بين هواجس الاغتراب ومسؤوليّة الحفاظ على أمن المجتمعات

بين هواجس الاغتراب ومسؤوليّة الحفاظ على أمن المجتمعات

التّحدّي الإعلاميّ

س: نريد أن نلفت النَّظر، مولانا، إلى أنَّ الجانب الإعلاميَّ في بلاد الاغتراب ضعيفٌ جدًّا، فهذه المشاريع الخيريَّة الَّتي تقومون بها هي مشاريع مهمَّة، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(‏التَّوبة: 105‏). وقد رأينا الكثير من النَّشاطات الّتي تقوم بها الجمعيَّة... ولكن نحن لا نريد أن يكون الرَّابط مع المموّل أو فاعل الخير مجرَّد رابطٍ ماليٍّ، حتّى لو كان يدفع حقَّه الشَّرعيّ، بل من المهمّ أن يكون الاتّصال مع المغترب مرَّتين أو ثلاثًا خلال السَّنة، ليبقى على اطّلاعٍ على أعمال المبرَّات، حتّى يعرف ماذا يجري قولًا وعملًا...

ج: أوافق على هذا الكلام مائة في المائة. وأنا منذ أن بدأت عملي في العراق، منذ ما يقارب الخمسة والأربعين عامًا، بدأت مع المستضعفين، فلم تكن لي علاقة بالمعنى الكبير مع أصحاب المال، وإن كان فيهم الخيّرون. لذلك، بالنّسبة إلى هذه المسألة، حتَّى حين ذهب الوفد إلى أستراليا، كنت أقول لهم إنَّ المسألة ليست أن تجمعوا المال فحسب، وإنَّما أن يعرف الإخوان والبلد طبيعة هذه المشاريع، حتَّى يتحمَّلوا هم مسؤوليَّتهم، لأنَّ الأمر بالنسبة إلينا أنّنا مرحلة في هذه المشاريع، وسنذهب ويأتي آخرون بعد ذلك.

لهذا، أنا شخصيًّا ليست عندي أيّ مشكلة، بل على العكس، عندي رغبة في أن ينسّق الإخوان في المبرَّات هنا مع الإخوان هناك، بحيث تُنقَل إليهم كلّ الأعمال والأشياء الموجودة هنا. أنا لا أمانع في ذلك، بل حتَّى في مسألة الأشرطة، كأشرطة الفيديو وغيرها، نحن مستعدّون من خلال مكتبنا أن نتعاون مع الإخوان، ويمكنكم الاتّفاق مع الشّباب على صيغة معيَّنة...

حرب الإعلام في الغرب

س: بخصوص التَّفاصيل، واقعًا، الإخوان عندنا يعيشون هواجس معيّنة، منها هاجس الإعلام الغربيّ... فنحن من خلال جمعيَّة المبرَّات في أستراليا، حاولنا أن نغيّر ولو جزءًا من إطار الصّورة الَّتي كانت تركّز على الشّيعة كإرهاب. ولكن من خلال جمعيَّة المبرَّات، تغيَّر جزء ولو بسيط.. لقد أخرجنا الطّائفة الشّيعيَّة من حالة أنَّها طائفة لا تفهم إلَّا بالقتل والدّمار، إلى حالة الطَّائفة الّتي عندها أيتام ومؤسَّسات اجتماعيّة وخيريّة وغيرها...

أذكر على سبيل المثال في الإعلام، يوم استشهاد السّيّد عبّاس الموسويّ، صُعقنا عندما رأينا على التّلفزيون الأستراليّ الرَّسميّ، أنَّ الخبر ابتدأ بصورة لطفلةٍ عمرها خمس سنوات، والمعلّق يقول: "اليوم قُتل المسؤول عن يُتْم هذه الفتاة"، وكانت الفتاة في الصّورة محاطة بالورود والأزهار الجميلة..

خطاب آخر من عام 93، فقد نقلت قناة سي أن أن صورة لمقاتل من تل الزَّعتر وكأنَّه وراء مكبّ نفايات، بينما نقلت صورة للجنديّ الإسرائيليّ من كريات شمونا يبدو بإمكانيَّات ضخمة... والإنسان الغربيّ يؤسر فورًا بهذه المشاهد القريبة جدًّا من مظاهر الحضارة.

أيضًا اللّغة؛ كثير من مسؤولينا هنا يخاطبون الإعلام الغربيّ باللّغة العربيَّة، بينما يخاطب نتنياهو الغرب باللّغة الأمريكيَّة وبنهج أستراليّ فورًا. نحن نخاطبهم بالعربيَّة أو ربَّما "باللّهجة الجنوبيَّة"، حتَّى إنَّ ابن بيروت أو مسؤولي بيروت قد لا يستمعون إلينا... نتمنَّى أن تُنقل هذه الأمور إلى المسؤولين القيّمين لتطوير العمل.

ج: نحن نعتبر أنَّ مسألة الإعلام هي حربٌ إعلاميّةٌ، وهي الّتي تتقدَّم الحرب العسكريّة، لأنّها حربٌ تعمل على أن تهزمك نفسيًّا، وأن تجعل الآخرين يتصوَّرونك بصورة الإنسان الَّذي يجب أن يُقتل، ويُشرَّد، ويُسحَق.. فهذا الموضوع أعتقد أنّه يجب علينا أن نفهمه بشكلٍ طبيعيٍّ.

أوّلًا بالنّسبة إلى اليهود، فهم تقريبًا يمسكون بأكثر مفاصل الإعلام العالَميّ، ويمسكون أيضًا بالكثير من مفاصل اقتصاد العالَم. واليهود في فلسطين المحتلَّة هم غربيّون، فأغلبهم عاشوا في أجواء الغرب.. والآن في داخل فلسطين، اليهود الشّرقيّون مواطنون من الدّرجة الثّانية، ولكنّ اليهود الغربيّين هم الحاكمون.

لذلك، انفتح الغرب على اليهود أوّلًا من خلال العُقدة الّتي استطاع اليهود أن يزرعوها في ذهنيّة الإنسان الغربيّ في قضيّة "هتلر"، والأساطير الّتي ركّزوها وألّفوها حول حجم اليهود الّذين أُحرقوا وصُفّوا وما إلى ذلك، بحيث إنَّ الألمان حتّى الآن يقولون: نحن نعيش تحت تأثير عقدة الذَّنب بالنّسبة إلى اليهود.

فإذًا، هم عندما ينطلقون، ينطلقون على أساس أنّهم غربيّون، وأنَّ الغرب ينفتح عليهم باعتبارهم جزءًا منه.

هذا إضافةً إلى أنَّه حصل هناك نوعٌ من التَّحالف بين اليهود وبين الغرب أيّام الاتّحاد السّوفياتيّ، باعتبار أنَّ الواقع العربيّ والإسلاميّ كان في الجانب اليساريّ، واليهود كانوا في الجانب الغربيّ، فكانوا يوحون بأنّهم القوَّة الّتي تستطيع حماية المصالح الغربيَّة في المنطقة. فصار هناك حِلفٌ يهوديٌّ غربيٌّ، ثمَّ تطوَّرت الأوضاع، وصار هناك صراع بين الغربيّين أنفسهم، فأصبحت أوروبَّا أقلّ ضراوةً من أمريكا.

استثمار نقاط القوّة

وبالنّسبة إلينا، علينا أن نحاول وعي هذا الواقع، فلا نسقط أمامه، وأن نعرف أنَّنا أمام عدوّ يملك الكثير من القوَّة الَّتي لا نملكها نحن، وأوَّل شرط هو أن نثق بأنفسنا، وأن نستمدَّ القوَّة من الله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(‏التَّوبة: 40‏)، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(‏آل عمران: 173‏). فأن نثق بأنفسنا، هذا هو الشَّرط الأوَّل.

وعلينا أن نعتبر أنَّ موازين القوى ليست خالدةً: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}(‏آل عمران: 140‏)، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ}(‏آل عمران: 26‏). فالاتّحاد السّوفياتيّ الَّذي كانوا يسمّونه "الجبّار"، أين هو الآن؟ اليوم تعيش دوله كلّها في نطاق الضّعف والتّمزّق، بما فيها روسيا. وأمريكا أيضًا ليست خالدةً؛ هي جسمٌ كبيرٌ، ولكنَّه مليءٌ بالأمراض وغير موحَّد شعبيًّا.. لا نقول إنّها ستسقط بعد سنةٍ أو سنتين، ولكنَّها جسمٌ غير طبيعيٍّ وغير موحَّدٍ.

حفظ أمن المغتربات

لذلك علينا أن لا ننظر دائمًا إلى جانب القوَّة في القويّ، بل ننظر إلى جانب القوَّة وجانب الضّعف.. أنا عندي مقولةٌ كنت دائمًا أكرّرها، أنَّ القويَّ يختزن في داخله نقطة ضعفٍ، وأنَّ الضَّعيف يختزن في داخله نقطة قوّةٍ، وعلينا أن نحارب القويّ في نقاط ضعفه بنقاط قوَّتنا، بينما نحن نقوم بالعكس، نحارب نقاط قوَّته بنقاط ضعفنا... وأن ندرس كيف نستطيع أن نضعف العدوّ بهذا المعنى، وكيف نقوّي أنفسنا.

أنا دائمًا في الرّسائل الّتي أبعثها إلى كلّ المغتربات، أركّز على شيء أساسيّ، وهو أنّي أحرّم على كلّ شخصٍ يعيش هناك أن يقوم بأيّ عملٍ أمنيٍّ ضدّ البلد. لقد قلت لشبابنا في أفريقيا وأمريكا وأوروبَّا وكندا، وفي رسالتي إليكم أيضًا، كنت أقول في هذا المجال: حافظوا على أمن البلد الَّذي أنتم فيه... وأنا لا أقول هذا فقط من جهة مراعاة الأجهزة الأمنيَّة حتَّى يسمعونا نتحدَّث بهذه الطّريقة، لا؛ أنا حقيقة أقول ذلك، وحقيقةً أُحرّم ذلك.

هؤلاء النَّاس فتحوا لنا بلادهم؛ فعندما أحصل على الفيزا (تأشيرة الدّخول)، يعني أنَّ هناك ميثاقًا بيني وبينهم، فهم يستقبلونني في بلادهم على أن أحفظ أمن بلادهم.. هم يهيّئون لي المسكن لأنّني مشرّدٌ من بلادي، أو لأنّني لا أملك ظروف العيش الكريم فيها، فهذه الفيزا عبارةٌ عن ميثاقٍ بينك وبين البلد الَّذي أنت فيه، والله يقول: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}[‏الإسراء: 34‏].

النّقطة الثَّانية: لنفرض الآن أنَّ شخصًا ذهب وفجَّر سفارةً إسرائيليّةً أو قام بعملٍ مشابهٍ، فماذا نكون قد فعلنا؟ هل هدَّمنا إسرائيل؟ بالعكس، نضيّق بذلك على المغتربين، ويصبحون تحت رقابة المخابرات أكثر، وربّما يهجّرونهم أكثر، وتتفتَّح العيون عليهم أكثر. هنا نكون قد أحدثنا ضجّةً، لكنّنا لم نحصل على نتيجةٍ. عندما يصل الصّراع إلى القمَّة، حينها يكون هناك حسابٌ آخر، أمَّا عندما يكون الصّراع تقليديًّا وفي مواقع محدَّدةٍ، فلا فائدة من هذه الأعمال.

دعم المقاومة وتقويتها

إذا أردنا أن نكون أقوياء، فلنعمل على أن نقوّي أنفسنا، ونقوّي المقاومة هنا، نقوّي المقاومة ونقوّي مواقعها. إذا أردنا محاربة إسرائيل، فلنقوِّ الّذين يحاربونها، لا مشكلة في هذا المقام. وعندما تفرز الحرب بيننا وبين إسرائيل أيتامًا، فلنحمِ هؤلاء الأيتام حتّى لا يضيعوا. وهكذا، أن يفكّر الإنسان بشكلٍ إيجابيٍّ.

فأنا أقول إنَّ علينا أن نعمل على أن نثبت للغربيّين، ونحن نعيش معهم، وهم يراقبوننا، أنَّنا المنضبطون، نحافظ على أمنهم وأمن بلدهم، ونعيش فيما بيننا الوحدة والتَّعاون في قضايانا. لا ينبغي أن يرشق أحدنا الآخر بالحجارة أو التّهم، فأسوأ دعاية للعربيّ وللمسلم هي هذه الخلافات الَّتي تحدث هناك، ليس فقط في أستراليا، بل في كلّ مكان..

والعصبيَّات الموجودة هناك وفي كلّ مكان؛ أن يحقد طرف على طرف، وأن يبغض طرف طرفًا، فإنَّ ذلك لا يؤدّي إلَّا إلى نتيجة، أنَّ الجالية لا تستطيع إنشاء مشروع موحَّد، فيكون هناك مشاريع متعدّدة، وتصبح المشاريع كأنّها تعدّد دول...

كسب صداقة الشّعوب

إنَّ علينا أن نعمل لنثبت للغربيّين - ونحن نعيش معهم وهم يراقبوننا - أنّنا منضبطون، ونحافظ على أمنهم وبلدهم، ونعيش فيما بيننا بوحدةٍ ونتعاون في قضايانا، أن لا يرشق أحدنا الآخر بالحجارة أو بالتّهم، فأسوأ دعايةٍ للعربيّ والمسلم هي هذه الخلافات الّتي تحصل هناك. لا أقول في أستراليا فقط، بل في كلّ مكانٍ...

بهذا نستطيع أن نعطي الصّورة الحسنة، ونعرف كيف نخاطب الغرب. فمنذ البداية أقول: نحن عندنا خلافٌ مع الإدارة الأميركيّة، تمامًا كما يختلف بعضكم مع إدارته. نحن نحبّ أن نكون أصدقاء للأميركيّين، وأصدقاء للأوروبيّين، وأصدقاء للأستراليّين... الإسلام عوّدنا أن نفتّش عن أصدقاء لقضايانا. قد يقولون: هذا كلامٌ ليس ثوريًّا! بل هذا هو الكلام الثَّوريّ والاستراتيجيّ، فالَّذي يضحك هو الَّذي يضحك أخيرًا.

انظروا كم كان هناك تشويهٌ لصورتي في البداية! أمَّا الآن، فتأتي صحفٌ إيطاليّةٌ وفرنسيّةٌ، وتلفزيونٌ أميركيٌّ، ونتكلّم بكلّ حرّيّةٍ، وننتقد البابا مثلًا كيف اعترف بإسرائيل، وينشرون ذلك هناك {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(‏الإسراء: 53‏). أمَّا عندما يسمعون شخصًا يقول: "نريد أن ندمّر أمريكا"، فإنَّ اليهود يستغلّون هذا الكلام بسهولةٍ لتأليب الشَّعب الأميركيّ قائلين: "انظروا، العرب يريدون قتلكم وتدميركم!".

لذلك، أنا أقول إنَّ وجودكم هناك، ووجود إخواننا في كلّ المغتربات، يجب أن يكون بصورةٍ مشرقةٍ؛ أن يكون هناك تضامنٌ ومحبّةٌ فيما بينكم، واحترامٌ للنَّاس هناك. وبطبيعة الحال حينها، نكسب أصدقاء لقضايانا؛ وإلَّا فهي حربٌ إعلاميّةٌ مفتوحةٌ على مستوى العالَم. إنَّ قدراتنا ليست كبيرةً، ولا نملك إعلامًا قويًّا، ولكن نحاول بالمقدار الَّذي نملكه.

