محاضرات
22/01/2026

الحسين (ع) واعظاً ومرشداً

الحسين (ع) واعظاً ومرشداً

ونبقى مع الإمام الحسين (ع) في الوجه الآخر للصّورة... لنحاول أن نراه في صورة الإمام الدَّاعية الواعظ المرشد الَّذي يحدِّد للناس المسار الصحيح ومسيرتهم الرشيدة، لأنَّ القليل من الناس من يعرفون الحسين (ع) في كلماته الإرشادية والوعظية.

الصّبر على الحقّ

ومن كلماته (ع)، ما نقله الإمام الباقر (ع) عن أبيه قال: "لـمّا حضرت أبي علي بن الحسين الوفاة، ضمّني إلى صدره ثمّ قال: يا بنيّ، أوصيك بما أوصاني به أبي - الحسين بن علي - حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أنَّ أباه (ع) أوصاه به: يا بنيَّ، اصبر على الحق وإن كان مرّاً"، وفي كلمة أخرى له، قال فيها: "اصبر على ما تكره في ما يلزمك الحقّ، واصبر عمَّا تحبّ في ما يدعوك إليه الهوى".

يريد الإمام (ع) في هاتين الكلمتين، أن يؤكّد موقف الإنسان في حياته، سواء كان ذلك في حياته الذاتية الفردية مع نفسه، أو في موقفه مع ربّه، أو في موقفه مع كل الناس، فالقضية لا تختصر بما يعيشه الإنسان من مشاعر اللذة أو الألم، بحيث يُقبل على ما يلتذّ به، ويتجنّب ما يؤلمه، بل أن يعمل على أن يكون موقفه هو الموقف الذي يحقّق له الثبات والاستقرار والنجاح في المستقبل، باعتبار أنَّ بدايات اللذّة قد تغري الإنسان، ولكنَّ نهايتها قد تكون مكلفة ومتعبة ومميتة، فربما يحس الإنسان بلذَّة شيءٍ فيأخذ به، ولكن ما إن تتفاعل عناصر هذه اللذَّة في موقعها، حتى تخلق له ما يفقده حلاوتها، ويفقده الكثير من ذاتيته، وهناك مثل يقول: "ربَّ أكلة منعت أكلات"، وهناك مثل آخر يقول: "السمّ في الدسم".

لهذا، لا بدَّ للإنسان من أن يفحص كلَّ ما يأكله، وكل ما يعمله، لأن العناصر السلبية قد تكون خفية، بحيث لا يشعر الإنسان بها.

وهكذا حدّثنا الإمام الحسين (ع)، عندما شبَّه إقدام الناس على الدنيا، واستغراقهم في ملذاتها على حساب مبادئهم بالعسل، لأنَّ الإنسان عندما يضع العسل على لسانه، فإنَّ لسانه يبقى يتحرك ما دام العسل موجوداً عليه، وإذا ما استهلك، فإنَّه يفقد الإحساس بأيّ شيء. وبذلك يقول (ع): "الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت معائشهم - أي أنَّ بعض الناس يتعلقون بالدين ما دام منسجماً مع أطماعهم ولذَّاتهم، ولكن عندما يخضعون للتجربة التي يقفون من خلالها بين الحق والباطل، بين الدين والدنيا، كما وقف الحرّ بين الجنة والنار - فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون - فإنهم يسقطون، لذلك يقول الإمام (ع): "اصبر على الحقّ"، قد يكون الحقّ صعباً، لكن نتائجه على مستوى الدنيا والآخرة قد تكون عظيمة جداً.

وفي الحديث الآخر: "اصبر على ما تكره في ما يلزمك الحقّ"، فالحقّ يترتّب عليه مسؤوليَّات كبيرة قد تفرض على الإنسان الخسارة المادية في الدنيا، ولكن النتائج سوف تكون لصالحه عندما يواجه الربح الكبير في رضوان الله. "واصبر عمّا تحبّ في ما يدعوك إليه الهوى". فهوى النفس ربّما يدعو الإنسان إلى معصية الله، فيحصل على اللذَّة والشَّهوة، ولكنَّ النَّتائج لا شكَّ سوف تكون ألماً وشقاءً.

فالإمام الحسين (ع) كانت رسالته إلى النَّاس أن يكونوا مع الحقّ حتَّى لو كان الحقُّ مراً. والحقّ كلمةٌ تتحرَّك في جميع الاتّجاهات، فالحقّ في العقيدة هو ما جاء في كتاب الله وسنَّة نبيّه، والحقّ في الشَّريعة هو ما شرَّعه الله ورسوله، والحقّ في السياسة هو ما تحرَّك من أجل العدل، والحقّ في المجتمع هو ما تحرَّك في أداء حقوق المجتمع في علاقاته، وفي الوحدة وفي المحبَّة... وهكذا يجب على الإنسان أن يجعل كلَّ حياته تتحرك على أساس الحقّ لا على أساس الباطل.

الصَّبر عن المعصية

في كلمةٍ أخرى له (ع) عندما جاءه رجل وقال له: "أنا رجل عاصٍ ولا أصبر عن المعصية - عندما تتهيَّأ ظروف المعصية أندفع إليها، سواء كان ذلك في القضايا الجنسية أو في القضايا المالية أو في القضايا الاجتماعية أو ما إلى ذلك - فعظني بموعظة"، فقال (ع): "افعل خمسة أشياء وأذنب ما شئت، فأوَّل ذلك، لا تأكل رزق الله وأذنب ما شئت، والثَّاني اخرج من ولاية الله وأذنب ما شئت، والثَّالث اطلب موضعاً لا يراك الله فيه وأذنب ما شئت، والرابع إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك وأذنب ما شئت، والخامس إذا أدخلك مالك في النَّار، فلا تدخل في النار وأذنب ما شئت".

كأنه يقول له إنك تأكل رزق الله، وتعيش في سلطانه، وأنت بعين الله في كل مكان، والله هو الذي يملك حياتك وموتك، والله هو الذي يملك عقابك ومثوبتك، فكيف تعصي الله؟! وقد وعظه بطريقةٍ عرّفه من خلالها ما هو عمق المعصية، إذ كيف يعصي الله الَّذي هو سرّ وجوده في البداية، وسرّ وجوده في النهاية، وسرّ كلّ حياته؟!.

صنع المعروف

وقال رجلٌ: "إنَّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع"، أي إنّ على الإنسان أن يؤدي المعروف إلى من يستحقّه، أمَّا الشخص الذي لا يستحقّه، فلا ينبغي فعل المعروف معه لأنه يضيّعه، فأجابه الحسين (ع): "ليس كذلك، ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البرَّ والفاجر"، وذلك أنَّك عندما تعيش الأخلاق التي تؤمن بها، وهي تمثِّل القيم التي تحكم حياتك، فإنّ عليك أن تكون في أخلاقيتك وقيمك كالمطر، ينـزل على الأرض الجدباء والخصبة، وكذلك فإنَّ المعروف ينـزل على الإنسان الذي يعصي الله ويكفر به، وينـزل على الإنسان الذي يطيع الله ويؤمن به. فكن كالنبع، كن كالشمس، كن كالمطر، حتى تندفع الأخلاقيَّة والخير من نفسك للناس كافة، تماماً كما ينطلق الينبوع. ليكن الخير نبعاً في قلبك، ولا تحسب حساب الربح والخسارة في هذا المجال، وهذه قمَّة الإنسانية التي يؤكِّدها الإسلام في تربية الإنسان.

الابتعاد عن الأهواء

ثم يتحدَّث الإمام (ع) عن خطِّ الضَّلال والانحراف عن الله سبحانه وتعالى، والذي يستهوي الناس ويجعلهم يرغبون في سلوكه نتيجة اللحظة التي يحس فيها الإنسان بالشهوة وباللذة، ويحدق بالأرباح العاجلة، فيقول (ع): "اتَّقوا هذه الأهواء"، أهواء النفس وشهواتها التي تنحرف عن خطّ الله.

فالله لم يحرِّم علينا أن نشبع شهوات أنفسنا، ولكنه سبحانه وتعالى حدّد الشهوة الحرام والشهوة الحلال، ولم يحرّم علينا أن نأخذ بأسباب اللذَّة في الحياة، ولكنه سبحانه جعل لذَّةَ حلالٍ ولذَّةَ حرامٍ، فالقضية هي أن نختار ما أحلّه الله سبحانه وتعالى، أمَّا الأخذ بالحرام في اللذَّة، في الشَّهوة، أو في الخط والعلاقة والموقف، فهذه نتائجها سيئة على الإنسان، لأنّ "جماعها الضَّلالة، وميعادها النار".

التَّوازن في الحركة

ثم يتحدَّث الإمام (ع) عن ظاهرة موجودة عند الناس، بحيث يسيء المرء وبعدها يعتذر، فالإمام (ع) يقول في ما يروى عنه: "إيَّاك وما تعتذر منه - أي لا تقدم على الأشياء التي تجعلك تعتذر من الناس الذين أسأت إليهم، وفِّر على نفسك الاعتذار، لأنّ الاعتذار ذلّ - فإنَّ المؤمن لا يسيء ولا يعتذر، والمنافق كلَّ يوم يسيء ويعتذر". وهذه مسألة تربوية مهمَّة، تجعل الإنسان يدرس كلَّ ما يريد أن يقوله، أو أن يعمله؛ في بيته، في مجتمعه، وفي كلِّ مجالات عمله، فإذا شعر أنَّه سوف يقف موقف الاعتذار، فعليه أن يجنِّب نفسه ذلك.

ثم يبيّن الإمام (ع) كيف يتصرَّف العاقل مع الآخرين، بقوله: "العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه - أي لا تحدّث من يغلب عليه ظنّك بأنَّه سوف يكذِّبك، لأنَّه لا فائدة من ذلك، باعتبار أنَّه لا يصدّقك حتى لو كان ما تتحدث به هو الحق - ولا يسأل من يخاف منعه - أي تسأل من تشعر أنَّه سوف يمنعك ولا يقضي لك حاجتك - ولا تثق بمن يُخاف غدره..."، فمن كان خُلُقُه الغدر، أو يغلب على الظنّ أنه يغدر بمن يثق به، فلتكن علاقتك به علاقة الحذر، فلا تعط الثقة كاملةً لأيّ شخص مهما كانت الظروف.

وفي هذا الخصوص، سمعنا من أئمَّتنا (ع) في ما عرفوه من رسول الله (ص)، أنَّ الإنسان لا يعطي الثّقة بلا حساب، وقد تحدَّثنا في هذا المجال كثيراً في ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): "لا تثق بأخيك كلَّ الثقة - أي الثقة العمياء به (ما عدا المعصوم) - فإنَّ صرعة الاسترسال لا تستقال".

هذه كلمة للإمام عليّ، وما أروعه في كلماته في التربية الاجتماعيَّة وفهمه للمجتمع وهو يقول: "أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما". اجعل نفسك دائماً في خطّ التَّوازن في الحبّ وفي البغض، في العداوة وفي الصَّداقة.

قواعد الجدل

وفي الحديث أنَّه جاء الإمام الحسين (ع) شخصٌ من الَّذين شغلهم الجدل حباً بالجدل، وليس لطلب الحقيقة أو لأجل حلّ مشكلة، فهو يناقش ويجادل بهدف الغلبة، فقال للحسين بن عليّ (ع): اجلس حتى نتناظر في الدين. قال (ع): "يا هذا، أنا بصير بديني، مكشوف عليّ هداي، فإن كنت جاهلاً بدينك فاذهب فاطلبه، ما لي وللمماراة، إنَّ الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه ويقول: ناظر الناس في الدين كيلا يظنوا بك العجز والجهل".

ثم ينطلق الإمام (ع) من حديثه مع هذا الرجل إلى بيان القواعد في الجدل، "المراء - الجدل - لا يخلو من أربعة، إمَّا أن تتمارى أنت وصاحبك فيما تعلمان، فقد تركتما بذلك النصيحة، وطلبتما الفضيحة، وأضعتما ذلك العلم، أو تجهلانه، فأظهرتما جهلاً وخاصمتما جهلاً، وإمَّا تعلمه أنت - والآخر جاهله - فظلمت صاحبك بطلبه عثراته، أو يعلمه صاحبك - وأنت تجهله - فتركت حرمته ولم تنـزله منـزلته، وهذا كله محال، فمن أنصف وقبل الحقّ وترك المماراة، فقد أوثق إيمانه، وأحسن صحبة دينه، وصان عقله". هذا هو الخطّ الحسيني الإسلامي في قصَّة الجدل.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ الحسين (ع) هو إمام الإسلام الَّذي لا بدَّ أن ننفتح على كلّ خطوط إمامته، فلا نستغرق في حسين المأساة أو حسين الثَّورة، ولكن علينا أن نعيش الحسين كما نعيش أباه وأخاه وأولاده، ممّن حملوا لنا رسالة جدّهم (ص) التي هي رسالة الله.

هذا هو معنى الإمامة، وهذا هو معنى الولاية، وهذا هو معنى الالتزام بأهل البيت (ع)، الَّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، لنتطهَّر بطهارتهم، ولنـزيل عنّا رجس الجهل والمعصية.

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 05/03/2004م.

ونبقى مع الإمام الحسين (ع) في الوجه الآخر للصّورة... لنحاول أن نراه في صورة الإمام الدَّاعية الواعظ المرشد الَّذي يحدِّد للناس المسار الصحيح ومسيرتهم الرشيدة، لأنَّ القليل من الناس من يعرفون الحسين (ع) في كلماته الإرشادية والوعظية.

الصّبر على الحقّ

ومن كلماته (ع)، ما نقله الإمام الباقر (ع) عن أبيه قال: "لـمّا حضرت أبي علي بن الحسين الوفاة، ضمّني إلى صدره ثمّ قال: يا بنيّ، أوصيك بما أوصاني به أبي - الحسين بن علي - حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أنَّ أباه (ع) أوصاه به: يا بنيَّ، اصبر على الحق وإن كان مرّاً"، وفي كلمة أخرى له، قال فيها: "اصبر على ما تكره في ما يلزمك الحقّ، واصبر عمَّا تحبّ في ما يدعوك إليه الهوى".

يريد الإمام (ع) في هاتين الكلمتين، أن يؤكّد موقف الإنسان في حياته، سواء كان ذلك في حياته الذاتية الفردية مع نفسه، أو في موقفه مع ربّه، أو في موقفه مع كل الناس، فالقضية لا تختصر بما يعيشه الإنسان من مشاعر اللذة أو الألم، بحيث يُقبل على ما يلتذّ به، ويتجنّب ما يؤلمه، بل أن يعمل على أن يكون موقفه هو الموقف الذي يحقّق له الثبات والاستقرار والنجاح في المستقبل، باعتبار أنَّ بدايات اللذّة قد تغري الإنسان، ولكنَّ نهايتها قد تكون مكلفة ومتعبة ومميتة، فربما يحس الإنسان بلذَّة شيءٍ فيأخذ به، ولكن ما إن تتفاعل عناصر هذه اللذَّة في موقعها، حتى تخلق له ما يفقده حلاوتها، ويفقده الكثير من ذاتيته، وهناك مثل يقول: "ربَّ أكلة منعت أكلات"، وهناك مثل آخر يقول: "السمّ في الدسم".

لهذا، لا بدَّ للإنسان من أن يفحص كلَّ ما يأكله، وكل ما يعمله، لأن العناصر السلبية قد تكون خفية، بحيث لا يشعر الإنسان بها.

وهكذا حدّثنا الإمام الحسين (ع)، عندما شبَّه إقدام الناس على الدنيا، واستغراقهم في ملذاتها على حساب مبادئهم بالعسل، لأنَّ الإنسان عندما يضع العسل على لسانه، فإنَّ لسانه يبقى يتحرك ما دام العسل موجوداً عليه، وإذا ما استهلك، فإنَّه يفقد الإحساس بأيّ شيء. وبذلك يقول (ع): "الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت معائشهم - أي أنَّ بعض الناس يتعلقون بالدين ما دام منسجماً مع أطماعهم ولذَّاتهم، ولكن عندما يخضعون للتجربة التي يقفون من خلالها بين الحق والباطل، بين الدين والدنيا، كما وقف الحرّ بين الجنة والنار - فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون - فإنهم يسقطون، لذلك يقول الإمام (ع): "اصبر على الحقّ"، قد يكون الحقّ صعباً، لكن نتائجه على مستوى الدنيا والآخرة قد تكون عظيمة جداً.

وفي الحديث الآخر: "اصبر على ما تكره في ما يلزمك الحقّ"، فالحقّ يترتّب عليه مسؤوليَّات كبيرة قد تفرض على الإنسان الخسارة المادية في الدنيا، ولكن النتائج سوف تكون لصالحه عندما يواجه الربح الكبير في رضوان الله. "واصبر عمّا تحبّ في ما يدعوك إليه الهوى". فهوى النفس ربّما يدعو الإنسان إلى معصية الله، فيحصل على اللذَّة والشَّهوة، ولكنَّ النَّتائج لا شكَّ سوف تكون ألماً وشقاءً.

فالإمام الحسين (ع) كانت رسالته إلى النَّاس أن يكونوا مع الحقّ حتَّى لو كان الحقُّ مراً. والحقّ كلمةٌ تتحرَّك في جميع الاتّجاهات، فالحقّ في العقيدة هو ما جاء في كتاب الله وسنَّة نبيّه، والحقّ في الشَّريعة هو ما شرَّعه الله ورسوله، والحقّ في السياسة هو ما تحرَّك من أجل العدل، والحقّ في المجتمع هو ما تحرَّك في أداء حقوق المجتمع في علاقاته، وفي الوحدة وفي المحبَّة... وهكذا يجب على الإنسان أن يجعل كلَّ حياته تتحرك على أساس الحقّ لا على أساس الباطل.

الصَّبر عن المعصية

في كلمةٍ أخرى له (ع) عندما جاءه رجل وقال له: "أنا رجل عاصٍ ولا أصبر عن المعصية - عندما تتهيَّأ ظروف المعصية أندفع إليها، سواء كان ذلك في القضايا الجنسية أو في القضايا المالية أو في القضايا الاجتماعية أو ما إلى ذلك - فعظني بموعظة"، فقال (ع): "افعل خمسة أشياء وأذنب ما شئت، فأوَّل ذلك، لا تأكل رزق الله وأذنب ما شئت، والثَّاني اخرج من ولاية الله وأذنب ما شئت، والثَّالث اطلب موضعاً لا يراك الله فيه وأذنب ما شئت، والرابع إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك وأذنب ما شئت، والخامس إذا أدخلك مالك في النَّار، فلا تدخل في النار وأذنب ما شئت".

كأنه يقول له إنك تأكل رزق الله، وتعيش في سلطانه، وأنت بعين الله في كل مكان، والله هو الذي يملك حياتك وموتك، والله هو الذي يملك عقابك ومثوبتك، فكيف تعصي الله؟! وقد وعظه بطريقةٍ عرّفه من خلالها ما هو عمق المعصية، إذ كيف يعصي الله الَّذي هو سرّ وجوده في البداية، وسرّ وجوده في النهاية، وسرّ كلّ حياته؟!.

صنع المعروف

وقال رجلٌ: "إنَّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع"، أي إنّ على الإنسان أن يؤدي المعروف إلى من يستحقّه، أمَّا الشخص الذي لا يستحقّه، فلا ينبغي فعل المعروف معه لأنه يضيّعه، فأجابه الحسين (ع): "ليس كذلك، ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البرَّ والفاجر"، وذلك أنَّك عندما تعيش الأخلاق التي تؤمن بها، وهي تمثِّل القيم التي تحكم حياتك، فإنّ عليك أن تكون في أخلاقيتك وقيمك كالمطر، ينـزل على الأرض الجدباء والخصبة، وكذلك فإنَّ المعروف ينـزل على الإنسان الذي يعصي الله ويكفر به، وينـزل على الإنسان الذي يطيع الله ويؤمن به. فكن كالنبع، كن كالشمس، كن كالمطر، حتى تندفع الأخلاقيَّة والخير من نفسك للناس كافة، تماماً كما ينطلق الينبوع. ليكن الخير نبعاً في قلبك، ولا تحسب حساب الربح والخسارة في هذا المجال، وهذه قمَّة الإنسانية التي يؤكِّدها الإسلام في تربية الإنسان.

الابتعاد عن الأهواء

ثم يتحدَّث الإمام (ع) عن خطِّ الضَّلال والانحراف عن الله سبحانه وتعالى، والذي يستهوي الناس ويجعلهم يرغبون في سلوكه نتيجة اللحظة التي يحس فيها الإنسان بالشهوة وباللذة، ويحدق بالأرباح العاجلة، فيقول (ع): "اتَّقوا هذه الأهواء"، أهواء النفس وشهواتها التي تنحرف عن خطّ الله.

فالله لم يحرِّم علينا أن نشبع شهوات أنفسنا، ولكنه سبحانه وتعالى حدّد الشهوة الحرام والشهوة الحلال، ولم يحرّم علينا أن نأخذ بأسباب اللذَّة في الحياة، ولكنه سبحانه جعل لذَّةَ حلالٍ ولذَّةَ حرامٍ، فالقضية هي أن نختار ما أحلّه الله سبحانه وتعالى، أمَّا الأخذ بالحرام في اللذَّة، في الشَّهوة، أو في الخط والعلاقة والموقف، فهذه نتائجها سيئة على الإنسان، لأنّ "جماعها الضَّلالة، وميعادها النار".

التَّوازن في الحركة

ثم يتحدَّث الإمام (ع) عن ظاهرة موجودة عند الناس، بحيث يسيء المرء وبعدها يعتذر، فالإمام (ع) يقول في ما يروى عنه: "إيَّاك وما تعتذر منه - أي لا تقدم على الأشياء التي تجعلك تعتذر من الناس الذين أسأت إليهم، وفِّر على نفسك الاعتذار، لأنّ الاعتذار ذلّ - فإنَّ المؤمن لا يسيء ولا يعتذر، والمنافق كلَّ يوم يسيء ويعتذر". وهذه مسألة تربوية مهمَّة، تجعل الإنسان يدرس كلَّ ما يريد أن يقوله، أو أن يعمله؛ في بيته، في مجتمعه، وفي كلِّ مجالات عمله، فإذا شعر أنَّه سوف يقف موقف الاعتذار، فعليه أن يجنِّب نفسه ذلك.

ثم يبيّن الإمام (ع) كيف يتصرَّف العاقل مع الآخرين، بقوله: "العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه - أي لا تحدّث من يغلب عليه ظنّك بأنَّه سوف يكذِّبك، لأنَّه لا فائدة من ذلك، باعتبار أنَّه لا يصدّقك حتى لو كان ما تتحدث به هو الحق - ولا يسأل من يخاف منعه - أي تسأل من تشعر أنَّه سوف يمنعك ولا يقضي لك حاجتك - ولا تثق بمن يُخاف غدره..."، فمن كان خُلُقُه الغدر، أو يغلب على الظنّ أنه يغدر بمن يثق به، فلتكن علاقتك به علاقة الحذر، فلا تعط الثقة كاملةً لأيّ شخص مهما كانت الظروف.

وفي هذا الخصوص، سمعنا من أئمَّتنا (ع) في ما عرفوه من رسول الله (ص)، أنَّ الإنسان لا يعطي الثّقة بلا حساب، وقد تحدَّثنا في هذا المجال كثيراً في ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): "لا تثق بأخيك كلَّ الثقة - أي الثقة العمياء به (ما عدا المعصوم) - فإنَّ صرعة الاسترسال لا تستقال".

هذه كلمة للإمام عليّ، وما أروعه في كلماته في التربية الاجتماعيَّة وفهمه للمجتمع وهو يقول: "أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما". اجعل نفسك دائماً في خطّ التَّوازن في الحبّ وفي البغض، في العداوة وفي الصَّداقة.

قواعد الجدل

وفي الحديث أنَّه جاء الإمام الحسين (ع) شخصٌ من الَّذين شغلهم الجدل حباً بالجدل، وليس لطلب الحقيقة أو لأجل حلّ مشكلة، فهو يناقش ويجادل بهدف الغلبة، فقال للحسين بن عليّ (ع): اجلس حتى نتناظر في الدين. قال (ع): "يا هذا، أنا بصير بديني، مكشوف عليّ هداي، فإن كنت جاهلاً بدينك فاذهب فاطلبه، ما لي وللمماراة، إنَّ الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه ويقول: ناظر الناس في الدين كيلا يظنوا بك العجز والجهل".

ثم ينطلق الإمام (ع) من حديثه مع هذا الرجل إلى بيان القواعد في الجدل، "المراء - الجدل - لا يخلو من أربعة، إمَّا أن تتمارى أنت وصاحبك فيما تعلمان، فقد تركتما بذلك النصيحة، وطلبتما الفضيحة، وأضعتما ذلك العلم، أو تجهلانه، فأظهرتما جهلاً وخاصمتما جهلاً، وإمَّا تعلمه أنت - والآخر جاهله - فظلمت صاحبك بطلبه عثراته، أو يعلمه صاحبك - وأنت تجهله - فتركت حرمته ولم تنـزله منـزلته، وهذا كله محال، فمن أنصف وقبل الحقّ وترك المماراة، فقد أوثق إيمانه، وأحسن صحبة دينه، وصان عقله". هذا هو الخطّ الحسيني الإسلامي في قصَّة الجدل.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ الحسين (ع) هو إمام الإسلام الَّذي لا بدَّ أن ننفتح على كلّ خطوط إمامته، فلا نستغرق في حسين المأساة أو حسين الثَّورة، ولكن علينا أن نعيش الحسين كما نعيش أباه وأخاه وأولاده، ممّن حملوا لنا رسالة جدّهم (ص) التي هي رسالة الله.

هذا هو معنى الإمامة، وهذا هو معنى الولاية، وهذا هو معنى الالتزام بأهل البيت (ع)، الَّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، لنتطهَّر بطهارتهم، ولنـزيل عنّا رجس الجهل والمعصية.

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 05/03/2004م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية