أن نلتقي في موقع هنا وفي موقع هناك، من أجل أن نبني مكانًا للعبادة، وناديًا للوعي، ومستوصفًا للصحَّة، وأن ننطلق هنا وهناك، من أجل أن نتحسَّس كلَّ الثَّغرات في مجتمعنا، وكلَّ المشاكل في واقعنا، ليعطي كلُّ إنسان من فكره فكرًا، ومن قلبه عاطفةً، ومن حركته جهدًا، ومما يملك عطاءً متنوّع الأبعاد...
أن ننطلق على هذا الأساس، معناه أنَّ الحياة في خير، لأنَّ الحياة إنّما تنفتح على العطاء، عندما يتحسَّس كلّ إنسان منَّا طاقته، لا على أساس أنَّها تمثّل شيئًا ذاتيًّا يزهو به، ولكن على أساس أنَّها تمثّل مسؤوليَّة يتحمَّلها في الحياة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى عندما أراد أن يعطي للحياة طاقاتها، وللإنسان طاقاته، وزّع هذه الطَّاقات في أكثر من موقع من مواقع الحياة، ووزّعها على النّاس في مواقع الحياة المختلفة..
طاقاتنا أمانة ومسؤوليَّة
لذلك، أنت عندما تملك طاقة علم، فإنَّها ليست شيئًا ذاتيًّا تزهو به كمجدٍ من أمجادك، ولكنَّه علم الأمَّة حملْتَ أمانته، وعليك أن تؤدّي إلى الأمَّة أمانتها. وهكذا عندما تملك مالًا، فإنَّ مالك ليس مالك بالمطلق، وإن كان هذا المال مالك من النَّاحية القانونيَّة، ولكنَّه مالك ومال كلّ النَّاس الَّذين يحتاجونه ضمن خطّ معيَّن وواقع معيَّن..
وهكذا جاهك وقوَّتك، وكلّ شيء تملك فيه حركة طاقة، فإنَّك تحمل للمجتمع طاقته، ومن يبدّد طاقته في الفراغ، ومن يوجّه طاقته في الاتّجاه المضادّ للأمَّة وللمجتمع وللحياة، فهو إنسانٌ يسرقُ الأمَّة طاقاتها، ويسرق الحياة طاقاتها، تمامًا كما لو سرقت طاقة إنسان أو ماله فيما لا يرضى به.
عندما ننطلق، أيُّها الأحبَّة، في هذا الأفق، في الأفق الَّذي نشعر فيه بأنَّ طاقة الأمَّة تتوزَّع في أفرادها، وأنَّ طاقة الحياة تتوزَّع في مواقعها، عندما نفكّر بهذه الطَّريقة، فإنَّ معنى ذلك أنَّ علينا أن نتحسَّس الواقع، كلّ الواقع، في كلّ حاجاته إلينا، وأن نتحسَّس حاجات الأمَّة إلينا في كلّ ما نملك أن نمدَّها به من علم وفكر ومال وجاه وما إلى ذلك.
تجاوز الانتماءات الضيّقة
من أين نعيش هذه الرّوح، أيُّها الأحبَّة؟ إنَّنا نعيشها عندما نشعر أنَّنا عباد الله، فنحن عندما نتحسَّس في أنفسنا هذه الصّفة، نشعر بالأخوَّة الإنسانيَّة الَّتي تستظلّ روحانيَّة الله وروحه في حياتها.
عندما نتوحَّد بالله، نشعر أنَّنا عباده، وأنَّ عبوديَّتنا له تنطلق من سرّ وجودنا
أنت عندما تفكّر أنَّك ابن العائلة الفلانيَّة، وأنَّك ابن البلد الفلانيّ، أو أنَّك من هذه القوميَّة أو تلك القوميَّة، عندما تفكّر بما يميّزك عن الآخر، وتفكّر بما يحبسك في زنزانة تفصلك عن الآخر الَّذي يحبس نفسه هو أيضًا في زنزانة، لأنَّ خصوصيَّتك قد تطغى بك، فتحاول أن تغلّبها على الخصوصيَّة الأخرى، ولأنَّ أنانيَّتك، سواء كانت أنانيَّة فرديَّة أو عائليَّة أو حزبيَّة أو قوميَّة أو طائفيَّة أو مذهبيَّة، تصنع في داخل نفسك شيئًا من العدوانيَّة ضدّ الآخر، عند ذلك تقول، وأنت الأنانيّ في ذلك كلّه: "أنا لا الآخرون"..