* من أسئلة توجّهت إلى سماحة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض) في لقائه مع الشَّباب المغترب في أستراليا، بتاريخ: 15/01/1997م.

التّحدّي الإعلاميّ

س: نريد أن نلفت النَّظر، مولانا، إلى أنَّ الجانب الإعلاميَّ في بلاد الاغتراب ضعيفٌ جدًّا، فهذه المشاريع الخيريَّة الَّتي تقومون بها هي مشاريع مهمَّة، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(‏التَّوبة: 105‏). وقد رأينا الكثير من النَّشاطات الّتي تقوم بها الجمعيَّة... ولكن نحن لا نريد أن يكون الرَّابط مع المموّل أو فاعل الخير مجرَّد رابطٍ ماليٍّ، حتّى لو كان يدفع حقَّه الشَّرعيّ، بل من المهمّ أن يكون الاتّصال مع المغترب مرَّتين أو ثلاثًا خلال السَّنة، ليبقى على اطّلاعٍ على أعمال المبرَّات، حتّى يعرف ماذا يجري قولًا وعملًا...

ج: أوافق على هذا الكلام مائة في المائة. وأنا منذ أن بدأت عملي في العراق، منذ ما يقارب الخمسة والأربعين عامًا، بدأت مع المستضعفين، فلم تكن لي علاقة بالمعنى الكبير مع أصحاب المال، وإن كان فيهم الخيّرون. لذلك، بالنّسبة إلى هذه المسألة، حتَّى حين ذهب الوفد إلى أستراليا، كنت أقول لهم إنَّ المسألة ليست أن تجمعوا المال فحسب، وإنَّما أن يعرف الإخوان والبلد طبيعة هذه المشاريع، حتَّى يتحمَّلوا هم مسؤوليَّتهم، لأنَّ الأمر بالنسبة إلينا أنّنا مرحلة في هذه المشاريع، وسنذهب ويأتي آخرون بعد ذلك.

لهذا، أنا شخصيًّا ليست عندي أيّ مشكلة، بل على العكس، عندي رغبة في أن ينسّق الإخوان في المبرَّات هنا مع الإخوان هناك، بحيث تُنقَل إليهم كلّ الأعمال والأشياء الموجودة هنا. أنا لا أمانع في ذلك، بل حتَّى في مسألة الأشرطة، كأشرطة الفيديو وغيرها، نحن مستعدّون من خلال مكتبنا أن نتعاون مع الإخوان، ويمكنكم الاتّفاق مع الشّباب على صيغة معيَّنة...

حرب الإعلام في الغرب

س: بخصوص التَّفاصيل، واقعًا، الإخوان عندنا يعيشون هواجس معيّنة، منها هاجس الإعلام الغربيّ... فنحن من خلال جمعيَّة المبرَّات في أستراليا، حاولنا أن نغيّر ولو جزءًا من إطار الصّورة الَّتي كانت تركّز على الشّيعة كإرهاب. ولكن من خلال جمعيَّة المبرَّات، تغيَّر جزء ولو بسيط.. لقد أخرجنا الطّائفة الشّيعيَّة من حالة أنَّها طائفة لا تفهم إلَّا بالقتل والدّمار، إلى حالة الطَّائفة الّتي عندها أيتام ومؤسَّسات اجتماعيّة وخيريّة وغيرها...

أذكر على سبيل المثال في الإعلام، يوم استشهاد السّيّد عبّاس الموسويّ، صُعقنا عندما رأينا على التّلفزيون الأستراليّ الرَّسميّ، أنَّ الخبر ابتدأ بصورة لطفلةٍ عمرها خمس سنوات، والمعلّق يقول: "اليوم قُتل المسؤول عن يُتْم هذه الفتاة"، وكانت الفتاة في الصّورة محاطة بالورود والأزهار الجميلة..

خطاب آخر من عام 93، فقد نقلت قناة سي أن أن صورة لمقاتل من تل الزَّعتر وكأنَّه وراء مكبّ نفايات، بينما نقلت صورة للجنديّ الإسرائيليّ من كريات شمونا يبدو بإمكانيَّات ضخمة... والإنسان الغربيّ يؤسر فورًا بهذه المشاهد القريبة جدًّا من مظاهر الحضارة.

أيضًا اللّغة؛ كثير من مسؤولينا هنا يخاطبون الإعلام الغربيّ باللّغة العربيَّة، بينما يخاطب نتنياهو الغرب باللّغة الأمريكيَّة وبنهج أستراليّ فورًا. نحن نخاطبهم بالعربيَّة أو ربَّما "باللّهجة الجنوبيَّة"، حتَّى إنَّ ابن بيروت أو مسؤولي بيروت قد لا يستمعون إلينا... نتمنَّى أن تُنقل هذه الأمور إلى المسؤولين القيّمين لتطوير العمل.

ج: نحن نعتبر أنَّ مسألة الإعلام هي حربٌ إعلاميّةٌ، وهي الّتي تتقدَّم الحرب العسكريّة، لأنّها حربٌ تعمل على أن تهزمك نفسيًّا، وأن تجعل الآخرين يتصوَّرونك بصورة الإنسان الَّذي يجب أن يُقتل، ويُشرَّد، ويُسحَق.. فهذا الموضوع أعتقد أنّه يجب علينا أن نفهمه بشكلٍ طبيعيٍّ.

أوّلًا بالنّسبة إلى اليهود، فهم تقريبًا يمسكون بأكثر مفاصل الإعلام العالَميّ، ويمسكون أيضًا بالكثير من مفاصل اقتصاد العالَم. واليهود في فلسطين المحتلَّة هم غربيّون، فأغلبهم عاشوا في أجواء الغرب.. والآن في داخل فلسطين، اليهود الشّرقيّون مواطنون من الدّرجة الثّانية، ولكنّ اليهود الغربيّين هم الحاكمون.

لذلك، انفتح الغرب على اليهود أوّلًا من خلال العُقدة الّتي استطاع اليهود أن يزرعوها في ذهنيّة الإنسان الغربيّ في قضيّة "هتلر"، والأساطير الّتي ركّزوها وألّفوها حول حجم اليهود الّذين أُحرقوا وصُفّوا وما إلى ذلك، بحيث إنَّ الألمان حتّى الآن يقولون: نحن نعيش تحت تأثير عقدة الذَّنب بالنّسبة إلى اليهود.

فإذًا، هم عندما ينطلقون، ينطلقون على أساس أنّهم غربيّون، وأنَّ الغرب ينفتح عليهم باعتبارهم جزءًا منه.

هذا إضافةً إلى أنَّه حصل هناك نوعٌ من التَّحالف بين اليهود وبين الغرب أيّام الاتّحاد السّوفياتيّ، باعتبار أنَّ الواقع العربيّ والإسلاميّ كان في الجانب اليساريّ، واليهود كانوا في الجانب الغربيّ، فكانوا يوحون بأنّهم القوَّة الّتي تستطيع حماية المصالح الغربيَّة في المنطقة. فصار هناك حِلفٌ يهوديٌّ غربيٌّ، ثمَّ تطوَّرت الأوضاع، وصار هناك صراع بين الغربيّين أنفسهم، فأصبحت أوروبَّا أقلّ ضراوةً من أمريكا.

استثمار نقاط القوّة

وبالنّسبة إلينا، علينا أن نحاول وعي هذا الواقع، فلا نسقط أمامه، وأن نعرف أنَّنا أمام عدوّ يملك الكثير من القوَّة الَّتي لا نملكها نحن، وأوَّل شرط هو أن نثق بأنفسنا، وأن نستمدَّ القوَّة من الله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(‏التَّوبة: 40‏)، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(‏آل عمران: 173‏). فأن نثق بأنفسنا، هذا هو الشَّرط الأوَّل.

