أمّا في تاريخنا الحديث، فقد عاش المسلمون في بداية القرن الماضي خلال الحرب العالميّة الأولى أزمات اقتصادية وأمنية، فتعرّضوا لمجاعات قاسية في أكثر من بلد من بلدان العالم الإسلامي، ما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة إلى بلاد الغرب، سواء إلى أميركا أو إلى بعض دول أوروبّا.
وكنتيجة للجهل الّذي كان يعيشه هؤلاء، وفقدان أيّ موقع إسلاميّ في البلاد التي هاجروا إليها، فقد قطع التّواصل بينهم وبين البلدان الإسلاميّة الأخرى، وبذلك خسرنا الكثير من المسلمين المهاجرين في تلك المرحلة، وتحوّلت مئات العائلات المسلمة في الأرجنتين وفي تشيلي وفي كوبا وفي غيرها من دول أمريكا اللاتينية إلى عائلات غير إسلاميّة، وإن كانت المشكلة بشكل أقلّ في أمريكا، حيث التواصل كان قائماً بين أمريكا وبين المناطق الشرقيّة، ولا سيّما بين لبنان وسوريا اللّتين كثرت الهجرة منهما إلى أمريكا..
ونلاحظ اليوم أنّ الهجرات المتعاقبة بعد ذلك بدأت تنطلق إلى بلاد الغرب، ولكن من خلال أكثر من سبب، من خلال الظروف الأمنيّة تارة، أو من خلال الأزمات الاقتصاديّة التي تطبق على العالم الإسلامي بفعل نقاط الضعف الاقتصادي الموجودة في داخله، وبفعل الخطط السياسية التي قام بها المستعمرون الذين استعمروا العالم الإسلامي، من أجل إفقاره وتحويله إلى أسواق استهلاكية للغرب تارةً أخرى، أو من خلال تحويله إلى مواقع استراتيجية لصراعاته، أو إلى هوامش سياسية لسياساته أو ما إلى ذلك، أو نتيجة للسياسات المتبقّية من أجل تجهيل العالم الإسلامي، وإفقاد جامعاته المستوى الذي يمكّن طلابه من الحصول على مستويات متقدّمة، أو من خلال الأدمغة التي نملكها في شتّى أنواع العلوم التي لم تجد أيّ فرصة لخدمة شعوبها بهذا العلم، وبهذا، فقد وقعنا في مشكلة هجرة الأدمغة العلميّة إلى بلاد الغرب، ولم يبق عندنا إلا الذين لم تسمح لهم ظروفهم بأن يهاجروا، أو لأنهم لم يدخلوا في سوق شراء الأدمغة من قبل أمريكا وأوروبّا، هذا إلى جانب الهزات السياسية التي فرضت نفسها على الكثيرين من بلدان العالم الإسلامي.
وقد وصلنا إلى نتيجة مخيفة، وهي أنّه ما من بلد من بلدان العالم الإسلامي كلّه، إلا وهناك مئات الألوف، بل الملايين، ممن هاجروا منه لأسباب أمنيّة واقتصاديّة وسياسيّة، إلى سائر أنحاء العالم.
فنحن عندما نراقب الإحصاءات الموجودة في دول الغرب الآن، نجد أنّ هناك في فرنسا وحدها ما يقارب خمسة ملايين مسلم، وفي بريطانيا ما يقارب ثلاثة أو أربعة ملايين مسلم، وفي أمريكا ما يقارب عشرة ملايين مسلم، وفي أستراليا قد يبلغون أكثر من مليون، والهجرة إلى أستراليا - كما هو معلوم - هجرة جديدة، وهكذا إلى البرازيل ودول أمريكا اللاتينيّة، إضافةً إلى بعض المجموعات الأخرى في إيطاليا وفي بلجيكا وغيرهما من الدّول، بحيث أصبحت لدينا مجتمعات إسلاميّة من خلال كثرة عدد المسلمين في تلك البلدان.
ومن هنا، برزت مشكلة الهجرة الإسلاميّة إلى بلاد الغرب، والتي أفرزت آلاف المشاكل، وبالأخص من الناحية الإسلامية في ما يواجهه المسلمون من تحدّيات على مستوى عقيدتهم. وقد انطلق الكثيرون من المبشِّرين بأديان أخرى لإخراج المسلمين وفتنتهم عن دينهم، مستغلّين كلّ الإغراءات المادية وغير المادية، وهكذا واجهنا مشاكل الانحراف الأخلاقي والسياسي في توظيف جيش من المسلمين في أجهزة المخابرات الدوليّة، فأصبح هؤلاء بموجب ذلك عيوناً على المسلمين هناك، وعلى المسلمين في بلدانهم، في عمليّة استغلال للواقع الاقتصادي الذي يعيشونه، أو لبعض الأوضاع الأمنيّة التي تعترضهم.
وفي ضوء ذلك، أصبحت الهجرة الإسلاميّة مسألة تحتاج إلى دراسة متأنّية ومعالجة هادئة، لأننا إذا استطعنا أن نبقي الجيل الأوّل على إسلامه، فإننا ربما لا نضمن بقاء الجيل الثاني أو الجيل الثالث على الإسلام، لأنهم يعيشون في مناخٍ غير إسلاميّ، فكيف نواجه هذه المشكلة؟!
إنّ علينا من حيث المبدأ دراسة الجانب الشّرعي للهجرة، ثم أن نتوجّه إلى معالجة المشاكل الأخرى، وهذا الأمر لا تنحصر مسؤوليَّته في العلماء والمراجع فحسب، بل تتحمَّل مسؤوليّته كلّ الفعاليات الإسلاميَّة التي تفكّر في مستقبل الإسلام وفي المصلحة الإسلاميّة العليا.
*من كتاب "النَّدوة"،ج10.

أمّا في تاريخنا الحديث، فقد عاش المسلمون في بداية القرن الماضي خلال الحرب العالميّة الأولى أزمات اقتصادية وأمنية، فتعرّضوا لمجاعات قاسية في أكثر من بلد من بلدان العالم الإسلامي، ما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة إلى بلاد الغرب، سواء إلى أميركا أو إلى بعض دول أوروبّا.
وكنتيجة للجهل الّذي كان يعيشه هؤلاء، وفقدان أيّ موقع إسلاميّ في البلاد التي هاجروا إليها، فقد قطع التّواصل بينهم وبين البلدان الإسلاميّة الأخرى، وبذلك خسرنا الكثير من المسلمين المهاجرين في تلك المرحلة، وتحوّلت مئات العائلات المسلمة في الأرجنتين وفي تشيلي وفي كوبا وفي غيرها من دول أمريكا اللاتينية إلى عائلات غير إسلاميّة، وإن كانت المشكلة بشكل أقلّ في أمريكا، حيث التواصل كان قائماً بين أمريكا وبين المناطق الشرقيّة، ولا سيّما بين لبنان وسوريا اللّتين كثرت الهجرة منهما إلى أمريكا..
ونلاحظ اليوم أنّ الهجرات المتعاقبة بعد ذلك بدأت تنطلق إلى بلاد الغرب، ولكن من خلال أكثر من سبب، من خلال الظروف الأمنيّة تارة، أو من خلال الأزمات الاقتصاديّة التي تطبق على العالم الإسلامي بفعل نقاط الضعف الاقتصادي الموجودة في داخله، وبفعل الخطط السياسية التي قام بها المستعمرون الذين استعمروا العالم الإسلامي، من أجل إفقاره وتحويله إلى أسواق استهلاكية للغرب تارةً أخرى، أو من خلال تحويله إلى مواقع استراتيجية لصراعاته، أو إلى هوامش سياسية لسياساته أو ما إلى ذلك، أو نتيجة للسياسات المتبقّية من أجل تجهيل العالم الإسلامي، وإفقاد جامعاته المستوى الذي يمكّن طلابه من الحصول على مستويات متقدّمة، أو من خلال الأدمغة التي نملكها في شتّى أنواع العلوم التي لم تجد أيّ فرصة لخدمة شعوبها بهذا العلم، وبهذا، فقد وقعنا في مشكلة هجرة الأدمغة العلميّة إلى بلاد الغرب، ولم يبق عندنا إلا الذين لم تسمح لهم ظروفهم بأن يهاجروا، أو لأنهم لم يدخلوا في سوق شراء الأدمغة من قبل أمريكا وأوروبّا، هذا إلى جانب الهزات السياسية التي فرضت نفسها على الكثيرين من بلدان العالم الإسلامي.
وقد وصلنا إلى نتيجة مخيفة، وهي أنّه ما من بلد من بلدان العالم الإسلامي كلّه، إلا وهناك مئات الألوف، بل الملايين، ممن هاجروا منه لأسباب أمنيّة واقتصاديّة وسياسيّة، إلى سائر أنحاء العالم.
فنحن عندما نراقب الإحصاءات الموجودة في دول الغرب الآن، نجد أنّ هناك في فرنسا وحدها ما يقارب خمسة ملايين مسلم، وفي بريطانيا ما يقارب ثلاثة أو أربعة ملايين مسلم، وفي أمريكا ما يقارب عشرة ملايين مسلم، وفي أستراليا قد يبلغون أكثر من مليون، والهجرة إلى أستراليا - كما هو معلوم - هجرة جديدة، وهكذا إلى البرازيل ودول أمريكا اللاتينيّة، إضافةً إلى بعض المجموعات الأخرى في إيطاليا وفي بلجيكا وغيرهما من الدّول، بحيث أصبحت لدينا مجتمعات إسلاميّة من خلال كثرة عدد المسلمين في تلك البلدان.
ومن هنا، برزت مشكلة الهجرة الإسلاميّة إلى بلاد الغرب، والتي أفرزت آلاف المشاكل، وبالأخص من الناحية الإسلامية في ما يواجهه المسلمون من تحدّيات على مستوى عقيدتهم. وقد انطلق الكثيرون من المبشِّرين بأديان أخرى لإخراج المسلمين وفتنتهم عن دينهم، مستغلّين كلّ الإغراءات المادية وغير المادية، وهكذا واجهنا مشاكل الانحراف الأخلاقي والسياسي في توظيف جيش من المسلمين في أجهزة المخابرات الدوليّة، فأصبح هؤلاء بموجب ذلك عيوناً على المسلمين هناك، وعلى المسلمين في بلدانهم، في عمليّة استغلال للواقع الاقتصادي الذي يعيشونه، أو لبعض الأوضاع الأمنيّة التي تعترضهم.
وفي ضوء ذلك، أصبحت الهجرة الإسلاميّة مسألة تحتاج إلى دراسة متأنّية ومعالجة هادئة، لأننا إذا استطعنا أن نبقي الجيل الأوّل على إسلامه، فإننا ربما لا نضمن بقاء الجيل الثاني أو الجيل الثالث على الإسلام، لأنهم يعيشون في مناخٍ غير إسلاميّ، فكيف نواجه هذه المشكلة؟!
إنّ علينا من حيث المبدأ دراسة الجانب الشّرعي للهجرة، ثم أن نتوجّه إلى معالجة المشاكل الأخرى، وهذا الأمر لا تنحصر مسؤوليَّته في العلماء والمراجع فحسب، بل تتحمَّل مسؤوليّته كلّ الفعاليات الإسلاميَّة التي تفكّر في مستقبل الإسلام وفي المصلحة الإسلاميّة العليا.
*من كتاب "النَّدوة"،ج10.