{يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ...}[البقرة: 183 - 184].
لا نزال نعيش في أجواء هذه الآية الَّتي أراد الله أن يبيّن من خلالها للإنسان، أنَّ الله فرض عليه الصَّوم من أجل أن يصنع من نفسه شَّخصيَّة التَّقيّ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
الهدفُ من الصَّوم
فالصَّوم ليس تكليفاً تقليديّاً يمسك الإنسان فيه عن بعض حاجاته في النَّهار، ليرجع إنساناً عاديّاً ليست له أيَّة جذور في معنى العبوديَّة لله، والاستقامة في خطّه تعالى، بل إنَّه يمثّل فريضة عباديَّة يريد الله لها أن تتعمَّق في عقل الإنسان وقلبه وحركته، حتَّى يعود الإنسان بالصَّوم إنساناً جديداً، لا تسيطر عليه نقاط ضعفه، لأنَّ كلّ واحد منَّا له نقاط ضعف، فقد خلق الله الإنسان ضعيفاً، فمن نقاط ضعفنا أنَّنا نعيش أنانيَّتنا، فنعتبر أنَّ ذاتنا فيما تحبّه وتهواه وترغبه وتريده، هي كلّ شيء، فالفكرة الَّتي يعطيها الأنانيّ لنفسه، هي أنا أوّلاً والآخرون بعدي، وقد يعطي نفسه شعار "أنا لا الآخرون"، فقيمة الآخرين عند الأنانيّ، إنّما هي بمقدار ما تتَّصل قضاياهم بقضيَّته، أمَّا إذا لم تتَّصل قضاياه بقضيَّته، فلا قيمة لهم عنده.
إنَّ الأنانيّ إنسان يختصر العالم والمبادئ في ذاته. ومن هنا، فإنَّ الله أراد للإنسان الصَّائم في صومه أن يخرج من هذه الأنانيَّة، بأن يفكّر عندما يحسّ بألم الجوع والعطش، في معنى الجوع والعطش لدى الجائعين والظَّامئين، لأنَّ مشكلة بعض النَّاس، أنَّك عندما تحدّثه عن جوع الجائعين، وعن ظمأ الظَّامئين، وعن عري العراة، فإنَّه لا يفهم ما تحدّثه فيه، لأنَّه لا يفهم معنى الجوع والعطش والعري، لأنَّه لم يعش هذه التَّجربة.
وتاريخ فرنسا يحدّثنا عن الملكة ماري أنطوانيت، عندما تظاهر الشَّعب مطالباً بالخبز، وسألت ماذا يريدون؟ قالوا يريدون الخبز، قالت فليأكلوا البسكويت. لماذا قالت ذلك؟ لأنَّها لم تفهم معنى أن يكون الإنسان جائعاً ولا يجد ما يأكله، وإنَّما تصوَّرت أنَّ الأفران قد أغلقت، وأنَّهم يريدون الخبز لأنَّ الخبز ليس موجوداً في السّوق، لا لأنَّهم يفقدون القدرة على شرائه، فلذلك قالت فليأكلوا البسكويت.
ولذلك، أراد الله سبحانه وتعالى من خلال هذا الصَّوم، أن يفهم الإنسان معنى الجوع والعطش، ومعنى الحرمان من بعض ما هو فيه من الشَّهوات، حتَّى يتحسَّس آلام الآخرين من خلال ذلك، وحتّى يفهم معنى الجوع والعطش. ولذلك، فإنَّ ما يتعارف عليه النَّاس من تحضير أفخر الأطعمة وأدسمها والإكثار منها، خوفاً من أن يجوعوا ويعطشوا، هو أمر يبتعد عن معنى الصَّوم، لأنَّ المفروض أن يشعر الصَّائم بالجوع والعطش، حتَّى يتحسَّس معنى ذلك في نفسه، لا أن يعيش حالة التّخمة في إفطاره، كما يفعل بعض النَّاس الّذين يأكلون في إفطارهم ما يجعلهم يعيشون التّخمة الَّتي تؤدّي بهم إلى الأمراض، بدلاً من أن تؤدّي بهم إلى الصحَّة.
فلا بدَّ لنا في شهر رمضان من أن نسيطر على أنانيَّتنا، ولذلك نجد أنَّ الله أراد للإنسان أن يتصدَّق على الفقراء والأيتام والمساكين في هذا الشَّهر المبارك، ليشاركهم مشكلتهم من خلال إحساسه بطبيعة هذه المشكلة.
استغلالُ الدّين!
وكذلك نحن نعيش نقاط ضعفنا في كثير من الحالات الَّتي نحاول فيها أن نوظّف مبادئنا في خدمة مصالحنا، فنحن نعمل في الخطّ الدّينيّ على أساس أنَّه قد يحقّق لنا بعض النَّتائج المادّيَّة، بعض النَّاس يصلّون أو يصومون أو يحجّون، حتَّى يحصّلوا الثّقة الاجتماعيَّة بهم، ليعطيهم النَّاس أموالهم، وليسلّموهم أماناتهم. بعض النَّاس لا يعيش معنى الصَّلاة في صلاته، ولا معنى الصَّوم في صومه، ولا معنى الحجّ في حجّه، وإنَّما يحاول أن يتَّخذ من ذلك وسيلةً لأن تتحوَّل هذه العبادات عنصراً تجاريّاً يتّجر به في واقعه، والله يريد للإنسان في هذا الشَّهر أن ينفتح عليه تعالى، وأن يعبده مخلصاً له الدّين.
الابتعادُ عن الظّلم
ونحن نعيش في حياتنا كثيراً من أحاسيس العداوة والبغضاء والحسد في علاقات بعضنا مع بعض؛ نعيش الظّلم الاجتماعيّ، فيظلم بعضنا بعضاً؛ مَنْ مِنَ النَّاس لا يظلم زوجته لأنَّه يريد أن يؤكّد سيطرته عليها، ولو على حساب حقوقها الإنسانيَّة؟ مَنْ منَّا إذا وجد في نفسه موقع قوَّة، لا يعتدي على جاره أو ابن محلّته أو أيّ إنسان في المجتمع؟ إنَّ الكثيرين منَّا لا يظلمون لأنَّهم لا يملكون القوَّة الَّتي يظلمون بها، فإذا امتلكوا القوَّة، ظلموا حتّى أقرب النَّاس إليهم، فضلاً عن أبعد النّاس.
ولذلك، نحن بحاجة في هذا الشَّهر إلى أن نتخلَّص من هذا الظّلم الذّاتيّ؛ أن نحمي النَّاس من أنفسنا، كما نعمل على أن نحمي أنفسنا من النَّاس، ونحن نقرأ في الأدعية المأثورة: "اللَّهمَّ فكما كرَّهت إليَّ أن أُظلَم، فَقِني مِنْ أَنْ أَظْلِم"، "وَلَا أُظْلَمَنَّ وَأَنْتَ مُطِيقٌ لِلدَّفْعِ عَنِّي، وَلَا أَظْلِمَنَّ وَأَنْتَ القَادِرُ عَلَى الْقَبْضِ مِنِّي"، أن تنفذ إلى داخل نفسك لتخاطبها: لماذا تظلم النَّاس حقوقهم؟ لماذا تعتدي على النَّاس فيما لا حقَّ لك فيه؟ إنَّ لك حقّاً في الحياة، وإنَّ للآخرين حقّاً أيضاً؛ إنَّ الحياة لا تكون لشخص واحد، ولا هي فرصة لإنسان واحد، بل هي فرصة لنا جميعاً، وحقّ لنا جميعاً، ونحن عندما نقرأ سورة الفاتحة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}[الفاتحة: 2- 3]، نشعر بأنَّ الله ربّنا جميعاً، وهو يرحمنا جميعاً، فإذا كان الله ربّنا جميعاً، فلماذا يحاول بعضنا أن يكون ربّاً للإنسان الآخر، وإذا كان الله يرحمنا جميعاً، فلماذا نحاول أن نحجب رحمته عن بعض عباده؟!
معالجةُ الأمراضِ الرّوحيَّة
أيُّها الأحبَّة، إنَّ قيمة هذا الشَّهر، هي أن يجلس الإنسان كثيراً مع نفسه في حضور ربّه، ليعمل على اكتشاف نفسه، فقد نكتشف في دهاليز أنفسنا ومغاراتها، وجود الكثير من العقارب والحيَّات والحشرات الأخلاقيَّة والمعنويَّة.. إنَّ لدينا مبيدات كثيرة، ومصائد كثيرة للحشرات في داخل بيوتنا، أليس كذلك؟! وهي حشرات قد تؤذينا قليلاً، ولكنَّها لا تقتلنا في أغلب الحالات، أمَّا الحشرات الأخلاقيَّة والرّوحيَّة، فإنَّها تقتل فينا الرّوح، وتقتل فينا الرّوحانيَّة وحيويَّة إنسانيَّتنا في نظرتها إلى الإنسان الآخر.
أيُّها الأحبَّة، إنَّ الله يريد للإنسان أن يرجع إلى إنسانيَّته، لأنَّ مشكلتنا أنَّ الكثيرين منَّا يعيشون حيوانيَّة الغريزة وحيوانيَّة الحاجة، ولا يعيشون إنسانيَّة الإنسان، لأنَّ الإنسان ليس مجرَّد حيوان تتحرَّك غرائزه في حاجاته، ولكنَّه روح تنفتح على الآفاق الواسعة في آفاق الله، فالله عندما خلقنا، وحدَّث الملائكة عن طبيعتنا، قال: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[ص: 71 - 72].
فكلّ إنسان فينا هو قبضة من الطّين، ونفخة من روح الله؛ فينا جانب مادّيّ يربطنا بالأرض، لأنَّنا من الأرض خلقنا، وفينا جانب روحيّ يربطنا بالسَّماء، لأنَّنا انطلقنا من روح الله، فيما أراد الله لهذه الرّوح أن تنفتح على كلّ المعنويّات وعلى كلّ القضايا الكبرى.
أيُّها الأحبَّة، إنَّ من مشاكلنا الأساسيَّة في الحياة، أنَّنا دائماً نحدّق بالآخر ولا نحدّق بأنفسنا، ننتقد الآخرين في عيوبٍ قد نجد في أنفسنا ما هو أكبر منها، وقد ننتقد الآخرين في سلوك قد نجد أنفسنا تسلك أبشع منه.
لذلك، إنَّ إهمالك لنفسك، أو انشغالك عنها، وعدم مبالاتك بما أنت عليه، قد يسمح للأمراض الخفيَّة بأن تتسرَّب إلى روحك، كما يتسرَّب المرض إلى الجسد، فقد يتسلَّل الميكروب إلى جسدك، ويظلّ جسدك يصارعه ويصارع البؤرة الّتي وجد فيها، فيما أنت لا تشعر بشيء، لأنَّ جهاز المناعة بطبيعته يحجب عنك الإحساس بالألم، ولكنَّ المناعة تضعف مع الوقت، وتكتشف بعد فوات الأوان أنَّ مرضاً خبيثاً قد تمكّن منك، ولو أنّك اكتشفته في البداية، لكان بإمكانك أن تسيطر عليه.
وهكذا أمراضنا الروحيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، قد لا نكتشفها إلَّا بعد فوات الأوان، عندما لا نملك إمكانيّة أن نداويها، لأنَّها تحجَّرت في داخل شخصيَّتنا {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ}[البقرة: 74]، والحجارة تحتاج إلى فؤوس؛ إلى فأس أخلاقيّ، وفأس روحيّ.
لذلك، أراد الله لهذا الشَّهر أن يكون موسماً روحيّاً يجلس فيه الإنسان مع ربَّه ليناجيه، وليتحسَّس معنى المحبَّة معه.
اكتشافُ معنى الله
أيُّها الأحبَّة، إنَّنا لم نكتشف ربّنا جيّداً، لم نكتشف حنانه وعاطفته ورحمته، وعندما نقرأ الأدعية المأثورة عن أئمَّة أهل البيت (ع)، فإنّنا نكتشف ذلك كلّه: "وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ وَلَا أَدْعُو غَيْرَهُ، وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْجُوهُ وَلَا أَرْجُو غَيْرَهُ، وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لَأَخْلَفَ رَجَائِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ - جعل رزقي عليه، وجعل أمري إليه – فَأَكْرَمَنِي، وَلَمْ يَكِلْنِي إِلَى النَّاسِ فَيُهِينُونِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَحَبَّبَ إِلَيَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِّي - {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186]، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر: 60] - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَحْلُمُ عَنِّي حَتَّى كَأَنِّي لَا ذَنْبَ لِي، فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْءٍ عِنْدِي وَأَحَقُّ بِحَمْدِي".
وهكذا، فإنَّك من خلال الأدعية، إذا وعيت معناها، تكتشف ربَّك، وتكتشف كيف يتجلَّى حلمه عليك: "تَتَحَبَّبُ إِلَيْنَا بِالنِّعَمِ وَنُعَارِضُكَ بِالذُّنُوبِ، خَيْرُكَ إِلَيْنَا نَازِلٌ وَشَرُّنَا إِلَيْكَ صَاعِدٌ، وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَأْتِيكَ عَنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ، فَلَا يَمْنَعُكَ مَا يَأْتِي مِنَّا مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنَا بِنِعْمَتِكَ، وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِآلَائِكَ. فَسُبْحَانَكَ! مَا أَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ مُبْدِئاً وَمُعِيداً!".
وعندما تقدّم طلباتك إلى الله، وتتأخَّر الاستجابة، فإنَّك تعتب عليه سبحانه أنّه لم يستجب لك، ولكنَّك تقرأ في دعاء الافتتاح: "فَإِنْ أَبْطَأَ عَنِّي عَتَبْتُ بِجَهْلِي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ، فَلَمْ أَرَ مَوْلًى كَرِيماً أَصْبَرَ عَلَى عَبْدٍ لَئِيمٍ مِنْكَ عَلَيَّ يَا رَبِّ، إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيَّ فَلَا أَقْبَلُ مِنْكَ، كَأَنَّ لِي التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لِي، وَالْإِحْسَانِ إِلَيَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجَاهِلَ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إِحْسَانِكَ وَجُودِكَ، إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمُ".
هذا هو الجوّ الرّوحيّ الَّذي يعرّفك موقع الحنان والرّحمة من ربّك. ونحن، أيُّها الأحبَّة، في هذه الدنيا متعبون؛ متعبون جسديّاً وروحيّاً وفكريّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، ونحتاج إلى هذه اللَّمسة الإلهيَّة الحنونة الَّتي تريحنا من تعبنا، وتضمّد جراحنا، وتريح قلوبنا.. نحتاج لأن نجلس مع الله سبحانه وتعالى، أن نكون معه بكلّ كياننا، وعندها، سنجد السَّعادة كلّ السَّعادة.. ولكنَّ النَّاس الَّذين يذوقون طعم هذه السَّعادة قليلون، لأنَّ غالبيّتنا يعيش مع الله علاقةً رسميَّة، كأنَّنا في دوام رسميّ معه، بحيث ترانا نستعجل في صلاتنا، ونستعجل لوقت إفطارنا، كذاك الأعرابيّ الَّذي نظر إلى الهلال وقال: "والله لأقطّعنَّك بالأسفار"، وبعض النَّاس يجبّ أن يسافر حتَّى يفطر، وما يخسره الإنسان بذلك من ثواب الصَّوم وروحانيَّته، أكثر ممن يربحه مما يريده من الرَّاحة.
إذاً، نحن في هذا الشَّهر، نريد أن نتجدَّد روحيّاً، وأن نؤصّل إنسانيَّتنا، وأن نتخفَّف من حيوانيَّتنا، وأن نحدّد لأنفسنا هدفاً في الحياة نسعى إليه، والهدف الأوَّل والأخير، هو أن نرضي الله سبحانه وتعالى في كلّ أعمالنا وأقوالنا وأوضاعنا.
التّخفّفُ من الأثقال
والنَّبيّ (ص) في خطبته الَّتي خطبها في آخر جمعة من شهر شعبان، يعرّفنا الطَّريقة الَّتي نستطيع أن نتخفَّف بها من هذه الأثقال؛ أثقال الذّنوب، وأثقال العقد النفسيَّة، وأثقال الانحراف عن الله سبحانه وتعالى. يقول (ص):
"أيُّها النَّاس، إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُونَةٌ بِأَعْمَالِكُمْ - فالمسألة هي أنَّ الله جعل نفسك مرهونة، كما لو أنَّ أحداً له عليك دَيْن، ويأخذ مقابله منك رهناً، فإذا لم توف الدَّين أخذ الرَّهن، كذلك كلّ واحد منّا مرهون بأعماله، {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}[الطّور: 21]، فأنت مرهون بعملك، فإن أدَّيت إلى الله ما يريده منك من عمل صالح جعله في ذمَّتك، فقد حرَّرت بذلك نفسك، وأمَّا إذا لم تقم بذلك، فإنّك تبقى مرهوناً.
فإذا لم تقوموا بالعمل الصَّالح، وقمتم بالأعمال السيّئة، وكدتم أن تسقطوا أمام هذه الأعمال، فإنَّ سبيل الخلاص أمامكم، كما يقول لنا رسول الله (ص) - فَفُكُّوهَا بِاسْتِغْفَارِكُمْ– حرّروا أنفسكم بالاستغفار، أن تستغفروا الله سبحانه وتعالى في أيَّام هذا الشَّهر ولياليه. والاستغفار بأن تستحضر كلَّ ذنوبك، صغائرها وكبائرها، وأن تعطي الله عهداً أن لا تعود إليها، فقولك: أستغفر الله، يعني أطلب منك، يا ربّ، أن تغفر لي كلّ هذه الذّنوب والخطايا، وأن تتوب عليّ منها.
- وَظُهُورُكُمْ ثَقِيلَةٌ مِنْ أَوْزَارِكُمْ - فكلُّ واحد منَّا يحمل وزره يوم القيامة. والوزر تارةً يكون حملاً ثقيلاً مادّيّاً يحمله الإنسان ويشعر به، وتارةً يكون الجرائم والذّنوب الَّتي يحملها على ظهره دون أن يشعر بها في الدّنيا، وإنّما يشعر بها عند النَّتائج في يوم القيامة {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}[الأنعام: 31]...
- فَخَفِّفُوا عَنْهَا بِطُولِ سُجُودِكُمْ - اخضع لربّك بطريقة السّجود، "فإنَّ أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِدٌ"، لأنَّ السّجود يمثّل قمَّة الاستسلام لله سبحانه وتعالى، فعندما تسجد بين يدي ربّك، فكأنَّك خرجت من كلّ ذاتك، ووضعتها بين يديه تعالى.
ثمَّ يقول النَّبيّ (ص) – وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذِكْرُهُ، أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسَّاجِدِينَ، وَأَنْ لَا يُرَوِّعَهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ".
فالإنسان الَّذي يصلّي بكلّ كيانه لله، ويسجد بعقله وقلبه له كما يسجد بجسده، فإنَّ الله أقسم أن لا يعذّبه ولا يروّعه يوم القيامة {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس: 62]، وهذه جائزة كبيرة يحصل عليها الإنسان، ولا تحتاج إلَّا أن يصلّي صلاته بأصولها، هذا هو الإسلام لله {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162- 163].
العلاقةُ الَّتي لا تنقطع
لذلك، أيُّها الأحبَّة، هناك كثير من النَّاس يصلّون ويصومون فقط في شهر رمضان، وأمَّا في غيره، فيكون على طريقة ذلك الشَّاعر:
رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
ولكنَّ العلاقة مع الله ليست موسميَّة، بل إنّها تتَّصل بوجودنا، لأنَّنا الله هو الّذي خلقنا، وإليه نعود {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}[الغاشية: 25 - 26].
قد تبقى علاقتك بأبويك ما داما في قيد الحياة، وتستمرّ علاقتك بأولادك ما دمت معهم، كذلك علاقتك بالنَّاس، أمَّا علاقتك بالله فهي الَّتي تبقى، فعلاقتك به منذ أن كنت ذرَّة تراب، حتَّى صرت رجلاً، وتبقى حتَّى تقف هناك يوم القيامة: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النَّحل: 111].
الآن، إذا أراد أحد منَّا أن يسافر، ألا يفكّر في سفره انطلاقاً من المحطّة الأولى إلى المحطّة الأخيرة الَّتي سيصل إليها؟ ولكن هل يفكّر أحد منَّا في المحطَّة الأخيرة لحياته، وإلى أين سيصل؟ فعندما تريد أن تمشي، فعليك أن تثبّت رجليك في نهاية المطاف على أرض صلبة، فما هي الأرض الصَّلبة الَّتي نثبّت عليها أقدامنا عندما يأتينا الموت؟ فنحن سائرون نحو الموت، كما قال أمير المؤمنين (ع): "مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُه اللَّيْلَ والنَّهَارَ، فَإِنَّه يُسَارُ بِه وإِنْ كَانَ وَاقِفاً".
لذلك، نحن نحتاج إلى أن نعي أنفسنا ونعرفها جيّداً، وأن نحدّد علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى، فهل نحن نأخذ علاقتنا بالله على محمل الجدّ أم لا؟ هل نأخذ قصَّة اليوم الآخر على محمل الجدّ أم لا؟ فإذا لم نحملها على محمل الجدّ، فيكون الأمر {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا}[الجاثية: 24]، أمَّا إذا كنَّا نأخذ ذلك على محمل الجدّ، فعلينا أن نستعدَّ لها، وليس معنى ذلك أن نترك الدّنيا، بل أن نأخذ من الدّنيا بحلالها.
إنَّ علينا أن نفكّر في هذه الجوانب، وخصوصاً في هذا الشَّهر المبارك؛ أن نفكّر كيف نستغفر ربَّنا ونتوب إليه، وكيف نتخلَّص من نقاط ضعفنا ونؤصّل إنسانيَّتنا، وكيف نحصل على وسائل القرب من الله، حتَّى نستطيع أن ننفتح عليه تعالى، لنكون معه يوم القيامة، ولنحصل على رضوانه، والله يحدّثنا أنَّ الجنَّة صغيرة جدّاً أمام رضوانه {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}[التّوبة: 72]. فلنعمل على أن نحصل على محبَّته ورضاه، لأنَّ في ذلك سعادة الدنيا والآخرة.
*خطبة الجماعة لسماحته للرّجال في مسجد الإمام الرضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 26/01/1996م.