الشِّعرُ بينَ الإحساسِ العفويِّ والمضمونِ الفكريّ

الشِّعرُ بينَ الإحساسِ العفويِّ والمضمونِ الفكريّ
 

الكلمة الفنّيَّة ليست شيئًا في القاموس، بل هي مثقلة بالإيحاءات والنبضات والخلجات. ولكن الكلمة تعبّر عن معنى ربّما يبتعد عن المعنى اللغوي، من خلال ما تحمله الكلمة في تاريخها وفي إحساس الإنسان بها. فالمضمون اللّغويّ الذي تختزنه الكلمة ويراد من خلاله الإيحاء بشيء، قد يبتعد الإيحاء في بعض الحالات، بحيث إنّك لا تحسّ به، كما تستطيع في حالات أخرى أن تفكّر فلسفيًّا بطريقة متكلّفة ومتعبة حتى تصل إلى المعنى، وعند ذلك، يفقد الشعر الجانب الفنّي في مسألة الإحساس.

نحن نفهم أنَّ الشِّعر لا بدَّ أن يكون تجربة غنيّة بالمضمون الفكري، حتى فيما يتَّصل بفكر الإحساس، إذا صحَّ التَّعبير، ولكن مع ذلك، لا يجوز أن تبتعد الكلمة عن الإحساس العفوي، تمامًا كما هي أحاسيس الإنسان الداخليَّة التي قد يحتاج إلى جهد لكي يفهمها، ولكنَّه لن يعاني الكثير في سبيل فهم إحساسه، مثل الشِّعر الذي نلاحظه في تجربة الشِّعر المنثور، أو الّذي كنّا نسمّيه الشِّعر المنثور في تجارب ألبير أديب أو غيره.

إنَّ الشِّعر لا بدَّ أن يحمل قضايا العصر، ونحن لا نؤمن بالشِّعر التقريري الخطابي، كما يحاول بعض الشعراء أنْ يصوِّروا الشَّرق في الجانب السلبيّ، بحيث يخيَّل إلى الإنسان أنَّ على الشَّرق أن يكون غربيًّا حتى يستطيع أن يجد نفسه. ونحن نشعر بأنَّ التركيز على هذه الجوانب يثقل إنساننا، لأنّه يضيِّعه ويعمّق في ذاته الشّعور بالضَّياع والشعور بالهزيمة. فقد كنَّا نتصوّر أنَّ الإنسان لا بدَّ له أن يعيش الشعور بسلبيَّاته ونقاط ضعفه، ولا بدَّ أن يثور عليها، وكنَّا نفسِّر الثَّورة بأنّها ليست مجرَّد حركة من الخارج تريد أن تهدم واقعًا معيَّنًا، بل هي حركة من الداخل تريد أن تثور على ذهنيَّة معيَّنة وعلى نفسيَّة معيَّنة. لهذا، فنحن نؤمن بالصِّراع، وبأنَّ علينا أن نتمثَّل الصِّراع، وأن نحرّك مفرداته، وأن نثير القضايا السلبيَّة حتى نثور عليها، ونثير القضايا الإيجابيَّة حتى تعطيَنا زادًا للثَّورة.

لهذا، كنَّا نعتبر أنَّ قصيدة «خبز وحشيش وقمر» كانت قصيدة خطرة قد لا يتمثَّل الشَّاعر نزار قباني خطورتها، لأنّه كان يعالجها بعقليَّة شاعر يتمثَّل المطلق في الواقع، ولا يريد أن يدخل في حدود الواقع. ولكنَّنا كنّا نشعر بأنَّ هذه القصيدة قيلت في أيّام الانتفاضات الشعبيَّة التي كان الواقع العربيّ والإسلاميّ وواقع العالَم الثالث يضجّ بها.

إنَّ أيَّ قصيدة يمكن أن تغيّر كثيرًا من مجرى التفكير، وتهزم الكثير من المشاعر، ولا أقول بأنّها تهزم الواقع، وخصوصًا عند شاعر مثل نزار قبّاني الذي كان شاعر الشَّباب وشاعر المراهقة، وخصوصًا أنَّ الشباب المراهق كان شباب الثَّورة.

* من مقدّمة ديوان "على شاطئ الوجدان".

 

الكلمة الفنّيَّة ليست شيئًا في القاموس، بل هي مثقلة بالإيحاءات والنبضات والخلجات. ولكن الكلمة تعبّر عن معنى ربّما يبتعد عن المعنى اللغوي، من خلال ما تحمله الكلمة في تاريخها وفي إحساس الإنسان بها. فالمضمون اللّغويّ الذي تختزنه الكلمة ويراد من خلاله الإيحاء بشيء، قد يبتعد الإيحاء في بعض الحالات، بحيث إنّك لا تحسّ به، كما تستطيع في حالات أخرى أن تفكّر فلسفيًّا بطريقة متكلّفة ومتعبة حتى تصل إلى المعنى، وعند ذلك، يفقد الشعر الجانب الفنّي في مسألة الإحساس.

نحن نفهم أنَّ الشِّعر لا بدَّ أن يكون تجربة غنيّة بالمضمون الفكري، حتى فيما يتَّصل بفكر الإحساس، إذا صحَّ التَّعبير، ولكن مع ذلك، لا يجوز أن تبتعد الكلمة عن الإحساس العفوي، تمامًا كما هي أحاسيس الإنسان الداخليَّة التي قد يحتاج إلى جهد لكي يفهمها، ولكنَّه لن يعاني الكثير في سبيل فهم إحساسه، مثل الشِّعر الذي نلاحظه في تجربة الشِّعر المنثور، أو الّذي كنّا نسمّيه الشِّعر المنثور في تجارب ألبير أديب أو غيره.

إنَّ الشِّعر لا بدَّ أن يحمل قضايا العصر، ونحن لا نؤمن بالشِّعر التقريري الخطابي، كما يحاول بعض الشعراء أنْ يصوِّروا الشَّرق في الجانب السلبيّ، بحيث يخيَّل إلى الإنسان أنَّ على الشَّرق أن يكون غربيًّا حتى يستطيع أن يجد نفسه. ونحن نشعر بأنَّ التركيز على هذه الجوانب يثقل إنساننا، لأنّه يضيِّعه ويعمّق في ذاته الشّعور بالضَّياع والشعور بالهزيمة. فقد كنَّا نتصوّر أنَّ الإنسان لا بدَّ له أن يعيش الشعور بسلبيَّاته ونقاط ضعفه، ولا بدَّ أن يثور عليها، وكنَّا نفسِّر الثَّورة بأنّها ليست مجرَّد حركة من الخارج تريد أن تهدم واقعًا معيَّنًا، بل هي حركة من الداخل تريد أن تثور على ذهنيَّة معيَّنة وعلى نفسيَّة معيَّنة. لهذا، فنحن نؤمن بالصِّراع، وبأنَّ علينا أن نتمثَّل الصِّراع، وأن نحرّك مفرداته، وأن نثير القضايا السلبيَّة حتى نثور عليها، ونثير القضايا الإيجابيَّة حتى تعطيَنا زادًا للثَّورة.

لهذا، كنَّا نعتبر أنَّ قصيدة «خبز وحشيش وقمر» كانت قصيدة خطرة قد لا يتمثَّل الشَّاعر نزار قباني خطورتها، لأنّه كان يعالجها بعقليَّة شاعر يتمثَّل المطلق في الواقع، ولا يريد أن يدخل في حدود الواقع. ولكنَّنا كنّا نشعر بأنَّ هذه القصيدة قيلت في أيّام الانتفاضات الشعبيَّة التي كان الواقع العربيّ والإسلاميّ وواقع العالَم الثالث يضجّ بها.

إنَّ أيَّ قصيدة يمكن أن تغيّر كثيرًا من مجرى التفكير، وتهزم الكثير من المشاعر، ولا أقول بأنّها تهزم الواقع، وخصوصًا عند شاعر مثل نزار قبّاني الذي كان شاعر الشَّباب وشاعر المراهقة، وخصوصًا أنَّ الشباب المراهق كان شباب الثَّورة.

* من مقدّمة ديوان "على شاطئ الوجدان".

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير