تعارف العالم على أن يحتفلوا في هذا اليوم بيوم العمل والعمَّال.
ولا بدَّ لنا أن نقف لنستنطق الإسلام، وهو دين الله الَّذي ندين به، لنعرف ما قيمة العمل في الإسلام، سواء كان عملاً في مصنع، أو في مزرعة، أو في أرض، أو كان عملاً في سوق، وكلَّ عمل يبتغي به الإنسان أن يؤمِّن لنفسه عيشه، وأن يؤمِّن لعياله وكلّ من هو مسؤول عنه رزقه، وأن يحفظ ماء وجهه أمام النَّاس.
العملُ في الإسلام
بعض النَّاس قد يتصوَّرون أنَّ الدِّين يوجِّه الإنسان إلى أن يكون عابداً لله في كلِّ وقته، فذلك عندهم هو الجانب الرّوحيّ الَّذي يشمل حياة الإنسان. ولكنَّ الله أراد أن يقول للإنسان إنَّك مخلوقٌ لتبتغي في حركتك في نهارِكَ من فضلِ ربِّكَ، فقد خلقَ الله اللَّيل والنَّهار من أجل أن يتحرَّك الإنسان في نهاره، إذا كان عمله في النَّهار، وهو الوقت الطَّبيعيّ للعمل، أن يتحرَّك ليبتغي من فضل الله فضلاً ورزقاً، وليشكر الله على ذلك. أمَّا اللَّيل، فقد جعله الله سكناً، ليتخفَّف الإنسان من التَّعب حتَّى ينطلق ليوم جديد: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[القصص: 73]، {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[العنكبوت: 17]، وهكذا يقول الله لنا عندما ننصرف من صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ - ليذهب كلُّ واحد منكم إلى عمله - وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ - من رزقه - وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة: 10].
هذه هي المسألة، إنَّ الله يريد لك أن تكون الإنسان الَّذي يتحرَّك في حياته نحو العمل، وقد ورد عن رسول الله (ص): "العِبَادَةُ سَبْعُون جُزَءاً؛ وأَفْضَلُهَا جُزْءاً طَلَبُ الحَلَال". إذا انطلقْتَ في حياتك، في يومك ونهارك، لتجهد نفسك، لتطلب الرّزق الحلال، فأنت في عبادة ما دمت في عملك، إذا كان عملك في الحلال.
تعالوا نستقرئ ما قاله رسول الله (ص)، وما قاله الأئمَّة من أهل البيت (ع )، وقولهم قول رسول الله (ص).
طلبُ الحلالِ جهادٌ
عن النَّبيِّ (ص): "الشَّاخِصُ - وهو الَّذي ينطلق في العمل - فِي طَلَبِ الرِّزقِ الحَلَالِ، كالمُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله"، لأنَّ هذا جهاد في تقوية الأمَّة من الدَّاخل، ومنع كلّ نقاط الضّعف الَّتي تسقطها في اقتصادها، تماماً كما هو المجاهد الَّذي يخدم الأمَّة ويحميها في الخارج، لأنَّ الأمَّة الَّتي تسقط تحت تأثير الأزمات الاقتصاديَّة والحاجات الماليَّة، سوف تحتاج إلى غيرها، وإذا احتاجت إلى غيرها، سوف يستعبدها الآخرون على أساس استغلال حاجتها إليهم، ليفرضوا عليها كلَّ شروطهم السياسيَّة والاقتصاديَّة والتربويَّة والأمنيَّة. وهذا ما نلاحظه، أيُّها الأحبَّة، في الاستكبار العالميِّ الَّذي يضغط على كلِّ بلاد المسلمين، مستغلّاً حاجاتهم الغذائيَّة والعلميَّة والأمنيَّة والسِّلاحيَّة وما إلى ذلك، ليفرض علينا شروطه في تحديد مواقعنا، وفي تحديد سياستنا، وفي كلِّ ما يتعلَّق بتقرير مصيرنا.
لذلك، إنَّ الأمَّة الَّتي تعمل بجدّ من أجل الحصول على الاكتفاء الاقتصاديّ في كلِّ حاجاتها، وفي كلِّ قضاياها، هي أمَّة تؤكِّد استقلالها السياسيَّ والاقتصاديَّ والأمنيَّ، تماماً كالأمَّة الَّتي تقف على الحدود لتواجه الأعداء، لتؤكِّد الحماية السياسيَّة والأمنيَّة للأمَّة، وهذا هو سرُّ قول رسول الله (ص): " الشَّاخِصُ فِي طَلَبِ الرِّزقِ الحَلَالِ، كالمُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله".
وعن الباقر (ع): "مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا اسْتِعْفَافاً عَنِ النَّاسِ، وَسَعْياً عَلَى أَهْلِهِ، وَتَعَطُّفاً عَلَى جَارِهِ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ".
هذه هي الميزة الَّتي يعطيها الله سبحانه وتعالى للإنسان الشَّاخص في طلب الرِّزق من حلال.
وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص)، فيما ينقله أهل السِّيرة، أنَّ النَّبيَّ (ص) كان جالساً ذاتَ يوم وحوله أصحابه، ومرَّ عليهم شابٌّ قويُّ البنية، مفتولُ العضلات، وهو يحمل فأساً بيده، فالتفت أصحاب رسول الله (ص)، كما تقول الرّواية، وقالوا: لو أنَّ هذا الشّابَّ صرف هذه القوَّة وهذه الطَّاقة في سبيل الله وعبادته، أما كان أفضل له؟! فالتفتَ إليهم رسول الله (ص)، وقال لهم: "إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى ولدِه صِغارًا فَهُو في سَبِيلِ الله، وإِنَ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أبوَيْن شَيْخَيْنِ كبيرَيْنِ فَهُو في سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعى على نَفْسِهِ يعُفُّها فَهُو في سبيلِ اللهِ، وإنْ كَانَ خرَجَ يَسْعَى رياءً ومفاخرةً فَهُو في سَبِيلِ الشَّيْطانِ".
فالمسألة، إذاً، أنَّ الإنسان الَّذي يخرج في عملٍ من أجل حاجاته وحاجات مَنْ يعوله، هو مجاهدٌ في سبيل الله، أمَّا إذا خرج ليحصل على المال ليتكبَّر ويتجبَّر ويستغلَّ ماله في إفساد حياة النَّاس وقهرهم، فذاك سبيل الشَّيطان.
العملُ طاعةٌ لله
يُنقَل في سيرة الإمام الباقر (ع) أنَّ شخصاً اسمه مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ كَانَ يَقُولُ: "مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (ع) يَدَعُ خَلَفاً أَفْضَلَ مِنْه، حَتَّى رَأَيْتُ ابْنَه مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (ع)، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِظَه فَوَعَظَنِي، فَقَالَ لَه أَصْحَابُه: بِأَيِّ شَيْءٍ وَعَظَكَ؟ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ فِي سَاعَةٍ حَارَّةٍ - وقت الظّهر عند اشتداد الشَّمس - فَلَقِيَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ - الباقر (ع) - وكَانَ رَجُلاً بَادِناً ثَقِيلاً، وهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى غُلَامَيْنِ أَسْوَدَيْنِ أَوْ مَوْلَيَيْنِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: سُبْحَانَ اللَّه! شَيْخٌ مِنْ أَشْيَاخِ قُرَيْشٍ فِي هَذِه السَّاعَةِ عَلَى هَذِه الْحَالِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، أَمَا لأَعِظَنَّه، فَدَنَوْتُ مِنْه، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِنَهْرٍ وهُوَ يَتَصَابُّ عَرَقاً، فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّه، شَيْخٌ مِنْ أَشْيَاخِ قُرَيْشٍ فِي هَذِه السَّاعَةِ عَلَى هَذِه الْحَالِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، أرَأَيْتَ لَوْ جَاءَ أَجَلُكَ وأَنْتَ عَلَى هَذِه الْحَالِ، مَا كُنْتَ تَصْنَعُ؟! فقال (ع): لَوْ جَاءَنِي الْمَوْتُ وأَنَا عَلَى هَذِه الْحَالِ، جَاءَنِي وأَنَا فِي طَاعَةٍ من طَاعَاتِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ، أَكُفُّ بِهَا نَفْسِي وعِيَالِي عَنْكَ وعَنِ النَّاسِ، وإِنَّمَا كُنْتُ أَخَافُ أَنْ لَوْ جَاءَنِي الْمَوْتُ وأَنَا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّه. فَقُلْتُ: صَدَقْتَ يَرْحَمُكَ اللَّه، أَرَدْتُ أَنْ أَعِظَكَ فَوَعَظْتَنِي".
يريد الإمام الباقر (ع) أن يقول إنَّ الإنسان عندما يخرج إلى العمل، وعندما يخرج في طلب الرِّزق الحلال، فإنَّه يكون في طاعة الله، بحيث إنَّه لو جاءه الموت في هذه الحالة، جاءه وهو على طاعة الله سبحانه وتعالى، فتكون عاقبته من أفضل ألوان العاقبة، تماماً كالَّذي يأتيه الموت وهو يصلِّي، أو الَّذي يأتيه الموت وهو في الحجّ، ألا يقال الحمد لله جعلَ عاقبته حسنة؟! فالإنسان الَّذي يموت وهو في العمل، يموت وهو في طاعةٍ لله. والله يحدِّثنا عن النَّاس الَّذين يهاجرون في طلب الرِّزق، أو من أجل الجهاد، يقول تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ويفسِّرون ذلك بالهجرة للجهاد، أو لتقوية الإسلام، أو للدَّعوة إلى الإسلام، أو لطلب الرِّزق ليكفَّ ماء وجهه ويتحمَّل مسؤوليَّة عياله... - ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النّساء: 100]. وهذا هو المفهوم الإسلاميّ الحقيقيّ في هذا المجال.
مكانةُ العاملِ عندَ الله
وهكذا نأتي إلى بعض الكلمات عن رسول الله (ص)، يقول: "تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِ اللهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، رَجُلٌ خَرَجَ ضَارِباً فِي الأَرْضِ – يعني مهاجراً، كما الإخوان الَّذين يهاجرون من أجل طلب الرّزق، لأنَّ بلادهم تضيق بهم - يَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ اللهِ مَا يَكُفُّ بِهِ نَفْسَهُ، وَيَعولُ بِهِ على عيالِهِ"، فهذا من الَّذين يكرمهم الله، ويجعلهم في ظلِّ عرشه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه.
وعَنْ رسولِ الله (ص) أيضاً: "مَنْ بَاتَ كالّاً - يعني تَعِباً - في طَلَبِ الحَلالِ – فالمؤمن الطّيِّب الَّذي يؤدِّي فرائضه، ويعود إلى البيت من عمله متعباً، كيف يكون وضعه؟ - بَاتَ مَغفوراً لَهُ"، فالله يقول له إنِّي غفرت لك ذنوبك، لأنَّك كنت على طاعتي في طلب الحلال.
وهكذا يقول الإمام الصَّادق (ع): "إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُعْسِراً – كانت أموره ضيِّقة - فَيَعْمَلُ بِقَدْرِ مَا يَقُوتُ بِهِ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ، وَلَا يَطْلُبُ حَرَاماً، فَهُوَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللّهِ".
هذه الكلمات الَّتي انطلقت من أهل البيت (ع) حول هذا الموضوع...
الملعونُ في الإسلام!
وهناك بعض النَّاس يقول أنا لا أريدُ أن أعمل، وأريدُ أن أتفرَّغَ لعبادة الله، وأن أقضيَ وقتي في الدّعاء والصَّلاة والصَّوم، أمَّا أمور معيشتي، فيتدبَّرها لي أخي أو أبي أو أحد آخر، كما هي الحال عند بعض الشَّباب البطَّال، ويكون بناؤه أنَّ هذا العمل يقرِّبه من الله تعالى.
عن سليمان بن معلى بن خنيس، عن أبيه يقول: "سأَلَ أَبُو عَبْدِ الله (ع) عَنْ رجلٍ وأنا عندَهُ، فقيلَ له: أصابَتْهُ الحاجَةُ – أصبحت أموره ضيِّقة - قالَ: فَمَا يَصْنَعُ اليوْمَ؟ قِيلَ: فِي البيتِ يعبُدُ ربَّهُ، قالُ: فَمِنْ أينَ قُوتُهُ؟ قيلَ: مِنْ عنْدِ بعضِ إخوانِهِ، فقالَ أبو عبدِ الله (ع): واللهِ للَّذي يَقُوتُهُ أَشَدُّ عِبَادَةً مِنْهُ".
يعني أنَّ الإنسان الَّذي يعمل في المصنع أو في الأرض أو في التِّجارة أو في أيِّ عمل آخر، هو أكثر عبادةً من الشَّخص الَّذي يصرف هذا العاملُ عليه، بينما ذاك في بيتِهِ يصلِّي ويصوم ولا يعمل.
ثمَّ قال الإمام الصَّادق(ع): "أرأَيْتَ لَوْ أنَّ رجلاً دخَلَ بيتَهُ وأغلَقَ بابَهُ، أكانَ يسقُطُ عليْهِ شيءٌ مِنَ السَّماءِ؟!"، يعني هل ينزل الله عليك الرّزق من السَّماء دون عمل؟ الله يقول لك اعمل لتحصل على رزقك {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك: 15]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة: 10].
وهكذا، عن عمر بن يزيد قال: "قُلْتُ لأَبي عَبْدِ الله (ع): رَجُلٌ قَالَ: لأَقْعُدَنَّ في بَيْتِي وَلَأُصَلِّيَنَّ ولأَصُومَنَّ ولأَعْبُدَنَّ رَبِّي، فأمَّا رِزْقي فَسَيَأْتِينِي، فَقَالَ أبو عَبْدِ الله (ع): هَذا أَحَدُ الثَّلاثةِ الَّذينَ لا يُستجَابُ لَهُم".
لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد لك أن تعمل، وأن تطلب رزقك من الحلال بجهدك، وأمَّا النَّاس البطَّالون، كما بعض الشَّباب الَّذي يعيش بطَّالاً، بينما يصرف عليه والده الَّذي يبلغ من العمر ستّين عاماً أو سبعين عاماً، أو يصرف عليه أخوه، أمَّا هؤلاء الَّذين يعيشون بهذه الطَّريقة، وكلّ مَنْ هو قادر على أن يعمل، فليسمعوا ماذا قال رسول الله (ص) عنهم.
عن رسول الله (ص): "مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَلْقَى كَلَّهُ عَلَى النَّاسِ"، وهما لعنتان لا لعنة واحدة، وهو الشَّخص الَّذي يترك ثقله على النَّاس من حوله، أو على المؤسَّسات الاجتماعيَّة، لأنَّ المؤسَّسات وُضِعَتْ لإعالة النَّاس الَّذين لا يستطيعون العمل، أمَّا أنت القادر على العمل، وتذهب إلى المؤسَّسات الاجتماعيَّة وتطلب منها المساعدة، فهذا غير مقبول، أمَّا إذا كنت قادراً على أن تعمل، وكان العمل لا يكفيك، عندئذِ يمكن للمؤسَّسات الاجتماعيَّة أن تساعدك من الحقوق الشَّرعيَّة وما إلى ذلك.
وهناك لعنة ثانية موجَّهة إلى بعض النَّاس، فبعض النَّاس يرزقه الله مالاً، فيصرفه على القمار، أو يتعاطى به المخدِّرات، أو يشرب به الخمر، أو يصرفه على السَّهر والعبث والعربدة، بينما أهله يتكفَّفون النَّاس. أو في بعض الحالات، يتزوَّج أحد وينجب العديد من الأولاد، ثمَّ يتزوَّج مرّةً ثانيةً تحت عنوان أنَّه أمر حلال. نعم، صحيح أنَّه حلال، ولكنَّ الله يقول إنَّك إذا لم تستطع أن تعدل، فعليك الاكتفاء بواحدة، {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}[النّساء: 3]، فعندما تتَّخذ زوجتين، فعليك أن تعدلَ بينهما، أن تقوم بتأمين المصروف للزَّوجتين، وتأمين بيتٍ مستقلٍّ لكلٍّ منهما، لا أن تُسكِنَ زوجتك في بيت أهلك، وأن تبيت عند كلٍّ منهما بالعدل، كلّ ليلة عند واحدةٍ منهما، وأن تصرفَ عليهما بالعدل. ولكن نرى بعض النَّاس يتزوَّج من الثَّانية، فيصرف عليها، ويترك الأولى دون مصروف، ويكون لديها أولاد، فتضطرُّ إلى العمل، وأحياناً في خدمة البيوت وما إلى هنالك.
النَّبيُّ (ص) يقول في هذا المجال: "مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ يَعُولُ"، إذا ضيَّعت عيالك، فلم تنفق عليهم، ولم تتحمَّل مسؤوليَّتهم، فأنت ملعون.
ثمَّ يقول (ص): "طَلَبُ الحَلَالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ"، تماماً كما الصَّلاة فريضة على كلِّ مسلم ومسلمة. والعمل يكون كلٌّ بحسب قدرته وظروفه وأوضاعه، لأنَّ الله يريد للحياة أن تتحرَّك في خطِّ العمل، فكما يريدنا الله أن نعملَ في خطِّ العبادة، يريدنا أن نعملَ في خطِّ العملِ أيضاً، حتَّى تنطلق الدّنيا، فالله جعلَ الإنسانَ خليفته في الأرض، ووكَّله في أن يبني الحياة، ويرفع مستواها، ويفجِّر طاقاتها، ويستخدم كلَّ ثرواتها الَّتي أودعها فيها.
العملُ الَّذي يريدُهُ الله
ولكن، أيُّها الأحبَّة، نحن نعرف أنَّ كلَّ عبادة لها شروطها، كما في الصَّلاة الَّتي من شروطها، مثلاً، الوضوء والطَّهارة، وستر ما يجب ستره، وما إلى ذلك، وطلب الحلال أيضاً عبادة، ولكن لها شروطها، ومنها أن لا تتحرَّك في الحرام، فلا يجوز لك أن تشتغل في مصنع خمر، أو في نادي قمار، أو في بار، أو في أماكن اللَّهو والعربدة، ولا أن تعمل في مكانٍ فيه ظلمٌ وإيذاءٌ للنَّاس، ولا أن تعمل، مثلاً، عند اليهود الَّذين يحتلّون بلادنا، سواء كان العمل كجنديّ عندهم، أو في مصانعهم ومعاملهم، فهم يستغلّون حاجاتنا ويجعلوننا نعمل عندهم، حتّى تتفرَّغ نساؤهم ورجالهم لقتلنا، فنحن نركِّز وضعهم الاقتصاديّ حتّى يحاربونا به، وهكذا.
هذه أمور ينبغي أن تُلحَظ، يعني لا ينبغي أن تقول عندي أولاد، وأنا بحاجة إلى أن أعمل حتّى لو بالحرام، لأنَّ الله لم يجعل رزقك في الحرام، ولكنَّه قد يبتليك ليعطيك رزقك، فتستعجل، وتأخذ ما قسمه لك الله بالحلال من طريق الحرام.
إتقانُ العملِ.. والالتزام
كذلك، عليك أيضاً إذا كنت تعمل، أن تتقنَ عملك، بحيث عندما تقبل بأيِّ عمل، أن تكون عندك خبرة في هذا العمل، لا أن تقبل به، وتقول لصاحب العمل إنَّك قادر عليه، ثمَّ بعد ذلك ترى نفسك غير مستعدّ، لأن لا خبرة لك.
ثالثاً: أن تفي بكلِّ شروط العمل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة: 1]، أنت الآن، مثلاً، تتشغل بالباطون وبالمقاولة، فيطلب منك أحد كميَّةً من الباطون أو من الحصى، ويحدِّد لك هذه الكميَّة، فلا يجوز لك أن تنقص ممّا طلبه شيئاً، وهكذا كلّ الأعمال.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، فعندما تلزم ذمَّتك بهذا العمل، فقد صار في ذمَّتك، فكما أنَّه لا يجوز له أن يُنقِصَ شيئاً من أجرِكَ، لا يجوز لك أن تُنقِصَ شيئاً من التزاماتك معه. لذلك، علينا أن نتقن العمل: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أحدُكُم العَمَلَ أنْ يُتقِنَه".
وكذلك يريد الله لنا أن نفيَ بالتزاماتنا. بعض النَّاس يلتزم معه أحدٌ بعملٍ معيَّن، ويعطيه مقداراً من المال مقابل هذا العمل، وبشروطٍ معيَّنة، فيقبل بذلك، ولكنَّه يرى أنَّ ما أخذه ليس كافياً، فيلجأ إلى الغشّ، فلماذا التزمت أساساً، ولماذا تغشّ؟ ولماذ تنقص من العمل؟ هذا حرام، كما قال الإمام عليّ (ع): "الكَلامُ في وثَاقِكَ مَا لَمْ تتكلَّمْ بِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ في وثَاقِهِ". قبل أن توقِّع أنت حرّ، تستطيع أن تراعي مصلحتك، ولكنّك لست حرّاً بعد التَّوقيع، فالتَّوقيع يلزمك، توقيعك هو التزامك، وتوقيعك شرفك، وتوقيعك إنسانيَّتك. لذلك، إذا كنت تتعب وتعمل والحلال بين يديك، ولكنَّك تقلب الحلالَ حراماً، فإنَّ الله يجمع عليك بذلك عذاب الدّنيا بتعبك، وعذاب الآخرة لأنَّك خنت الأمانة.
وأحبُّ، أيُّها الأحبَّة، أن نلتفت إلى هذه الأمور، لأنَّها هي الَّتي تركِّز الثِّقة في المجتمع، وهي الَّتي تؤكِّد أنَّ كلَّ مجتمعٍ يحترم التزاماته، ويحترمُ كلمته، هو مجتمعٌ لا بدَّ أن يعيش مستقرّاً. أمَّا المجتمع الَّذي يتعلَّم الغشَّ في البيت، والغشَّ في العمل، فسوف يربّي قياداتٍ على أساس الغشّ، فأنت تغشُّ بمقدار عشر دولارات، فيغشّك غداً بمقدار مليون دولار، والغشَّاش الكبير هو الَّذي يكون قد تعلَّم عند الغشَّاش الصَّغير.. لذلك، يقول الإمام زين العابدين: "اتَّقُوا الْكَذِبَ الصَّغِيرَ مِنْهُ وَالْكَبِيرَ، فِي كُلِّ جِدٍّ وَهَزْلٍ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَذَبَ فِي الصَّغِيرِ، اجْتَرَأَ عَلَى الْكَبِيرِ".
تكريمُ العمَّال
إذاً، أيُّها الأحبَّة، في يوم العمل، لا بدَّ لنا أن نكرِّم كلَّ العاملين، كما كرَّمهم الإسلام، فقد جعلهم مجاهدين في سبيل الله، ومن أحبَّاء الله سبحانه وتعالى، وقد جعل عملهم وتعبهم سبيل غفران الله لذنوبهم.
فلننطلق في العمل الحلال قربةً إلى الله، فبذلك نعيش العبادة في ساحة العمل، كما نعيش العبادة في ساحة المسجد {وَقُلِ اعْمَلُوا - للدّنيا في حاجاتكم للدّنيا، وللآخرة في حاجاتكم للآخرة "لَيْسَ منَّا مَنْ تركَ دُنْياهُ لآخرتِهِ، ولا آخرتَهُ لدُنْياهُ"، "اعمَلْ لدنياكَ كأنَّكَ تَعِيشُ أَبِداً، واعمَلْ لآخِرتِكَ كَأنَّكَ تَمُوتُ غَداً" - فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التَّوبة: 105].
*من خطبة الجمعة لسماحته، بتاريخ: 01/05/1998م.