في رحابِ دُعَاءِ الإمامِ زينِ العابدين (ع) لأهلِ الثّغور

في رحابِ دُعَاءِ الإمامِ زينِ العابدين (ع) لأهلِ الثّغور

أهل الثّغور
للجهاد - الَّذي هو فريضةٌ إسلاميَّةٌ واجبةٌ على المسلمين بشروطها الخاصَّة - مستلزماته العمليَّة في خطّ المواجهة، في الإعداد والتَّهيئة ومراقبة الظّروف السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة المحيطة بالساحة الَّتي يتحرك فيها الصّراع بين المسلمين والكافرين والمستكبرين.
ومن بين هذه المستلزمات الضَّروريَّة، المرابطة على الحدود الفاصلة بين المسلمين وبين أعدائهم، والَّتي يمكن أن ينفذ العدوّ منها إلى المسلمين في الدَّاخل، الأمر الَّذي يفرض وجود قوّةٍ كافية للمراقبة والمرابطة، حتَّى يتعرَّفوا خطط الأعداء، ويرصدوا تحركاتهم، ويواجهوا عدوانهم، ريثما يأتي المدد القادم من جيش المسلمين في الدَّاخل.
ويطلق على أفراد هذه القوَّة أهل الثّغور، وهم المسلمون المرابطون بها، الملازمون لحفظها، سواء كانوا من أهل هذا الموقع أو من بلاد أخرى.
الرّؤية الإسلاميّة للجهاد
ويعدّ هذا الدعاء للإمام زين العابدين (ع) وثيقة حيّة للتصوّر الإسلامي الَّذي يحمله الإنسان المؤمن عن الموقف من المحاربين في الفكرة والتصوّر، ممّا يدخل فيه الكثير من المفردات المتَّصلة بالمجاهدين من حيث استغراقهم في المسألة الجهاديَّة، وابتعادهم عن كلّ خصوصيَّاتهم العائلية والذاتية، على أساس انفتاحهم على الله في ثوابه،
وفي مقابل ذلك، يتضمّن الدعاء موقفًا واضحًا من العدوّ، بتحريك التمنّيات والدّعوات في إسقاطه نفسياً وعسكرياً، بما يحقّق الشَّلل الذَّاتيّ والعسكريّ والعدديّ والجسديّ والاجتماعيّ والواقع الطَّبيعيّ من حوله، ويقابل ذلك، الإيحاء بأنَّ المسألة ليست حركة عدوانيَّة للسَّيطرة على النَّاس تحت تأثير العنفوان الذَّاتي للتسلط والتجبّر والتكبر، بل هي مسألة وقائيَّة تارة، ودفاعيَّة أخرى، وحركيَّة ثالثة، من أجل أن يكون للإسلام دوره في حرية الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من دون حاجزٍ أو مانع، لأنَّ المطلوب هو بسط سلطة الله على الأرض من خلال رسالته، ليعرف النَّاس ربَّهم عندما تنفتح لهم الفرص الواسعة للمعرفة، وليؤمنوا من خلال هذه المعرفة، لتكون المسألة أقرب إلى إيجاد الظّروف الملائمة للاطّلاع على الواقع الإسلامي في الفكر والعمل، ما قد يفتح لهم آفاق التَّفكير والحوار بعيداً من الضّغوط الَّتي تفرضها سلطة الكفر عليهم لتمنعهم من المعرفة تارةً، ومن اتخاذ الموقف الإيجابي للانتماء إلى الإسلام تارة أخرى.
إنَّ القضيَّة في الإسلام في نظرته إلى الواقع، هي أنَّ الشّرك مشكلة كبرى للإنسانيَّة، ولذلك، لا بدَّ من مواجهتها بكلّ حزم، لأنَّها تسيء إلى الواقع الإنساني من حيث تأثيرها السلبي في نظرته إلى الكون والحياة في قضية العقيدة والسلوك.
ولم تكن القوة العسكرية هي السبيل للمواجهة، بل كان الحوار والدَّعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنَّ الشّرك أعلن الحرب على التوحيد ومنعه من ممارسة حريته، واضطهد أتباعه، وعمل على الإجهاز عليه بكلّ الوسائل، حتَّى ضاقت الأرض على المسلمين بما رحبت، وأخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلَّا أن يقولوا ربّنا الله، واستضعفوا في أنفسهم وأهلهم وأموالهم، وهذا ما جعل من الحرب الإسلاميَّة حرباً دفاعيَّة وقائيَّة كما ألمحنا إلى ذلك.
كلمات العنف في الدّعاء
وقد تضمّن الدعاء عنفاً شعورياً ضدّ المشركين، من أجل التّطلّع إلى هزيمتهم بمختلف الوسائل الضَّاغطة الَّتي تحاصرهم من كلّ جهةٍ، حتَّى على مستوى مزج مياههم بالوباء، وأطعمتهم بالأدواء، وإنزال الخسف والمحل بأرضهم، وإبعاد مؤونتهم عن متناول أيديهم، وإصابتهم بالجوع والمرض، وتعقيم أرحام نسائهم، وتيبيس أصلاب رجالهم، وقطع نسل دوابّهم وأنعامهم، ومنع سمائهم من القطر، وأرضهم من الإنبات.
وقد يقف بعض النَّاس أمام هذا العنف المدمّر في المسألة الشعوريَّة، بأنَّه لا يتناسب مع إنسانيَّة الإسلام الذي لا يريد إثارة الآلام في نفوس النّاس، فلا يحبّ لهم إلَّا الخير والراحة والنموّ والازدهار! ولكنَّ نظرتنا إلى أجواء الدعاء وسياقه تؤدّي بنا إلى اكتشاف الجوّ الَّذي تتحرك فيه هذه المفردات في دائرة العنف، وهو جوّ الحرب المنفتح على كلّ الوسائل التي تمهّد للنَّصر وتهزم العدوّ، فليست المسألة مسألة إحساس عدواني ضدّ هؤلاء النَّاس في ذواتهم، بل هي مسألة تطّلع فكريّ وعمليّ إلى الأجواء الَّتي تمنعهم من العدوان، فتحاصرهم بأملاكهم الخاصَّة، وأوضاعهم المعقَّدة، وتخفّف من قوّتهم، وتحصد شوكتهم، وتدمّر قدرتهم، وتهزم بأسهم.
وهكذا نجد أنَّ هذا الدّعاء يتحدَّث عن إشغال المشركين بالمشركين عن تناول أطراف المسلمين، وأخذهم بالنقص عن تنقيصهم، وتثبيطهم بالفرقة عن الاحتشاد عليهم، ما يوحي بأنَّ المسألة لم تنطلق من عقدةٍ، بل من شعور حيّ بالحاجة إلى توفير الظّروف الصَّعبة في ساحاتهم، بالدّرجة الَّتي تمنعهم من العدوان على المسلمين بتناول أطراف بلادهم، والهجوم عليهم، وحشد الجنود في مقابلهم، الأمر الَّذي يجعل القضيَّة شبيهةً بأساليب الحرب الحارَّة في تدميرها وعنفها وضغطها على الأعداء، وذلك في الدَّائرة المحدودة الَّتي لا بدَّ فيها من إثارة المشاعر، وشدّ الهمم، وتقوية العزيمة، وحسم الموقف.
مساندة المجاهدين
ونلاحظ في هذا الدّعاء وجهاً آخر في الحديث عن المجاهدين، يتمثَّل في إبراز المقصد الأساس من عمليّة الجهاد، فهم لا يجاهدون من أجل الحصول على غنيمةٍ ماديَّة أو سيطرةٍ عدوانيَّة، بل يجاهدون ليكون دين الله هو الأعلى، وحزبه هو الأقوى، وحظّه هو الأوفى، فالقضيَّة تتَّصل بحماية الإنسان من خطوات الشَّيطان، وانفتاحه على الله، من أجل أن يكون الدّين كلّه لله، كما هو الأمر كلّه له.
ويتابع الدعاء النفاذ إلى الواقع الدَّاخلي للمجاهد، بكلّ الأمور الَّتي تشدّ من عزيمته، وتقوّي من موقفه، وتخفّف من التأثيرات السلبيَّة عليه، وتدفعه إلى روحيَّة الجرأة والاقتحام والشدّة في موقع المواجهة، وتفتح له أبواب النَّصر، وتنطلق به إلى وعي الإسلام في أحكامه وسننه، والتَّسديد في الحكم على الواقع الَّذي يتحرك فيه، والبعد عن الرياء والسّمعة، والاستغراق في الله، ذكراً وحركة وهدفاً، حتَّى لا يخضع للأفكار الذاتيَّة الَّتي تبعده عن الهدف الكبير في الجهاد في سبيله، والتحرّك نحو العدوّ بروحيَّة الإنسان الَّذي يرى عدوّه قليلاً في عدده، صغيراً في شأنه، حتَّى ينطلق إليهم من خلال روحيَّة القوّة الواعية المتحدِّية الَّتي تنزل بالعدوّ الخسائر الكبرى، وتحقّق للمسلمين النَّصر العظيم، لتكون شهادة الشّهداء، بعد الوصول إلى الغاية من الجهاد، في حفظ أمن البلاد الإسلاميَّة من غزوٍ جديد، وفي هزيمة العدوّ وإضعافه بالدَّرجة الَّتي لا يفكّر معها في عدوان جديد.
وتنطلق خاتمة الدّعاء، لتؤكّد ضرورة وقوف المسلمين جميعًا وراء المجاهدين من إخوانهم وأبنائهم، من خلال تعهّد أبنائهم أثناء غيابهم، وتقديم المال والسّلاح إليهم عند الحاجة، والدّعاء لهم بالنَّصر، والاهتمام بكلّ ما يهمّهم، والاستعداد للمشاركة معهم عند حاجتهم إلى المدد، حتَّى إذا قعد ببعضهم الضّعف عن الجهاد، أو الحالات الصّعبة الَّتي لا يستطيعون تجاوزها أو غير ذلك، فإنَّهم يبقون في حالة الاستعداد النفسي، والهمّ القلبي، والتوتر الشعوري الَّذي يجعل منهم القوة الشعبيَّة التي تقدّم الدَّعم الروحيّ والشّعوريّ والإمداد المادّيّ، ليكونوا الجبهة الخلفيَّة المساندة بالفكر والرّوح والعمل.
الوحدة ضدّ العدوّ
وهناك نقطة مهمّةً في إيحاءات هذا الدّعاء، وهي الوحدة الإسلاميَّة أمام التحديات الكبيرة الَّتي تواجه المسلمين جميعاً من خلال عدوان الكافرين عليهم، فلا مجال لإثارة الخلافات المذهبيَّة في هذا المجال، إذا كان الفريق الَّذي يقود المعركة ضدّ العدوّ من مذهب يختلف عن مذهبنا، أو من فريق يختلف عن فريقنا، من خلال مشكلةٍ داخليَّةٍ أو عقدةٍ سياسيَّةٍ أو ما إلى ذلك، لأنَّ المسألة ليست مسألة المعركة، أو إثارة السلبيَّات ضدّ الجهة الَّتي تقودها، بل هي مسألة انتصار الإسلام على الكفر، باعتبار أنَّ هذه الجهة تمثل الإسلام في حركته الأمنيَّة أو الجهاديَّة، ما يجعل من سقوطها سقوطاً للإسلام كلّه وللمسلمين كلّهم، ومن انتصارها انتصاراً له ولهم، فتكون المعركة واحدةً من وجه واحد لهدف واحدٍ، حتَّى إذا وضعت الحرب أوزارها، أمكن للخلافات والمواقف أن تأخذ دورها في ساحة الصّراع الفكريّ والعمليّ.
ولا يقتصر الأمر - في المصلحة الإسلاميَّة العليا - على الدائرة الجهادية، بل يمتد إلى الدائرة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، عندما تنطلق التحديات الكبيرة في مواجهة الواقع الإسلامي في هذه الدّوائر كلها، ليبقى الجميع في صفّ واحد في خطّ المواجهة، للتغلّب على الخطر الدَّاهم على الجميع.
وهذا الَّذي عاشه الإمام زين العابدين (ع) الَّذي كان يدعو لأهل الثّغور الَّذين هم من فريق بني أميَّة في حربهم الَّتي كانوا يخوضونها ضدّ العدوان الكافر، فلم يتوقَّف الإمام (ع) أمام هذا الواقع ليتذكَّر ما فعله بنو أميَّة بأبيه وإخوته وأقربائه وأوليائه في كربلاء، من الفظائع الوحشيَّة، وما فعلوه به وبنساء أهل بيته وأصحاب أبيه من السَّبي بالطَّريقة الَّتي لا يصبر عليها الإنسان، ولا ينسى ذكرها في حياته كلّها، لِما لذلك كلّه من التَّأثيرات الشّعوريَّة والنَّفسيَّة في هذا الواقع المأساوي الأليم، بل انطلق في وعيه للمسألة ليواجه طبيعة المعركة، ليجد أنَّها معركة الإسلام مع الكفر الَّتي تتوقَّف على نتائجها قوَّة الإسلام وحريَّة المسلمين وعزَّتهم وكرامتهم وثبات مواقعهم، وليست معركة بني أميَّة لتثبيت سلطانهم وتأكيد سيطرتهم، لتكون الحسابات الخاصَّة واردة هذا الجوّ، على أساس أنَّهم لا يمثّلون - في نظر الإمام (ع) - السّلطة الشَّرعيَّة الإسلاميَّة.
وهكذا رأيناه يبتهل إلى الله في نصرة جيش الإسلام على جيش الكفر، ويدعو المسلمين جميعاً إلى الوقوف معه، حتَّى تكون كلمة الله هي العليا وحزبه هو الأقوى، بقطع النَّظر عن طبيعة القيادة وطبيعة النَّتائج الكبرى الَّتي يحقّقها النَّصر لها في الدَّاخل.
المعارضة والقضايا الكبرى
وفي ضوء ذلك كلّه، نستوحي من هذا الدّعاء في روحه ووحيه، الخطوط الكبرى لحركة المعارضة السياسيَّة أو الفكريَّة في الدَّاخل، في موقفها من المعارك الَّتي يخوضها الحكم الَّذي يراد إسقاطه من قبلها، فلا بدَّ من دراسة طبيعة المعركة وعلاقتها بالقضايا المصيريَّة سلباً أو إيجاباً، ليتحدَّد الموقف على أساس ذلك، فلا يجوز - تحت أيّ اعتبار - الوقوف مع قوى الكفر والاستكبار ضدّ السّلطة المسلمة في الدَّاخل، إذا كانت القضيّة تتَّصل بالقضايا الكبرى المتَّصلة بالواقع الإسلاميّ كلّه، ولا سيَّما إذا كانت هذه القوى تمثّل قوةً كبرى تهدّد الوجود الإسلاميَّ والمصالح الإسلاميَّة العليا، بحيث يكون تدخّلها في البلاد الإسلاميَّة من خلال بعض القوى السياسيَّة أو الاقتصاديَّة مما ينتج نتيجةً عكسيَّة للمعارضة، لأنَّها إذا كانت تعمل على التخلّص من هذا الحكم أو هذه السّلطة للتَّخلص من ظلمهما، فإنَّ ظلم الاستكبار العالميّ يتقدَّم عليه في حجمه من حيث الآثار والنَّتائج، فلا يجوز للمعارضة القيام بذلك إلَّا في الحالات الَّتي تتحوَّل فيها الأوضاع الداخليَّة إلى اختناق يؤدّي إلى الموت السياسي أو الاقتصادي، فقد يمكن لها في هذه الحالة أن تدرس مسألة الاستعانة بالقوى الأخرى في ضمن قيودٍ معيَّنة تحمي الإسلام والمسلمين من النتائج السلبية المترتبة على ذلك.
إنَّ الإمام زين العابدين (ع) يبرز في هذا الدّعاء كإمام عظيم يترفَّع بإمامته عن كلّ الأحقاد والعداوات، فلا يرى أمامه إلَّا أنَّ هناك معركة للإسلام والمسلمين لا بدَّ للأمَّة كلّها، بجميع مذاهبها، من الوقوف معها بكلّ قوّة وثبات، وانطلاقاً من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصّفّ: 4].
 
* من كتاب "آفاق الرّوح"، ج2 – شرح الصَّحيفة السجاديَّة – من دعاء الامام زين العابدين (ع) لأهل الثّغور.
 
 
أهل الثّغور
للجهاد - الَّذي هو فريضةٌ إسلاميَّةٌ واجبةٌ على المسلمين بشروطها الخاصَّة - مستلزماته العمليَّة في خطّ المواجهة، في الإعداد والتَّهيئة ومراقبة الظّروف السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة المحيطة بالساحة الَّتي يتحرك فيها الصّراع بين المسلمين والكافرين والمستكبرين.
ومن بين هذه المستلزمات الضَّروريَّة، المرابطة على الحدود الفاصلة بين المسلمين وبين أعدائهم، والَّتي يمكن أن ينفذ العدوّ منها إلى المسلمين في الدَّاخل، الأمر الَّذي يفرض وجود قوّةٍ كافية للمراقبة والمرابطة، حتَّى يتعرَّفوا خطط الأعداء، ويرصدوا تحركاتهم، ويواجهوا عدوانهم، ريثما يأتي المدد القادم من جيش المسلمين في الدَّاخل.
ويطلق على أفراد هذه القوَّة أهل الثّغور، وهم المسلمون المرابطون بها، الملازمون لحفظها، سواء كانوا من أهل هذا الموقع أو من بلاد أخرى.
الرّؤية الإسلاميّة للجهاد
ويعدّ هذا الدعاء للإمام زين العابدين (ع) وثيقة حيّة للتصوّر الإسلامي الَّذي يحمله الإنسان المؤمن عن الموقف من المحاربين في الفكرة والتصوّر، ممّا يدخل فيه الكثير من المفردات المتَّصلة بالمجاهدين من حيث استغراقهم في المسألة الجهاديَّة، وابتعادهم عن كلّ خصوصيَّاتهم العائلية والذاتية، على أساس انفتاحهم على الله في ثوابه،
وفي مقابل ذلك، يتضمّن الدعاء موقفًا واضحًا من العدوّ، بتحريك التمنّيات والدّعوات في إسقاطه نفسياً وعسكرياً، بما يحقّق الشَّلل الذَّاتيّ والعسكريّ والعدديّ والجسديّ والاجتماعيّ والواقع الطَّبيعيّ من حوله، ويقابل ذلك، الإيحاء بأنَّ المسألة ليست حركة عدوانيَّة للسَّيطرة على النَّاس تحت تأثير العنفوان الذَّاتي للتسلط والتجبّر والتكبر، بل هي مسألة وقائيَّة تارة، ودفاعيَّة أخرى، وحركيَّة ثالثة، من أجل أن يكون للإسلام دوره في حرية الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من دون حاجزٍ أو مانع، لأنَّ المطلوب هو بسط سلطة الله على الأرض من خلال رسالته، ليعرف النَّاس ربَّهم عندما تنفتح لهم الفرص الواسعة للمعرفة، وليؤمنوا من خلال هذه المعرفة، لتكون المسألة أقرب إلى إيجاد الظّروف الملائمة للاطّلاع على الواقع الإسلامي في الفكر والعمل، ما قد يفتح لهم آفاق التَّفكير والحوار بعيداً من الضّغوط الَّتي تفرضها سلطة الكفر عليهم لتمنعهم من المعرفة تارةً، ومن اتخاذ الموقف الإيجابي للانتماء إلى الإسلام تارة أخرى.
إنَّ القضيَّة في الإسلام في نظرته إلى الواقع، هي أنَّ الشّرك مشكلة كبرى للإنسانيَّة، ولذلك، لا بدَّ من مواجهتها بكلّ حزم، لأنَّها تسيء إلى الواقع الإنساني من حيث تأثيرها السلبي في نظرته إلى الكون والحياة في قضية العقيدة والسلوك.
ولم تكن القوة العسكرية هي السبيل للمواجهة، بل كان الحوار والدَّعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنَّ الشّرك أعلن الحرب على التوحيد ومنعه من ممارسة حريته، واضطهد أتباعه، وعمل على الإجهاز عليه بكلّ الوسائل، حتَّى ضاقت الأرض على المسلمين بما رحبت، وأخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلَّا أن يقولوا ربّنا الله، واستضعفوا في أنفسهم وأهلهم وأموالهم، وهذا ما جعل من الحرب الإسلاميَّة حرباً دفاعيَّة وقائيَّة كما ألمحنا إلى ذلك.
كلمات العنف في الدّعاء
وقد تضمّن الدعاء عنفاً شعورياً ضدّ المشركين، من أجل التّطلّع إلى هزيمتهم بمختلف الوسائل الضَّاغطة الَّتي تحاصرهم من كلّ جهةٍ، حتَّى على مستوى مزج مياههم بالوباء، وأطعمتهم بالأدواء، وإنزال الخسف والمحل بأرضهم، وإبعاد مؤونتهم عن متناول أيديهم، وإصابتهم بالجوع والمرض، وتعقيم أرحام نسائهم، وتيبيس أصلاب رجالهم، وقطع نسل دوابّهم وأنعامهم، ومنع سمائهم من القطر، وأرضهم من الإنبات.
وقد يقف بعض النَّاس أمام هذا العنف المدمّر في المسألة الشعوريَّة، بأنَّه لا يتناسب مع إنسانيَّة الإسلام الذي لا يريد إثارة الآلام في نفوس النّاس، فلا يحبّ لهم إلَّا الخير والراحة والنموّ والازدهار! ولكنَّ نظرتنا إلى أجواء الدعاء وسياقه تؤدّي بنا إلى اكتشاف الجوّ الَّذي تتحرك فيه هذه المفردات في دائرة العنف، وهو جوّ الحرب المنفتح على كلّ الوسائل التي تمهّد للنَّصر وتهزم العدوّ، فليست المسألة مسألة إحساس عدواني ضدّ هؤلاء النَّاس في ذواتهم، بل هي مسألة تطّلع فكريّ وعمليّ إلى الأجواء الَّتي تمنعهم من العدوان، فتحاصرهم بأملاكهم الخاصَّة، وأوضاعهم المعقَّدة، وتخفّف من قوّتهم، وتحصد شوكتهم، وتدمّر قدرتهم، وتهزم بأسهم.
وهكذا نجد أنَّ هذا الدّعاء يتحدَّث عن إشغال المشركين بالمشركين عن تناول أطراف المسلمين، وأخذهم بالنقص عن تنقيصهم، وتثبيطهم بالفرقة عن الاحتشاد عليهم، ما يوحي بأنَّ المسألة لم تنطلق من عقدةٍ، بل من شعور حيّ بالحاجة إلى توفير الظّروف الصَّعبة في ساحاتهم، بالدّرجة الَّتي تمنعهم من العدوان على المسلمين بتناول أطراف بلادهم، والهجوم عليهم، وحشد الجنود في مقابلهم، الأمر الَّذي يجعل القضيَّة شبيهةً بأساليب الحرب الحارَّة في تدميرها وعنفها وضغطها على الأعداء، وذلك في الدَّائرة المحدودة الَّتي لا بدَّ فيها من إثارة المشاعر، وشدّ الهمم، وتقوية العزيمة، وحسم الموقف.
مساندة المجاهدين
ونلاحظ في هذا الدّعاء وجهاً آخر في الحديث عن المجاهدين، يتمثَّل في إبراز المقصد الأساس من عمليّة الجهاد، فهم لا يجاهدون من أجل الحصول على غنيمةٍ ماديَّة أو سيطرةٍ عدوانيَّة، بل يجاهدون ليكون دين الله هو الأعلى، وحزبه هو الأقوى، وحظّه هو الأوفى، فالقضيَّة تتَّصل بحماية الإنسان من خطوات الشَّيطان، وانفتاحه على الله، من أجل أن يكون الدّين كلّه لله، كما هو الأمر كلّه له.
ويتابع الدعاء النفاذ إلى الواقع الدَّاخلي للمجاهد، بكلّ الأمور الَّتي تشدّ من عزيمته، وتقوّي من موقفه، وتخفّف من التأثيرات السلبيَّة عليه، وتدفعه إلى روحيَّة الجرأة والاقتحام والشدّة في موقع المواجهة، وتفتح له أبواب النَّصر، وتنطلق به إلى وعي الإسلام في أحكامه وسننه، والتَّسديد في الحكم على الواقع الَّذي يتحرك فيه، والبعد عن الرياء والسّمعة، والاستغراق في الله، ذكراً وحركة وهدفاً، حتَّى لا يخضع للأفكار الذاتيَّة الَّتي تبعده عن الهدف الكبير في الجهاد في سبيله، والتحرّك نحو العدوّ بروحيَّة الإنسان الَّذي يرى عدوّه قليلاً في عدده، صغيراً في شأنه، حتَّى ينطلق إليهم من خلال روحيَّة القوّة الواعية المتحدِّية الَّتي تنزل بالعدوّ الخسائر الكبرى، وتحقّق للمسلمين النَّصر العظيم، لتكون شهادة الشّهداء، بعد الوصول إلى الغاية من الجهاد، في حفظ أمن البلاد الإسلاميَّة من غزوٍ جديد، وفي هزيمة العدوّ وإضعافه بالدَّرجة الَّتي لا يفكّر معها في عدوان جديد.
وتنطلق خاتمة الدّعاء، لتؤكّد ضرورة وقوف المسلمين جميعًا وراء المجاهدين من إخوانهم وأبنائهم، من خلال تعهّد أبنائهم أثناء غيابهم، وتقديم المال والسّلاح إليهم عند الحاجة، والدّعاء لهم بالنَّصر، والاهتمام بكلّ ما يهمّهم، والاستعداد للمشاركة معهم عند حاجتهم إلى المدد، حتَّى إذا قعد ببعضهم الضّعف عن الجهاد، أو الحالات الصّعبة الَّتي لا يستطيعون تجاوزها أو غير ذلك، فإنَّهم يبقون في حالة الاستعداد النفسي، والهمّ القلبي، والتوتر الشعوري الَّذي يجعل منهم القوة الشعبيَّة التي تقدّم الدَّعم الروحيّ والشّعوريّ والإمداد المادّيّ، ليكونوا الجبهة الخلفيَّة المساندة بالفكر والرّوح والعمل.
الوحدة ضدّ العدوّ
وهناك نقطة مهمّةً في إيحاءات هذا الدّعاء، وهي الوحدة الإسلاميَّة أمام التحديات الكبيرة الَّتي تواجه المسلمين جميعاً من خلال عدوان الكافرين عليهم، فلا مجال لإثارة الخلافات المذهبيَّة في هذا المجال، إذا كان الفريق الَّذي يقود المعركة ضدّ العدوّ من مذهب يختلف عن مذهبنا، أو من فريق يختلف عن فريقنا، من خلال مشكلةٍ داخليَّةٍ أو عقدةٍ سياسيَّةٍ أو ما إلى ذلك، لأنَّ المسألة ليست مسألة المعركة، أو إثارة السلبيَّات ضدّ الجهة الَّتي تقودها، بل هي مسألة انتصار الإسلام على الكفر، باعتبار أنَّ هذه الجهة تمثل الإسلام في حركته الأمنيَّة أو الجهاديَّة، ما يجعل من سقوطها سقوطاً للإسلام كلّه وللمسلمين كلّهم، ومن انتصارها انتصاراً له ولهم، فتكون المعركة واحدةً من وجه واحد لهدف واحدٍ، حتَّى إذا وضعت الحرب أوزارها، أمكن للخلافات والمواقف أن تأخذ دورها في ساحة الصّراع الفكريّ والعمليّ.
ولا يقتصر الأمر - في المصلحة الإسلاميَّة العليا - على الدائرة الجهادية، بل يمتد إلى الدائرة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، عندما تنطلق التحديات الكبيرة في مواجهة الواقع الإسلامي في هذه الدّوائر كلها، ليبقى الجميع في صفّ واحد في خطّ المواجهة، للتغلّب على الخطر الدَّاهم على الجميع.
وهذا الَّذي عاشه الإمام زين العابدين (ع) الَّذي كان يدعو لأهل الثّغور الَّذين هم من فريق بني أميَّة في حربهم الَّتي كانوا يخوضونها ضدّ العدوان الكافر، فلم يتوقَّف الإمام (ع) أمام هذا الواقع ليتذكَّر ما فعله بنو أميَّة بأبيه وإخوته وأقربائه وأوليائه في كربلاء، من الفظائع الوحشيَّة، وما فعلوه به وبنساء أهل بيته وأصحاب أبيه من السَّبي بالطَّريقة الَّتي لا يصبر عليها الإنسان، ولا ينسى ذكرها في حياته كلّها، لِما لذلك كلّه من التَّأثيرات الشّعوريَّة والنَّفسيَّة في هذا الواقع المأساوي الأليم، بل انطلق في وعيه للمسألة ليواجه طبيعة المعركة، ليجد أنَّها معركة الإسلام مع الكفر الَّتي تتوقَّف على نتائجها قوَّة الإسلام وحريَّة المسلمين وعزَّتهم وكرامتهم وثبات مواقعهم، وليست معركة بني أميَّة لتثبيت سلطانهم وتأكيد سيطرتهم، لتكون الحسابات الخاصَّة واردة هذا الجوّ، على أساس أنَّهم لا يمثّلون - في نظر الإمام (ع) - السّلطة الشَّرعيَّة الإسلاميَّة.
وهكذا رأيناه يبتهل إلى الله في نصرة جيش الإسلام على جيش الكفر، ويدعو المسلمين جميعاً إلى الوقوف معه، حتَّى تكون كلمة الله هي العليا وحزبه هو الأقوى، بقطع النَّظر عن طبيعة القيادة وطبيعة النَّتائج الكبرى الَّتي يحقّقها النَّصر لها في الدَّاخل.
المعارضة والقضايا الكبرى
وفي ضوء ذلك كلّه، نستوحي من هذا الدّعاء في روحه ووحيه، الخطوط الكبرى لحركة المعارضة السياسيَّة أو الفكريَّة في الدَّاخل، في موقفها من المعارك الَّتي يخوضها الحكم الَّذي يراد إسقاطه من قبلها، فلا بدَّ من دراسة طبيعة المعركة وعلاقتها بالقضايا المصيريَّة سلباً أو إيجاباً، ليتحدَّد الموقف على أساس ذلك، فلا يجوز - تحت أيّ اعتبار - الوقوف مع قوى الكفر والاستكبار ضدّ السّلطة المسلمة في الدَّاخل، إذا كانت القضيّة تتَّصل بالقضايا الكبرى المتَّصلة بالواقع الإسلاميّ كلّه، ولا سيَّما إذا كانت هذه القوى تمثّل قوةً كبرى تهدّد الوجود الإسلاميَّ والمصالح الإسلاميَّة العليا، بحيث يكون تدخّلها في البلاد الإسلاميَّة من خلال بعض القوى السياسيَّة أو الاقتصاديَّة مما ينتج نتيجةً عكسيَّة للمعارضة، لأنَّها إذا كانت تعمل على التخلّص من هذا الحكم أو هذه السّلطة للتَّخلص من ظلمهما، فإنَّ ظلم الاستكبار العالميّ يتقدَّم عليه في حجمه من حيث الآثار والنَّتائج، فلا يجوز للمعارضة القيام بذلك إلَّا في الحالات الَّتي تتحوَّل فيها الأوضاع الداخليَّة إلى اختناق يؤدّي إلى الموت السياسي أو الاقتصادي، فقد يمكن لها في هذه الحالة أن تدرس مسألة الاستعانة بالقوى الأخرى في ضمن قيودٍ معيَّنة تحمي الإسلام والمسلمين من النتائج السلبية المترتبة على ذلك.
إنَّ الإمام زين العابدين (ع) يبرز في هذا الدّعاء كإمام عظيم يترفَّع بإمامته عن كلّ الأحقاد والعداوات، فلا يرى أمامه إلَّا أنَّ هناك معركة للإسلام والمسلمين لا بدَّ للأمَّة كلّها، بجميع مذاهبها، من الوقوف معها بكلّ قوّة وثبات، وانطلاقاً من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصّفّ: 4].
 
* من كتاب "آفاق الرّوح"، ج2 – شرح الصَّحيفة السجاديَّة – من دعاء الامام زين العابدين (ع) لأهل الثّغور.
 
 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية