، لأنَّ هذه هي أخلاق الإسلام، والإسلام ليس كلمةً تقال فقط، ولكنَّه قول وعمل وموقف.
ويكمل الإمام (ع): "اتَّقوا الله، وكونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا. جرّوا إلينا كلَّ مودَّة، وادفعوا عنَّا كلَّ قبيح، فإنَّه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك، لنا حقٌّ في كتاب الله، وقرابةٌ من رسول الله، وتطهير من الله لا يدَّعيه أحد غيرنا إلَّا كذَّاب".
هذه وصية الإمام العسكري (ع) كما هي وصيَّة كل إمام من الأئمَّة، فانظروا كيف تنفّذون هذه الوصيَّة فيكم.
ومن كلماته الَّتي كان يوجّه فيها النَّاس أنَّه قال: "ليس العبادة كثرة الصّيام والصّلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله"، لأنَّ الإنسان كلَّما كان واعيًا أكثر، وعارفًا بالله أكثر، ومنفتحًا على الحياة والدين أكثر، كانت صلاته أوعى، فقد يصلّي الإنسان مائة ركعة وهو لا يعرف مقام ربّه، ولا يعرف مسؤوليته، فصلاته تكون مجرَّد حركات روتينيَّة جسديَّة، ولكنَّ الإنسان الَّذي يصلّي ركعتين وهو يتفكَّر في أمر الله، ربما تكونان أفضل من مائة ركعة يصلّيها العابد الَّذي لا معرفة له. وقد ورد: "تفكّر ساعة خير من عبادة سنة".. وهكذا يقول (ع): "أكثروا ذكر الله، وذكر الموت، وتلاوة القرآن، والصَّلاة على النَّبيّ، فإنَّ الصَّلاة على رسول الله عشر حسنات".
على نهج أهل البيت (ع)
هذه بعض كلمات الإمام العسكريّ (ع) الَّذي نحيي غدًا ذكرى وفاته، نحييها بالعمل على الخطّ الَّذي بدأه رسول الله (ص) وسار عليه الأئمَّة (ع).
وعندما نقف عند ذكرى وفاته، فإننا نقف عند انتظار ابنه القائم المنتظر (عج) من أجل أن يجمع لنا كلّ ما قاله رسول الله (ص) وكلّ ما فعله، وأن يجمع لنا العدل كلّه والخير كلّه ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. ولذلك، فإنَّنا عندما نستقبل ذكرى وفاة أبيه (ع) في الثّامن من ربيع الأوَّل، فإننا نستقبل ذكرى إمامته في اليوم التاسع من ربيع الأوَّل، باعتبار أنه اليوم الَّذي جعله الله فيه إمامًا للمسلمين.
إنَّ أئمَّتنا يريدون لنا أن نكون في موقع المسؤوليَّة الإسلاميَّة في كلّ قضايانا، أن نعيش الوحدة الإسلامية التي يلتقي المسلمون فيها على ما اتَّفقوا عليه، أن لا يسبّ بعضهم بعضًا، وأن لا يلعن بعضهم بعضًا، وأن لا يحقد بعضهم على بعض، بل أن يتعاونوا على البرّ والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وأن يتحاوروا فيما اختلفوا فيه على أساس أن يرجعوا كلَّ شيء إلى الله ورسوله.
هذا هو خطّ أهل البيت (ع)؛ خطّ المعرفة، والعلم، والعدل، والحقّ، والوحدة بين المؤمنين وبين المسلمين على أساس ما يحبّه الله ورسوله.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، {واِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعًا ولاٰ تَفَرَّقُوا واُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدٰاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوٰانًا وكُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنّٰارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهٰا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اَللّٰهُ لَكُمْ آيٰاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(آل عمران: 103).
اتَّقوا الله في كلّ أموركم، لأنَّ أعداء الله من المستكبرين في العالم كله ومن الكافرين، يعملون على أن يخطّطوا ويكيدوا لكم المكائد، ويثيروا بينكم الفتن والخلافات، حتَّى تتنازعوا وتفشلوا وتذهب ريحكم، ليسهل على العدوّ القريب أو البعيد أن يقضي على كل مصالحكم وأوضاعكم.
الوعي لخطط الأعداء
لقد كان الأمر في بعض البلدان يصل إلى حدّ أنَّ العدوَّ يطرق أبواب البلد، فيما ينشغل القوم فيما بينهم بالنّزاع والاختلاف. وعلى ماذا؟! هل إنَّ البيضة أصل الدَّجاجة أو أنَّ الدَّجاجة أصل البيضة؟! ويختار البعض أنَّ البيضة هي الأصل، فيما يقول البعض الآخر أنَّ الدَّجاجة هي الأصل، أمَّا كيف هي قضيَّة الحريَّة؟ كيف نواجه العدوّ صفًّا واحدًا؟ كيف نخطّط من أجل أن نكون الأقوياء؟ فهذا ما لا شغل لهم به... ويقتحم العدوّ البلد، فيسقط البلد والجميع تحت ضرباته.
كونوا الواعين لكلّ ما يراد لكم أن تتحركوا فيه، لا تفسحوا المجال لكلّ من يريد أن يعقّد علاقات بعضكم ببعض من خلال مسألة سياسيّة أو تاريخيَّة أو اجتماعيَّة صغيرة، حدّقوا في القضايا الكبرى التي تهزّ الأرض من تحت أقدامكم، حدّقوا في المصير الذي ينتظركم أمام العالم كيف تواجهونه بموقف واحد، لأنّ {اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيٰانٌ مَرْصُوصٌ}(الصّفّ: 4). ولا يريد لنا أن نكون كالذين {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}(الحديد: 16).
إنَّ الله يريدنا أن نتَّقيه في ذلك كما نتَّقيه في صلاتنا وصيامنا. وأقولها للمرة الألف: كونوا مع الذين يوحّدون ولا تكونوا مع الذين يفرّقون، كونوا مع الذين يجمعون الكلمة ولا تكونوا مع الذين يفرقونها، حاولوا أن تمنعوا أيّ إنسان يثير الكلمات الحادَّة والحاقدة والشاتمة والقلقة من أن يربك أفكاركم وأن يقسّي قلوبكم، ويجعل الأخ يغتاب أخاه ويفارقه. إنَّ الله سبحانه سوف يسألكم عن ذلك كلّه، وسيقول لكم: لقد برز الكفر كلّه والاستكبار كلّه إلى الإيمان كلّه والاستضعاف كلّه، فهل وقف الإيمان كلّه بجميع أفراده في وجه الكفر؟ وهل وقف المستضعفون كلّهم في وجه الاستكبار؟ فأعدّوا لكل سؤال جوابًا.
فإذا أردنا أن نعي ذلك، فعلينا أن ندرس ماذا تدبّر لنا أمريكا وإسرائيل وكل هؤلاء الظالمين والمستكبرين والمتعاملين معه في بلادنا؟
ضغطٌ على الفلسطينيّين
لا تزال أمريكا تمارس الضغط على الفلسطينيين لتقديم التنازلات لليهود، فقد قدمت نصيحة للفلسطينيين بقبول الاستيطان كقدر لا مفرّ منه مقابل الحصول على تعويض(1)، ويبدو أنَّ السلطات الفلسطينية قبلت بالنصيحة الأمريكية بالتسليم بتأجيل البحث بالاستيطان في مقابل السعي للحصول على تعويض، فيكون "المال في مقابل الأرض"، في الوقت الَّذي ترفض حكومة نتنياهو التعهّد بوقف أعمال الاستيطان.
إنَّ ذلك يعني أنَّ أمريكا تتبنَّى طروحات إسرائيل في المسألة الفلسطينيَّة، وهذا ما درجت عليه الإدارة الأمريكيَّة في سياسة الضَّغط على العرب من أجل أن تستمرَّ المفاوضات لحساب الخطَّة الإسرائيليَّة التي تريد للفلسطينيين نسيان القدس والمستوطنات والكيان الفلسطيني، والقبول بما حصلوا عليه... ما يوحي بأنَّ المطلوب هو استكمال اليهود لاستراتيجيتهم في إعطاء الفلسطينيين سلطة ذاتية لترتيب أمورهم في بعض الأرض المحاصرة بالمستوطنات من كلّ جهة، بحيث لا يملكون حرية الحركة، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فلا يبقى هناك شيء للقضيَّة الفلسطينيَّة. وهذا ما يجب الانتباه له، لأنَّه يعني استكمال الهزيمة العربيَّة أمام إسرائيل. فهل يقبل العرب بذلك؟ وهل تتحوّل أمريكا إلى القضاء والقدر؟
إساءة يهوديّة إلى المقدّسات
وعلى صعيد آخر، فإننا نلاحظ أنَّ الإساءة إلى المقدَّسات الإسلامية(2) لم تقابل من العالم الإسلامي بالمستوى الكبير في المواجهة، فقد اكتفت المؤسَّسات الإسلامية بالاستنكار والتهديد بقتل الفاعلين، في الوقت الَّذي تستعدّ بعض الدول العربية والإسلامية للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي في قطر، والذي يعقد بضغط أمريكي لإدخال إسرائيل في مفاصل الاقتصاد في المنطقة، من أجل أن يتحرك التطبيع الاقتصادي لإسقاط الممانعة السياسية.
وهكذا نرى أنّ رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يقوم بزيارة للأردن ليستقبل بكل حفاوة واحترام.. ولم تحصل أية عقوبة للكيان الصهيوني الذي جعل القضية في إطار تصرف شخصي لا يمثل حالة عامة، في الوقت الذي قام بعض اليهود بتمزيق القرآن الكريم، إضافةً إلى الإساءة إلى صور النبي محمَّد (ص) وصورة العذراء مريم (ع).. إنَّ المشكلة عندنا هي أنَّ اليهود يغيّرون الواقع، ونحن نتحرك بالكلمات بعيدًا من الواقع!
الجزائر: الحوار طريق الحلّ
أمَّا على المستوى الجزائري، فإننا ننظر بقلق إلى استمرار العنف في الجزائر، وإلى استمرار النظام هناك باحتجاز قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إضافةً إلى آلاف المعتقلين من الإسلاميين من دون محاكمة، ولا نرى في إطلاق "حشّاني"(3) بادرة خير في معالجة الوضع في الجزائر الذي لن يحصل على نتيجة إيجابية إلا بإطلاق الحريات السياسية، وعودة الحوار الموضوعي في الواقع السياسي الشعبي هناك.
علاقة إيران بالدّول العربيّة
كما أننا نتابع تطور العلاقات الإسلامية بين إيران والدول العربيَّة، ولا سيّما ما تمَّ بين السعودية وإيران في الاتفاقات التجارية بين البلدين، آملين في استكمال الحركة في هذا الاتجاه ليشمل كلّ دول الخليج وبقية الدول العربية، ولا سيَّما مصر التي قد تمثل عودة العلاقات بينها وبين إيران تحوّلًا سياسيًّا إيجابيًّا لمصلحة التكامل بين الدول الإسلامية في مواجهة الهجمة الإسرائيلية الأمريكية على الواقع السياسي والاقتصادي في المنطقة..
إنَّ أمريكا تعمل لإسقاط الموقع المميز للعالم الإسلامي، كما عملت بالتحالف مع إسرائيل لإسقاط العالم العربي، وعلى العرب والمسلمين أن ينتبهوا إلى هذه الخطة المشتركة لحماية ما بقي من الواقع السياسي في حركتهم نحو المستقبل.
خيار المقاومة
ونصل إلى لبنان، لنلاحظ أنَّ العدوّ لا يزال يواصل عدوانه على الجنوب في قصفه للمدنيّين الذين سقط منهم العديد من الجرحى، ولا يزال الطيران المعادي يشن الغارات عليهم، مستغلًّا الصمت العربي والإسلامي، في الوقت الذي يعلن وزير حربه "مردخاي" أنَّ الجيش الإسرائيلي سيبقى لفترة طويلة في جنوب لبنان. ولا تزال "لجنة المراقبة"(4) تجتمع لإصدار بيان هنا وهناك من دون أن تحقق أية نتيجة إيجابية لمنع العدوان، أو للضغط على إسرائيل، ولا سيَّما في المرحلة التي يتولَّى فيها المندوب الأمريكي رئاسة اللّجنة.
إنَّ المقاومة، ولا سيَّما الإسلامية، هي الجهة الوحيدة الواقعيَّة في مواجهة الاحتلال لاستكمال خطتها في تحويل الاحتلال الإسرائيلي إلى مأزق سياسي وأمني للعدو، ولا بدَّ للأمَّة كلها من أن تقف معها مادّيًّا ومعنويًّا لدعم صمودها وحركتها الفاعلة في ملاحقة جنود العدوّ، ولا سيَّما في العمليَّة الأخيرة في "سجد"(5)، وفي قصف المواقع الإسرائيلية بطريقة تحذيرية ردًّا على الاعتداء على المدنيين في الجنوب...
إننا نريد أن نقول لكلّ شبابنا المجاهدين في المقاومة الإسلامية، إن الكثيرين سيتحدثون معكم عن سلبية قصف الكاتيوشا، ولكنَّ القوَّة لا تردّ إلَّا بالقوَّة، إذا قصف العدوّ أطفالنا وشبابنا ونساءنا وشيوخنا في قراهم، فإنَّ مسألة أن يُقصَفَ العدوّ هي مسألة دفاع شرعي عن النفس وعن الإنسان وعن الواقع كله، فمرحبًا بهذه المواقف الطيّبة الكربلائية التي تؤكد قوة الإسلام والوطن والأمَّة كلها.
الهمّ الاقتصاديّ
وأخيرًا، تبقى المسألة الاقتصادية القضية الحيوية في الواقع الشعبي اللبناني كهمّ كبير للجميع من أجل التخطيط للحلول الواقعيَّة التي يمكن لها أن تكون أساسًا للخروج من الأوضاع المأساوية التي يعيشها الفقراء والمحرومون، كوسيلة جدّية لعودة الثقة بين الشَّعب والحكومة التي نريد لها أن تحترم شعبها، فلا تتعسّف في التحرك في ملاحقة المطلوبين بعقليَّة ردّ الفعل، كما حدث في البقاع. ونريد للدولة أن تدخل في حوار إيجابي سياسي مع كل القوى السياسية حول مشاكل البلاد في مؤتمر وطني يعيد الحياة السياسية إلى البلد، ليشعر الجميع بالمشاركة الحقيقية في الوصول إلى حلول واقعية للمشاكل الصعبة، بعيدًا من عملية التجاذب الخطابي،كما يحدث في مناقشات المجلس النيابي الذي تحوّلت جلساته إلى مهرجان خطابي لا حول له ولا قوَّة بين الموالاة والمعارضة من دون نتيجة.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 11 تمّوز 1997م/ الموافق: 6 ربيع الأوّل 1418هـ.
***
1- المشروع الأمريكي الإسرائيلي بخصوص الفلسطينيّين في الشَّتات هو أن يتوطنوا حيث هم، وأن تقدم لهم الإغراءات لقبول المشروع، ومنها التعويضات المالية وحريّة الانتقال.
2- المقصود هنا الصور والرسوم المهينة بحقّ النبيّ محمَّد (ص) والعذراء مريم (ع) التي قام الصهاينة بتوزيعها في مناطق فلسطين المحتلة، في مسعى منهم للإساءة إلى المسلمين ونبيهم، وإلى المسيحيين وعذرائهم.
3- أحد قادة جبهة الإنقاذ الإسلاميَّة في الجزائر.
4- لجنة مراقبة تفاهم نيسان التي تضم إلى جانب سوريا وفرنسا ولبنان أميركا وإسرائيل، وهذه اللجنة تقوم بالتحقق من الاعتداءات والخروقات بين لبنان والكيان الصهيوني.
5- موقع في مرتفعات إقليم التفاح في جنوب لبنان كانت تحتله "إسرائيل" قبل تحرير الجنوب عام 2000م.