وفي هذا، تتحوَّل الحياة إلى خلافات ومنازعات ومعارك وفتن وما إلى ذلك، لأنَّنا نركّز على الفواصل بيننا؛ نركّز على ما يفصلني عنك وما يفصلك عنّي.. وعلى الشَّيء الَّذي يبعدني عنك، والشَّيء الَّذي يبعدك عني.. عندما نفكّر في الفواصل، فسنملأ الحياة حواجز وحواجز تفصل بعضنا عن بعض، حتَّى إذا تعاونَّا، فلا نتعاون من خلال الموقع المشترك، وإنما نتعاون من خلال المصلحة الخاصَّة، فإذا كانت لي مصلحة عندك، فإنّي أمدّ يدي إلى مصلحتي عندك، ولا أمدّ يدي إليك، وأنت عندما تكون لك مصلحة عندي، تمدّ يدك إلى مصلحتك عندي، ولا تمدّ يدك إليَّ، لأنَّك إنَّما تمدّ يدك إليّ، وأمدّ يدي إليك، عندما يكون هناك شيء مشترك بيني وبينك.
التّوحُّدُ بالله
وقد جرَّب النَّاس بعض المشتركات، ولكنَّها تبقى مشتركات طارئة، تتغلَّب عليها النَّوازع الذَّاتيَّة.. قد نفكّر أنَّنا من عائلة واحدة، ولكنَّ العائلة تتخاصم، وقد نفكّر أنَّنا من طائفة واحدة، ولكنَّ الطَّائفة تتنازع، وقد نفكّر أنَّنا من دين واحد، ولكنَّ أهل الدّين الواحد يتقاتلون.. وهكذا أهل الوطن الواحد يتقاتلون، وأهل القوميَّة الواحدة يتقاتلون. لماذا؟ لأنَّ هناك رابطًا مادّيًّا يربط بعضنا ببعض، لا روح فيه ولا نبض، هو شيء يعيشه بعضنا مع بعض حتّى نرتّب أمورنا..
ولكنَّنا، أيُّها الأحبَّة، عندما نتوحَّد بالله، نشعر أنَّنا عباده، وأنَّ عبوديَّتنا له تنطلق من سرّ وجودنا، وأنَّ كلّ هذه الفواصل الَّتي تفصل بيننا هي فواصل طارئة، فالله هو الَّذي وحَّدنا عندما وحَّد الوجود فينا، وعندما وحَّد العناصر الأساسيَّة في إنسانيَّتنا، فإنسانيَّتنا، وإن اختلفت في بعض تجلّياتها، يبقى الإنسان فيها بعقله وقلبه وإرادته، يحتضن الإنسانيّة في الإنسان الآخر.
عندما نتوحَّد على أساس عبوديَّتنا لله، فإنَّ معنى أن نكون عباده، أنَّنا لا نملك بين يديه شيئًا؛ فنحن عبيدٌ مملوكون، لا نقدر على شيء، ولا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًّا، ولا حياةً ولا موتًا. نحن عباده، ونحن عياله من حيث هذه العبوديَّة، لأنَّه هو الَّذي يغذّينا، ويطعمنا، ويسقينا، ويشفينا، ويميتنا، ويحيينا، كما عبَّر نبيُّ الله إبراهيم (ع)، فنحن عياله من حيث إنّنا عباده..
وقد قال لنا الله: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}[النّور: 33]، {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}[الحديد: 7]، فلا يتصوَّر أحد منكم، عندما يملك شيئًا من المال بالوسائل الَّتي مهَّدها الله له وهيَّأه له، أنَّ المال ماله، وأنَّه حرٌّ أن ينفقه كيف شاء، وأن يحركه كيف شاء، بل إنَّ الله يقول لك إنَّ المال مالي، وأنت وكيلي عليه {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، يعني وكلاء فيه، {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}، وقال قوم قارون لقارون: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}[القصص: 77]، أن تتحرَّك على أساس أنَّك في الحياة وكيل الله فيما أعطاك الله من مال، وفيما أعطاك من طاقة، وعليك أن تصرف هذا العطاء الإلهيّ فيما وجَّهك الله فيه، وفيما أرادك الله أن تنطلق نحوه.
ومن عبوديَّتنا لله، أيُّها الأحبَّة، نعرف الصّلة الَّتي تربط بيننا، فأنا عندما أشعر أنّي عبد الله، فإنّ العبد يحبّ أن يرضي سيّده، والله سيّدنا يريدنا أن يحبّ بعضنا بعضًا، وأن يعاون بعضنا بعضًا، وأن يعلّم بعضنا بعضًا، وأن نفتح قلوبنا بالفرح، لينطلق الفرح في حياة النَّاس كلّهم، من خلال فرح الرّوح وفرح الرّسالة في حياتنا. عندما نشعر أنَّنا عباد الله، نشعر بأنَّنا نتَّحد به، ونتَّحد منه، ونتَّحد في وجودنا على هذا الأساس.
وهذا ما ينبغي لنا أن نتحسَّسه، حتَّى نغني قلوبنا وأرواحنا ومشاعرنا بالخير كلّه، لأنَّ من أشرق الله في قلبه، لا يمكن لقلبه أن يتحرَّك الشَّيطان فيه، ومن أشرق الله في روحه، لا يمكن لروحه أن يقترب منها الحقد.
رفض الاستعباد
ومن الطَّبيعيّ أن تنفر القلوب البشريَّة من فكرة الاستعباد، فالعالم كلّه يعيش صراعًا مريرًا بين التّحرّر والقيد؛ لذا نجد الأحرار في ساحات الكفاح يرفعون شعار الحريَّة كقيمة عليا تمثّل وجودهم وإنسانيّتهم، رافضين الخضوع لأيّ استعباد يفرضه بشرٌ على بشر.
نحن بحاجة، أيُّها الأحبَّة، إلى أن نعيش هذه العبوديَّة لله، لنعيش من خلالها المحبَّة له، ولنتحرّر من كلّ عبوديّة لغيره، فلا يمكن لإنسان يعيش معنى العبوديَّة لله أن يقبل أن يُستعبَد من أحد.. إنَّ العالم كلّه يتحرَّك في معركة تحرير واستعباد، فالَّذين ينطلقون في الحياة في كلّ مواقع الجهاد والكفاح، يقولون إنَّنا ننطلق من أجل الحريَّة، فالحريَّة هي وجودنا، هي إنسانيَّتنا، هي حياتنا، هي قضيَّتنا، فلا يمكن أن نخضع لنستعبد أنفسنا لأحد.
ولكن، لماذا نحن عبيد الله ونحبّه؟ لماذا نحن عبيد الله ونشعر بالقوَّة في ألوهيَّته لنا؟ لماذا نحن عبيد الله ونشعر بالعزَّة في عبوديَّتنا لنا؟ لقد قالها عليّ بن أبي طالب (ع): "لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرًّا"، وكان يناجي ربَّه ويقول: "كَفَىٰ بِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْدًا، وَكَفَىٰ بِي فَخْرًا أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا".
فنحن نعتزّ بعبوديَّتنا لله، ولكنَّنا نكره عبوديَّة الإنسان للإنسان، باعتبار أنها شيء خارج ذاتنا، نحن نكره العبوديَّة لأنَّها سيطرة من إنسان مثلنا علينا، يلغي لنا إرادتنا، يلغي لنا حركتنا، يلغي لنا إنسانيَّتنا، ومن الطَّبيعيّ أن لا يحبّ الإنسان إنسانًا يلغيه. ولكنَّ عبوديتنا لله أعطتنا الوجود كلّه، وأعطتنا النّعمة كلّها، وأعطتنا إنسانيَّتنا كلَّها، وأعطتنا القوَّة كلّها، فنحن مع الله أقوياء {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التّوبة: 40]، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران: 173]. ومن عبوديَّتنا لله، نستمدّ إحساسنا بالقوَّة، وإحساسنا بالحريَّة.
إنَّ عبوديتنا لله ليست مفصولة عن وجودنا، فقد وُجِدنا ونحن عباده، فنحن ملكه من موقع أنَّنا خلقه، أمَّا الآخرون، فلا يملكون منَّا شيئًا، ولا نملك منهم شيئًا، ليس لهم دخل في وجودنا، كما ليس لنا دخل في وجودهم. وعلى هذا الأساس، فإنَّك عندما تقف بين يدي ربّك لتقول: لا إله إلّا الله، فإنَّك تتحرَّك في خطَّين؛ الخطّ الّذي يربطك بالله الَّذي خلقك، والخطّ الّذي يحرّرك من كلّ تبعيّة لسواه، أنت عبد لله، ولكنَّك حرّ أمام الكون كلّه وأمام العالم كلّه.
لذلك، نحن نشعر أنَّنا كلَّما ابتهلنا إلى الله أكثر، وخضعنا له أكثر، وانفتحنا عليه أكثر، ازددنا شعورًا بإنسانيَّتنا.
إنَّنا عندما نقرأ بعضًا من تراثنا في الدّعاء، ولا سيّما دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) في مناجاته لربّه: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ وَلَا أَدْعُو غَيْرَهُ، وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْجُوهُ وَلَا أَرْجُو غَيْرَهُ، وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لَأَخْلَفَ رَجَائِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي، وَلَمْ يَكِلْنِي إِلَى النَّاسِ فَيُهِينُونِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَحَبَّبَ إِلَيَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِّي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَحْلُمُ عَنِّي حَتَّى كَأَنِّي لَا ذَنْبَ لِي، فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْءٍ عِنْدِي وَأَحَقُّ بِحَمْدِي".
وهكذا ينطلق الدّعاء ليقول لله: "تَتَحَبَّبُ إلَيْنا بِالنِّعَمِ وَنُعارِضُكَ بِالذُّنُوبِ، خَيْرُكَ إلَيْنا
نازِلٌ، وَشرُّنا إلَيْكَ صاعِدٌ، وَلَمْ يَزَلْ وَلا يَزالُ مَلَكٌ كَريمٌ يَأتيكَ عَنّا بِعَمَل قَبيح، فَلا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ أنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ، وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ، فَسُبْحانَكَ ما أحْلَمَكَ وَأعْظَمَكَ وَأكْرَمَكَ مُبْدِئًا وَمُعيدًا!".
من أشرق الله في قلبه، لا يمكن لقلبه أن يتحرَّك الشَّيطان فيه، ومن أشرق الله في روحه، لا يمكن لروحه أن يقترب منها الحقد.
نعمة التَّنوّع الإنسانيّ
هذه هي الرّوح الَّتي تجعلنا نرتبط بالله، فنهرع إليه ونسجد بين يديه، ونلقي أنفسنا عليه، من أجل أن نكبر به، ومن أجل أن نقوى به، ومن أجل أن نغني إنسانيَّتنا به. ومن هنا قال لنا الله، وهو يشير إلى الحقيقة الإنسانيَّة: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}[الحجرات: 13]، ليس هناك شعب أكرم من شعب على الله، وليس هناك شعب أفضل من شعب عند الله، وليست هناك قبيلة مميَّزة بقبائليَّتها عند الله، وليست هناك قبيلة منحطَّة بقبليَّتها عند الله، {إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ}[الحجرات: 13]، لكلّ واحد منكم خصوصيَّته وأوضاعه، وأمَّا هذا التنوّع، فإنّما يتحرَّك نحو الوحدة لتتعارفوا، ليبدي كلّ إنسان منكم للآخر ما عنده، ويأخذ مما عنده، وبذلك تنطلق قضيَّة الخصوصيَّات الإنسانيَّة في عمليَّة تفاعل، بحيث تغني كلّ خصوصيّةٍ خصوصيّةً أخرى، وتغني كلّ تجربة تجربةً أخرى.
ساحة العمل والمسؤوليَّة
ولكنَّ الحياة ساحة العمل وساحة المسؤوليَّة {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}[الانشقاق: 6]، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]، قيمة الحياة العمل، فليست هناك أيُّ قيمة أخرى يمكن أن تقترب منها في معنى القيمة، ويمكن أن تعلو عليها. أيُّها الإنسان، إنَّك تساوي عملك، فقيمتك عملك، وعلمك من عملك، وعطاؤك من عملك، وإنسانيَّتك في حركتها في الحياة من عملك، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات: 13]، والأتقى هو الأكثر انفتاحًا على الله، والأكثر محبَّةً لله، والأكثر محبَّة للنَّاس من خلال محبَّته لله.
الكلمة السَّواء
لذلك تعالوا، أيُّها الأحبَّة، نتوحَّد بالله، وقد قالها الله لأهل الكتاب، فيما أراد لرسوله أن يقوله لهم، ويقولها للنَّاس كافَّة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ - ومنكم النَّصرانيّ هنا، واليهوديّ هناك – وربّما المجوسيّ - هذا يأخذ بالتَّوراة، وذاك يأخذ بالإنجيل، وهذا يضع حدًّا بينه وبين الآخر، وذاك يضع فاصلًا بينه وبين الآخر - تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ - تعالوا إلى الأرض المشتركة، والكلمة المشتركة، والعنوان المشترك، والحركة المشتركة في الحياة، قد تختلفون في بعض الفواصل هنا والفواصل هناك، ولكنَّكم تقولون إنَّنا نعبد إلهًا واحدًا، قد تثلّثون الأقانيم في معنى الوحدة، وقد تقولون إنّ لله ابنًا بالمعنى المادّيّ أو المعنويّ، قد تتحدَّثون عن نظريَّة في التَّوحيد هنا ونظريَّة هناك... ولكن أيُّها الناس الّذين تختلفون في التَّفاصيل، لماذا تتوقَّفون عند التَّفاصيل، انطلقوا إلى الكلمة المشتركة، وإذا انطلقتم من موقف مشترك، فإنَّكم تستطيعون أن تبحثوا التفاصيل من الموقع المشترك، وعند ذلك، تستطيعون أن تحلّوا مشكلة التَّفاصيل.
- أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}[آل عمران: 64]، أن لا يكون الإنسان ربًّا للإنسان، أن لا يعلو إنسانٌ على إنسان، أن تكون حركة الإنسان مع الإنسان الآخر حركةَ تكامل لا حركة غلبة. هناك فرقٌ بين أن تفكّر أن تتغلَّب على إنسان معيَّن، أو أن تنافسه وتتنافس معه في أيّكما يسبق الآخر إلى اكتشاف الحقيقة، أو إلى تأصيلها أو تقويتها..
إنَّ الحياة ينبغي أن تكون حركة تنافس بين النَّاس وبين الطَّاقات، لا حركة علوّ واستعلاء، {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا}[القصص: 83]، وليس معنى ذلك أنّهم لا يريدون علوًّا فيما هو الطّموح، أو أنّهم لا يريدون علوًّا فيما هي الهمَّة العالية، بل معناه أنّهم لا يريدون علوًّا فيما هو التَّكبّر، وفيما هو الاستعلاء، وفيما هو التَّجبّر، لا يريدون علوًّا في الأرض، بل يعيشون مع النَّاس {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}[الفرقان: 63]، لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، طاقاتهم من أجل الصَّلاح لا من أجل الفساد، {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[القصص: 83]، لمن اتَّقى الله فلم يعش الكبرياء، ولمن اتَّقى الله فلم يتحرَّك في خطّ الفساد.
إدارة الخلاف
إنَّ المسألة، أيُّها الأحبَّة، تكمن في قدرتنا على الانطلاق من "الكلمة المشتركة"، رغم إدراكنا أنَّ في هذا الكلام فواصل وعوائق.. ولكن لنفكّر في حقيقة أنَّ النَّاس يختلفون بطبعهم، بل إنَّك قد تختلف مع نفسك أحيانًا! ففي بعض الحالات، تشعر بأنَّ هناك حربًا ضروسًا بينك وبين نفسك؛ نفسك تريد شيئًا وأنت ترفض، عقلك يريد شيئًا وقلبك يرفض، أو قلبك يريد شيئًا وعقلك يرفض، وعقلك وقلبك منك. هذه الحرب بين العقل والقلب، وبين العقل والعاطفة، هي حرب حقيقيَّة، قد يسقط الإنسان أمامها، وقد يصل ببعضهم الأمر إلى الانهيار التّامّ أو الانتحار تحت وطأة هذا التَّمزّق الدَّاخليّ.
وهكذا نحن نختلف؛ نختلف مصالح مادّيَّة، ونختلف أفكارًا سياسيَّة، ونختلف أطرًا حزبيَّة، ونختلف مواقع طائفيَّة ومذهبيَّة، نختلف حتَّى أصبح الاختلاف هو سرّ حياتنا، بحيث ضاعت معه كلّ عناوين الوفاق.
نحن نختلف، وهذا واقع، ولكن عندما نختلف من خلال روحيَّة الخلاف في عقلنا، فسوف نؤكّد الخلاف بالحوار، لننطلق من نقطة اتّفاقٍ نثبّت عليها أقدامنا، ونجعلها أرضًا مشتركة ننطلق منها، عند ذلك، إذا فتحنا قلوبنا للوفاق فيما اتَّفقنا عليه، فإنَّ ذلك سوف يعطينا روحًا في أن نتَّفق فيما اختلفنا عليه.. فإذا كان الخلاف ينبع من موقع الوفاق، فإنَّه يمنحنا الإيحاء بأنَّنا كما اتَّفقنا في البداية، قادرون على أن نتّفق في بقيّة الأمور، ولو أنَّنا وقفنا معًا على الأرض المشتركة، لاستطعنا أن نغني حياتنا أكثر.
إنّنا عندما نعيش روحيَّة الإنسان كلّه، فإنَّ إنسانيَّتنا ستتمرَّد على اللَّون الأبيض واللَّون الأسود، وعلى الموقع الجغرافيّ هنا والموقع الجغرافيّ هناك، وسنركّز على قضايا الإنسان في الحياة، كما في قضيَّة الجوع، وقضيَّة الظّلم، وقضيَّة الاستكبار، وقضيَّة العطش، وقضيَّة المرض، فهذه قضايا إنسانيَّة تمثّل ضرورة، ويحتاج النَّاس إلى أن يتكاملوا من أجل إيجاد الحلّ لها.
إنّنا عندما نعيش روحيَّة الإنسان كلّه، فإنَّ إنسانيَّتنا ستتمرَّد على اللَّون الأبيض واللَّون الأسود، وعلى الموقع الجغرافيّ هنا والموقع الجغرافيّ هناك، وسنركّز على قضايا الإنسان في الحياة
قيم الرّحمة والمحبّة
وفي مسألة الخلافات في الجوّ العالميّ، هناك أديان في العالم؛ هناك المسيحيَّة كدين عالميّ، وهناك الإسلام كدين عالميّ، هذا يختزن أكثر من مليار في داخله، وذاك يختزن أكثر من مليار في داخله. هناك مسيحيَّة وإسلام؛ هذا يبشّر بالمسيحيَّة ليجتذب النَّاس إليها، وذاك يبشّر بالإسلام ليجتذب النَّاس إليه.. وتنطلق التَّعقيدات والمشاكل في مبشّر هنا أخذ مسلمًا إلى صفّ المسيحيّة، وفي مبلّغ هناك أخذ مسيحيًا إلى صفّ الإسلام، وتنطلق القضيَّة في جدل طويل.
وهكذا عندما يعيش المسلمون في داخلهم، سنَّة وشيعة، ربما يأتي إنسان ويجعل سنيًّا شيعيًّا، أو يأتي إنسان ويجعل شيعيًّا سنيًّا، أو ما شهدناه قبل مدَّة، في أنَّ هناك مشكلة بين الكنيستين الشّرقيَّة والغربيَّة، حيث يحاول كلّ طرف أن يعزّز حضوره في ساحة الآخر، أو يمنع تمدّده في ساحته... كلام يطوف هنا وهناك..
ولكنّنا نقول للمسيحيّ: لماذا تريد أن تبشّر بالمسيحيَّة؟ أليس من أجل أن تجعل الإنسان منفتحًا على الله، ومنفتحًا على المحبَّة من خلال الله، لأنَّ الله محبَّة؟ أليست المسألة أن تنقذ الإنسان من الشّرّير، عندما تقول: "اللَّهمَّ أعطنا خبزنا كفاف يومنا ونجّنا من الشّرّير؟"، أليست القضيَّة كذلك؟
وأيُّها المسلم، أليس هدفك أن ينطلق النَّاس ليشهدوا أن لا إله إلّا الله، فينفتحوا على الله، ويجتنبوا الشَّيطان، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}[يس: 60 - 61]؟ وماذا يأمر الله؟ إنَّه يأمرنا بالمحبّة والتّراحم فيما بيننا: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}[البلد: 17].
وإذا التقت محبَّة هنا، ورحمة هناك، في القلب المنفتح على آلام الإنسان كلّها، عندها، يصبح الإنسان قادرًا على أن يرحم عدوّه كما يرحم صديقه، وأن يحبَّ عدوّه كما يحبُّ صديقه، لأنَّ القيم الإلهيّة ترتفع به فوق نوازع الحقد والانتقام، فيتحرَّك في خطّ العفو الّذي هو أقرب للتَّقوى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[البقرة: 237]، "مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ الأَيْسَرَ".
الانطلاق من المشتركات
وهكذا عندما ننفذ إلى قيم المسيحيَّة فيما هي حركة الإنسان بين يدي الله، وإلى قيم الإسلام فيما هي حركة الإنسان بين يديه تعالى، فسنجد أنَّ ثمانين في المائة من القيم الروحيَّة في الإسلام والمسيحيَّة، تلتقي في قيم الرّسالات الَّتي جاء بها النبيّون، من إبراهيم وموسى وعيسى ومحمَّد {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}[البقرة: 285].
فإذا كانت المسألة على هذا الأساس، فلماذا لا ننطلق من هذا المشترَك؟ لماذا لا نبدأ بالله أوّلًا، فنفكّر في القيم الّتي أرادها الله للإنسان في علاقته بأخيه الإنسان، من محبّةٍ وعدلٍ ورحمة، ثمَّ بعد ذلك ننتقل إلى بحث القضايا اللَّاهوتيّة الّتي نختلف فيها: أهي وحدانيَّة بسيطة، أم مركّبة من أقانيم؟ هل تجسّد الله في السيّد المسيح؟ وهل أرسل الله محمّدًا رسولًا؟ إلى غير ذلك من المسائل الّتي يمكن أن تُناقَش لاحقًا، على أرضيّةٍ مشتركة.
إذا كانت المسألة على هذا الأساس، فلماذا لا نبدأ من البداية؟ لنفكّر في الله أوَّلًا، ولنفكّر في القيم الَّتي يريد الله للإنسان أن يعيشها في الحياة مع أخيه الإنسان، ثمَّ بعد ذلك نتناقش في اللَّاهوت؛ هل الوحدانيَّة وحدانيَّة بسيطة، أو أنَّها مركبة من أقانيم؟ هل تجسَّد الله في السيّد المسيح؟ وهل أرسل الله محمَّدًا رسولًا؟ أو ما إلى ذلك من أمور؟
أنا لا أريد أن أبسّط الخلافات، ولكن أريد أن أقول أيُّها النَّاس {تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران: 64]، فإذا شعرنا أنَّ هناك ثمانين في المائة من حركة حياتنا هي موضع لقائنا، فذلك سيعطينا القوَّة لأن نتفاهم في العشرين في المائة الأخرى، ورغم أنَّ لهذه العشرين في المائة دور أساسيّ في قضيَّة العقيدة، لكنَّنا بتركيزنا عليها وحدها نتعب أنفسنا.
مساحات اللّقاء
وهكذا، عندما ندخل إلى داخل كلّ دين، ونرصد حركة الاختلاف بين النَّاس، فنلاحظ في السَّاحة الإسلاميَّة ضجيجًا بين السنّة والشّيعة؛ هذا يتعقَّد من ذاك، وذاك يتعقَّد من هذا، هذا يحذر من ذاك، وذاك يحذر من هذا، وربَّما بلغ الأمر حدّ أن يكفّر بعضهم بعضًا. لماذا؟ إذا كان الله قال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، أفلا نقول: قل يا أهل القرآن، تعالوا إلى كلمة سواء فيما بيننا؟! فإذا كنّا اختلفنا في الخلافة والإمامة، فإنَّنا نتَّفق في التَّوحيد والرّسالة والإيمان باليوم الآخر، وإذا كنّا نختلف في بعض الشَّكليَّات في الصَّلاة، فإنَّنا نتَّفق في الصَّلاة نفسها، وفي الصَّوم نفسه، وفي الحجّ نفسه، وفي الزكاة نفسها، وفي كلّ الأخلاقيَّات.
لماذا تركّزون على الحواجز ولا تركّزون على السَّاحة الواسعة؟ هل أقول لكم لماذا، أيُّها الإخوة، لأنَّنا كسبنا من التخلّف ما أثقل عقولنا بالتخلّف، ولأنَّنا أخذنا من الجهل ما أثقل شخصيَّتنا بالجهل، فنحن متخرّجون من أعلى الجامعات في فكرنا، ولكنَّنا بدو في ذهنيَّتنا وإحساسنا، بدو لا يحملون قيم البداوة، لأنَّ البداوة ليست جهلًا، ولكنَّها قيمةٌ قد تتحرَّك في خطّ الجهل في بعض الحالات.
لذلك، إذا أردتم أن تتخلَّصوا من هذا الواقع، فلا تفزعوا إلى الاجتماعات الّتي تُرفَع فيها شعارات الوحدة الإسلاميَّة، لأنَّ الَّذين يتحدَّثون، قد يجتمعون ويخطبون بالوحدة، ولكنَّهم - ولا أحبّ أن أقول هذه الكلمة، ولكنَّها كلمة معبّرة، وهي كلام الله - {إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}[البقرة: 14].
إنّ الدَّرس هو الدَّرس؛ فعندما تريد أن تصل إلى نتيجةٍ صحيحة، عليك أن تعطي الفكرة كلّ عقلك، وأن تُبعد عاطفتك عن ساحة البحث، لأنَّه لا مكان للعاطفة في ميدان العلم.
لماذا لا ندرس تاريخنا بعقليّةٍ علميّةٍ موضوعيّة لا بذهنيةٍ تعصّبيّةٍ متخلّفة؟
الموضوعيَّة في نقد التَّاريخ
ولذلك، لماذا نتعقَّد؟ نعم، هناك خلافٌ في التّاريخ، وقد ينعكس هذا الخلاف على بعض وجوه الاختلاف في الاستدلال والاحتجاج؛ فهذا يحتجّ بقولٍ، وذاك يحتجّ بقولٍ آخر. ولكن، لماذا لا ندرس تاريخنا كما ندرس التّاريخ الآخر؟ لماذا نتعامل مع التّاريخ الرومانيّ واليونانيّ بعقليّةٍ علميّةٍ موضوعيّة، بينما ندرس التّاريخ الإسلاميّ بذهنيةٍ تعصّبيّةٍ متخلّفة؟ الدّرس درس، فعندما تريد أن تصل إلى النَّتيجة من أيّ دراسة، فعليك أن تعطي الفكرة كلّ عقلك، وأن تُبعد عاطفتك عن ساحة البحث، لأنّه لا مكان للعاطفة في ميدان العلم.
إنَّ الله قال لنا: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النّساء: 59]، ولذلك نستطيع إذا تخلَّصنا من العقد، وتخلَّصنا من كلّ هذا التحجّر التَّاريخيّ الَّذي فرض نفسه على عقولنا، وفرض نفسه على قلوبنا، إذا استطعنا أن نتخلَّص من هذا التّحجّر التَّاريخيّ، فنستطيع عند ذلك أن نجد قلوبًا تنبض بالمحبَّة، ولكنَّ القلوب الصَّخريَّة لا يمكن أن تطلق نقطة ماء، فكيف يمكن أن تطلق نبضة محبَّة وخفقة رحمة وخير؟!
لذلك، لنعالج أنفسنا من هذا المرض الصَّخريّ في أفكارنا وأحاسيسنا وعواطفنا، لأنَّ القضيَّة، أيُّها الأحبَّة، ليست قضيَّة تتَّصل بالتَّفاصيل في حياتنا، بل هي قضيّة تتَّصل بالمصير.
مدخلُ الحوار
وما نقوله للمسلمين، نقوله للمسيحيّين أيضًا في هذا المجال، فنحن يهمّنا أن يتَّحد المسيحيّون عند قضيَّة أساسية، وأن يتَّحد المسلمون عند قضيَّة أساسيَّة، حتّى يكون الحوار الإسلاميّ المسيحيّ حوار إسلام واحد في مواجهة مسيحيَّة واحدة، حتّى يمكن التَّفاعل فيما بينهما، أمَّا أن تأتي بألف إسلام ليتحدَّث مع ألف مسيحيَّة، فإنَّك لن تستطيع أن تحصي المذاهب والاتّجاهات، ولا أن تؤسّس لحوارٍ واضح أو لقاءٍ منتج.
هذه مسألة لا بدَّ أن نعيشها، لأنَّنا نخشى، أيُّها الأحبَّة، أن تكون المسيحيَّة قفزت وأخذت إجازة خارج عقولنا، وأنَّ يكون الإسلام قفز وأخذ إجازة خارج عقولنا، نحن نأخذ من الإسلام بقاياه ولا نأخذ روحه، ونحن نأخذ من المسيحيَّة بقاياها ولا نأخذ روحها، ولذلك أصبحنا مسلمين عشائريّين ومسيحيّين عشائريّين. ليس هناك دين الإسلام ودين المسيحيَّة لدى الكثيرين منّا؛ هناك عشيرة الإسلام وعشيرة المسيحيَّة، وهناك عشيرة السنَّة وعشيرة الشّيعة وعشيرة الدّروز، وعشيرة الكاثوليك وعشيرة الأرثوذكس، إلى آخر القائمة في هذا المجال.
نحن نتحرَّك بلغة عشائريَّة، حتَّى إنَّ هذه اللّغة الَّتي عشناها في إحساسنا الدّينيّ، زحفت إلى إحساسنا السياسيّ وإلى إحساسنا الاجتماعيّ، وأصبحنا نقسّم المجتمع على أساسها. ولكن عندما انطلقت الفتنة في داخل لبنان، هل وفَّرت مسيحيًّا أو مسلمًا؟ إنَّ الَّذين صنعوا الفتنة من الخارج، ودرسوا نقاط ضعفنا في الدَّاخل، وعرفوا أنَّنا نثار بالكلمة، ونثار بحركة، ونثار بنظرة، ونثار بلمسة، عندما عرفوا فينا هذا الجوَّ الانفعاليّ، استطاعوا أن يخطّطوا لانفعالاتنا، وانطلقنا تمامًا كما لو أنَّ إنسانًا يصيح ويهتف: يا غيرة العشيرة! ويجمع العشيرة كلّها عند هذا النّداء، فأصبحنا نتحدَّث: يا غيرة الإسلام، إنَّ مسيحيًّا سبَّ مقدَّساتنا، ويا غيرة المسيحيَّة، إنَّ مسلمًا سبَّ مقدَّساتنا، ويا غيرة السنَّة، إنَّ شيعيًّا سبَّ مقدَّساتنا، أو يا غيرة الشّيعة، إنَّ سنيًّا سبَّ مقدَّساتنا، وهكذا صرنا كما قال ذلك الشَّاعر:
|
حَكَمَ النَّاسُ على النَّاسِ بما
|
سمعوا عنهم وغضّوا الأَعْيُنا
|
|
فاستحالَتْ وأنا مِنْ بَيْنِهم
|
أُذُني عَيْنًا وَعَيْني أُذُنا
|
أصبحنا نرى بآذاننا، ونسمع بأعيننا، وأنتم تعرفون النَّتائج في هذه القضايا...
* من كلمة لسماحته في حفل افتتاح مركز في بلدة جلالا البقاعيَّة، بتاريخ: 18-07-1993.