يقول تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون: 115).
تلك هي المسألة الَّتي تختصر وجود الإنسان كلّه، من خلال ما يفتح به خالقه الأفق الواسع الّذي يتحرَّك فيه. هل أنت، أيُّها الإنسان، فيما تتصوَّر به نفسك، فقاعة تنتفخ ثمّ تنفجر ولا تترك إلّا الفراغ، أم أنت وجود حيّ، ليس الجسد كلّ وجودك، ولكنّه يتكامل من أجل أن يصنع للحياة الباحثة عن الفكر فكرها الَّذي يخطّط لها وينظّمها في كلّ عناصرها. فوجودك ليس وجود الجسد فقط، ولكنّها أجهزته الّتي تتكامل من أجل أن تنفتح على روح تحتاجه، لتكون الحياة الأخرى في عقلك وفي قلبك وفي إحساسك، وليكون القوَّة الّتي تعطي الحياة معنىً، بعد أن كانت المادَّة شيئًا يدخل في اللَّا معنى.
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}. فالله هو الحكيم الَّذي لا تقف حكمته عند حدّ، لأنَّه المطلق ولا مطلق غيره. والله لا يعبث، قد تعبثون أنتم، قد تعيشون التّفاهة فتتحرّكون في غفلة عن معنى وجودكم، ولكنّ الله - سبحانه وتعالى - ينطلق بالحكمة في كلّ ما أوجده، وفي كلّ ما أطلقه في الحياة، فالله لم يخلقنا عبثًا.
معنى العبث
ولكن، ما هو إيحاء العبث؟ وما الّذي يقابل العبث؟
جميعنا نفهم العبث من خلال لغتنا العربيّة، وهو أن تتحرَّك في أيّ موقع من مواقعك دون هدف، ودون مسؤوليّة، ودون أيّ قضيّة، كالمسبحة تمسكها وتحرّكها وتديرها وتقلّبها، لماذا ذلك؟ ليس هناك شيء وراء ذلك إلّا أنّك تعبث. وهكذا تتحرّك في الحياة، وتعمل في بلدك أو في وطنك، ولكن لِمَ هذا العمل؟ ما هي عناصره؟ ما هي نتائجه؟ ماذا يبقى منه للحياة وماذا يبقى منه لك؟ المهمّ أن تعمل، تمامًا ككثير من النَّاس الّذين لا يحبّون أن يُضبَطوا متلبّسين بالهدوء، لأنَّ معنى أن يضبطك النّاس متلبّسًا بالصَّمت أنّك تفكّر، والكثيرون من النّاس لا يحبّون أن يتّهمهم الآخرون بأنّهم يفكّرون، لأنّهم لا يريدون أن يكونوا ثقلاء الدم فيما قد يتحدّث بعض النّاس عمّن يفكّر بمسؤوليّة.
لذلك، بعض النّاس يجلس في سيّارته وهو يقطع الطَّريق الطَّويل، يفتح المذياع على أيّ شيء: برنامج، حديث، أو أغنية، أيّ شيء. لماذا ذلك؟ هو يريد أن يعبث، المهمّ أن لا يعيش الصّمت والهدوء. ماذا يريد أن يسمع؟ ليس المهمّ نوعيّة ما يسمع، ولكنّ المهمّ أن يسمع حتّى لو لم يكن هناك شيء مفيد.
العبث هو أن تتحرَّك في الحياة من دون مسؤوليّة، ومن دون اتّجاه يمتدّ في حياتك ليعطيك شيئًا لحياتك. بعض النّاس قد يعملون ويتحرّكون من أجل إرضاء أنانيّاتهم وإشباع ذاتيّاتهم، كأن يقول النَّاس عنهم شيئًا، أو أن يعظّمهم النّاس ويحيطوا بهم ويصفّقوا لهم. هذا عبث، حتّى لو كان يمثّل هدفًا وغايةً تعيشها في الحياة، لأنّ القضيّة ليست أن يكون عملك لأجل غاية فحسب، بل القضيّة هي: ما هو امتداد هذه الغاية؟ صفّق لك الناس، وهتفوا باسمك، وعظّموك، واحتضنوك، فماذا بعد؟ إنَّ القيمة الحقيقيَّة لا تكمن في نيل الإعجاب لذاته، بل في تحويل هذه المكانة إلى وسيلةٍ للانفتاح على هموم النَّاس وقضاياهم، والاستفادة من ذلك في تثبيت قضيّةٍ عادلة أو خدمة رسالةٍ سامية.
مسؤوليّة الإنسان في الأرض
لذلك، يخاطب الله سبحانه وتعالى كلّ النّاس الّذين يلهون، والّذين يحرّكون حياتهم من دون غاية تتّصل بامتداد الحياة وعمقها، وبهدف يبقى لك حتّى لو فقدت حياتك، ويبقى للآخرين حتّى لو ابتعدت عنهم وغادرت الحياة قبلهم. ولذلك، أراد الله للإنسان أن يكون خليفته في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}(البقرة: 30). وقضيّة الخلافة هي أن تتحمّل - أيّها الإنسان - مسؤوليّة الأرض؛ مسؤوليّة بنائها وإغنائها، ومسؤوليّة هذا التّكامل بين الإنسان والأرض.
ليست قضيّة الأرض أن تحدّق في ترابها وحجارتها، كما يحدّق الكثيرون من النّاس عندما يتصوّفون في الحديث عن الوطن والأرض والجبال والسّهول، ليست المسألة أن تحدّق في الأرض لتتعبّد لها، ولكن أن تعطيها شيئًا من إنسانيّتك وروحانيّتك، وأن تتحرَّك فيها تمامًا بوعي؛ فأنت وأنا والآخرون كنّا أرضًا وكنّا ترابًا، كلّنا من تراب، لأنَّ ما خُلِقنا منه هو تراب يتحوَّل إلى غذاء، وإلى دم، وإلى نطفة، وما إلى ذلك. نحن كنّا أرضًا، ولكنَّ الله نفخ فينا من روحه، فكنَّا نحن الرّوح الّتي تتحرّك بها الأرض.
ولذلك، هناك تراب ميت وهناك تراب حيّ، ونحن التّراب الحيّ، لأنّنا انطلقنا على أساس أن يكون فينا من روح الله، من خلال قدرة الله سبحانه وتعالى في ذلك كلّه.
أثرٌ في الدّنيا وزادٌ للآخرة
لذلك، نحن نريد أن نعمل العمل الّذي يمتدّ أثره في الحياة. عندما يعيش واحدنا حياته، عليه أن يفكّر أنَّه عندما يغادر الحياة، فإنّ هناك شيئين ينبغي أن يكون قد حصل عليهما؛ الشَّيء الأوّل: أنَّ الحياة كانت عندما دخلها بصورة معيّنة، وعندما غادرها صارت بصورة أخرى؛ أعطى علمًا، أو أعطى عمرانًا، أو أعطى تجربة، أو أعطى حرّيّة وعدالة، أو أيّ شيء من ذلك. والشّيء الثّاني: أن تنطلق لتبقى لك عصارة كلّ ذلك لتواجه بها ربّك، أنّك لم تكن عابثًا في الحياة، ولكنّك كنت الإنسان المسؤول فيها.
من خلال ذلك، أيّها الأحبّة، ينبغي أن لا نعيش العبث في الحياة، وأن يبحث كلّ واحد منّا في حياته عن هدف وغاية؛ عن هدف يبقى له حتّى لو مات، وعن غاية تبقى في الحياة حتّى لو غادرها. إنَّ الأهداف الصّغيرة لا تبني الحياة، ولكنّ الأهداف الكبيرة هي الّتي تبنيها.
ابتغاء الدّار الآخرة
الله لا يريدنا أن نترك الحياة، لأنَّ الحياة مسؤوليّتنا، ولا ينبغي للإنسان أن يبتعد عن مسؤوليّته. ولكنَّ الله قال لنا، فيما تحدّث به على لسان قوم قارون وهم يتحدّثون معه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}(القصص: 77). لتكن الدّار الآخرة هي الغاية الّتي تستهدفها. والدّار الآخرة في وعينا العمليّ لها، ليست مجرّد جنّة ندخلها، ولكنّها رضوان الله ومحبّته ولطفه بنا.
لذلك، أن تبتغي فيما آتاك الله الدّار الآخرة، يعني أن تفكّر في كلّ عمل تعمله: هل يحبّني الله إذا عملت هذا العمل أم يكرهني؟ وعندما نتحدّث عن محبّة الله، فإنّنا لا نتحدّث فقط عن عباداتنا من صلاةٍ وصومٍ وحجٍّ نتقرَّب بها إلى الله، ولكنَّنا نتحدّث عن كلّ طاقتنا الّتي نفجّرها فيما يرفع مستوى الحياة، بالطَّريقة الّتي تكون الحياة فيها ساحة تتحرَّك من خلال إرادة الله، وليعيش فيها عباد الله في جنّة قبل الجنّة: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}(الحجر: 47).
لذلك، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نفكّر في الامتداد: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}(الكهف: 46)، أن نفكّر في العمق وفي العلوّ، في رحابة الأفق الَّذي يجعلنا نُحلّق من خلال قيمنا وروحيّتنا في آفاق الله وفي رحابه.
الانفتاح على الله
إنّ علينا أن نكون جادّين في هذا، أن ننفتح على هذا الجوّ - أيُّها الإخوة - أن ننفتح عليه في رحابته، وأن ننفتح عليه في سعة أفقه؛ أن ننفتح عليه فننفتح على الله، وننفتح على الإنسان من خلال الله، "الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله". أن تعيش حياتك على أساس أنَّك بعض هؤلاء العيال الَّذين حمَّلهم الله المسؤوليّة تجاه العيال الآخرين، تمامًا كما حمّل العيال الآخرين مسؤوليّة هذا الإنسان أو ذاك.
عندما نفكّر في الله تكبر الحياة عندنا، وعندما نفكّر في النّاس ونستغرق فيهم، ونفكّر في الأرض ونستغرق فيها، تضيق الحياة عندنا. لذلك، إنّ الإنسان الّذي يعيش مع الله لا ييأس: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف: 87)؛ لأنَّ الإنسان ييأس عندما يعيش في حدود مغلقة، أمَّا عندما يعيش في المطلق، فإنّه لا ييأس.
لغة الحوار لا العنف
كذلك عندما نعيش مع الله، ننفتح على المحبّة، وننفتح على الرّحمة، وعلى الأسلوب الأحسن والجوّ الأحسن في الحياة، لأنّ الّذي ينفتح على الله لا يضيق صدره بأحد. فحتّى لو خالفك النّاس في دينك أو في سياستك، أو في بعض ما يختلف فيه النَّاس من قضايا الاجتماع، قل لنفسك إنَّ الله أعطى لكلّ إنسان فكره، وحرّك في كلّ إنسان تجربته، وذلك يعني أنَّ طبيعة الخلق تفرض أن تكون هناك أفكار متنوّعة واتّجاهات مختلفة، وأنّ عليّ أن أنفتح على ما يفكّر فيه النَّاس ليكون الحوار هو الأساس، وليكون التّفاهم هو الأساس. فالله أعطانا عقلًا لنفكّر به مع عقول الآخرين، فلماذا نُجمّد عقولنا لنجرّد أسلحتنا؟ والله أعطانا لسانًا لنتحدّث به مع الآخرين، فلماذا نُجمّد ألسنتنا ونحرّك عصيّنا وما إلى ذلك؟ القهر لا يصنع فكرًا، والعنف لا يصنع دينًا.
إنّ قضيّة العنف إنّما هي حالة تتحرّك فيها الحياة ضدّ الّذين يريدون أن يقهروا الحياة، ويريدون أن يسقطوا الإنسان؛ عند ذلك، تدافع من أجل أن تفسح المجال لحياة بعيدة من العنف، وتتصدَّى من أجل أن تفسح المجال لحياة بعيدة من القسوة. تلك هي المسألة.
لكنّ ذلك يحتاج - أيُّها الأحبَّة - أن نمنح أنفسنا بعض الهدوء في العقل، وبعض الانفتاح في القلب، وبعض الرّحابة في السّاحة. لماذا نعيش في الكهوف والمغاور؛ مغاور تخلّفنا وكهوف جهلنا؟! لماذا نتعصّب للظّلام، ونحاول أن نتغزَّل دائمًا باللّيل؟ هل سمعتم إنسانًا يتغزّل بالفجر أو بالصَّباح؟ كلّ الغزل الّذي يُتحدَّث به هو كلمات في اللّيل، لماذا هذا الغزل في اللّيل؟ إنّه يجعلنا نألف الظَّلام ونعتبره الشّيء الّذي ينفتح على محبّتنا وحياتنا.
وعي المسؤوليّة في الحياة
لذلك، أيّها الأحبّة، ما أريد أن أقوله هو أنّ الله خلقنا في هذا الكون من أجل أن نعطي الكون شيئًا من الإشراق، وشيئًا من الرَّاحة، وشيئًا من الرّفق، وشيئًا من المحبّة والرّحمة. وذلك يقتضي منّا أن نفكّر أنّ الله لم يخلقنا عبثًا، وأنّنا سنرجع إليه، لأنّك عندما تفكّر أنّك سترجع إلى الله، وستقف بين يديه، وستدافع عن نفسك، ولا يدافع عنك أحد، عند ذلك ستفكّر في كلّ كلمة قلتها: لماذا قلتها؟ وماذا أردت منها؟ وكيف قلتها؟ وعند ذلك، تفكّر في كلّ عمل، وأنَّ هناك حسابًا ينتظرك؛ فإمّا العقاب وإمَّا الثّواب.
ومن خلال ذلك الانفتاح الرّوحيّ على الله، تنتظم لنا سياستنا واجتماعنا وحركتنا في الحياة، لأنّنا لا ننطلق من أهوائنا وعُقَدنا، بل ننطلق من محبّتنا لله، الّتي تفرض أن نحبّ النّاس والحياة من حولنا انطلاقًا منه تعالى. عند ذلك نعرف كيف نتكلَّم، وكيف ندير الكلمة، وكيف نتصرّف، وكيف نحرّك العمل، وكيف ننفتح على الحياة من خلال المسؤوليّة.
الاستكبار.. وحصار الوعي
على هذا الأساس، قد نواجه الواقع الّذي نعيشه في لبنان وفي المنطقة وفي العالم كلّه. هناك ضجيج في السّاحة؛ ضجيج داخليّ يحاول الكثيرون فيه أن يتحدّثوا دون أن يفكّروا هل يسمعهم الآخرون أو لا، وهناك ضجيج في المنطقة يُراد من خلاله إشغال النَّاس عن قضاياهم بالاستهلاك السّياسيّ والاستهلاك الأمنيّ الّذي يُراد للنّاس فيه أن يستغرقوا في التّحليلات والاجتماعات والتّفسيرات، حتّى لا يحدّقوا في الأفق الأبعد، لأنَّ القضيَّة هي أنَّ شعوب العالم الثّالث ممنوعة من أن تفكّر في الأفق الأبعد؛ المسموح هو أن تفكّر في ضيعتك، أو أن تفكّر في عشيرتك، وإذا تطوّرت قليلًا أن تفكّر في منطقتك، وحتّى إذا بلغت الغاية أن تفكّر في وطنك، وليمت كلّ العالم! ممنوع أن يتجاوز الإنسان عائلته أو طائفته أو منطقته، وممنوع أن ينفتح وطنه على أوطان الآخرين في عمليّة التّكامل!
فلو درسنا عمق سياسة الاستكبار العالميّ، لرأينا أنّ هناك خطّة مدروسة من قِبل علماء النّفس والاجتماع والاقتصاد والسّياسة وما إلى ذلك، الّذين يتحرّكون مع أجهزة المخابرات الدّوليّة؛ إنّهم يمنعون الأفق عليك؛ أن لا تفكّر إسلاميًّا بل فكّر شيعيًّا، وأن لا تفكّر شيعيًّا أو سنّيًّا بل فكّر فقط في الشّيعة هنا والسّنّة هناك، وأن لا تفكّر مسيحيًّا بل فكّر مارونيًّا، وعندما تفكّر في هذا المكان، فكّر في موارنة لبنان وفي موارنة قبرص، أو فكّر في هذه الطّائفة هنا وتلك الطّائفة هناك.
وعندما يكتشف الآخرون فيك أنّك ابتعدت عن هذا الأفق الضّيّق الّذي يحاولون أن يحبسوك فيه، فإنّهم يعيدونك إلى دائرتك العشائريّة أو المناطقيّة أو الطّائفيّة أو ما إلى ذلك.
قولوا لي: عندما نُفكّر في أكثر دول الشّرق الّذي نعيش فيه، ألا نلاحظ أنّه من الصّعب أن نبحث عن فكرة تشمل شعوبًا يعيش النّاس رحابتها، من دون أن يحدّدوا الحواجز في داخلها؟!
نحن ممنوعون من الأفق الأرحب، ولذلك يُراد لنا أن نستغرق في خصوصيّاتنا. نحن لا نقول للنّاس إنّ عليهم أن يبتعدوا عن خصوصيّاتهم، ولكنّ الله أعطانا مثلًا لهذه الخصوصيّات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}(الحجرات: 13). الخصوصيّات لها عناصرها، ولكن على أساس أن يتكامل بعضها مع بعض، وأن تتعارف فيما بينها. لذلك، نحن رتّبنا وضعنا على أساس الخصوصيّات، لا على أساس العموميّات.
عفن الطّائفيّة
لقد عشنا في هذا البلد الّذي يتحدّث النّاس عنه أنّه يمثّل شيئًا فريدًا في العالم، من خلال هذا التّنوّع الدّينيّ والفكريّ الّذي قد لا تجده في بلد آخر. إنَّ المسألة في طبيعتها تمثّل غنًى في هذا التنوّع: {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟}. ولكنَّ الّذين صنعوا للبنان نظامًا، أرادوا له أن يكون جماعات تتناحر وتتصارع، وتتحدَّث على أساس أن تكون هناك سلبيّة تواجه سلبيّة أخرى، أو سلبيّة تقهر إيجابيَّة.
لقد امتدَّت هذه المسألة حتّى تعفّنت عقولنا وقلوبنا بالأفكار والأحاسيس الطّائفيّة الّتي ليست دينًا. أيّها الطّائفيّون، عليكم أن لا تُدخلوا أنفسكم في دائرة المتديّنين. إنَّ الكثيرين من الطّائفيّين في المسيحيّة يكفرون بعمق المسيحيّة، ولو جاء السّيّد المسيح (ع) ووقف ضدّ طائفيّاتهم، وقال لهم إنَّ الله محبّة، لسبّوه. وهناك الكثيرون من الطّائفيّين المسلمين، لو جاءهم محمَّد (ص) وأراد لهم أن يبتعدوا عمّا هم فيه من طائفيّة، وأن ينفتحوا على الرّحمة، وعلى أن يحبّ الإنسان لأخيه ما يحبّ لنفسه، لرفضوا ذلك.
المسألة أنّنا أصبحنا نعيش العفن التّاريخيّ. لذلك، من أين جاءتنا هذه البدعة الّتي يجب أن تُلغى من النّفوس قبل أن تُلغى من النّصوص؟ لماذا لا نتعاون في الكنيسة وفي الجامع لإلغائها من النّفوس؟ ولماذا نؤكّدها في الكنيسة والجامع، ونرجم النّصوص الّتي تريد أن تتحرّك خطوة أو خطوتين نحو إلغائها؟!
الحوار بدل التّراشق
الكلمات تنطلق في السّاحة، ومن حقّ كلّ إنسان أن يطرح ما يريد. لكن لماذا نتحاور في الهواء الطّلق ونتراشق بالكلمات؟ الكثيرون يتحدّثون عن الحوار الإسلاميّ المسيحيّ، على طريقة الاستهلاك أو غير الاستهلاك. لماذا طيلة هذه المدّة لم يجتمع هؤلاء وهؤلاء على طاولة واحدة ليبحثوا - على الأقلّ - في معنى الكلمات، قبل أن يبحثوا في طبيعة الواقع؟
إنّني أزعم أنّ كلّ إنسان يتكلّم بكلمة، يحاول أن يختزن في داخل نفسه معنًى للكلمة غير ما يختزنه الطّرف الآخر من الكلمة نفسها. لذلك، علينا أن نبحث عن قاموس للكلمات، تمامًا كما هو القاموس العربيّ الفرنسيّ أو القاموس العربيّ الإنجليزيّ؛ لا بدَّ أن نبحث عن قاموس يحدّد لنا كلماتنا السّياسيّة أو كلماتنا الدّينيّة، لأنّنا قد نكتشف أنّ للكلمة أكثر من مدلول عند أصحابها.
بين التّعايش والحرّيّة!
أيّها الأحبّة، إنّنا لا نُناقش أن تُطرح القضايا في الواقع الشّعبيّ، لكن علينا عندما نطرح القضايا، أن نطرحها بشيء من المحبّة والواقعيَّة، لا بشيء من التّهويل. عندما نلتقي بكلمة تحاول أن تجعلك تختار بين التّعايش والحرّيّة: إمَّا أن نتعايش في هذا البلد وتُخنق حرّيّتنا، وإمّا أن نختار الحرّيّة ليسقط التّعايش! إنّني أتساءل - بكلّ محبّة، وقد أكون من الّذين لم يفهموا الكلمة في عمقها، أو لعلَّ لها معنًى في قلب الشَّاعر، كما يقولون -: لماذا نطرح المسألة على أنّ هناك خيارًا بين التّعايش وبين الحرّيّة؟ لماذا ذلك؟
لقد عشنا تعايشًا مقترنًا بالحرّيّة، ونحن الآن نمارس هذه الحرّيّة في هذا البلد، وننطلق على أساسها. أن تنطلق المبادرات على أساس أن تأخذ حرّيّتك في حركة الواقع من خلال الحرّيّة الّتي تحترم الآخر، وآخذ حرّيّتي في حركة الواقع فتُحترم حرّيّة الآخر، ثمّ ينطلق الواقع على أساس أن تكون المسألة الأعمق هي الّتي تتجذّر في الأرض.
إنّنا نناقش مثل هذا الطّرح. قولوا إنّ هناك مشاكل يمكن أن تتحرّك في أسلوب الطّرح، وقولوا إنّ هناك قضايا سلبيّة يمكن أن تُثار في زمن معيّن لهذا الطّرح، لكن أن نقول: إمَّا التّعايش وإمّا الحرّيّة، فهذا كلام له خبايا! إنّنا بكلّ محبّة نقول: ليس من مصلحة لبنان أن نتحدّث بهذه الطّريقة.
من حقّ كلّ فرد أن يوافق على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة من وجهة نظره، أو أن لا يوافق عليها من وجهة نظره، ليكون الحوار، وليكون الصّراع السّياسيّ الّذي ارتضاه اللّبنانيّون عنوانًا للتَّوافق، لأنّ التّوافق ليس معناه تمييع الحركة السّياسيّة؛ إنّ التّوافق يعني أن تُضبط حركة الصّراع على أساس أن لا تتحرّك من أجل أن تُسقط الأرض؛ هي مسألة التّوافق على شروط الصّراع وآليّته، لا التّوافق على إلغاء الصّراع قبل أن نتحاور.
لذلك، نحن نقول: من حقّ كلّ أحد أن يطرح فكره ويتحرّك، ولكن لماذا ينصّب كلّ واحد منّا نفسه ديّانًا على لبنان؟ أن أقف لأعتبر أنَّ لبنان يجب أن يكون كما أريد، وإلّا فلا لبنان! تعالوا لنتفاهم حول لبنان. وإذا كنّا نفكّر مسيحيًّا وإسلاميًّا، فعلينا أن لا نفكّر في الطّبل المسيحيّ ندقّه ليتجمّع حوله النَّاس، والطّبل الإسلاميّ الّذي ندقّه ليتجمَّع حوله النّاس، بل تعالوا لنفكّر: ما هو امتداد المحبّة في المسيحيّة؟ وما هو امتداد الرَّحمة والقيم الّتي لن نختلف - مسيحيّين ومسلمين - في أكثرها؟ تلك هي المسألة.
أولويّة التّحرير
إنَّ ما نريد أن نقوله هو: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}(الإسراء: 53)، ولا سيّما ونحن في هذا اللّبنان الّذي يغرقه الآخرون بأحلامهم، ويصنعون له في كلّ يوم أحلامًا جديدة، ويحاولون أن يجعلوه يحدّق في الفضاء دون أن يحدّق في الأرض. هذا اللّبنان الّذي لا يزال يعيش الاحتلال الإسرائيليّ، الاحتلال الّذي يدمّر سياسته، ويدمّر بيوته، ويدمّر أهله. إنّني أتساءل: كم خطبة هنا وهناك حُرّكت من أجل أن تُحذّر النّاس من الاحتلال الإسرائيليّ؟ هل قال قائل: إمَّا أن نواجه الاحتلال وإمَّا الحرّيّة؟ أو إمّا أن يبقى الاحتلال الإسرائيليّ وإمّا الحرّيّة؟
لماذا لم نتصوّر حتّى الآن - ونحن نتحدّث عن حرّيّة لبنان، واستقلاله، وعنفوانه، وأرضه الغالية - أنّ الاحتلال الإسرائيليّ يُسقط كلّ هذه العناوين؟ تعالوا نتّفق الآن على أن نجُمّد الطّائفيّة السّياسيّة؛ أن نتّفق جميعًا في كنائسنا ومساجدنا ونوادينا، على أن نتجنّد لنحرّر لبنان من الاحتلال الإسرائيليّ، أن ننطلق على هذا الأساس لنُحرّر الأرض من الاحتلال، ولنُجمّد كلّ القضايا التّفصيليّة في طبيعة النّظام السّياسيّ اللّبنانيّ.
أصالة المقاومة
لكن أن نعتبر قصّة الاحتلال الإسرائيليّ قصّة هامشيّة لا يجب أن تُذكر، ونتحدّث عن المقاومين أنّهم مغامرون أو ميليشيات، وأنّهم ينطلقون على أساس لعبة سوريّة في المفاوضات، أو لعبة إيرانيّة لتأخذ لها مكانًا في المنطقة! أن نتحدّث عن بلدنا الّذي ينطلق بعضنا من أجل أن يبذل دمه لتحريره بهذه الطّريقة!
أتعرفون ما معنى حديثكم هذا يا من تتحدّثون بهذه الطّريقة؟ ما معنى أن تقول إنّ المقاومة هنا تعمل لحساب سوريا، أو تعمل لحساب إيران لتُشاغب على هذه الحكومة أو تلك؟ معنى ذلك أنّ شعب لبنان لا يعيش أصالة الحرّيّة في مواقفه، معنى ذلك أنّ الشّعب اللّبنانيّ لا يمكن أن يفكّر في تحرير بلده إلّا من خلال ما يُقدَّم إليه من تعليمات ونصائح، وكلّ شيء بالثَّمن! هل تريدون للبنان أن يكون بهذه الصّورة؟ تعالوا نبحث الأولويّات لنحمل لبنان معًا، وبعد ذلك لنتّفق على نوعيّة هذا النّظام: هل نُلغي الطّائفيّة السّياسيّة أم نُبقيها؟
الخطّة الأمريكيّة للمنطقة
إنَّ المسألة، أيُّها الأحبَّة - وقد تحدّثت إليكم عن البعد البعيد - أنَّ كلّ ما يدور في لبنان الآن من مفردات الواقع السّياسيّ المحلّيّ، وربّما كثيرًا ممّا يدور في واقع السياسة العربيّة، ليس هو الامتداد الّذي يُراد للمنطقة أن تنطلق فيه. فمن خلال الخطّة الأمريكيّة الّتي تريد أن تؤمرك كلّ موقع في العالم، والّتي تريد أن تحرّك جيوشها في كلّ مكان، يُراد للمنطقة أن تنخرط في نظام أمنيّ إقليميّ جديد تنطلق فيه كلّ المنطقة، بما في ذلك إسرائيل الّتي يُراد لها أن تكون أقوى عضو في هذا الجسد الجديد الّذي تريد أن تصنعه أمريكا، من أجل أن تكون إسرائيل شرطيًّا من الدّاخل، بعد أن قامت بدورها كشرطيّ من الخارج.
المسألة هي أنّ كلّ هذا اللّغو في داخل لبنان، وفي ساحة المفاوضات العربيّة، وفي السّاحات السّياسيّة الموجودة هنا وهناك؛ الهدف الأساسيّ منه هو كيف يُصنع النّظام الأمنيّ الإقليميّ، حتّى ترتّب أمريكا مصالحها وسياستها على أن لا يكون لنا أيّ دور في المسألة.
المسؤوليّة في خطّ التّقوى
لذلك، في نهاية المطاف - أيّها الأحبّة - فكّروا كأناس خلقكم الله في هذا العالم لتتحمّلوا مسؤوليّتكم عن أنفسكم، وعن شعبكم، وعن أمّتكم، وإذا انفتحت لكم طاقاتكم، لتتحمّلوا مسؤوليّتكم عن الإنسان كلّه. لنعش هذا الجوّ المنفتح على الحياة كلّها وعلى الإنسان كلّه الّذي ينطلق من خلال الله. لنتّقِ الله في أنفسنا، وفي أهلنا، وفي أرضنا، وفي سياستنا، وفي حاضرنا ومستقبلنا؛ إنّ المسألة هي أن ننطلق في خطّ التّقوى في المسؤوليّة السّياسيّة والاجتماعيّة والأمنيّة والاقتصاديّة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}(الحشر: 18-20).
تعزية وختام
أسأل الله أن يتغمّد الفقيدة الجليلة بواسع رحمته، ويُسكنها فسيح جنّته، ويُلهم أهلها الصّبر وعظيم الأجر.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* كلمة سماحته (رض) في ذكرى أسبوع والدة الشّيخ صبحي الطفيلي في بريتال، بتاريخ: 02/12/1992م.