يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69].
تبيّن هذه الآية قيمة النَّاس الَّذين لا يعيشون الحياة لذَّةً وعبثًا واسترخاءً ولامبالاة، ولكنَّهم يعيشون الحياة مسؤوليَّة، حيث يعتبر الواحد منهم نفسه مجاهدًا في سبيل الله. والجهاد في سبيل الله ليس جهاد السِّلاح فحسب، ولكنَّه كلّ جهادٍ يتحرَّك الإنسان فيه من أجل أن يقدّم لله شيئًا من عقله وقلبه وجهده وطاقته، في كلّ ما يحبّه الله في الحياة.
أكبر الجهاد
وأوّل جهادٍ يريده الله من الإنسان – وهو أكبر الجهاد - جهاد النَّفس؛ أن يدرس كلَّ نفسه، ويتعرّف ما فيها من عناصر الحقّ والخير، وعناصر الباطل والشَّرّ، فإنَّ الإنسان - كلّ إنسانٍ منَّا - عندما يبدأ طفولته، فهناك أشياء يرثها في أصل تكوينه من أجداده وآبائه، وهناك أشياء يكتسبها الإنسان من بيئته. ففي الطُّفولة، نختزن أشياء كثيرة تدخل إلى عقولنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وعاداتنا، لا نعرف كيف دخلت؛ قد يمتصّ الطّفل شيئًا من عادات أبيه أو أمّه أو من الأطفال الَّذين يلعب معهم، وقد يمتصّ شيئًا من الأفكار الَّتي يسمعها من أبيه أو أمّه أو مَنْ حولهما، وقد يمتصّ شيئًا من الأفكار والأحاسيس والمشاعر من خلال ما يشاهده في التّلفزيون، أو ما يسمعه في الإذاعة أو ما إلى ذلك.
وهكذا عندما ينطلق الإنسان في مرحلة الشَّباب، وللشَّاب رفاقه وأصدقاؤه وملاعبه ومجالاته في الحياة، يأخذ من هذا فكرةً، ومن ذاك طبعًا، ومن هذا عادةً وما إلى ذلك. وهكذا تزحف الكثير من الأفكار الَّتي نقرأها أو نسمعها أو نعيشها، والكثير من العادات الموجودة في مجتمعاتنا، تزحف إلينا من دون اختيار، فنشعر بأنَّنا نفكّر بطريقةٍ لم يكن لنا خيارٌ فيها، ولكنَّنا تأثَّرنا بها.
مراقبة الذّات وتفحّصها
هنا، يريد الله للإنسان أن يدرس نفسه دائمًا قبل أن تنظر عيناه إلى ما عند الآخرين، وقبل أن يتوجَّه فكره إلى ما عندهم، لذلك سلّطْ - أيُّها الإنسان - عين عقلك على كلّ ما في عقلك من أفكار الخير والشَّرّ، والحقّ والباطل، والعدل والظّلم، وسلّطْ عين قلبك على كلّ ما في قلبك من عواطف الحبّ والبغض، ومن عواطف الخير والشَّرّ، وسلّط عين ذاتك على كلّ ما تعتاده من أعمالٍ وحركاتٍ وما تطلقه من كلمات، فإذا رأيت أنَّ هناك شرًّا يرقد في عقلك، وباطلًا يعيش في فكرك، وإحساسًا خبيثًا يعيش في قلبك، وعادةً سيّئةً تسيطر على حياتك، أو أعمالًا شرّيرةً تتحرَّك في طاقاتك، فحاول أن تجاهد نفسك، وتجعل منها شيئًا آخر، كما لو كان عدوًّا تجاهده، أو شخصًا يريد أن يقتلك لتدافع عن نفسك، لأنَّه ليس هناك فرقٌ بين النَّاس الَّذين يهجمون علينا ليقتلونا جسديًّا، وبين من يهجم علينا ليقتلنا روحيًّا ودينيًّا من أجل أن يُسقط روحنا ويفقدنا ديننا. ونحن نعرف أنَّنا نُحشر إلى الله بما نملك من روحٍ تنفتح عليه سبحانه، وأنَّنا نقف بين يدي الله من خلال هذا الدّين الَّذي أرادنا الله أن نجعل حياتنا من أجله.
لذلك، قد يغلبكم النَّاس على دينكم، ويضيّع النَّاس روحكم، قد يتحرَّك الكثيرون من أصدقائكم وأقربائكم ليستغلّوا عاطفة الصَّداقة والقرابة ليكيدوا لكم وليوجّهوكم في الطَّريق الَّتي لا يريدها الله. لذلك اجلسوا مع أنفسكم ساعةً أو ساعتين وافحصوها فحص الطَّبيب للمريض، وحاولوا أن تكتشفوا المرض في بداياته، قبل أن يستفحل المرض فلا تستطيعون إلى علاجه سبيلًا.
ومن هنا، إنَّكم عندما تجاهدون أنفسكم فإنَّكم تربحونها، أمَّا إذا تركتموها على هواها وأهملتموها وجعلتموها تخوض مع الخائضين وتركض مع الرَّاكضين، إلى أين؟ لا تدرون إلى أين! التَّيّار يحملكم من موجةٍ إلى موجة، والأوضاع تدفع بكم إلى هذا وإلى ذاك، وأنتم لا تدرون ولا تعرفون أين الشَّاطئ. لا بدَّ لنا إذا حملتنا أمواج الضَّلال والفسق والفجور والباطل - سواء كان باطلًا في العقيدة أو الشَّريعة أو السياسة - أن نسبح ونسبح ونسبح حتَّى نبلغ الشَّاطئ، لأنَّ الَّذي لا يبلغه، سوف تسحبه الأمواج إلى الأعماق، والأعماق هنا نار جهنَّم وليست عمق البحر.
أحاديث في جهاد النّفس
تعالوا إلى رسول الله (ص) وإلى عليّ (ع) وإلى الأئمَّة من أهل البيت (ع)، كيف يحدّثوننا عن هذا الجهاد الَّذي أرادنا الله أن نخوضه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ إذا قرَّرت أن تجاهد نفسك، أو أن تسير في أيّ جهادٍ يريد الله لك أن تتحرَّك فيه، فإنَّ الله يكون معك..
يقول النَّبيّ (ص) فيما رُوي عنه، أنَّه بعث بسريَّةٍ للغزو، فلمَّا رجعوا قال (ص): "مرحبًا بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر - وهم الَّذين عرَّضوا أنفسهم للموت - وبقي عليهم الجهاد الأكبر"، قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال (ص): "جهاد النَّفس"، ثمَّ قال: "أفضل الجهاد من جاهد نفسه الَّتي بين جنبيه"، جاهدها في عناصر الباطل والظّلم والشَّرّ الكامنة في داخلها، لأنَّ النَّاس إذا لم يجاهدوا أنفسهم، فإنَّ الشَّرَّ يسيطر عليهم، فتكون عقولهم عقول الشَّرّ والباطل، وتكون قلوبهم قلوب الأحاسيس والمشاعر الخبيثة، وتكون حركتهم حركة الباطل والظّلم، وبذلك يكونون خطرًا على أنفسهم وعلى الحياة.
وإذا أردت أن تكون واحدًا من المجاهدين في ساحة الجهاد، فإنَّك إذا لم تعمل على أن تصوغ شخصيَّتك على أساس أن تكون محبًّا لله خائفًا منه، تحمل مسؤوليَّتك تجاه عباد الله، وتتحرَّك في خطّ الله وتقاتل في سبيله، فأيّ جهادٍ سوف يكون جهادك؟ لذلك، إنَّ جهاد النَّفس يؤصّل لك نفسك ويطهّرها. إنَّنا نقوم بحمّامٍ يوميٍّ لأجسادنا حتَّى نخرج بجسمٍ نظيف، ولكن مَنْ منَّا يقوم بحمّامٍ لعقله ولقلبه، ليفحص ما في قلبه وعقله من الأوساخ، وليفحص ما في حياته وعلاقاته ومعاملاته ومواقفه من الأوساخ؟
لقد قال "أبو العلاء المعريّ" وهو يصوّر غفلة الإنسان عن أقذار قلبه:
ثوبيَ محتاجٌ إلى غاسلٍ وليْتَ قلبي مثلَهُ في النَّقاءِ
ونحن لا نفكّر في غسل قلوبنا، وقلوبنا هي الَّتي نقف فيها بين يدي ربّنا. ألا نقرأ ما ينقله الله من كلام إبراهيم (ع): {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 87 - 89]؟!
لذلك، لا بدَّ لنا أن نقوم يوميًّا بحمّامٍ لعقولنا لنغسل منها أوساخ الباطل، وحمّامٍ لقلوبنا لنغسل منها مشاعر الشَّرّ، وحمّامٍ لحياتنا لنطرد منها كلَّ أوساخ عاداتنا وتقاليدنا وكلماتنا ومواقفنا الَّتي لا يرضاها الله تعالى.
وفي حديثٍ عن الإمام عليّ (ع): "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدوّ عدوَّه - كيف تقف مع عدوّك؟ كيف هي إرادتك عندما تقف في ساحة المعركة؟ كيف هو تصميمك على أن تقتل العدوّ؟ فعندما تقف نفسك وتريد منك أن تترك طاعة الله، اعتبرها كما لو كانت عدوًّا، لا بدَّ لك من أن تقتل هواها وما تدعوك إليه من البُعد عن طاعة الله - وغالبها مغالبة الضّدّ ضدَّه، فإنَّ أقوى النَّاس من قَوِيَ على نفسه". ويقول عليّ (ع): "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشَّريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه"، طالبها بما لله عليك في عبادتك وعلاقاتك ومالك وفي كلّ حياتك، طالبها كما تطلب خصمك الَّذي يجحدك حقّك.
وفي كلمةٍ أخرى مرويَّةٍ عن رسول الله (ص): "جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم"، لا بدَّ لك أن تكون سيّد نفسك، أن تملك أنت نفسك، ومعنى أن تملك نفسك، أن تستطيع أن تقول "لا" دائمًا إذا كانت الـ"لا" هي ما يريده الله منك، وأن تقول "نعم" إذا كانت الـ"نعم" هي ما يريده الله منك.
ويقول (ع): "جاهد شهوتك - إذا كانت محرَّمة - وغالب غضبك - إذا كان سيؤدّي بك إلى معصية الله - وخالف سوء عادتك، تزكُ نفسك، ويكملْ عقلك، وتستكمل ثواب ربّك".
ويقول (ع): "ألا وإنَّ الجهاد ثمن الجنَّة، فمن جاهد نفسه ملكها، أَلَا وَإِنَّ الْجِهَادَ ثَمَنُ الْجَنَّةِ، فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ مَلَكَهَا، وَهِيَ أَكْرَمُ ثَوَابِ اللَّهِ لِمَنْ عَرَفَهَا، وردْع النَّفس وجهادها عن أهويتها، يرفع الدَّرجات، ويضاعف الحسنات".
جهاد المرأة
وورد عن الإمام الباقر (ع): "أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ بظلم أحد". فإذا كنت تريد أن تكون مجاهدًا في كلّ صباح، إذا كنت لا تفكّر أن تظلم زوجتك أو ولدك وجارك ومن تتعامل وتعيش معه، فأنت المجاهد..
وللمرأة دورٌ في الجهاد، فإنَّ جهادها هو "حُسْن التَّبعُّل"، أن تكون زوجةً صالحةً لزوجها، أن تصبر على الكثير من سلبيَّاته من أجل أن تركّز بيتها على أساسٍ متين، وإذا كانت تتحمَّل بعض السَّلبيَّات من زوجها في حياتها الزَّوجيَّة، فإنَّها تحفظ بيتها وأولادها، وسوف تكون النَّتيجة لها في الدُّنيا مزيدًا من الاستقرار العائليّ، وفي الآخرة يعطيها الله أجر المجاهدين. إنَّ المسألة تحتاج إلى نوعٍ من سعة الصَّدر والعقل وهدوء الأعصاب.
أيُّها الأحبَّة، إنَّ الله تعالى حدَّثنا في القرآن الكريم، وإن كان على لسان امرأة - زوجة عزيز مصر - لم تكن صالحةً فصلحت: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}[يوسف: 53].
وجاء في دعاء الثّلاثاء المرويّ عن الإمام زين العابدين (ع): "وأعوذ به من شرّ نفسي إنَّ النَّفس لأمَّارةٌ بالسوء إلَّا ما رحم ربّي".. لنجلس مع أنفسنا، ولندرسها ولنجاهدها ولنطهّرها من كلّ سوء، لأنَّنا قد نذهب في الحياة يمينًا وشمالًا، قد يصفّق لنا النَّاس وقد يهتفون بأسمائنا، ولكنَّنا سوف نُحشر مع ما في عقولنا من حقّ أو باطل، ومع ما في قلوبنا من خيرٍ وشرّ، ومع ما في حياتنا من ظلمٍ وعدل.
الاستعداد ليوم الحساب
أيُّها الإنسان، ستنزل في قبرك مع كلّ هذا في نفسك، وستُحشر غدًا مع كلّ هذا في موقفك، وستقف بين يدي الله ليحاسبك على كلّ ما في قلبك، لأنَّه تعالى ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى وجوهكم، فرتّب شغلك، واحسب حساباتك، قبل أن يأتي اليوم الحاسم الَّذي تقف فيه بين يدي ربّك.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتَّقوا الله في أنفسكم، وراقبوها في الصَّباح والمساء، حتَّى تملكوا أمر أنفسكم، وتستطيعوا أن تسيروا بها في الطَّريق المستقيم، وتبتعدوا بها عن الطَّريق المنحرف، حاولوا أن تحرسوا أنفسكم أكثر ممَّا يحرس الإنسان جسده، لأنَّ الشَّيطان يعمل على أن يعبث بأنفسكم ليُزيّن لكم الشَّرَّ باسم الخير، وليُخرج الباطل بصورة الحقّ. حاولوا أن تعيشوا مع أنفسكم، حتَّى تنطلقوا بأنفسٍ صافيةٍ بين يدي الله.. لا تجعلوا في أنفسكم محبَّةً لأيّ ظالمٍ - صغيرًا كان أو كبيرًا - إيَّاكم أن تختزنوا في نفوسكم موالاةً لأيّ مستكبرٍ على مستوى الأشخاص أو الدّول. ارفضوا الباطل كلَّه والاستكبار كلَّه والظّلم كلَّه من أيّ شخص، ولتكن حياتكم حياة الحقّ في العقيدة والعاطفة والحركة والموقف في كلّ مجال.
المقاومة الصّاحية
في فجر هذا اليوم الجمعة، والنَّاس نائمون، والمجاهدون يعيشون اليقظة كأوسع وأوعى ما تكون اليقظة، والعدوّ يدبّر ويدفع بجنوده تحت حماية بوارجه وطائراته ومدافعه، من أجل أن يدخل غادرًا في داخل مناطقنا المدنيَّة المحرَّرة، وهو يظنّ أنَّ القوم في غفلة، وأنَّ الجميع نائمون، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى أراد للمجاهدين أن لا يؤخذوا على حين غرَّة، وأراد لهم أن لا يُلدغوا من جحرٍ مرَّتين، فما كان إلَّا أن واجهوا الموقف، تمامًا كما حدث في عام الفيل، وجاءتهم الطَّير الأبابيل فجعلتهم كعصفٍ مأكول. جاء العدوُّ ليستعرض عضلاته، وليقول للمجاهدين إنَّه الأقوى في أرضنا، والقادر على أن يقتل هنا ويغتال هناك، ولكنَّ المسألة أنَّه لا يعرف أنَّ هناك لطفًا إلهيًّا أقوى من كلّ مدافعه، وأنَّ هناك رحمةً إلهيَّةً أقوى من كلّ خططه، وقد قال الله لرسوله في بعض معارك الإسلام، وقد انتصر الإسلام في تلك المعركة: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}[الأنفال: 17]. وهكذا نجد هذا الموقف البطوليَّ الرَّائع الَّذي جعل المجاهدين يرصدون العدوَّ ويكشفون خططه ويطبقون عليه، ولم تفلح دبَّاباته وبوارجه وطائراته في إنقاذ جنوده، وقد قال أحد قادة العدوّ: "إنَّنا لم نُصَب منذ ثلاثين سنة بما أُصبنا به في هذه المعركة". إنَّنا نريد للأمَّة أن تقف مع المجاهدين بكلّ قوَّة.
العداء الصّهيونيّ للمسلمين
أيُّها الأحبَّة، لا تفكّروا في مسألة اليهود كما لو كانوا مجرَّد جماعةٍ نختلف معهم في سياسةٍ أو في حدود؛ إنَّنا نختلف معهم في العمق {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}[المائدة: 82]. كلامنا هذا ليس شعارًا سياسيًّا، وإنَّما هو قول الله تعالى أصدق القائلين. إنَّهم يعيشون العداوة لنا في كلّ ما للحقد من معنى، ولو أنَّنا راقبنا استطلاعات الرَّأي في داخل المجتمع الصِّهيونيّ، لرأينا أنَّ الأكثريَّة هناك تنادي بأن يُقتل العرب نساءً ورجالًا وأطفالًا، وأن يُقتل المسلمون كلّهم.
إنَّهم يعملون على الكيد لنا، لذلك لا بدَّ لنا أن نكون الواعين في مواجهة مخطَّطاتهم؛ أن لا يدخلوا إلينا من باب الفتنة، وأن لا يدخلوا إلينا من باب الإشاعات يطلقونها هنا وهناك، وأن لا يدخلوا إلينا من باب الأساليب المخابراتيَّة، وأن لا يُضعفوا علاقات الأمَّة بالمجاهدين، لأنَّهم لا يريدون أن نكون أقوياء، إنَّهم يريدوننا أن نكون المهزومين دائمًا. لقد هزمونا في الـ 47 و48 و56 و67، وهزمونا في أكثر من موقعٍ من المواقع، حتَّى عندما سجَّلنا عليهم نصرًا، حاولوا أن يحوّلوا النَّصر إلى هزيمة.. وحدهم المجاهدون هم الَّذين سجَّلوا الانتصارات من خلال المقارنة بين حجم ما عندهم من قوَّة ماديَّة وما عند العدوّ من القوَّة.
واجب امتلاك القوّة
لذلك - أيُّها الأحبَّة - لا بدَّ أن نكون الأقوياء. إنَّ الضّعفاء سوف يسحقهم العالم.. إنَّ الضعفاء لا يحترمهم أحد، لذلك لا بُدَّ لنا أن نكون الأقوياء، ولا بُدَّ لنا أن نساعد الضعفاء، وأن ندعمهم بكلّ ما عندنا من طاقةٍ وجهدٍ في هذا المجال.
ونريد للجميع أن يتلاحموا في الموقف ضدَّ العدوّ الصِّهيونيّ، كما تحدَّثنا في الأسبوع الماضي، كما نريد للجيش اللّبنانيّ أن ينسّق مع هؤلاء الَّذين يجاهدون من أجل إزالة الاحتلال، ونريد للدَّولة أن تقف موقفًا أكثر قوَّة وصلابةً في هذا الاتّجاه.
إنَّ المواجهة البطوليَّة الَّتي قام بها المجاهدون في لبنان - ولا سيَّما المقاومة الإسلاميَّة - ضدَّ العدوّ الَّذي حاول اختراق المناطق المحرَّرة بإرسال قوَّةٍ من جنوده إلى منطقة "أنصاريَّة".. إنَّ هذه المواجهة قد استطاعت أن تُنزِل بالعدوّ خسائر جسيمة في القتلى والجرحى، وأثبتت أنَّ المجاهدين قادرون على حماية أهلهم وأرضهم. إنَّنا ندعو إلى المزيد من التَّلاحم بين المجاهدين والجيش اللّبنانيّ من أجل مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ بكلّ مخطَّطاته وعمليَّاته.
إنَّنا نشدّ على أيدي المجاهدين ونقول لهم: سلمت أيديكم، فهذا هو الجهاد الَّذي تحمَّلتم مسؤوليَّته بكلّ قوَّةٍ وإيمانٍ وإخلاص، وعلى الأمَّة كلّها أن تقف معكم، لأنَّكم استطعتم أن تمنحوها عنفوان الرّوح وشرف العزَّة والكرامة.
أمَّا بالنّسبة لما كثر الحديث عنه وهو "تفعيل لجنة المراقبة"، فإنَّنا نسأل: ما هو المقصود بـ"تفعيل" دورها؟ هل هو إعطاء دورٍ أكبر لها، أو إعطاؤها دورًا سياسيًّا أكبر زيادةً على الدَّور الأمنيّ، والانطلاق من خلاله إلى مفاوضات التَّسوية، أو هو العمل على تعديل "تفاهم نيسان" من أجل تجميد عمليَّات المقاومة؟ لا بدَّ من دراسة هذه الخطَّة الأمريكيَّة - الإسرائيليَّة بدقَّةٍ وحذرٍ، لمواجهة كلّ الخطط الخبيثة الَّتي تستهدف سوريا ولبنان والمقاومة.
تدخّلٌ لمصلحة إسرائيل
إنَّ مشكلة العرب أنَّهم - في أكثريَّتهم - سلَّموا أوراقهم إلى أمريكا في أمورهم السياسيَّة والأمنيَّة، فها هم ينتظرون زيارة وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة من أجل أن تقوم بحلّ مشاكلهم مع العدوّ الصّهيونيّ، ونحن نعرف أنَّ المسؤولين الأمريكيّين يعملون دائمًا على الضَّغط على الفلسطينيّين والعرب لمصلحة إسرائيل، من أجل أمنها المطلق ضدَّ الأمن العربيّ، وسيطرتها الشَّاملة على مواقع الاقتصاد العربيّ.
فهذه الزّيارة تهدف أوّلًا: إلى حماية الأمن الإسرائيليّ من أيّ عملٍ جهاديّ من قِبَل المقاومة في فلسطين ولبنان، مع إعطائها العدوَّ الحرّيَّة العدوانيَّة في تدمير الأمن اللّبنانيّ، لحماية احتلاله في لبنان.
ثانيًا: الضَّغط على الدّول العربيَّة لإنجاح مؤتمر قطر الاقتصاديّ التَّطبيعيّ مع العدوّ، من أجل أن تتراجع الدّول الرَّافضة لحضور المؤتمر، وفي مقدّمها بعض دول الخليج.
ثالثًا: طرح موضوع التَّسلّح الإيرانيّ لابتزاز دول الخليج للمزيد من شراء الأسلحة لحساب الاقتصاد الأمريكيّ، ولتعقيد علاقات دول مجلس التَّعاون الخليجيّ بإيران، بالحديث المتكرّر بأنَّ إيران هي الخطر لا إسرائيل، في الوقت الَّذي نجد الكثير من الانفراج في تلك العلاقات، من خلال مدّ إيران يد الصَّداقة إلى هذه الدّول، واستعدادها للانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ معها، ممَّا لا توافق عليه أمريكا الَّتي تعمل على عزل إيران سياسيًّا واقتصاديًّا، وإبقاء الخليج تحت السَّيطرة الأمريكيَّة المطلقة. ونحن نتصوَّر أنَّ دول مجلس التَّعاون قد أصبحت تفهم جيّدًا أنَّ مصلحتها في الانفتاح على إيران لا في الانغلاق عنها.
زيارة غير مرحّب بها
إنَّنا لا نرحّب بزيارة هذه الوزيرة، لأنَّها سوف تربك الأوضاع في المنطقة، وتحوّل ساحاتها إلى المزيد من الصّراعات لحساب المصالح الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، وعلى دول المنطقة وشعوبها أن تواجه ذلك بالحذر الشَّديد، وبالمزيد من التَّضامن والتَّخطيط ضدَّ هذه الخطَّة الشَّيطانيَّة.
وإنَّ هذه العمليَّات الاستشهاديَّة البطوليَّة في القدس تدلّ دلالةً واضحةً على أنَّ الرّوح الجهاديَّة الإسلاميَّة لم تمت ولن تموت، وأنَّ من الصَّعب على حكومة العدوان أن تصل إلى أيّ أمنٍ لليهود في فلسطين من خلال كلّ الوحشيَّة الَّتي تفرضها على الشَّعب الفلسطينيّ في القتل والاعتقال والحصار وتدمير المنازل ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات.. إنَّها الحرب الَّتي فرضتها حكومة العدوّ على كلّ الواقع الفلسطينيّ، وإذا كانت أمريكا وغيرها تتحدَّث عن قتل المدنيّين اليهود، فإنَّنا لا نجد مثل هذه الأحاديث المستنكرة لقتل المدنيّين الفلسطينيّين واللّبنانيّين، لأنَّ أمريكا لا تحترم المدنيّين العرب، فلا مشكلة عندها في أيّ اعتداءٍ ضدّهم.
إنَّ أمريكا وإسرائيل تشجّعان سلطة الحكم الذَّاتيّ للمزيد من الضَّغط على المجاهدين في "حماس" و"الجهاد الإسلاميّ"، من أجل منع هذه العمليَّات الاستشهاديَّة وحماية أمن إسرائيل، ولكنَّنا نتصوَّر أنَّ "عرفات" سوف يقع في خطأٍ أكثر جسامةً من أخطائه السَّابقة إذا استجاب لهذه الرَّغبات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، لأنَّ عليه حينئذٍ - تنفيذًا للخطَّة المطلوبة منه - أن يعتقل الشَّعب الفلسطينيّ كلّه الَّذي يقف وراء المجاهدين، كما أنَّ ذلك سوف يحوّل السَّاحة الفلسطينيَّة إلى فوضى أمنيَّةٍ واجتماعيَّةٍ وسياسيَّة، وليس في هذا مصلحةٌ للفلسطينيّين.. إنَّ المزيد من الصّمود هو الَّذي يحقّق النَّتائج الكبيرة في المستقبل.
إنَّ هذه العمليَّات رسالةٌ واضحةٌ إلى أمريكا وإسرائيل، أنَّ أيَّ خطَّةٍ سياسيَّةٍ وأمنيَّةٍ تستهدف مستقبل الفلسطينيّين لا تستطيع ضمان أمن اليهود، فلتفعل أمريكا ما تشاء، وليتحرَّك نتنياهو بكلّ أجهزته وحصاره وتجويعه وجبروته، حتَّى عرفات فإنَّه مهما خضع للضّغوط، فلا يستطيع أن يفعل شيئًا، لأنَّ المجاهدين قرَّروا الاستمرار في الانتفاضة ومعاقبة إسرائيل، والشَّعب كلّه معهم، والأمَّة كلّها معهم.
لبنان: الوضع الدّاخليّ
أمَّا على الصَّعيد الدَّاخليّ، فإنَّنا نحذّر من التَّخطيط لفرض ضرائب جديدة على الشَّعب، لا سيَّما في هذه المرحلة الصَّعبة الَّتي يعاني النّاس فيها ضغط الموسم المدرسيّ الَّذي يرتّب عليهم الكثير من المصاريف الباهظة.. إنَّنا نتصوَّر أنَّ الواقع الاقتصاديّ في لبنان قد وصل إلى ما يقارب الخطوط الحمراء، من خلال تراكم القروض الدَّاخليَّة والخارجيَّة الَّتي بلغت زهاء عشرة مليارات دولار أو ما يزيد، والاندفاع نحو سياسة الضَّرائب التَّصاعديَّة الَّتي أثقلت كاهل الشَّعب، ونحن نرفض الأسلوب الَّذي يقول إمَّا الضَّرائب وإمَّا لا مشاريع، لأنَّ هذه اللّغة ليست لغة المسؤول الَّذي يحترم شعبه وموقعه، كما لا بدَّ من الانتباه إلى سياسة فرض الضَّرائب بالتَّقسيط.. إنَّنا ندعو الحكومة والموالاة والمعارضة إلى لقاءٍ وطنيٍّ شاملٍ للبحث في الطَّريقة المثلى للخروج من الأزمة الاقتصاديَّة.
رفض التّوطين وحقّ الفلسطينيّين
وختامًا، في الوقت الَّذي لا بدَّ فيه من الإعلان عن رفض التَّوطين، فإنَّنا نسأل الهيئات الدّوليَّة عن حقوق الفلسطينيّين المقيمين في لبنان، وعن سياسة التَّقشّف الجديدة لوكالة "الأونروا" الدّوليَّة، ونسأل: لماذا يُعامل الشَّعب الفلسطينيّ كشعبٍ منبوذٍ، مع أنَّه يستحقّ كلّ احتضانٍ لما عاناه ويعانيه الآن من المؤامرات من كلّ مكان؟
إنَّنا ندعو العرب والمسلمين إلى تحمّل مسؤوليَّاتهم من أجل هذا الشَّعب المشرَّد، ونطالب بدراسة القوانين الدَّاخليَّة في لبنان بما يتعلَّق برعاية أوضاع هذا الشَّعب الَّذي يحتاج إلى كلّ حمايةٍ ورعايةٍ من الجميع.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 5 أيلول 1997م.