محاضرات
02/12/2012

أهمية الدَّعوةِ إلى الخيرِ

أهمية الدَّعوةِ إلى الخيرِ

يقول تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104].

والله سبحانه يركّز في هذه الآية على مسألة أن يكون المجتمع مجتمعاً منفتحاً على آفاق الدعوة إلى الخير في الدَّاخل والخارج؛ لأنَّ ذلك هو دور الأمَّة المسلمة القائدة التي تقود العالم إلى ما فيه الخير والصَّلاح، فلا تكون أمّةً تلك التي تختزن في نفسها عناصر القوّة، ثُمَّ تنغلق على ذاتها في عمليّة ذاتيَّة محدودة لا تشعر فيها بالمسؤوليَّة عن فكرها وقيمها وأهدافها، فلا تعمل من أجل تحريكها في حياة الآخرين، وتوسيع مداها في حركة الإنسان الصَّاعدة؛ بل الأمَّة هي التي تمثِّل القوَّة المسؤولة التي تعتبر مسؤوليَّة صنع الخير والدَّعوة إليه جزءاً من شخصيَّتها الممتدَّة، التي ترى في امتدادها في الزَّمن معنى وجودها في الحاضر والمستقبل، وتؤمن بأنَّ حركتها - بعيداً من الحدود الضيّقة - هي سرّ حيويَّتها وتجدّدها ومعنى إيمانها، لأنَّ الإيمان بالله وبرسالاته لا يتجمَّد في زمن، ولا يقف عند حدّ، إذ إنَّ الإنسان هو عبد الله وخليفته في الأرض، فلا بُدَّ له من أن يستوعب كلّ عناصر الرسالة في كلِّ دورٍ من أدوار حياته، وفي كلِّ مجتمع من مجتمعاته، من خلال ما يبلّغه رسل الله من رسالات...
والمراد من الآية، هو أن تنطلق الجماعة الآمرة بالمعروف، النَّاهية عن المنكر، بمقدار الحاجة، فقد تشمل المسلمين كلَّهم إذا كانت التحدّيات الثقافيّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة بالمستوى الَّذي لا يكفي معه جماعة محدودة، وقد يضيق عن ذلك إذا كان يكفيه جزء منهم. وقد يتنوَّع الموضوع، حسب الحاجة الواقعيَّة، بين الجهود الفرديَّة التي يدعو فيها بعضهم بعضاً بشكلٍ فردي، والجهود الجماعيَّة التي تنطلق لرعاية الواقع كلّه ومراقبته وتوجيهه في القضايا العامَّة التي تحتاج إلى الأمَّة الإسلاميَّة كلّها، تبعاً لاتساع حدودها وكثرة جماعتها وتنوّع أوضاعها. كما أنَّ حجم هذه الجماعة لا يختصّ بعددٍ محدود، فقد يتَّسع ليشمل المسلمين كلّهم في الدَّائرة العامّة للحاجة. أمّا حجم الخير ومداه ونوعيَّته، فإنَّه يتَّسع سعة الإسلام في عقيدته وشريعته وحركته الشَّاملة للحياة، وذلك قوله تعالى: {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}.
وقد كان الواقع التَّاريخي لهذه الجماعة يتمثّل في الدائرة الاجتماعيَّة في البلاد الإسلامية تحت اسم دائرة الحسبة، ويُسمَّى أفرادها بالمحتسبين. وقد يُطلق عليهم اسم (لجنة الآمرين بالمعروف)، وكانت مهمَّتهم ملاحقة ظاهرة الانحراف الديني والفساد الاجتماعي والسياسي في واقع النَّاس والدولة.
وبذلك كانت الدعوة مسؤوليَّة كلّ مسلم يحتاج الإسلام إلى فكره وأسلوبه في نشر الدَّعوة، فليس لأيِّ إنسانٍ من أمثال هؤلاء أن يتقاعس ويجمِّد نفسه في دائرة ضيِّقة أو عزلة خانقة، أو هروب من خطِّ المسؤوليَّة، تماماً كما لا يجوز له أن يفعل ذلك في ما يتعلَّق بعباداته وفروضه الأخرى.
وفي مقابل ذلك، فإنَّ عصور التخلّف التي مرّت على المسلمين، شاركت في خلق ذهنيَّة سلبيّة كسولة، لا شغل لها إلَّا البحث والتَّدقيق في إيجاد المبرّرات للتراجع والتكاسل والبُعد عن المسؤوليَّة، الأمر الذي أدّى إلى أن يفقد الإسلام كثيراً من الطاقات والقابليات ذات الفاعليَّة الكبيرة في تعزيز الإسلام والمسلمين. ولا يزال بعض هؤلاء يتحرَّك من أجل التَّنديد بالعاملين، لأنَّ العاملين يشكِّلون التحدّي العمليَّ لأمثال هذا البعض في حمل المسؤوليَّة الإسلاميَّة في السَّاحة.
أمّا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فقد يلتقيان بالدعوة إلى الخير في الجانب الذي تفرضه الدعوة إلى المعروف والبُعد عن المنكر بالكلمة وأمثالها، ما يكوِّن حركة إيجابيَّة نحو الخير والمعروف، وحركة سلبيَّة ضدَّ الشرّ والمنكر، وهذا من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد يتحرّكان في اتجاه الخطوات العملية التي تعمل على تغيير الواقع بالمواقف الحاسمة التي يقفها العاملون ضدَّ المنكر في اتجاه المعروف، بالثَّورة عليه، وبمواجهته بالضّغوط القويَّة، من أجل إزالته تارةً، أو التَّخفيف من غلوائه أخرى؛ سواء كان في العمل الفرديّ المنكر المتمثِّل في انحراف الفرد عن خطِّ الإسلام، أو في العمل الاجتماعيّ الَّذي يمثِّله انحراف المجتمع ككلّ في الخطّ العمليّ بشكل عام، أو في العمل السياسي الَّذي يعمل على السَّير بقضايا الأمَّة المصيريَّة في الاتجاه المنحرف، على غير سيرة العدل، ويعمل على إخضاع مقدّراتها للكفر والكافرين، بمختلف الوسائل الخفيَّة التي تجعلها تحت سيطرة الاستعمار والمستعمرين؛ أو في العمل الاقتصادي الَّذي ينحرف بالاقتصاد عن شريعة الله في مصادر الثَّروة ومواردها وطريقة توزيع الإنتاج، وإبقاء ثروة الأمَّة تحت سيطرة الاحتكار الجشع، الأمر الَّذي قد يسيء إلى عزَّتها وكرامتها.
* من كتاب "النَّدوة"، ج 16
والله سبحانه يركّز في هذه الآية على مسألة أن يكون المجتمع مجتمعاً منفتحاً على آفاق الدعوة إلى الخير في الدَّاخل والخارج؛ لأنَّ ذلك هو دور الأمَّة المسلمة القائدة التي تقود العالم إلى ما فيه الخير والصَّلاح، فلا تكون أمّةً تلك التي تختزن في نفسها عناصر القوّة، ثُمَّ تنغلق على ذاتها في عمليّة ذاتيَّة محدودة لا تشعر فيها بالمسؤوليَّة عن فكرها وقيمها وأهدافها، فلا تعمل من أجل تحريكها في حياة الآخرين، وتوسيع مداها في حركة الإنسان الصَّاعدة؛ بل الأمَّة هي التي تمثِّل القوَّة المسؤولة التي تعتبر مسؤوليَّة صنع الخير والدَّعوة إليه جزءاً من شخصيَّتها الممتدَّة، التي ترى في امتدادها في الزَّمن معنى وجودها في الحاضر والمستقبل، وتؤمن بأنَّ حركتها - بعيداً من الحدود الضيّقة - هي سرّ حيويَّتها وتجدّدها ومعنى إيمانها، لأنَّ الإيمان بالله وبرسالاته لا يتجمَّد في زمن، ولا يقف عند حدّ، إذ إنَّ الإنسان هو عبد الله وخليفته في الأرض، فلا بُدَّ له من أن يستوعب كلّ عناصر الرسالة في كلِّ دورٍ من أدوار حياته، وفي كلِّ مجتمع من مجتمعاته، من خلال ما يبلّغه رسل الله من رسالات...
والمراد من الآية، هو أن تنطلق الجماعة الآمرة بالمعروف، النَّاهية عن المنكر، بمقدار الحاجة، فقد تشمل المسلمين كلَّهم إذا كانت التحدّيات الثقافيّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة بالمستوى الَّذي لا يكفي معه جماعة محدودة، وقد يضيق عن ذلك إذا كان يكفيه جزء منهم. وقد يتنوَّع الموضوع، حسب الحاجة الواقعيَّة، بين الجهود الفرديَّة التي يدعو فيها بعضهم بعضاً بشكلٍ فردي، والجهود الجماعيَّة التي تنطلق لرعاية الواقع كلّه ومراقبته وتوجيهه في القضايا العامَّة التي تحتاج إلى الأمَّة الإسلاميَّة كلّها، تبعاً لاتساع حدودها وكثرة جماعتها وتنوّع أوضاعها. كما أنَّ حجم هذه الجماعة لا يختصّ بعددٍ محدود، فقد يتَّسع ليشمل المسلمين كلّهم في الدَّائرة العامّة للحاجة. أمّا حجم الخير ومداه ونوعيَّته، فإنَّه يتَّسع سعة الإسلام في عقيدته وشريعته وحركته الشَّاملة للحياة، وذلك قوله تعالى: {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}.
وقد كان الواقع التَّاريخي لهذه الجماعة يتمثّل في الدائرة الاجتماعيَّة في البلاد الإسلامية تحت اسم دائرة الحسبة، ويُسمَّى أفرادها بالمحتسبين. وقد يُطلق عليهم اسم (لجنة الآمرين بالمعروف)، وكانت مهمَّتهم ملاحقة ظاهرة الانحراف الديني والفساد الاجتماعي والسياسي في واقع النَّاس والدولة.
وبذلك كانت الدعوة مسؤوليَّة كلّ مسلم يحتاج الإسلام إلى فكره وأسلوبه في نشر الدَّعوة، فليس لأيِّ إنسانٍ من أمثال هؤلاء أن يتقاعس ويجمِّد نفسه في دائرة ضيِّقة أو عزلة خانقة، أو هروب من خطِّ المسؤوليَّة، تماماً كما لا يجوز له أن يفعل ذلك في ما يتعلَّق بعباداته وفروضه الأخرى.
وفي مقابل ذلك، فإنَّ عصور التخلّف التي مرّت على المسلمين، شاركت في خلق ذهنيَّة سلبيّة كسولة، لا شغل لها إلَّا البحث والتَّدقيق في إيجاد المبرّرات للتراجع والتكاسل والبُعد عن المسؤوليَّة، الأمر الذي أدّى إلى أن يفقد الإسلام كثيراً من الطاقات والقابليات ذات الفاعليَّة الكبيرة في تعزيز الإسلام والمسلمين. ولا يزال بعض هؤلاء يتحرَّك من أجل التَّنديد بالعاملين، لأنَّ العاملين يشكِّلون التحدّي العمليَّ لأمثال هذا البعض في حمل المسؤوليَّة الإسلاميَّة في السَّاحة.
أمّا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فقد يلتقيان بالدعوة إلى الخير في الجانب الذي تفرضه الدعوة إلى المعروف والبُعد عن المنكر بالكلمة وأمثالها، ما يكوِّن حركة إيجابيَّة نحو الخير والمعروف، وحركة سلبيَّة ضدَّ الشرّ والمنكر، وهذا من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد يتحرّكان في اتجاه الخطوات العملية التي تعمل على تغيير الواقع بالمواقف الحاسمة التي يقفها العاملون ضدَّ المنكر في اتجاه المعروف، بالثَّورة عليه، وبمواجهته بالضّغوط القويَّة، من أجل إزالته تارةً، أو التَّخفيف من غلوائه أخرى؛ سواء كان في العمل الفرديّ المنكر المتمثِّل في انحراف الفرد عن خطِّ الإسلام، أو في العمل الاجتماعيّ الَّذي يمثِّله انحراف المجتمع ككلّ في الخطّ العمليّ بشكل عام، أو في العمل السياسي الَّذي يعمل على السَّير بقضايا الأمَّة المصيريَّة في الاتجاه المنحرف، على غير سيرة العدل، ويعمل على إخضاع مقدّراتها للكفر والكافرين، بمختلف الوسائل الخفيَّة التي تجعلها تحت سيطرة الاستعمار والمستعمرين؛ أو في العمل الاقتصادي الَّذي ينحرف بالاقتصاد عن شريعة الله في مصادر الثَّروة ومواردها وطريقة توزيع الإنتاج، وإبقاء ثروة الأمَّة تحت سيطرة الاحتكار الجشع، الأمر الَّذي قد يسيء إلى عزَّتها وكرامتها.
* من كتاب "النَّدوة"، ج 16
اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير