كتابات
21/10/2019

الإسلام ومفهوم الدّولة

الإسلام ومفهوم الدّولة

في البداية، لا بدَّ لنا من أن ندرس أساسَ تركيبة الدّولة، فالدولة تتمثّل في قانونٍ شاملٍ يحْكم كلَّ أوضاع النّاس؛ الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة... وعندما نضع المسألة في هذا الإطار، فإنّنا نرى أنّ الإسلام يَختزن في أصوله مفهوم الدّولة، باعتبار أنّ الشّريعة الإسلاميّة تمثّل ثروةً قانونيّةً شاملةً لكلّ نواحي الحياة، بقطع النظر عمّا إذا كان بعضُ الناس يناقشون هذا القانونَ أو ذاك؛ فالقانون ينطلق من خلال اجتهادات العلماء التي قد يتطوّر بعضها عبر الزّمن.

إنّ الاجتهاد الإسلاميّ يجعل القانون الإسلاميّ متحرِّكاً لا جامداً، فهو يَخضع لاجتهادات علماء الشّريعة، تماماً كما يَخضع القانونُ الوضعيّ للاجتهادات، فقد يَصدر قانون في دولة معيَّنة، ثم ترى الجهاتُ المعنيّةُ بإصدار القوانين أنّ المصلحة تقتضي إلغاءه وإصدارَ قانونٍ آخر، وهكذا الأمر في الاجتهاد مع اختلاف في التوصيف؛ فقد يَجتهد المشْرفون على الدولة، إذا كانوا من المجتهدين، في تشريع قانونٍ معيّن، ثم تأتي جهةٌ أخرى، أو ربما تأتي الجهةُ الأولى نفسُها، فتكتشف خطأ ذلك القانون في مجالٍ ما.

ونحن نلاحظ أنّ النبيّ (ص) عندما هاجر من مكَّة إلى المدينة، بادر إلى إيجاد نوعٍ من التكافل الاجتماعيّ أو "المواطَنة" بين الناس هناك، فعقد وثيقة المدينة بين الأوس والخزرج، وكانتا العشيرتين الرّئيستين في المدينة، وكانتا تعيشان حروباً تاريخيّةً، فألّف بينهما، ويذكر القرآن الكريم لنا نتيجة ذلك بقوله تعالى: {واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّفَ بين قلوبِكُمْ فأصبحتم بنعمته إخواناً} [آل عمران: 103]؛ ثم حاول أن يَعقد معاهدةً بين المسلمين المقيمين في المدينة (الأنصار) والمسلمين المهاجرين، ثم بين المسلمين واليهود.

وهناك نقطة أساسيّة يمكن أن نستوحيَ منها معنى الدّولة، وتبرز من خلال قوله تعالى: {لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّناتِ وأنزلنا معهُمُ الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقِسْط} [الحديد: 25]؛ وهي تبيّن أنَّ كلّ الرسالات، وكلَّ الكتب المنزلة المقدَّسة، وكلَّ الموازين التي توزَنُ بها الحقوقُ والأوضاع، أنّ هذه كلّها قد شَرّعها الله من أجل إقامة العدل.

والعدل الذي يعني أن نعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، لا يمكن أن يتحقّق إلا في إطار الدولة؛ إنّه عدل القانون، وعدلُ الحكم، وعدلُ الحاكم، وعدلُ الناس مع الحكْم، ومع بعضهم البعض. ولا يمكن إقامة العدل في مجتمع كبير من دون سلطة. والسلطة في الإسلام ليست سلطةً مطلقةً، بل هي تخضع للقانون.

ويؤكد هذه السلطة ما خاطب به الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) الناس عندما كان خليفةً، قائلاً: "فلا تكلّموني بما تكلَّم به الجبابرة، ولا تتحفّظوا منّي بما يُتحفَّظُ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حقٍّ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي؛ فإنَّ مَن استثقلَ الحقّ أن يُقال له، أو العدلَ أن يُعرضَ عليه، كان العملُ بهما أثقل عليه، فلا تكفّوا عن مقالةٍ بحقّ، أو مشورةٍ بعدل، فإنّني لستُ في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلاّ أن يكفي اللهُ من نفسي ما هو أملك به منّي".

فالإمام الخليفة يدعو النّاسَ هنا إلى أن ينقدوه، وأن يتحدّثوا معه كما يتحدّث بعضُهم مع بعض، لا كما يتحدَّث المحكومُ مع الحاكم.

ونقرأ النّصّ النبويّ الشّريف: "إنّما أهلَكَ مَنْ كان قبلَكم، أنّهم كانوا إذا سرق الشريفُ تركوه، وإذا سرق الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ. وأيم الله، لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدَها". وفي كتاب الإمام عليّ (ع) لبعض ولاته: "لو أنّ الحسنَ والحسينَ فعلا مثل الذي فعلتَ، لما كانت لهما عندي هوادة".

إذاً، الحاكمُ في الإسلام يتقبّل المعارضةَ ويتقبّل النقدَ، بل يدعو الناسَ إلى أن يَرْصدوا حكمَه وأن ينقدوه. ولذلك نقول إنّ بعض الذين يتحدّثون عن الدولة في الإسلام بطريقة سلبية، ربّما نظروا إلى تاريخ الحكّام المسلمين الذين كانوا يعيثون في الأرض فساداً ويحاولون أن يَحْكموا الناس بالقوة؛ غير أنّ هؤلاء ليسوا مظهرَ الحكم الإسلاميّ، لأنّ القرآن أكّد مسألة إقامة العدل حتى مع الأعداء: {ولا يَجْرِمَنْكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تَعْدِلوا اعدلوا هو أقربُ للتقوى}[المائدة: 2]، و{وإذا قلتم فاعدِلوا ولو كان ذا قُرْبى}[الأنعام: 152]، و{يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامينَ بالقِسْطِ شهداءَ للهِ ولو على أنفسِكُمْ أو الوالديْن والأقربِين}[النساء: 135].

*من حوارات سياسية – العام 2009.

في البداية، لا بدَّ لنا من أن ندرس أساسَ تركيبة الدّولة، فالدولة تتمثّل في قانونٍ شاملٍ يحْكم كلَّ أوضاع النّاس؛ الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة... وعندما نضع المسألة في هذا الإطار، فإنّنا نرى أنّ الإسلام يَختزن في أصوله مفهوم الدّولة، باعتبار أنّ الشّريعة الإسلاميّة تمثّل ثروةً قانونيّةً شاملةً لكلّ نواحي الحياة، بقطع النظر عمّا إذا كان بعضُ الناس يناقشون هذا القانونَ أو ذاك؛ فالقانون ينطلق من خلال اجتهادات العلماء التي قد يتطوّر بعضها عبر الزّمن.

إنّ الاجتهاد الإسلاميّ يجعل القانون الإسلاميّ متحرِّكاً لا جامداً، فهو يَخضع لاجتهادات علماء الشّريعة، تماماً كما يَخضع القانونُ الوضعيّ للاجتهادات، فقد يَصدر قانون في دولة معيَّنة، ثم ترى الجهاتُ المعنيّةُ بإصدار القوانين أنّ المصلحة تقتضي إلغاءه وإصدارَ قانونٍ آخر، وهكذا الأمر في الاجتهاد مع اختلاف في التوصيف؛ فقد يَجتهد المشْرفون على الدولة، إذا كانوا من المجتهدين، في تشريع قانونٍ معيّن، ثم تأتي جهةٌ أخرى، أو ربما تأتي الجهةُ الأولى نفسُها، فتكتشف خطأ ذلك القانون في مجالٍ ما.

ونحن نلاحظ أنّ النبيّ (ص) عندما هاجر من مكَّة إلى المدينة، بادر إلى إيجاد نوعٍ من التكافل الاجتماعيّ أو "المواطَنة" بين الناس هناك، فعقد وثيقة المدينة بين الأوس والخزرج، وكانتا العشيرتين الرّئيستين في المدينة، وكانتا تعيشان حروباً تاريخيّةً، فألّف بينهما، ويذكر القرآن الكريم لنا نتيجة ذلك بقوله تعالى: {واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّفَ بين قلوبِكُمْ فأصبحتم بنعمته إخواناً} [آل عمران: 103]؛ ثم حاول أن يَعقد معاهدةً بين المسلمين المقيمين في المدينة (الأنصار) والمسلمين المهاجرين، ثم بين المسلمين واليهود.

وهناك نقطة أساسيّة يمكن أن نستوحيَ منها معنى الدّولة، وتبرز من خلال قوله تعالى: {لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّناتِ وأنزلنا معهُمُ الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقِسْط} [الحديد: 25]؛ وهي تبيّن أنَّ كلّ الرسالات، وكلَّ الكتب المنزلة المقدَّسة، وكلَّ الموازين التي توزَنُ بها الحقوقُ والأوضاع، أنّ هذه كلّها قد شَرّعها الله من أجل إقامة العدل.

والعدل الذي يعني أن نعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، لا يمكن أن يتحقّق إلا في إطار الدولة؛ إنّه عدل القانون، وعدلُ الحكم، وعدلُ الحاكم، وعدلُ الناس مع الحكْم، ومع بعضهم البعض. ولا يمكن إقامة العدل في مجتمع كبير من دون سلطة. والسلطة في الإسلام ليست سلطةً مطلقةً، بل هي تخضع للقانون.

ويؤكد هذه السلطة ما خاطب به الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) الناس عندما كان خليفةً، قائلاً: "فلا تكلّموني بما تكلَّم به الجبابرة، ولا تتحفّظوا منّي بما يُتحفَّظُ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حقٍّ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي؛ فإنَّ مَن استثقلَ الحقّ أن يُقال له، أو العدلَ أن يُعرضَ عليه، كان العملُ بهما أثقل عليه، فلا تكفّوا عن مقالةٍ بحقّ، أو مشورةٍ بعدل، فإنّني لستُ في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلاّ أن يكفي اللهُ من نفسي ما هو أملك به منّي".

فالإمام الخليفة يدعو النّاسَ هنا إلى أن ينقدوه، وأن يتحدّثوا معه كما يتحدّث بعضُهم مع بعض، لا كما يتحدَّث المحكومُ مع الحاكم.

ونقرأ النّصّ النبويّ الشّريف: "إنّما أهلَكَ مَنْ كان قبلَكم، أنّهم كانوا إذا سرق الشريفُ تركوه، وإذا سرق الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ. وأيم الله، لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدَها". وفي كتاب الإمام عليّ (ع) لبعض ولاته: "لو أنّ الحسنَ والحسينَ فعلا مثل الذي فعلتَ، لما كانت لهما عندي هوادة".

إذاً، الحاكمُ في الإسلام يتقبّل المعارضةَ ويتقبّل النقدَ، بل يدعو الناسَ إلى أن يَرْصدوا حكمَه وأن ينقدوه. ولذلك نقول إنّ بعض الذين يتحدّثون عن الدولة في الإسلام بطريقة سلبية، ربّما نظروا إلى تاريخ الحكّام المسلمين الذين كانوا يعيثون في الأرض فساداً ويحاولون أن يَحْكموا الناس بالقوة؛ غير أنّ هؤلاء ليسوا مظهرَ الحكم الإسلاميّ، لأنّ القرآن أكّد مسألة إقامة العدل حتى مع الأعداء: {ولا يَجْرِمَنْكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تَعْدِلوا اعدلوا هو أقربُ للتقوى}[المائدة: 2]، و{وإذا قلتم فاعدِلوا ولو كان ذا قُرْبى}[الأنعام: 152]، و{يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامينَ بالقِسْطِ شهداءَ للهِ ولو على أنفسِكُمْ أو الوالديْن والأقربِين}[النساء: 135].

*من حوارات سياسية – العام 2009.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية