في هذا اليوم، الحادي والعشرين من شهر رمضان، كانت وفاة إمامنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، من تأثير الضَّربة الّتي ضربه بها عبد الرّحمن بن ملجم، وهو يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى في صلاة الفجر، عندما أهوى عليه بالسّيف وهو مشغولٌ بذكر الله وعبادته، وكان عليٌّ (ع) إذا اشتغل بذكر الله وعبادته، غفل عن كلّ ما حوله. عند ذلك قال: "بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله، فزت وربّ الكعبة".
الإسلام أوّلًا عند عليّ (ع)
وكما كانت بداية حياته في بيت الله، كانت نهايتها في بيت الله، وما بين البداية والنّهاية، كان عليٌّ (ع) يعيش كلّ حياته لله، لأنَّه باع نفسه له سبحانه، فقد أعطى فكره، كلّ فكره، لله، ولم يستثمره لحالةٍ ذاتيّةٍ، وأعطى شجاعته وبطولته كلّها لله، ولم يستثمرها لأيّ طمعٍ شخصيٍّ، وأعطى كلّ تحرّكه في النّطاق العلميّ والعمليّ والسّياسيّ والعسكريّ لله سبحانه وتعالى.
كان هاجسه دائمًا: ماذا يقول الله، وماذا يقول رسوله.. ما هي مصلحة الإسلام، وما هي مصلحة المسلمين.. كان إذا أراد أن يدرس موقفًا، أيَّ موقفٍ، سواءً كان يتّصل بحياته الشّخصيَّة، أو بحياة النَّاس العامَّة، يدرس مصلحة الإسلام العليا ومصلحة المسلمين العليا، فإذا رأى مصلحةً في أيّ موقفٍ للإسلام والمسلمين، اتّخذ ذلك الموقف، وأغضى عن كلّ شيءٍ ذاتيٍّ في حياته، وإذا رأى موقفًا ليس في مصلحة الإسلام والمسلمين تركَهُ، حتّى لو كان هذا الموقف يحقّق له الكثير الكثير من الأرباح والمكاسب على مستوى شخصيَّته الذّاتيَّة.
عليّ والرّسول: الحبّ في الله
كان عليٌّ (ع) إنسان الإسلام، وعبد الله ووليّه، وكان تلميذ رسول الله وحبيبه وناصره. كان رسول الله (ص) يحبّه كأعظم ما يكون الحبّ، وربّما لم يحبّ (ص) أحدًا كما أحبّ عليًّا، لا لأنَّ عليًّا ابن عمّه، فله أكثر من ابن عمٍّ، ولا لأنَّ عليًّا زوج ابنته، ولكن لأنَّ عليًّا (ع) كان يحبّ الله كما يحبّه رسول الله، وكان يبذل حياته في سبيل الله كما يبذل رسول الله حياته في سبيله. كان (ص) يحبّ عليًّا لأنّه أحبّ الله ورسوله، وكان يحبُّ رسول الله، لأنّه يمثّل الإنسان الّذي اختاره الله لرسالته، واصطفاه لقيادة الأمَّة، وأراده رحمةً للعالمين.
لم يكن الحبّ بينهما حبّ الشّخص للشَّخص، ولكن حبّ صاحب الرّسالة للمجاهد في سبيلها، وحبّ المجاهد لصاحب الرّسالة. كانت علاقتهما علاقة رسالةٍ، وعلاقة خطٍّ، وعلاقة عملٍ. ولهذا انطلق رسول الله (ص) يعطي عليًّا كلّ ما عنده، حتّى يؤهّله ليكون الإنسان الثَّاني في الإسلام، وليكون الإنسان المسؤول من بعده، ولهذا قال: "أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابها".
ربّى (ص) عليًّا على الحقّ، حتّى لم تعد في شخصيّته أيّة ثغرةٍ يمكن أن ينفذ الباطل منها، فكان (ع) تجسيدًا للحقّ، وكان الحقّ صورةً له، حتّى قال رسول الله: "عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليٍّ، يدور معه حيثما دار، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض".
الوليّ والوصيّ
كان (ص) يعيش العاطفة الّتي كان يعيشها موسى مع هارون، عندما طلب من الله أن يجعل له وزيرًا من أهله، يشدّ به أزره، ويشاركه في أمره، ويستعين به في رسالته: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}(طه: 29 - 34).
وهكذا قال رسول الله لعليٍّ (ع)، إنّ الله أشركك معي في الرّسالة، لكن لا على أساس أن تكون شريكًا فيها أو تكون نبيًّا معي، ولكن على أساس أن تكون شريكًا في الجهاد وفي الجهد والمسؤوليَّة، وأن تكون وزيرًا لي، تؤدّي عنّي كلّ ما أريد أن أؤدّيه إلى النَّاس. قال له: "يا عليّ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلَّا أنَّه لا نبيّ بعدي"، كان هارون نبيًّا مع موسى، ولكنَّك أنت الوصيّ، وأنت الوزير، وأنت الوليّ من بعدي.
قالها (ص) له، وهو يعيش الشّعور بأنَّ عليًّا (ع) صار نسخةً عنه في علمه وزهده وجهده وتقواه وشجاعته، لأنّه ربّاه منذ أن كان طفلًا قبل أن يصير (ص) رسولًا لله، وغذّاه بأخلاقه وروحيّته، وما زال يربّيه بالوحي وبالإيمان وبكلّ ما عنده حتّى التحق بربّه.. فارق (ص) الدّنيا وهو يجد أنّ عليًّا (ع) هو الإنسان الّذي يمكن له أن يحمل الرّسالة من بعده. كان (ص) يشعر أنّ عليًّا يمثّل القوّة الّتي يستعين بها في مواجهة التّحدّيات، والّتي يبعثها في الملمّات والمهمّات.
شجاعةُ عليّ (ع)
ولهذا، عندما سقط الّذين انطلقوا إلى مرحب ليحاربوه، قال (ص): "لأعطينّ الرّاية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّارًا غير فرّار، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه". وفتح الله خيبر على يدي عليٍّ لمصلحة المسلمين، وفي موقعة الأحزاب، عندما {زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب: 10-11)، وجاء عمرو بن ودّ، وقال: من يبارزني؟ وكان النّبيّ يقول: "مَنْ لعمرو وَقَدْ ضَمنْتُ له على الله الجنّة؟"، فيقوم عليٌّ ويقول: "أنا له يا رسول الله". ثمّ يأمره بالجلوس ويكرّر الكلمة، ويقوم عليٌّ ويقول: "أنا له يا رسول الله". وفي المرّة الثّالثة يقوم عليٌّ ويقول له النّبيّ: أنت له يا عليّ.
ثمّ بعد ذلك، عندما اندفع عليٌّ (ع) إلى المعركة، كان رسول الله (ص) يتابعه بكلّ عاطفته وإشفاقه ومحبَّته، ورفع رسول الله (ص) يديه إلى السّماء وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}(الأنبياء: 89)، سلّم لي، يا ربّ، عليًّا، لأنَّ عليًّا إذا قُتل فسأبقى وحدي.. فقد كان رسول الله (ص) يشعر بأنّ عليًّا هو التّجسيد للإسلام، والّذي يمثّل القوّة الكبيرة له، ولهذا قال: "برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه".
ميزانُ الحقّ وناصرُ المستضعفين
ذلك هو عليٌّ؛ عليٌّ في مواقع محبّة الله، وفي مواقع محبّة رسوله، وفي مواقع الإسلام، في الفكر والجهاد، وفي كلّ المجالات العمليّة للحياة.. عليٌّ الّذي عاش حياته ولم تكن له علاقة بأحدٍ إلّا من خلال الله، وكان عندما يريد أن ينشئ أيّة علاقةٍ، أو يُبقي أيّة علاقةٍ، مع قريبٍ أو بعيدٍ، ومع أيّ إنسانٍ، ينظر في قرب كلّ إنسانٍ من الحقّ فيقترب إليه، وبعد كلّ إنسانٍ عن الحقّ فيبتعد عنه.
كان الحقّ هو الأساس عند عليّ (ع)؛ لم يكن يتعصَّب لقريبٍ، ولا لصديقٍ، ولا لعائلةٍ، ولا لأيّ أحدٍ، لأنَّه أعطى كلّ ما في قلبه لله، فلم يعد هناك مكانٌ لا لقريبٍ ولا لبعيدٍ، لم يكن لأحدٍ مكانٌ في قلبه، أو في فكره، أو في عمله، إلّا من خلال الحقّ.
كان ينظر إلى الأقوياء في المجتمع فلا تبهره قوَّتهم، بل كان يرى أنَّ على الحاكم المسلم أن يُسقط القويّ من عليائه، حتّى لا يستغلّ القويّ قوَّته ضدّ الحقّ، وكان يتطلّع إلى الضّعفاء، ويشعر بمسؤوليَّته تجاههم، أن يجعلهم يأخذون حقوقهم كاملةً غير منقوصةٍ. كان يقول: "القويّ العزيز عندي ضعيفٌ ذليلٌ حتّى آخذ منه الحقّ، والضّعيف الذّليل عندي قويٌّ عزيزٌ حتّى آخذ له بحقّه".
لا عزّة إلّا بالله
كان (ع) يعيش وحده، وكان لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يؤنسه أحدٌ، ولم يكن يشعر بالوحشة، لأنّه كان يعيش مع الله، ولم يكن يشعر بالغربة، لأنّه كان يعيش مع الحقّ، كان يشعر بأنَّ على الإنسان أن لا يستعير قوّته وعزّته من الآخرين، وأن لا يستعير ثقته بنفسه من الآخرين.
كان يرى أنَّ من يريد أن يكون عزيزًا أو كبيرًا أو قويًّا، فعليه أن يسلك طريق طاعة الله، كما ورد في حديث الإمام: "من أراد عزًّا بلا عشيرةٍ، وهيبةً بلا سلطانٍ، وغنى بلا مال، فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته". تريد أن تكون وجيهًا؟ اطلب أن تكون وجيهًا عند الله بمقدار طاعتك له، ولا تطلب أن تكون وجيهًا عند النَّاس بمعصيتك لله سبحانه وتعالى، لأنَّ وجاهتك عند النّاس تزول، أمَّا وجاهتك عند الله فإنّها تبقى في الدّنيا وفي الآخرة، لأنَّ الله بيده قلوب النَّاس، فهو مقلّب القلوب، وبإمكانه أن يقلّب القلوب وأن يحوّلها {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}(الأنفال: 24)، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(ق: 16).
كان عليٌّ (ع) يجسّد هذا المعنى، ليقول: ليست المسألة عندي أن تكون لي شعبيّةٌ عند النّاس أو لا تكون، القضيَّة هي: ماذا عندي أمام الله سبحانه وتعالى؟!.. فكان (ع) يقول: "لا يزيدني كثرة النّاس حولي عزّةً، ولا تفرّقهم عنّي وحشةً". وكان يلتفت إلى أصحابه عندما يشعرون أنّهم قليلون، وأنَّ النّاس كلّهم ضدّهم وليسوا معهم بل مع خصومهم، فيقول لهم: "لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله، فإنَّ النّاس قد اجتمعوا على مائدةٍ شبعها قصيرٌ، وجوعها طويلٌ". وكان يوصي ولده الإمام الحسن (ع)، فيقول له: "يا بنيّ، لا يؤنسنّك إلّا الحقّ، ولا يوحشنّك إلّا الباطل".
رفض المتزلّفين
وكان (ع) يرفض المتزلّفين إليه، والمدَّاحين الّذين يأتون ليمدحوا الأشخاص النّاجحين من أجل أن يتنازلوا عن بعض مواقفهم، أو من أجل أن يعطوهم بعض ما ليس لهم. كان إذا جاءه شخصٌ ومدحه، يخشع قلبه لله ويقول: "اللَّهمّ اجعلني خيرًا ممّا يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون"، وإذا جاءه شخصٌ يتزلّف له، وهو يعرف أنَّه لا يعتقد به ولكنَّه يمدحه، كان يقول له: "أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك"، أي أنّي أفهم أنّك تأتي إليّ متزلّفًا، وأنت تمدحني بكلامٍ لا تعتقده فيّ، فأنا أعظم ممّا في نفسك، ولكنّي أقلّ ممّا تقول.
كان يرفض ذلك كلّه، لأنّه لم يكن يشكو ضعفًا. فالّذين يطلبون من النّاس أن يمدحوهم، وأن يسيروا خلفهم، وأن يصفّقوا لهم ويهتفوا باسمهم، هم الضّعفاء الَّذين يشعرون بعقدة نقصٍ وضعفٍ، ويريدون أن يغطّوا عقدة الضّعف هذه بمثل تلك الأساليب. ولكنَّ الإنسان القويّ الّذي يستمدّ قوّته من ثقته بالله أوّلًا، ومن ثقته بنفسه ثانيًا، لا يحتاج إلى مدح أحدٍ، لأنَّ المدح لا يزيده ثقةً بنفسه، كما أنّ عدم المدح لا يُنقص ثقته بنفسه، لأنّه يفهم نفسه جيّدًا.
الحرب عند عليّ (ع)
وهكذا، كان عليٌّ يحارب، والحرب عنده رسالةٌ، كان يحارب عندما يشعر أنَّ الحرب في مصلحة الإسلام والمسلمين، وكان يُسالم عندما يشعر أنَّ السّلم في مصلحة الإسلام والمسلمين. لم يكن مزاج عليٍّ مزاج حربٍ يحبّها كما يحبّها المزاجيّون، ولكنَّ عليًّا كان صاحب رسالةٍ؛ يحرّك الحرب في الطَّريق إذا كانت في مصلحة الرّسالة، ويحرّك السّلم في السَّاحة إذا كانت الرّسالة تتطلَّب ذلك. ولهذا، عندما أُبعد عن حقّه، كان يقول: "لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين"، إنّني أسالم وأعاون وأعطي بيدي، وإن كان الحقّ لي، فالمهمّ عندي مصلحة الإسلام.
وعندما كان عليّ (ع) يقف في خطّ المعارضة، كان يفهم أنَّ المعارضة لا تمثّل تصفية حسابٍ، ولكنّها تمثّل تصحيح موقفٍ، وتقوية موقعٍ، وتمثّل انطلاقةً من أجل الحقّ. ولهذا علّمنا (ع) درسًا: أن لا نتعقَّد من الّذين نختلف معهم أو الّذين نخاصمهم، بل ندرس المسألة في السَّاحة؛ فإذا كانت هناك مصلحةٌ للإسلام أن نعاونهم، فعلينا أن نعاونهم، وإذا لم تكن هناك مصلحةٌ، فعلينا أن نبتعد عنهم. فالمسألة دائمًا هي: ما مصلحة الإسلام في هذه السّاحة وفي تلك.. لا مكان للعصبيَّة عنده، بل ما هو رضا الله، وما هي مصلحة الإسلام في هذا وذاك.
في موقعِ الحكم
حتّى إذا وقف عليٌّ (ع) في موقع الحكم وفي موقع الحاكم، عمل على أن يجسّد الحكم على أساس رسالةٍ. لم يتصوّر (ع) نفسه حاكمًا يريد أن ينجح في حكمه، ولم يتصوّر نفسه خليفةً يريد أن يثبّت مواقعه، كان يتصوّر نفسه وهو في موقع الحكم، كما كان يتصوَّر نفسه وهو بين يدي رسول الله (ص)، مسؤولًا عن أن يقدّم الإسلام الصَّافي والنّقيّ إلى النَّاس، أن يقدّمه كما أنزله الله.
ولم يكن (ع) يأخذ بالتّسويات الّتي تتحرَّك على أساس التّنازل عن شيءٍ من الإسلام هنا، أو التّنازل عن شيءٍ منه هناك، فالتّسويات إنّما تكون في القضايا الإجرائيَّة، أمَّا في القضايا المبدئيّة، فلا مجال للتّسويات. يمكن أن تتكتك وتتنازل عن بعض الأشياء في السّاحة الإجرائيّة، أمَّا عندما تريد أن تثبّت خطًّا، أو تركّز هدفًا، أو تشقّ طريقًا، فإنَّ عليك أن تقول الحقّ بكلّ صراحةٍ ووضوحٍ، وأن لا تلعب اللّعبة السّياسيَّة.. لك أن تلعب سياسيًّا عندما تكون مصلحة الإسلام في التّكتيك، ولكن ليس لك ذلك عندما تكون القضيّة استراتيجيّةً، وتتعلَّق بالأساس الّذي تريد أن تركّز عليه حياة النّاس. ولهذا كان عليٌّ (ع) يقول لكلّ الّذين كانوا يريدونه أن ينحرف، ويريدون له أن يساوم وأن يهادن: "أتأمرونّي أن أطلب النّصر بالجور... لا والله لا أطور به ما سمر سميرٌ، وما أمّ نجمٌ في السّماء نجمًا".
الابتعادُ عن طريق الدّنيا
وكان (ع) يقول لهؤلاء الّذين يقولون له إنَّ هناك طريق حيلةٍ هنا، وطريق حيلةٍ هناك: "قد يرى الحُوّل القُلّب وجه الحيلة، ودونها مانعٌ من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عينٍ بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين".
كان يقول لهم: أنا عليّ بن أبي طالب، أفهم الحيل أكثر ممّا يفهمها الآخرون، وأفهم طريق المكر والكيد واللّعب على الحبال أكثر من الآخرين.. أنا الّذي أمثّل المستوى الفكريّ الّذي لم يبلغه أحدٌ معي، أستطيع أن أعمل الكثير من الغدر والدّهاء، فهذه الطّريق قد تكون مفتوحةً أمامي، ولكنّ هناك حاجزًا يمنعني من السّير فيها؛ ليس حاجزًا بشريًّا أخاف منه، ولكنَّه حاجزٌ إلهيٌّ. الله يقول لي: "هذا حرامٌ"، فإذا قال الله ذلك، أجد الدّنيا أمامي تخاطبني: "تعال إليّ، أنت تستطيع أن تنتصر هنا، وتستطيع أن تحصل على المكاسب هناك". الدّنيا تقول لي: تعال، والله يقول لي: قف. وأنا لا علاقة لي بالدّنيا، لقد قلت لها: "طلّقتك ثلاثًا لا رجعة لي بعدها أبدًا"، فعلاقتي بالله فقط، ولولا أن يكون هناك حاجزٌ من تقوى الله، لكنت من أدهى النّاس.
تجربته الرّساليّة في الحكم
كان عليٌّ (ع) يريد أن يعطي الحكم الإسلاميّ صفاءه ونقاءه.. كان يريد أن يقول للنَّاس إنَّ من الممكن أن يأتي حاكمٌ إسلاميٌّ يحمل رسالة الإسلام، حاكمٌ إسلاميٌّ يعطي الإسلام كلّ قوَّته، وكلّ صراحته ووضوحه. وهكذا نجح عليٌّ (ع) في الوقت الَّذي يعتقد الآخرون أنّه فشل. صحيحٌ أنّه لم ينجح ليبسط حكمه، ولكنَّه نجح في تجربته الرّساليَّة، نجح في أن يؤكّد رسالته، وأن يؤكّد الحكم الّذي يتحرَّك من خلال الرّسالة لا من خلال الأهواء، لأنَّ الله أنزل الإسلام ليُطبَّق، وأنزله ليُنفَّذ، وأنزله ليكون واقعًا متحرّكًا في الحياة، ولم ينزله لينطلق الحاكمون الّذين يتحرّكون باسمه، ليطبّقوا ربعه، وليجعلوا الباقي في إطار الانحراف.
لقد أراد (ع) أن يطبّق الإسلام كلّه، وأراد للرّساليّين أن يعلنوا الإسلام صراحةً على النّاس؛ أن لا يخافوا منه، وأن لا يخجلوا منه، وأن لا يعيشوا الإحباط أمام تحدّي المتحدّين، وتهويل المهوّلين، وتشويه المشوّهين.
ولهذا نجح عليٌّ (ع) في أن يعطي الإسلام كلّ تجربته؛ عندما حارب وعندما سالم، عندما عادى وعندما والى، وعندما حكم وعندما كان خارج نطاق الحكم، عندما كان يربّي النّاس وعندما كان يعطف عليهم، وعندما كان يدير أمورهم.
إخلاصُهُ (ع) للإسلام
كان عليٌّ (ع) يتحرّك في السّاحة الّتي يرى أنّها ساحة رسول الله وساحة الإسلام.. وكان دومًا مع الحقّ، ولم ينحرف عنه أبدًا رغم كلّ إغراءات الباطل. عليٌّ هذا هو الّذي نحبّه، هو الّذي نواليه، هو الّذي نلتزم به، وهو الّذي نتّبعه ونتشيّع له.. عليٌّ هذا هو الإسلام، وليس هناك مكانٌ لعليٍّ في غير الإسلام.
فمن أراد أن يحبّ عليًّا لذاته، فإنّ عليًّا يرفض هذا الحبّ، ومن أراد أن يتعصّب لعليٍّ، فإنّ عليًّا يرفض هذه العصبيّة. عليٌّ يقول لهم: إنّني عشت للإسلام، وأريدكم أن تعيشوا معي للإسلام. إذا أخلصتم لي، فأخلصوا لله قبل أن تخلصوا لي، وأخلصوا لرسول الله قبل أن تخلصوا لي، وأخلصوا للإسلام؛ لعقائده وأفكاره ومفاهيمه وشريعته، قبل أن تخلصوا لي، فما أنا إلّا جنديٌّ من جنود الله ورسوله والإسلام.
"ألا وإنَّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك - أن تعيشوا كما أعيش، وأن تتحمّلوا كما أتحمّل – ولكن - يا عباد الله، أيّها المسلمون، يا شيعة أهل البيت - أعينوني بورعٍ - عن الحرام – واجتهادٍ - في طاعة الله - وعفّةٍ وسدادٍ" في الرّأي. إنّني أريدكم أن تكونوا الأتقياء والأمناء والصَّادقين والأعفّاء، وأن تكونوا الأمَّة الّتي تنطلق للحياة، لتكون قدوةً للنَّاس بأفعالها، قبل أن تكون دعوةً للنّاس بكلماتها.
مسؤوليَّةُ بذلِ العلم
هكذا عاش عليٌّ (ع)، وهكذا يريدنا أن نعيش بعده. ولهذا، عندما ضربه ابن ملجم على رأسه، كان يخشى أن يكون هناك إنسانٌ بحاجة إلى أن يسأل ولم يسأله بعد، أو يريد أن يتعلّم ولم يتعلّم منه بعد. كان عليٌّ يشعر بمسؤوليَّته في العلم الَّذي يحمله، وأنَّ علمه ملكٌ للأمَّة، ولذلك كان يلحُّ على الأمَّة أن تسأله، كان يقول لهم: "سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله إنّي بطرق السّماء أعلم منّي بطرق الأرض". وكان (ع) يشير إلى صدره ويقول: "إنَّ هاهنا لعلمًا جمًّا لو وجدت له حَمَلةً"، ولكنَّ مشكلته أنَّه لم يجد له حَمَلةً يتحمّلون مسؤوليَّته.
كان عليٌّ (ع) يستقبل العائدين له (الزّائرين له في مرضه)، ثمّ يقول لهم بضعيف صوته: "سلوني قبل أن تفقدوني"، فلا تزال لي في الحياة بقيّةٌ، ومسؤوليّتكم أن تسألوا، فقد حمّلكم الله مسؤوليَّة أن تسألوا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النَّحل: 43)، ومسؤوليَّة العلماء أن يجيبوكم إذا سألتموهم، وأن يبتدئوكم إذا لم تسألوا. كان يقول لهم: "سلوني قبل أن تفقدوني"، وهو في حالة الاحتضار وفي سكرات الموت.
وصيَّتُهُ الأخيرة
ولم يُرد (ع) أن يودّع الحياة إلّا بعد أن يوصي بوصيّته الأخيرة. وقد أوصى للحسن والحسين (ع)، ولم يكتف بهما، بل أوصى بقيّة ولده، ثمّ أرادها وصيّةً للأمَّة في التَّاريخ كلّه، ونحن معنيّون بوصيّة عليٍّ.
فتعالوا، هل تريدون أن تنفّذوا وصيّته؟ إنّكم قادرون على تنفيذ وصيَّته؟ وهي لا تكلّفكم مالًا، ولكنَّها تكلّفكم جهدًا من جهدكم، ونشاطًا من نشاطاتكم، وجهادًا من جهادكم.
قال (ع) في الفقرة الأولى من وصيَّته: "أوصيكما بتقوى الله، وألَّا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيءٍ منها زُوِيَ عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر، وكونا للظَّالم خصمًا، وللمظلوم عونًا". فما المبادئ الَّتي أثارها الإمام في هذه الفقرة؟
تقوى الله.. وتركُ التَّعلّق بالدّنيا
المبدأ الأوَّل: تقوى الله "أوصيكما بتقوى الله". إنّه يريد أن يقول لهم: لقد عشت حياتي من أجل أن أتّقي الله، ومن أجل أن أقود النَّاس إلى تقواه، أن أربّي نفسي على محبّة الله ومخافته، وأن أربّي النَّاس على محبّته ومخافته. في حياتي، كنت أوصيكم بذلك، ووصيَّتي لكم بعد وفاتي أن تتّقوا الله وتراقبوه، وأن لا تتّقوا غيره، ولا تراقبوا غيره، مهما كانت صلتكم به.
"وألَّا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما"؛ أن لا يتعلَّق الإنسان بالدّنيا، بحيث تكون كلّ همّه، وكلّ أمانيه وأحلامه. الدّنيا دارٌ تعيش فيها، وحاجةٌ تستهلكها، ومسؤوليّاتٌ تتحمَّلها. عِش في الدّنيا، ولكن لا تعتبر أنَّها تمثّل القيمة الكبيرة في حياتك، بحيث إنَّك إذا فقدتها، تشعر أنّك فقدت السَّعادة، وإذا حصلت عليها، تشعر أنّك حصلت على السَّعادة. الدّنيا مجرَّد حاجةٍ استهلاكيّةٍ في حياتك، تأكل فيها وتشرب وتستمتع وتسكن وتنام، من أجل أن تبقى لك حياتك، ومن أجل أن ترتاح في حياتك، لكنّ الدّنيا ليست هي كلّ ذاتك؛ ذاتك هي مسؤوليّتك وخطّك وعلاقتك بالله. لا تطلب الدّنيا، والمقصود من الدّنيا حرامها، وشهواتها المنحرفة، وخطّها الّذي ينحرف عن خطّ الله.
"ولا تأسفا على شيءٍ منها زُوِيَ عنكما". فلو أنَّك فقدت بعض الفرص، أو فقدت بعض الأرباح، أو خسرت بعض الخسائر، أو فقدت بعض الشّهوات، فلا تأسف، لا تقتل نفسك ولا ترهقها، ولا تحمّلها الهمّ الكبير، فاليوم تفقد شيئًا من الدّنيا وغدًا تجده، وإذا لم تجده في الدّنيا، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قادرٌ أن يعوّضك أضعافه في الآخرة إذا أطعته، فلا يتعلَّق قلبك في الدّنيا، بحيث تشعر أنَّك مشدودٌ إليها ومربوطٌ بها، وأنَّك صريع شهواتها ولذّاتها.
الالتزامُ بكلمةِ الحقّ
ثمَّ ما هو موقفك في الدّنيا بين حقٍّ وباطلٍ؟ قد تُطلب منك بعض الكلمات؛ أن تقول كلمةً رافضةً هنا، وكلمةً مؤيّدةً هناك، وقد يُطلب منك أن تجامل هنا وأن لا تجامل هناك، فهل العلاقات الشّخصيَّة هي منطلق كلماتك؟ وهل المطامع الذَّاتيَّة هي منطلق أقوالك؟ هل تأييدك ورفضك ينطلق من حالةٍ شخصيَّةٍ؟
يقول (ع): "قولا بالحقّ"؛ لتكن كلمة الحقّ هي كلمتكم، ادرسوا في أيّ موقعٍ من المواقع، في كلّ مواقع التَّأييد والرّفض، في كلّ مواقع الانتماء وعدم الانتماء، في كلّ مواقع الموالاة والمعارضة، ادرسوا القضايا، لا على أساسٍ عاطفيٍّ، ولا على أساسٍ طائفيٍّ، ولا على أساسٍ قوميٍّ أو إقليميٍّ أو عائليٍّ، بل ادرسوها على أساس موقعها من الحقّ، فإن كانت قريبةً من الحقّ، فقُولوا الكلمة حتّى لو كانت ضدّ مصالحكم الذّاتيَّة، وضدَّ مشاعركم وعواطفكم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}(النّساء: 135)، {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}(الأنعام: 152)، {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(الكهف: 29).
"قولا بالحقّ"، حتّى لو غضب النَّاس منكم، وحتّى لو سبّكم النّاس وشتموكم. لقد قال رسول الله (ص) كلمة الحقّ، وكانت الحجارة تُرمى عليه، وكانت الأوساخ تُرمى على ظهره، وكان السّباب والشّتائم يحاصرانه من كلّ جهةٍ، ومع ذلك قال كلمة الحقّ. وأصحاب عليٍّ (ع) هم الّذين ينطلقون مع الحقّ، لأنَّ عليًّا كان ينطلق مع الحقّ، ولأنَّ الإسلام هو الحقّ في كلّ مجالات الحياة.
العملُ للأجر
"واعملا للأجر".. فإذا أردت أن تعمل، فكّر في كلّ عملٍ، ولا يكن عملك مجّانًا. الإمام (ع) يقول لك: اعمل على أساس أن تقبض ثمن عملك، لكن ممّن؟ من الله سبحانه وتعالى. كلّ عملٍ تريد أن تعمله فكّر: هل يعطيني الله أجرًا عليه أم لا يعطيني؟ إذا رأيت عملك لا يحقّق رضا الله عنك، ولا محبَّته لك، ولا قربك منه، فوفّر على نفسك الجهد لأنّه جهدٌ ضائعٌ.. لماذا تحرق أعصابك وليس في ذلك نتيجةٌ؟ ولماذا تتعب جسدك بلا نتيجةٍ؟ والله قال لكم: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}(آل عمران: 195)، وقال: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزَّلزلة: 7- 8).
نصرةُ المظلوم.. ومحاربةُ الظّلم
"وكونا للظّالم خصمًا، وللمظلوم عونًا"؛ لتكن حياتكم هي حياة محاربة الظّلم أينما كان، ومحاربة الظَّالمين كيفما كانوا. ادرسوا كلّ النّاس على المستوى السّياسيّ والاجتماعيّ والدّينيّ، وعلى أيّ مستوى؛ فمن كان ظالـمًا فكونوا ضدّه، حتّى لو كان أقرب النّاس إليكم، ومن كان مظلومًا فكونوا معه، حتّى لو كان أبعد النّاس عنكم، لأنَّ الله يريد للإنسان أن يقف ضدّ الظّالمين ومع المظلومين، ولأنّه سبحانه وتعالى أراد للحياة أن تعيش العدل، ولهذا لم يُرد لك أن تكون ظالمـًا، ولا أن تعاون الظّالم ولا أن تتعاطف معه، ولا أن تكون حياديًّا بين الظّالم والمظلوم، سواء كان الظّالم شخصًا، أو دولة، أو جماعةً، أو حزبًا، أو محورًا إقليميًّا أو دوليًّا أو ما إلى ذلك.. حاول أن تدرس قوّتك مضمومةً إلى قوى الآخرين، وكيف يمكن أن تقف في مواجهة الظّلم. المهمّ أن لا تعقد قلبك على محبّة الظّالم وعلى رضاه، باعتبار أنَّ هذا الظّالم قريبك، أو لأنّه ابن طائفتك، أو لأنّه يمثّل الشّخص الّذي تحبّه سياسيًّا أو ما إلى ذلك. أحبَّ الله قبل أن تحبّ الآخرين.
التَّقوى.. والإصلاح
الفقرة الثّانية: "أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى الله - فالتَّقوى هي الأساس في شخصيّة الإنسان المسلم، ولهذا كرّرها.
- ونظم أمركم - نظّموا حياتكم على أساس أن لا تضيع طاقاتكم هباءً ولا تضيع في الفراغ.. اجعلوا حياتكم تستوعب كلّ الطّاقات وتنظّمها، وتعطي لكلّ طاقةٍ موقعها، ولكلّ إنسانٍ محلّه ومهمّته، حتّى تتكامل الحياة من حولكم لتؤكّد لكم موقعكم وموقفكم.
- وصلاح ذات بينكم"، حاولوا إذا حدث بينكم خلافٌ أو نزاعٌ، في أيّ أمرٍ من أمور الدّين أو الدّنيا، أن تصلحوا ذات بينكم، أن تردموا الهُوَّة والشُّقّة فيما بينكم.. اعملوا على أن لا يكون هناك خلافٌ بينكم، فإذا بقي هناك خلافٌ، فاعملوا على أن لا يهدم قضاياكم الأساسيّة والمصيريّة.
وطبعًا، لا بدَّ أن يكون إصلاح ذات البين على أساس الحقّ، لا على أساس الظّلم والباطل؛ فنحن لا نقول كما قال ذلك الشّاعر:
| سلامٌ على كفرٍ يوحّد بيننا |
وأهلًا وسهلًا بعده بجهنّم |
أو كما قال شاعر آخر:
| وما أنا إلّا من غزيّة إن غوت |
غويت وإن ترشد غزيّة أرشدِ |
بل أن نصطلح ونتقارب ونتوحَّد، ولكن على أساس الحقّ لا الباطل، لأنَّ الفُرقة مع الحقّ أولى من الوحدة مع الباطل، لأنّنا نريد الوحدة لنصرة الحقّ، فإذا كانت الوحدة لنصرة الباطل، فإنّها لا تكون وحدة، بل فرقة عن الحقّ، ووحدةٌ مع الباطل.
ويتابع الإمام (ع): "فإنّي سمعت جدّكما (ص) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامَّة الصّلاة والصّيام"، وهذه الفقرة تدعونا إلى تنظيم أمرنا وإصلاح ذات بيننا على المستوى الخاصّ والعامّ، كلٌّ بحسب قدرته وإمكاناته، ولكن، كما قلنا، على أساس الحقّ لا على أساس الباطل، لأنّنا لا نريد أن نصطلح مع الباطل، بل لنصرة الحقّ.
الوصيّةُ بالأيتام.. والجيران
الفقرة الثَّالثة: هي الفقرة الّتي يطلقها الإمام وصيّةً فيما يشبه الاستغاثة، وكأنّه يطلق صرخة نداءٍ واستنفارٍ، ليعرّفنا أنَّ المسألة من الأهمّيّة ما يجعله يوصي النَّاس وكأنّ خطرًا يحيط بهم من كلّ جانبٍ لو لم يفعلوا.
فبمن أوصانا الإمام؟ من هم هؤلاء الّذين يريدنا الإمام أن نتحمّل مسؤوليّتهم؛ هل أوصانا بأولاده أو بأقربائه؟ لم تكن وصيّته لأولاده ولا لأقربائه، بل كانت لكلّ المحرومين والمقهورين في الحياة.
قال (ع): "الله الله في الأيتام، فلا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم"، فوصيّتي لكم هي الأيتام، لأنَّ الأيتام مسؤوليّة المجتمع في أن يتحمَّل كفالتهم، لأنّهم عندما يغيب عنهم كفيلهم، يصبحون كالرّيشة في مهبّ الرّيح، ولا قوّة لهم يستندون إليها. فعلى المجتمع أن يتحمَّل مسؤوليّتهم، وأن يرعاهم، ويقدّم إليهم العيش الكريم، أن يطعمهم وينفق عليهم، وأن يقيم المؤسَّسات الّتي تربّيهم ويدعمها.
"فلا تغبّوا أفواههم"، أي لا تجعلوهم يشبعون يومًا ويجوعون يومًا آخر، بحيث تنفتح أفواههم يومًا فيأكلون، وتنغلق يومًا فلا يأكلون.
"ولا يضيعوا بحضرتكم"، لا تجعلوا الأيتام ضائعين، فلا يتعلّمون لضيق ذات اليد، ولا يلبسون لعدم قدرتهم على شراء الملابس، ولا يشبعون لأنّهم لا يستطيعون شراء الطّعام. إنَّ عليكم أن ترعوهم، بحيث ترعى كلّ بلدةٍ أيتامها، وترعى كلّ أمّةٍ أيتامها. إنّهم وصيَّة أمير المؤمنين (ع) ووصيَّة الإسلام، وعلينا أن نعمل بكلّ جهدنا لرعايتهم، وقد لا يستطيع الإنسان وحده أن يقوم بهذا الأمر، ولكن بجهد من هنا وجهد من هناك، نستطيع أن نؤمّن لهم العيش الكريم.
"والله الله في جيرانكم - أحسنوا إليهم، لا تؤذوهم، وتحمّلوا الأذى منهم - فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم"، فقد بلغت وصيّة رسول الله (ص) بالجيران هذا المبلغ، لأنَّ طبيعة الجوار تفرز مشاكل يوميّةً، فأراد الإمام (ع) أن يوصينا بهم، كما أوصى رسول الله (ص) بهم، حتّى نخفّف من هذه المشاكل قربةً إلى الله سبحانه وتعالى.
أهميّةُ الصَّلاة
"والله الله في الصّلاة، فإنّها عمود دينكم". فالصَّلاة هي وصيّة أمير المؤمنين (ع)، ووصيّة الله ورسوله؛ باعتبارها الأساس الَّذي يرتكز عليه إيمان الإنسان المسلم، والّتي تمثّل عمق شخصيّته، فمن لا صلاة له لا إسلام له، لأنّ الصّلاة هي الّتي تربطك بالله، وهي الّتي تمثّل المظهر الحيّ لعبوديّتك لله، وهي الّتي تمثّل الصّلة بينك وبين الله، فإذا كنت لا تصلّي، فإنّك بذلك تقطع علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، وإذا قطعت علاقتك مع الله، فأيّ إسلامٍ هو إسلامك، وأنت لا تحاول أن تعبده سبحانه وتعالى؟! وأيّ إيمانٍ هو إيمانك وأنت لا تصلّي؟! وعندما لا تكون بينك وبين الله علاقةٌ.. فأنت عندما تصلّي للطّغاة تنحني لهم، وعندما تصلّي للأغنياء تنحني لهم، وعندما تصلّي للظّالمين والكافرين تسجد لهم.. ولكنّك إذا وقفت أمام الله، تتكبّر عليه وتتعالى أن تسجد له، كما تكبّر إبليس أن يسجد لربّه عندما أمره. فأيّ فرقٍ بينك وبين إبليس؛ أنت تلعنه وأنت مثله؟! إبليس أمره الله بالسّجود فرفض، وأنت يأمرك الله بالصّلاة فترفض، فإذًا أنت وإبليس واحدٌ، فأنت إبليسٌ صغيرٌ، وإن كنت تلعنه بلسانك! كلّ الّذين لا يصلّون هم جماعة إبليس، لأنَّ علاقاتهم مقطوعةٌ مع الله سبحانه وتعالى.
القرآنُ دستورُ الحياة
"والله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم". القرآن هو كتاب الله، وهو شريعته ودستوره.. هو وحي الله، وهو الرَّحمة والهدى والشّفاء الَّذي يريد أن يخرجكم من الظّلمات إلى النّور. افهموه، اقرؤوه، تدبّروا آياته، واحملوا شعاراته وفكره، وطبّقوا شريعته، لأنّه ربّما يأتي قومٌ آخرون يكتشفون في القرآن الهدى والفلاح، فينطلقون به، وتتخلَّفون أنتم في نهاية الطَّريق.
وهذا ما يعيشه المسلمون اليوم؛ تركوا العمل بالقرآن، وجاء الآخرون فاستفادوا منه، فتخلّف المسلمون وتقدّم الآخرون: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}(محمَّد: 38).
وليس دور القرآن في الحياة أن يكون كتابًا للبركة، أو لتضعه فوق رأس المريض، أو لتقرأه عند الميّت، أو تتبرّك به؛ القرآن كتابٌ للعمل، كتابٌ للفكر، كتابٌ للعلم، كتابٌ لتملأ كلّ حياتك به، وأن تسخّر كلّ الحياة لخدمته. ليس من حقّك كمسلمٍ أن تحمل أيّ كتابٍ ينطلق به الآخرون لتجعل منه برنامج حياتك، كلّ مسلمٍ يتّخذ غير القرآن كتابًا ليعتبره دستورًا وميثاقًا وشريعةً لحياته، هو ليس بمسلمٍ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى وضع لنا كتابًا واحدًا، وعندما نأخذ ببقيَّة الكتب الّتي صنعها فلانٌ وفلانٌ، نكون قد ابتعدنا عن الله.
الحجُّ ووحدةُ المسلمين
"والله الله في بيت ربّكم، لا تُخلوه ما بقيتم، فإنَّه إن تُرِك لم تُناظَروا"، لا تتركوا الذّهاب إليه، ولا تتركوا الحجّ إلى البيت، لأنَّ البيت هو الموقع الّذي يمثّل قوّة المسلمين عندما يجتمعون حوله، ويمثّل وحدتهم عندما يلتقون بالطّواف حوله وبالتّوجّه إليه، "فإنّه إن تُرِك لم تُناظَروا"؛ أي لم ينظر إليكم أحدٌ باحترامٍ.
لذا، يجب أن ننطلق في كلّ سنةٍ للحجّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}(آل عمران: 97). حتّى إنّه في التّشريع الإسلاميّ، إذا جاء زمانٌ، ولم يكن هناك مستطيعون، فيجب على وليّ أمر المسلمين أن يأخذ من بيت المال ويدفع إلى النَّاس ليحجّوا، حتّى لا تأتي سنةٌ ليس فيها حُجّاجٌ لعدم توفّر الإمكانات الماديّة. إنَّ الله يريد للحجّ أن يكون دائمًا مَجمَعًا للمسلمين، ليتبادلوا فيه تجاربهم، وليتناقشوا فيما بينهم في أمورهم وقضاياهم، وفيما يُصلح أمرهم، ويوحّد كلمتهم، ويقوّي موقفهم.
ميادينُ الجهاد
"والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله"، فعلى المسلم أن يواجه التّحدّيات؛ التَّحدّيات السياسيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة... فلو أنَّ كلّ مسلمٍ أحبّ الرّاحة والسّلامة لنفسه، وقال: المهمّ أن أعيش أنا وعيالي، خربت الدّنيا أو عمرت، قَوِيَت أو ضعفت، فلا شأن لي بالنَّاس، كما قال ذلك الشّاعر:
ما علينا إن هلك الشّعب جميعًا أفلسنا في أمانٍ
فلو قال كلّ مسلمٍ ذلك، لَما بقي هناك موقعٌ للمسلمين أو للمستضعفين في الحياة. لكنَّ الله أراد لنا أن نجاهد: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ}(التَّوبة: 111).
إنَّ الله سبحانه وتعالى اشترى منّا أموالنا وأنفسنا على أساس أن تكون لنا الجنّة ثمنًا لها، فمن أراد الجنّة، فإنّ الجهاد بابٌ من أبوابها؛ الجهاد بالمال، والجهاد باللّسان، والجهاد بالنّفس، والجهاد بالجاه، الجهاد بكلّ ما أمكنك أن تسخّره في سبيل الله.
التَّواصلُ.. والأمرُ بالمعروف
"وعليكم بالتّواصل والتّباذل، وإيّاكم والتّدابر والتّقاطع"، تواصلوا ولا تتقاطعوا، وليبذل كلّ واحدٍ منكم لأخيه ما يستطيع أن يبذله له، وإيّاكم أن يهجر بعضكم بعضًا، أو يقاطع بعضكم بعضًا.
ثمّ يتابع (ع): "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر - فإذا رأيتم الظّالمين فأنكروا عليهم ظلمهم، وإذا رأيتم المنحرفين فأنكروا عليهم انحرافهم، وإذا رأيتم العاصين فأنكروا عليهم معصيتهم، وإذا رأيتم النّاس يتركون عبادة الله فأْمروهم بعبادته، وإذا رأيتموهم يتركون واجباتهم في الحياة، فاطلبوا منهم أن يقوموا بواجباتهم - فيُوَلّى عليكم شراركم، ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم"، لأنَّ الإنسان إذا ترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فسيقوى الظّلم، وسيقوى الكفر والانحراف، وستكون الدّولة للأشرار، وعند ذلك يذهب الأخيار إلى المساجد ويدعون، فلا يستجيب الله لهم، لأنَّ الله جعل لهم إمكانيَّة أن لا تكون للأشرار دولةٌ، لكنَّهم تركوا ذلك.
القصاصُ العادل
الفقرة الرّابعة: اتّجه فيها الإمام إلى أقربائه، وقد جاءت هذه الفقرة خاصّةً من جهةٍ، وعامّةً من جهةٍ ثانيةٍ.
قال (ع): "يا بني عبد المطّلب - وعبد المطَّلب هو جدّ أمير المؤمنين والرّسول (ص)، فهم الفخذ من العشيرة، وهم الّذين يأخذون بالثَّأر عادة، باعتبار قربه منهم.
- لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضًا - فلا تجعلوا الأرض بحرًا من الدَّم، باعتبار أنَّ من قُتِل هو أمير المؤمنين، ونريد أن نقتل كلّ عشيرة القاتل.. أليس هناك من يفعل هذا، عشائريًّا أو طائفيًّا أو سياسيًّا؟
- تقولون: قُتل أمير المؤمنين، ألا لا يُقتلنّ بي إلّا قاتلي". ففي الإسلام، النّفس بالنّفس، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة: 179). فعلى الإنسان أن يقتل القاتل فقط، حتّى لو كان المقتول من أعظم النَّاس، وكان القاتل من أحقرهم، فلا طبقيَّة في القصاص، فلا تقتلوا غير القاتل، لأنَّ الله يقول: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ}(الإسراء: 33).
ثمّ يبيّن (ع) طريقة القصاص: "انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربةً بضربةٍ، ولا يُمثَّل بالرّجل، فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول: إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور"، يعني لا تمثّلوا حتّى بالكلب العقور.
ومعنى ذلك، أنّ الإمام (ع) يركّز على هاتين النّقطتين:
النّقطة الأولى: أنّ قضيّة القصاص لا تطال غير القاتل، لأنّنا لو فرضنا أنّنا قتلنا غير القاتل، فإنّنا نصير مثله، فهو قتل بريئًا ونحن قتلنا أبرياء، فأيّ فرقٍ يكون بين جريمته وجريمتنا؟ أن نقتل أحدًا لمجرّد أنّ هذا الّذي نقتله قريب القاتل، أو من جماعته، أو من عائلته، أو من حزبه، أو من طائفته، فهذا غير جائز، لأنَّ الله يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(الأنعام: 164)، فلا يتحمَّل إنسانٌ ذنب غيره.
وعلى هذا الأساس، وجَّهها الإمام (ع) إلى بني عبد المطّلب، لأنّه أراد أن يُطبّق حكم الإسلام في دمه، ولم يُرد لهم أن تأخذهم العاطفة في هذا المجال. وهو عندما يخاطبهم، فبصفة أنّهم مسلمون، لا بصفة أنّهم بنو عبد المطّلب، وإنّما خاطبهم بهذه الصّفة لأنّهم أولياء الدّم، وحتّى يطبّقوا الإسلام...
* خطبة لجمعة لسماحته في مسجد بئر العبد، بتاريخ: 30/05/1986م.