وعلينا أن نعتبر أنَّ موازين القوى ليست خالدةً: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}(‏آل عمران: 140‏)، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ}(‏آل عمران: 26‏). فالاتّحاد السّوفياتيّ الَّذي كانوا يسمّونه "الجبّار"، أين هو الآن؟ اليوم تعيش دوله كلّها في نطاق الضّعف والتّمزّق، بما فيها روسيا. وأمريكا أيضًا ليست خالدةً؛ هي جسمٌ كبيرٌ، ولكنَّه مليءٌ بالأمراض وغير موحَّد شعبيًّا.. لا نقول إنّها ستسقط بعد سنةٍ أو سنتين، ولكنَّها جسمٌ غير طبيعيٍّ وغير موحَّدٍ.

حفظ أمن المغتربات

لذلك علينا أن لا ننظر دائمًا إلى جانب القوَّة في القويّ، بل ننظر إلى جانب القوَّة وجانب الضّعف.. أنا عندي مقولةٌ كنت دائمًا أكرّرها، أنَّ القويَّ يختزن في داخله نقطة ضعفٍ، وأنَّ الضَّعيف يختزن في داخله نقطة قوّةٍ، وعلينا أن نحارب القويّ في نقاط ضعفه بنقاط قوَّتنا، بينما نحن نقوم بالعكس، نحارب نقاط قوَّته بنقاط ضعفنا... وأن ندرس كيف نستطيع أن نضعف العدوّ بهذا المعنى، وكيف نقوّي أنفسنا.

أنا دائمًا في الرّسائل الّتي أبعثها إلى كلّ المغتربات، أركّز على شيء أساسيّ، وهو أنّي أحرّم على كلّ شخصٍ يعيش هناك أن يقوم بأيّ عملٍ أمنيٍّ ضدّ البلد. لقد قلت لشبابنا في أفريقيا وأمريكا وأوروبَّا وكندا، وفي رسالتي إليكم أيضًا، كنت أقول في هذا المجال: حافظوا على أمن البلد الَّذي أنتم فيه... وأنا لا أقول هذا فقط من جهة مراعاة الأجهزة الأمنيَّة حتَّى يسمعونا نتحدَّث بهذه الطّريقة، لا؛ أنا حقيقة أقول ذلك، وحقيقةً أُحرّم ذلك.

هؤلاء النَّاس فتحوا لنا بلادهم؛ فعندما أحصل على الفيزا (تأشيرة الدّخول)، يعني أنَّ هناك ميثاقًا بيني وبينهم، فهم يستقبلونني في بلادهم على أن أحفظ أمن بلادهم.. هم يهيّئون لي المسكن لأنّني مشرّدٌ من بلادي، أو لأنّني لا أملك ظروف العيش الكريم فيها، فهذه الفيزا عبارةٌ عن ميثاقٍ بينك وبين البلد الَّذي أنت فيه، والله يقول: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}[‏الإسراء: 34‏].

النّقطة الثَّانية: لنفرض الآن أنَّ شخصًا ذهب وفجَّر سفارةً إسرائيليّةً أو قام بعملٍ مشابهٍ، فماذا نكون قد فعلنا؟ هل هدَّمنا إسرائيل؟ بالعكس، نضيّق بذلك على المغتربين، ويصبحون تحت رقابة المخابرات أكثر، وربّما يهجّرونهم أكثر، وتتفتَّح العيون عليهم أكثر. هنا نكون قد أحدثنا ضجّةً، لكنّنا لم نحصل على نتيجةٍ. عندما يصل الصّراع إلى القمَّة، حينها يكون هناك حسابٌ آخر، أمَّا عندما يكون الصّراع تقليديًّا وفي مواقع محدَّدةٍ، فلا فائدة من هذه الأعمال.

دعم المقاومة وتقويتها

إذا أردنا أن نكون أقوياء، فلنعمل على أن نقوّي أنفسنا، ونقوّي المقاومة هنا، نقوّي المقاومة ونقوّي مواقعها. إذا أردنا محاربة إسرائيل، فلنقوِّ الّذين يحاربونها، لا مشكلة في هذا المقام. وعندما تفرز الحرب بيننا وبين إسرائيل أيتامًا، فلنحمِ هؤلاء الأيتام حتّى لا يضيعوا. وهكذا، أن يفكّر الإنسان بشكلٍ إيجابيٍّ.

فأنا أقول إنَّ علينا أن نعمل على أن نثبت للغربيّين، ونحن نعيش معهم، وهم يراقبوننا، أنَّنا المنضبطون، نحافظ على أمنهم وأمن بلدهم، ونعيش فيما بيننا الوحدة والتَّعاون في قضايانا. لا ينبغي أن يرشق أحدنا الآخر بالحجارة أو التّهم، فأسوأ دعاية للعربيّ وللمسلم هي هذه الخلافات الَّتي تحدث هناك، ليس فقط في أستراليا، بل في كلّ مكان..

والعصبيَّات الموجودة هناك وفي كلّ مكان؛ أن يحقد طرف على طرف، وأن يبغض طرف طرفًا، فإنَّ ذلك لا يؤدّي إلَّا إلى نتيجة، أنَّ الجالية لا تستطيع إنشاء مشروع موحَّد، فيكون هناك مشاريع متعدّدة، وتصبح المشاريع كأنّها تعدّد دول...

كسب صداقة الشّعوب

إنَّ علينا أن نعمل لنثبت للغربيّين - ونحن نعيش معهم وهم يراقبوننا - أنّنا منضبطون، ونحافظ على أمنهم وبلدهم، ونعيش فيما بيننا بوحدةٍ ونتعاون في قضايانا، أن لا يرشق أحدنا الآخر بالحجارة أو بالتّهم، فأسوأ دعايةٍ للعربيّ والمسلم هي هذه الخلافات الّتي تحصل هناك. لا أقول في أستراليا فقط، بل في كلّ مكانٍ...

بهذا نستطيع أن نعطي الصّورة الحسنة، ونعرف كيف نخاطب الغرب. فمنذ البداية أقول: نحن عندنا خلافٌ مع الإدارة الأميركيّة، تمامًا كما يختلف بعضكم مع إدارته. نحن نحبّ أن نكون أصدقاء للأميركيّين، وأصدقاء للأوروبيّين، وأصدقاء للأستراليّين... الإسلام عوّدنا أن نفتّش عن أصدقاء لقضايانا. قد يقولون: هذا كلامٌ ليس ثوريًّا! بل هذا هو الكلام الثَّوريّ والاستراتيجيّ، فالَّذي يضحك هو الَّذي يضحك أخيرًا.

انظروا كم كان هناك تشويهٌ لصورتي في البداية! أمَّا الآن، فتأتي صحفٌ إيطاليّةٌ وفرنسيّةٌ، وتلفزيونٌ أميركيٌّ، ونتكلّم بكلّ حرّيّةٍ، وننتقد البابا مثلًا كيف اعترف بإسرائيل، وينشرون ذلك هناك {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(‏الإسراء: 53‏). أمَّا عندما يسمعون شخصًا يقول: "نريد أن ندمّر أمريكا"، فإنَّ اليهود يستغلّون هذا الكلام بسهولةٍ لتأليب الشَّعب الأميركيّ قائلين: "انظروا، العرب يريدون قتلكم وتدميركم!".

لذلك، أنا أقول إنَّ وجودكم هناك، ووجود إخواننا في كلّ المغتربات، يجب أن يكون بصورةٍ مشرقةٍ؛ أن يكون هناك تضامنٌ ومحبّةٌ فيما بينكم، واحترامٌ للنَّاس هناك. وبطبيعة الحال حينها، نكسب أصدقاء لقضايانا؛ وإلَّا فهي حربٌ إعلاميّةٌ مفتوحةٌ على مستوى العالَم. إنَّ قدراتنا ليست كبيرةً، ولا نملك إعلامًا قويًّا، ولكن نحاول بالمقدار الَّذي نملكه.

* من أسئلة توجّهت إلى سماحة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض) في لقائه مع الشَّباب المغترب في أستراليا، بتاريخ: 15/01/1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية