نتعلَّم من النَّاس، ونتعلَّم من مشاكلنا الّتي عشناها واضطرَّتنا إلى أن نترك البلد، بعد أن خلَّفت الحرب بين اللّبنانيّين، والحرب بين المسلمين أنفسهم، وبين الشّيعة أنفسهم، آلامًا وأوضاعًا صعبة.
التعلّم من تجارب الآخرين
لذلك، من المفروض عندما ننطلق إلى أيّ بلاد أخرى، أن ننطلق على أساس وجود هدفٍ مشتركٍ فيما بيننا، سواءٌ كان هذا الإنسان من هذا الحزب أو من هذه الحركة، أو من هذا المذهب أو من ذاك المذهب، كلّنا نلتقي في أنّنا أُخرجنا من ديارنا بغير حقٍّ، وأنّنا نريد أن نحصّل العزّة والكرامة لأنفسنا ولأبنائنا ولأهلنا، ثمَّ أن نحاول ونجرّب أن ننشئ مجتمعاً بشكلٍ أفضل من المجتمع الّذي عشناه من ناحية طبيعة العلاقات.
وأعتقد أنَّنا نستطيع أن نتعلَّم من الآخرين، حتّى لو كانوا غير مسلمين؛ نتعلَّم منهم كيف يلتقون على المصلحة العامَّة، وكيف أنّهم عندما يختلف بعضهم مع بعض، لا يكون الاختلاف موجباً للتَّقاطع. عندنا، إذا اختلف أحدنا مع الآخر، لا يذكره إلّا بسوءٍ، وتراه يشهّر به ويتّهمه بهذا وذاك، بينما الجماعات هناك - والأمر يحسب لهم - تراهم يختلفون؛ هذا من حزبٍ وذاك من حزبٍ، ولكنَّهم يلتقي بعضهم مع بعض ويضحكون، وعند الموقف، يقف كلّ واحدٍ أمام الآخر ليؤكّد موقفه في خطّ المصلحة العامّة. أعتقد أنَّ تلك الجماعات في بعض أخلاقهم أقرب إلى الإسلام منّا، فيما يتعلَّق بالعلاقات فيما بينهم.
فنحن علينا أن نتعلَّم من الشّعوب الأخرى الّتي نعيش فيها أحسن ما فيها، أن نحاول أن نجتنب السّلبيَّات الموجودة عندهم، ونأخذ بالإيجابيّات الموجودة عندهم أيضاً.
لذلك أنا أقول: إنّ وجودكم في تلك البلدان يمثّل مسؤوليّةً، مسؤوليّة الإصرار على إبقاء الأجواء الإسلاميَّة الّتي يمكن لها أن تحافظ على تثبيت إسلامكم، وعلى تركيز إسلام أولادكم في المستقبل.
الأولويَّة لبناء المدرسة
وأنا شخصيّاً أؤكّد جدّاً على التّعاون فوق العادة لبناء مدرسةٍ إسلاميّةٍ. أنا عندي شعارٌ دائماً أطلقه بالنّسبة إلى كلّ المغتربات، ولا سيَّما المغتربات الغربيّة: "المدرسة قبل المسجد"، لأنّ المدرسة هي الّتي تحفظ لنا أولادنا، وفي قاعة المدرسة يمكننا أن نصلّي، لكنّنا لا نقدر أن نعلّم في المسجد بالمعنى الأكاديميّ، لذلك فإنّ المدرسة أساسيّةٌ.
أقول مهما أمكن، يجب أن تعملوا على الاعتناء بمشروع المدرسة عندكم، وعلى تسريعه بأكبر قدرٍ ممكنٍ، بالرّغم من وجود المشاكل. أنا أعرف المشاكل المادّيّة والاقتصاديّة الموجودة عندكم، لكن مهما أمكن، حاولوا أن تسرّعوا هذا المشروع أكثر، إن شاء الله.
الانفتاح وتقبُّل الآخر
وأنا نصيحتي الأولى والأخيرة لكم في هذه النّاحية؛ قد يكون عندكم اختلافٌ في وجهات النّظر، يمكن، مثلاً، أن يكون لهذا الإنسان انفتاحٌ على هذا الجانب السّياسيّ بالبلد، ولذاك انفتاحٌ على جانبٍ سياسيٍّ آخر، لكنّنا جميعاً أتباع أهل البيت (ع)، ونحن مسلمون في خطّ أهل البيت. فعندما نكون جميعاً معاً، ويكون عند أحدنا وجهة نظرٍ، فيمكننا أن نتحاور حينها بالشّكل الطّبيعيّ الّذي لا يجعلنا نتقاتل، ولا نتحاقد، ولا يبغض بعضنا بعضاً، ولا يقف بعضنا ضدّ مصالح بعضٍ، لأنَّ هذا الأمر هو ما يسمّيه النّبيّ (ص) حالقة الدّين، ليست حالقة الشّعر، ولكنّها حالقة الدّين.
هذه نقطةٌ أساسيّةٌ في هذا المجال؛ أن نتعلَّم كيف نقبل الآخر، ونتعلّم كيف نقف مع الآخرين على الكلمة السّواء. فنحن الآن مهما اختلفنا، هل تصل اختلافات بعضنا مع بعض إلى مستوى اختلافاتنا مع اليهود أو النَّصارى؟ ومع ذلك، نرى الله سبحانه وتعالى يعلّمنا: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}(آل عمران: 64)، مع أنَّ الاختلافات بيننا وبينهم في العقيدة وفي كثيرٍ من الأشياء هي اختلافاتٌ كبيرةٌ. فكيف إذا اختلف واحدٌ مع آخر لأجل هذا الزَّعيم أو ذاك الزَّعيم؟ أو إذا اختلفوا لأنَّ كلَّ فئة تريد لبنان على صورةٍ معيَّنةٍ؟ أنا أقول لكم كلّكم، إنَّ لبنان لن يكون لا على صورة هؤلاء ولا على صورة أولئك، لأنَّ هناك مؤثّراتٍ دوليّةً في لبنان هي الّتي تسيّره على الرّغم ممّا يريده أهله.
الابتعادُ عن نهج العصبيَّة!
لهذا، مهما أمكن، علينا أن نبتعد عن العصبيَّة؛ فأن يكون لكلّ واحدٍ رأيٌ يقتنع به، فلا مشكلة في ذلك، لكنَّني أقول: كما أنَّ من حقّي أن يكون لي رأيٌ، كذلك من حقّ الآخر أن يكون له رأيه أيضاً، لماذا أريد أن أفرض نفسي على الآخر؟
نعم، من حقّنا جميعاً أن نتحاور، وأن يعطي كلّ واحدٍ وجهة نظره. أمَّا العصبيّات الحزبيَّة، والعصبيَّات للأشخاص، والعصبيَّات للمراجع؛ فهذا منحى جديد للعصبيَّة وجد طريقه إلينا؛ هذا مقلّدٌ لفلانٍ، وذاك مقلّدٌ لفلانٍ، هذا يريد أن يشوّه صورة فلانٍ، وذاك يريد أن يشوّه صورة الآخر، وكلاهما عالم! والتَّقليد إنّما هو عمليّةٌ تنطلق من قناعة الإنسان بأنَّ هذا الإنسان عالمٌ، وأنّه يمكن أن يكون معذّراً أمام الله لو عمل برأيه، فهي عمليَّة تكليفٍ شخصيٍّ تنطلق من قناعةٍ عميقةٍ لدى الإنسان في هذا الموضوع.. والشّيعة معروفٌ وضعهم في كلّ التّاريخ بتعدّد المرجعيّات، نحن نقول إنَّ طموحنا أن لا يكون هناك تعدّدٌ، لكنّ الواقع لا يسمح لهذا الطّموح بأن يتحقّق.
وعليه، فمَن اقتنع بمرجعٍ فليقلّدْه، وليترك للآخر أن يقلّد من يراه أهلًا للتَّقليد، من دون أن يتحوَّل ذلك إلى حملةٍ لتشويه صورة هذا أو ذاك. فالطَّرف الآخر أيضًا إنّما يقلّد عن قناعة، لأنَّ هؤلاء جميعًا علماءُ وأبرارٌ وأهلُ خير، فلا توجد حاجةٌ لأن نجلس ونختلف باسمهم ويتعصّب بعضنا ضدّ بعض، فهذا يُسمَّى تخلّفًا، فنحن نعيش في عصرٍ يُفترض فيه أن يقبل الإنسانُ الإنسانَ الآخر ويتعايش معه ويحترمه.
والله علّمنا عندما يتكلَّم بعضنا مع بعض، أو يتحاور بعضنا مع بعض، أو يختلف بعضنا مع بعض، أن نقول القول الأحسن: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(الإسراء: 53)، {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النَّحل: 125)، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(العنكبوت: 46)، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(فصّلت: 34)، بمعنى أن تتّبع الأسلوب الّذي تحوّل به أعداءك إلى أصدقاء. أمّا نحن، فبالعكس، أصبحنا نعمل بالأسلوب الَّذي نحوّل به أصدقاءنا إلى أعداء، هذه هي المشكلة.
لذلك أقول إنَّ علينا نحن أن نكون صورةً مشرقةً للإسلام هناك. الإمام الصَّادق (ع) يقول: "كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الصِّدْقَ وَالْخَيْرَ وَالْوَرَعَ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ". هذا هو الَّذي نريده. وعسى الله سبحانه وتعالى أن يحقّق لكم مشاريعكم الخاصَّة والعامَّة، وترجعوا إلى بلادكم سالمين غانمين، ويكون عندكم نموٌّ بالإسلام أكثر. أنا أرى الكثير من شبابنا يتربّون في المغتربات إسلاميًّا أحسن ممّا يتربّون هنا، وهذا ما نريده.
المهاجرون الجدد
وبالنّسبة إلى الهجرة العراقيَّة الجديدة، فهؤلاء العراقيُّون غالبًا هم أناسٌ أوذوا في الله، وأغلب الّذين يأتون إليكم منهم، بحسب ما أعرف، يأتون من منطقة "رفحاء السعوديَّة"، بعد أن أوذوا في الله وهُجّروا من العراق، وبعد أن عاشوا تحت الحكم السّعوديّ في ضغطٍ مذهبيٍّ وفي أوضاعٍ معيَّنةٍ. ومن الطّبيعيّ أنّ أيّ شعبٍ يعيش هذه التَّعقيدات وهذه المشاكل، وتكون عنده عاداتٌ تختلف عن عاداتكم، وتقاليد تختلف عن تقاليدكم، ومزاجٌ قد يختلف عن مزاجكم، فإنَّ التّعايش معه يحتاج إلى صبرٍ ووعيٍ وانفتاحٍ.
صحيحٌ أنّكم مهاجرون إلى تلك البلدان، لكنَّ هؤلاء النّاس هاجروا إليكم. الله يحكي عن الأنصار في المدينة: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}(الحشر: 9).
لذلك أنا أقول إنَّ الأمر يحتاج إلى انفتاحٍ ومرونةٍ، لأنَّ هؤلاء النَّاس فيهم المؤمنون، وفيهم الطّيّبون، وفيهم العاملون في سبيل الله. لذلك أنا أرغب أن يكون هناك نوعٌ من التَّعايش والتّعاون بينكم وبين هؤلاء المهاجرين العراقيّين الجدد، والمزيد من الوعي والأخوَّة الإيمانيّة، والمزيد من الصّبر.
وأيضًا في هذا المجال، يقول الإمام زين العابدين (ع) في بعض أدعيته: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيَّ صُحْبَةَ الْفُقَرَاءِ، وَأَعِنِّي عَلَى صُحْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ". فيمكن العيش مع الفقراء والمشرّدين والمهجّرين، لأنَّ هؤلاء عاشوا مشاكل كثيرةً في حياتهم، وهذه تترك تأثيرها على النّفس. لذلك يحتاج الإنسان أن يصبر على ما قد يراه منهم، ممّا قد لا ينسجم مع مزاجه.
أنا أعرف كثيرًا من الإخوة العراقيّين الموجودين، سواء في (سيدني) أو في (ملبورن) أو غيرهما، هم جماعةٌ طيّبون. وكما هو الحال في كلّ شعبٍ، يكون هناك تباين بين النَّاس في طباعهم، ولكنَّ المهمّ هو أن نلتفت إلى هذه المسألة ونتعامل معها بوعي.
انظروا كيف أنَّ الإخوة السنَّة هناك متضامن بعضهم مع بعض، وكذلك المسيحيّون. ونحن الأقليّة الموجودة هناك، يجب أن يتضامن بعضنا مع بعض، ولا نريد أن نعيش الإقليميَّة، بأن نتعصَّب لبلد ونتعقَّد من بلدٍ آخر، بل يجب أن نعيش الأخوة الإيمانيّة، فنحن إخوةٌ، سواءً كنّا من هذا البلد أو من ذاك البلد.
* من لقاء شباب أستراليا، بتاريخ: 15/01/1997م.
نتعلَّم من النَّاس، ونتعلَّم من مشاكلنا الّتي عشناها واضطرَّتنا إلى أن نترك البلد، بعد أن خلَّفت الحرب بين اللّبنانيّين، والحرب بين المسلمين أنفسهم، وبين الشّيعة أنفسهم، آلامًا وأوضاعًا صعبة.
التعلّم من تجارب الآخرين
لذلك، من المفروض عندما ننطلق إلى أيّ بلاد أخرى، أن ننطلق على أساس وجود هدفٍ مشتركٍ فيما بيننا، سواءٌ كان هذا الإنسان من هذا الحزب أو من هذه الحركة، أو من هذا المذهب أو من ذاك المذهب، كلّنا نلتقي في أنّنا أُخرجنا من ديارنا بغير حقٍّ، وأنّنا نريد أن نحصّل العزّة والكرامة لأنفسنا ولأبنائنا ولأهلنا، ثمَّ أن نحاول ونجرّب أن ننشئ مجتمعاً بشكلٍ أفضل من المجتمع الّذي عشناه من ناحية طبيعة العلاقات.
وأعتقد أنَّنا نستطيع أن نتعلَّم من الآخرين، حتّى لو كانوا غير مسلمين؛ نتعلَّم منهم كيف يلتقون على المصلحة العامَّة، وكيف أنّهم عندما يختلف بعضهم مع بعض، لا يكون الاختلاف موجباً للتَّقاطع. عندنا، إذا اختلف أحدنا مع الآخر، لا يذكره إلّا بسوءٍ، وتراه يشهّر به ويتّهمه بهذا وذاك، بينما الجماعات هناك - والأمر يحسب لهم - تراهم يختلفون؛ هذا من حزبٍ وذاك من حزبٍ، ولكنَّهم يلتقي بعضهم مع بعض ويضحكون، وعند الموقف، يقف كلّ واحدٍ أمام الآخر ليؤكّد موقفه في خطّ المصلحة العامّة. أعتقد أنَّ تلك الجماعات في بعض أخلاقهم أقرب إلى الإسلام منّا، فيما يتعلَّق بالعلاقات فيما بينهم.
فنحن علينا أن نتعلَّم من الشّعوب الأخرى الّتي نعيش فيها أحسن ما فيها، أن نحاول أن نجتنب السّلبيَّات الموجودة عندهم، ونأخذ بالإيجابيّات الموجودة عندهم أيضاً.
لذلك أنا أقول: إنّ وجودكم في تلك البلدان يمثّل مسؤوليّةً، مسؤوليّة الإصرار على إبقاء الأجواء الإسلاميَّة الّتي يمكن لها أن تحافظ على تثبيت إسلامكم، وعلى تركيز إسلام أولادكم في المستقبل.
الأولويَّة لبناء المدرسة
وأنا شخصيّاً أؤكّد جدّاً على التّعاون فوق العادة لبناء مدرسةٍ إسلاميّةٍ. أنا عندي شعارٌ دائماً أطلقه بالنّسبة إلى كلّ المغتربات، ولا سيَّما المغتربات الغربيّة: "المدرسة قبل المسجد"، لأنّ المدرسة هي الّتي تحفظ لنا أولادنا، وفي قاعة المدرسة يمكننا أن نصلّي، لكنّنا لا نقدر أن نعلّم في المسجد بالمعنى الأكاديميّ، لذلك فإنّ المدرسة أساسيّةٌ.
أقول مهما أمكن، يجب أن تعملوا على الاعتناء بمشروع المدرسة عندكم، وعلى تسريعه بأكبر قدرٍ ممكنٍ، بالرّغم من وجود المشاكل. أنا أعرف المشاكل المادّيّة والاقتصاديّة الموجودة عندكم، لكن مهما أمكن، حاولوا أن تسرّعوا هذا المشروع أكثر، إن شاء الله.
الانفتاح وتقبُّل الآخر
وأنا نصيحتي الأولى والأخيرة لكم في هذه النّاحية؛ قد يكون عندكم اختلافٌ في وجهات النّظر، يمكن، مثلاً، أن يكون لهذا الإنسان انفتاحٌ على هذا الجانب السّياسيّ بالبلد، ولذاك انفتاحٌ على جانبٍ سياسيٍّ آخر، لكنّنا جميعاً أتباع أهل البيت (ع)، ونحن مسلمون في خطّ أهل البيت. فعندما نكون جميعاً معاً، ويكون عند أحدنا وجهة نظرٍ، فيمكننا أن نتحاور حينها بالشّكل الطّبيعيّ الّذي لا يجعلنا نتقاتل، ولا نتحاقد، ولا يبغض بعضنا بعضاً، ولا يقف بعضنا ضدّ مصالح بعضٍ، لأنَّ هذا الأمر هو ما يسمّيه النّبيّ (ص) حالقة الدّين، ليست حالقة الشّعر، ولكنّها حالقة الدّين.
هذه نقطةٌ أساسيّةٌ في هذا المجال؛ أن نتعلَّم كيف نقبل الآخر، ونتعلّم كيف نقف مع الآخرين على الكلمة السّواء. فنحن الآن مهما اختلفنا، هل تصل اختلافات بعضنا مع بعض إلى مستوى اختلافاتنا مع اليهود أو النَّصارى؟ ومع ذلك، نرى الله سبحانه وتعالى يعلّمنا: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}(آل عمران: 64)، مع أنَّ الاختلافات بيننا وبينهم في العقيدة وفي كثيرٍ من الأشياء هي اختلافاتٌ كبيرةٌ. فكيف إذا اختلف واحدٌ مع آخر لأجل هذا الزَّعيم أو ذاك الزَّعيم؟ أو إذا اختلفوا لأنَّ كلَّ فئة تريد لبنان على صورةٍ معيَّنةٍ؟ أنا أقول لكم كلّكم، إنَّ لبنان لن يكون لا على صورة هؤلاء ولا على صورة أولئك، لأنَّ هناك مؤثّراتٍ دوليّةً في لبنان هي الّتي تسيّره على الرّغم ممّا يريده أهله.
الابتعادُ عن نهج العصبيَّة!
لهذا، مهما أمكن، علينا أن نبتعد عن العصبيَّة؛ فأن يكون لكلّ واحدٍ رأيٌ يقتنع به، فلا مشكلة في ذلك، لكنَّني أقول: كما أنَّ من حقّي أن يكون لي رأيٌ، كذلك من حقّ الآخر أن يكون له رأيه أيضاً، لماذا أريد أن أفرض نفسي على الآخر؟
نعم، من حقّنا جميعاً أن نتحاور، وأن يعطي كلّ واحدٍ وجهة نظره. أمَّا العصبيّات الحزبيَّة، والعصبيَّات للأشخاص، والعصبيَّات للمراجع؛ فهذا منحى جديد للعصبيَّة وجد طريقه إلينا؛ هذا مقلّدٌ لفلانٍ، وذاك مقلّدٌ لفلانٍ، هذا يريد أن يشوّه صورة فلانٍ، وذاك يريد أن يشوّه صورة الآخر، وكلاهما عالم! والتَّقليد إنّما هو عمليّةٌ تنطلق من قناعة الإنسان بأنَّ هذا الإنسان عالمٌ، وأنّه يمكن أن يكون معذّراً أمام الله لو عمل برأيه، فهي عمليَّة تكليفٍ شخصيٍّ تنطلق من قناعةٍ عميقةٍ لدى الإنسان في هذا الموضوع.. والشّيعة معروفٌ وضعهم في كلّ التّاريخ بتعدّد المرجعيّات، نحن نقول إنَّ طموحنا أن لا يكون هناك تعدّدٌ، لكنّ الواقع لا يسمح لهذا الطّموح بأن يتحقّق.
وعليه، فمَن اقتنع بمرجعٍ فليقلّدْه، وليترك للآخر أن يقلّد من يراه أهلًا للتَّقليد، من دون أن يتحوَّل ذلك إلى حملةٍ لتشويه صورة هذا أو ذاك. فالطَّرف الآخر أيضًا إنّما يقلّد عن قناعة، لأنَّ هؤلاء جميعًا علماءُ وأبرارٌ وأهلُ خير، فلا توجد حاجةٌ لأن نجلس ونختلف باسمهم ويتعصّب بعضنا ضدّ بعض، فهذا يُسمَّى تخلّفًا، فنحن نعيش في عصرٍ يُفترض فيه أن يقبل الإنسانُ الإنسانَ الآخر ويتعايش معه ويحترمه.
والله علّمنا عندما يتكلَّم بعضنا مع بعض، أو يتحاور بعضنا مع بعض، أو يختلف بعضنا مع بعض، أن نقول القول الأحسن: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(الإسراء: 53)، {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النَّحل: 125)، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(العنكبوت: 46)، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(فصّلت: 34)، بمعنى أن تتّبع الأسلوب الّذي تحوّل به أعداءك إلى أصدقاء. أمّا نحن، فبالعكس، أصبحنا نعمل بالأسلوب الَّذي نحوّل به أصدقاءنا إلى أعداء، هذه هي المشكلة.
لذلك أقول إنَّ علينا نحن أن نكون صورةً مشرقةً للإسلام هناك. الإمام الصَّادق (ع) يقول: "كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الصِّدْقَ وَالْخَيْرَ وَالْوَرَعَ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ". هذا هو الَّذي نريده. وعسى الله سبحانه وتعالى أن يحقّق لكم مشاريعكم الخاصَّة والعامَّة، وترجعوا إلى بلادكم سالمين غانمين، ويكون عندكم نموٌّ بالإسلام أكثر. أنا أرى الكثير من شبابنا يتربّون في المغتربات إسلاميًّا أحسن ممّا يتربّون هنا، وهذا ما نريده.
المهاجرون الجدد
وبالنّسبة إلى الهجرة العراقيَّة الجديدة، فهؤلاء العراقيُّون غالبًا هم أناسٌ أوذوا في الله، وأغلب الّذين يأتون إليكم منهم، بحسب ما أعرف، يأتون من منطقة "رفحاء السعوديَّة"، بعد أن أوذوا في الله وهُجّروا من العراق، وبعد أن عاشوا تحت الحكم السّعوديّ في ضغطٍ مذهبيٍّ وفي أوضاعٍ معيَّنةٍ. ومن الطّبيعيّ أنّ أيّ شعبٍ يعيش هذه التَّعقيدات وهذه المشاكل، وتكون عنده عاداتٌ تختلف عن عاداتكم، وتقاليد تختلف عن تقاليدكم، ومزاجٌ قد يختلف عن مزاجكم، فإنَّ التّعايش معه يحتاج إلى صبرٍ ووعيٍ وانفتاحٍ.
صحيحٌ أنّكم مهاجرون إلى تلك البلدان، لكنَّ هؤلاء النّاس هاجروا إليكم. الله يحكي عن الأنصار في المدينة: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}(الحشر: 9).
لذلك أنا أقول إنَّ الأمر يحتاج إلى انفتاحٍ ومرونةٍ، لأنَّ هؤلاء النَّاس فيهم المؤمنون، وفيهم الطّيّبون، وفيهم العاملون في سبيل الله. لذلك أنا أرغب أن يكون هناك نوعٌ من التَّعايش والتّعاون بينكم وبين هؤلاء المهاجرين العراقيّين الجدد، والمزيد من الوعي والأخوَّة الإيمانيّة، والمزيد من الصّبر.
وأيضًا في هذا المجال، يقول الإمام زين العابدين (ع) في بعض أدعيته: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيَّ صُحْبَةَ الْفُقَرَاءِ، وَأَعِنِّي عَلَى صُحْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ". فيمكن العيش مع الفقراء والمشرّدين والمهجّرين، لأنَّ هؤلاء عاشوا مشاكل كثيرةً في حياتهم، وهذه تترك تأثيرها على النّفس. لذلك يحتاج الإنسان أن يصبر على ما قد يراه منهم، ممّا قد لا ينسجم مع مزاجه.
أنا أعرف كثيرًا من الإخوة العراقيّين الموجودين، سواء في (سيدني) أو في (ملبورن) أو غيرهما، هم جماعةٌ طيّبون. وكما هو الحال في كلّ شعبٍ، يكون هناك تباين بين النَّاس في طباعهم، ولكنَّ المهمّ هو أن نلتفت إلى هذه المسألة ونتعامل معها بوعي.
انظروا كيف أنَّ الإخوة السنَّة هناك متضامن بعضهم مع بعض، وكذلك المسيحيّون. ونحن الأقليّة الموجودة هناك، يجب أن يتضامن بعضنا مع بعض، ولا نريد أن نعيش الإقليميَّة، بأن نتعصَّب لبلد ونتعقَّد من بلدٍ آخر، بل يجب أن نعيش الأخوة الإيمانيّة، فنحن إخوةٌ، سواءً كنّا من هذا البلد أو من ذاك البلد.
* من لقاء شباب أستراليا، بتاريخ: 15/01/1997م.