في رحابِ خطبةِ الرَّسولِ (ص): شهرُ رمضانَ محطّةٌ في ضيافةِ الله

في رحابِ خطبةِ الرَّسولِ (ص): شهرُ رمضانَ محطّةٌ في ضيافةِ الله

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}[البقرة: 185].

ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183].

نستقبلُ يوم الأحد القادم أوّل أيّام شهر رمضان المبارك، وذلك استنادًا إلى المعطيات الفلكيَّة الدّقيقة الَّتي تؤكّد استحالة رؤية الهلال في هذه اللَّيلة، ليلة السّبت، لأنّه يولد بعد منتصف اللَّيل. ولذلك، فإنَّ أوّل هذا الشَّهر الكريم، بعون الله تعالى، هو يومَ الأحد القادم، إن شاء الله.

ولا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نعيش هذا الشَّهر من خلال ما تحدَّث به رسول الله (ص) في آخر جمعة من شعبان، حسب بعض الرّوايات، وكما تحدَّث به عنه الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) في دعائه. ولذلك، نحن نحتاج إلى أن نستمع إلى هذا وهذا، حتَّى يكون دخولنا في شهر رمضان دخولاً واعياً، تنفتح فيه عقولنا على الله، حتَّى لا يبقى فيها شيء من الباطل، وتنفتح فيه قلوبنا على الله، حتَّى لا يبقى فيها شيء من الشَّرّ والحقد والبغضاء، وتنفتح فيه حياتنا على الحقّ والخير، حتَّى لا نتحرَّك إلَّا بالخير وللخير، وإلَّا بالحقّ وللحقّ.

أفضل الشّهور

في خطبة رسول الله (ص) الَّتي استقبل بها شهر رمضان، قال على ما روي عنه:

"أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ – فقد جاء محمَّلاً بالبركات الَّتي تنمّي أعماركم وأجسادكم وأموالكم وكلَّ طاقاتكم، وبالرَّحمة الَّتي يفيضها الله عليكم، فيعطيكم من رحمته بحجم جوده وكرمه، وهو الجواد الكريم الَّذي لا حدَّ لعطائه، وبالمغفرة الَّتي ينظر الله فيها إلى عباده وهم يدعونه ويبتهلون إليه، ويصومون شهره، ويتلون كتابه، فيقول لهم: لقد غفرت لكم، فاستأنفوا العمل من جديد. وهكذا، فشهر رمضان أيضاً هو أبرك الشّهور، فقد جعله الله أكثر الشّهور بركة.

- شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ - فلكلّ يوم فيه خصوصيَّة وسرّ ومعنى يختلف عن أيام الشّهور الأخرى.

 - وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي - فهي اللَّيالي الَّتي تفيض فيها الرَّوحانيَّة على النَّاس، فيعيشون فيها مع الله، ويشعرون بالسَّعادة بين يديه تعالى، ويأخذون منها روحانيَّةً لأرواحهم، وبركةً لحياتهم، وحناناً ربَّانيّاً إلهيّاً يشعر فيه الإنسان بالسَّكينة والطّمأنينة.

- وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ - أي أنَّ على الإنسان في هذا الشَّهر أن يجلس مع كلّ ساعة، فعندما تنظر إلى السَّاعة وهي تتحرَّك، فعليك أن تشعر أنَّ هذه السَّاعة هي ساعة خير وبركة، فاملأها بالخير والحقّ، وبكلّ ما يرضي الله، وكلّ ما يفتح لك أبواب الجنَّة، وقد قال رسول الله (ص): "تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنة"، عندما تجلس في هذه السَّاعة لتفكّر في ماضيك وحاضرك ومستقبلك، ماذا قدَّمت لغد، وما أسلفت في الأمس، وكيف تعيش في الحاضر، فإنَّ هذا التَّفكير الَّذي يفتح عقلك وقلبك وحياتك على الله هو أفضل من عبادة سنة.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ رسول الله (ص) يريدنا أن نعيش الإحساس بالزَّمن، أن نشعر أنَّ كلَّ قطعة من الزَّمن؛ دقيقةً كانت أو ساعةً أو يوماً أو شهراً أو سنةً، هي جزء من عمرنا يزول، ليدفعنا ذلك إلى أن نقبض على هذه القطعة من عمرنا، لنجعلها وسيلةً إلى يوم حشرنا، عندما يقوم النَّاس لربّ العالمين.

في ضيافة الله

- هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ - وضيافة الله ليست أكلاً ولا شرباً، ولكنَّها رحمة ومغفرة وعطف وحنان وعاطفة - وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ.

- أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ - هذا النَّفَس الَّذي يعلو ويهبط، فعندما تكون مؤمناً بعقلك وقلبك وحياتك، فإنَّ أنفاسك تكون أنفاس الإيمان والحقّ والعدل، إنَّ أنفاسك تمثّل سرَّ حياتك في امتدادها، فإذا كنت مؤمناً، وكان جسدك مطيعاً لله، فإنَّ أنفاسك سوف تكون تسبيحة لله سبحانه، لأنَّها تنطلق من معنى التَّسبيح في داخل ذاتك.

- وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ - لأنَّك تنام وقد أجهدت من صلاتك ودعائك وتلاوتك، فالنَّوم يمثّل امتداداً لهذه الرّوح الَّتي عشتها في عبادتك، وتريد أن تستقبل من خلال راحة الجسد عبادة أخرى - وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ.

الدّعاء المستجاب

- وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ - فإذا كان الله أعطاكم كلَّ هذا الجوّ الرَّائع العظيم، المليء بالبركة والرَّحمة والمغفرة والعطاء، فما هو تكليفكم؟

- فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ - اجعلوا نيّاتكم في كلّ ما تنطلقون فيه نيّات صدق، بحيث إذا اطَّلع الله عليك وأنت تدعوه، واطّلع عليك وأنت تنفتح على النَّاس وعلى الحياة، يراك صادقاً في مشاعرك وأحاسيسك ودوافعك ونيَّاتك.

- وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ - ليس فيها شيء من قذارة الكفر والشّرك والحقد والعداوة والبغضاء والشّرّ والظّلم للنَّاس..

اسألوا الله - أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ - ففي صيامه غفران الله سبحانه - وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ - ففي تلاوة كتابه القرب منه تعالى والانفتاح عليه.

- فَإِنَّ الشَّقِيَّ - الَّذي يبلغ القمَّة في الشَّقاوة في مقابل السَّعادة - مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ - الشَّقيّ هو الَّذي يقضي شهر رمضان باللَّهو وبمعصية الله، هؤلاء الَّذين ينطلقون في شهر رمضان ليكون شهرهم رقصاً ولعباً وغناءً ولهواً، يحدّثونك عن خيام الهناء، وهي خيام البؤس والشَّقاء، لأنّها تمنع الإنسان من أن ينفتح على ربّه، وتربطه بأحطّ غرائزه. إنَّ مشكلة الكثير من البلدان الإسلاميَّة، أنَّها تستقدم كلّ فرق الرَّقص والغناء، وتفتح الكثير من زجاجات الخمور في شهر رمضان، حتَّى إنَّك تذهب إلى بعض البلدان الإسلاميَّة، لترى الشَّوارع مملوءة بفرق الرَّقص والغناء، لأنَّهم يخافون على النَّاس أن ينفتحوا على الله، ولذا يستقدمون للنَّاس أكثر من نموذج للشَّيطان هنا وهناك.

قيمةُ الجوعِ والعطش

- وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ، جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ – فالصَّائم ينتظر وقت الإفطار، وقد وجد من جهَّز له في البيت ما لذَّ وطاب من الطَّعام، حتّى إنَّ النَّاس في شهر رمضان يصابون بالتّخمة، لأنّهم يأكلون كثيراً خوفاً من الجوع، فيجمعون كلَّ ما يصيبهم بعسر الهضم وما إلى ذلك من الأشياء، ليبخّروا كلّ نتائج الصّوم بذلك. لكن عندما تجوع، وجوعك هنا محدود، فاذكر جوع يوم القيامة، حيث لا مطاعم، ولا مطابخ، ولا من يطبخ لك ويعدّ لك الطّعام، وحيث كلّ امرئ مشغول بنفسه، فلا أحد يغني عن أحد؛ لا أب ولا زوج ولا زوجة ولا ولد ولا أيّ أحد آخر {یَوۡمَ یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ * وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِیهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}[عبس: 34- 37]، في ذلك الوقت، إذا جعت، لن يقدّم إليك أحد شيئاً، وكلَّما طال وقوفك، امتدَّ جوعك وعطشك. لهذا، اختصر المسألة، فلا تجعل أعمالك تسبّب لك وقوفاً طويلاً يوم القيامة، بل اجعل أعمالك كلّها صافية ونقيَّة، عندما يقال لك: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، لأنَّ الإنسان كلّما كان خفيفاً، جاز بشكل أسرع.

أيُّها الأحبَّة، نحن ننسى يوم القيامة، لأنَّ ما عندنا من أشغالنا ولهونا وعبثنا ومطامعنا، يجعلنا نخلد إلى الأرض والدّنيا وننسى ذلك اليوم، مع أنَّ يومنا الأكبر هو يوم مواجهة المصير {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[الحجّ: 1 -2].

وصايا أخلاقيَّة

- وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ - فالصَّدقة تدفع البلاء، وتجلب المغفرة، وتعطيك الكثير من الخير.

- وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ - لا يكن هناك صراع بين الجيل الجديد والجيل القديم، فلا يضطهد الجيلُ القديمُ الجيلَ الجديد، ولا يحتقرُ الجيلُ الجديدُ الجيلَ القديم.. "وَقّرُوا كِبَارَكُمْ" لأنَّهم أسلموا لله قبلكم، ولأنَّهم صلّوا لله قبلكم، ولأنَّهم عاشوا تجارب الحياة قبل أن تعيشوا أنتم تجاربها. "وارْحَمُوا صِغَارَكَمْ"، ارحموا ذهنيَّتهم وأحلامهم وآمالهم، لا تفرضوا أنفسكم عليهم، "لا تُؤَدِّبوا أوْلادَكُمْ بِأخْلاقِكُمْ، لأنَّهُمْ خُلِقوا لِزَمانٍ غَيْرِ زَمانِكُمْ‏"، وطبعاً المقصود هنا الأخلاق المتحركة وليس الأخلاق الثّابتة.

- وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ - حتَّى لو كانوا قاطعين لكم - وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لا يَحِلُّ الاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ - لأنَّ هناك أشياء أراد الله أن نغضَّ أبصارنا وأسماعنا عنها.

- وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ، يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ - الَّذين فقدوا آباءهم، وربَّما فقدوا أمَّهاتهم، لأنَّه قد يأتي وقت تتركون أيتاماً من بعدكم، فإذا انطلقتم بالتَّحنّن على أيتام النَّاس، فسوف يجعل الله في قلوبِ الخلق حناناً لأيتامكم، ويرزقهم من عطفه وعطف عباده.

التَّوبة والدّعاء

- وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ - وأنتم مثقلون بالذّنوب الكبيرة والصَّغيرة، بذنوب اللّسان والعين والبصر، وذنوب اليد والرّجل، وذنوب الفم، وكلّ الذّنوب الَّتي تتَّصل بالجسد أو بالعقل.

فعندما تقفون في شهر رمضان، وهو شهر المغفرة، اجلسوا مع ربّكم، وتذكَّروا كلّ ذنوبكم، وافتحوا قلوبكم لله، وتوبوا توبةً نصوحة. ليس من الضَّروريّ أن تذهب إلى شيخ أو سيّد تعترف له بذنوبك، فلربَّما كان بحاجة إلى المغفرة أكثر منك، بل افتح قلبك لله، فلا واسطة بينك وبينه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186]، {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[الشّورى: 25]. إذا كنت صادقاً في التَّوبة، فإنَّ التَّوبة عندما تنطلق من قلبك ولسانك، يتقبَّلها الله، ويقول لك: قد قبلت توبتك، لقد أصبحت صفحتك بيضاء، فلا تملأها بالسَّواد من جديد.  

- وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلاتِكُمْ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ – ففي أوقات الدّعاء والتّسبيح، يطلّ الله عليكم بحنانه وعطفه ورحمته - يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ؛ يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ".

الأخلاقُ الاجتماعيَّةُ والإيمانيَّة

ثمَّ يبدأ (ص) بالجانب الاجتماعيّ الآخر، وبعض النَّاس عندما يصوم تسوء أخلاقه بدل أن يحسّنها، بحيث إذا دخل إلى البيت، يسبّ زوجته وأولاده، ويتصرَّف بطريقة لا أخلاقيَّة تحت عنوان أنّه صائم.

يقول (ص): "أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ - والصّراط أدقّ من الشّعرة وأحدّ من السَّيف، فإذا كانت أخلاقك طيّبة مع عائلتك وزوجتك وجيرانك ومع الموظَّفين ومع زملائك ومع كلّ النَّاس، إذا كنت حسن الخلق، فعندما تصل إلى يوم القيامة، تأخذ الجواز بالمرور على الصّراط بشكل ميسّر، كلّ ما نحتاج إليه هو أن نضغط على أعصابنا، ونوسّع صدورنا، ونركّز إنسانيّتنا.

- وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ – فإذا خفَّفت فيه عن موظَّفيك، عن عمَّالك، عن زوجتك، عن أولادك في البيت، عن كلّ من كان تحت يمينك، ممن تملك أمره وعمله وما إلى ذلك - خَفَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً، أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ.

- وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ - بعض النَّاس يقول إنَّ الأرحام عقارب، وفلان من أرحامي تكلّم عليّ أو أساء إليّ وما أشبه ذلك، ولا أريد أن أتواصل معه، ولكنَّك يوم القيامة ستحتاج إلى رحمة الله. فلنفترض أنَّ أحداً قال لك إذا تواصلت مع قريبك الَّذي لا تريد أن تتواصل معه، وأحسنت إليه، سيكون لك في كلّ شهر ألف دولار، ألا تتكلَّم معه؟ هل تبقى مقاطعاً له؟ فكيف برحمة الله الَّتي يعطيك بها الجنَّة وسعادة الدّنيا والآخرة؟! {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}[الأعراف: 156].

- وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلاةٍ - صلَّى الصَّلاة المستحبَّة - كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيَّ، ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ - بأعمالكم السيّئة - وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ".

اغتنامُ الموسم

هذا شهر رمضان في أجوائه الرّوحيَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة والعباديَّة، فاغتنموه، فلعلَّنا لا نبلغ شهر رمضان الآخر، لأنَّ الإنسان لا يدري متى يأتيه الأجل.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ شهر رمضان هو الموسم، ومن خسر في الموسم، فهل يربح في موقع آخر! لذلك، لا تستعدّوا لشهر رمضان بما تختزنونه من طعام وما إلى ذلك، بل افرشوا للشَّهر الكريم مائدة الرّوح في قلوبكم، ومائدة الخير في حياتكم، فلعلَّ الله ينظر إلينا وقد انفتحنا عليه، ليعطينا خير الدّنيا والآخرة.

الخطبة الثَّانية

عباد الله {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...}[آل عمران: 102 - 103]، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصفّ: 4].

اتَّقوا الله في كلّ ما تتحرَّك فيه الأحداث من حولكم، وما تضغط فيه الضّغوط في ساحاتكم، وما تنفتح به عليكم من أبواب المشاكل والأزمات والتَّعقيدات، لتكونوا الأمَّة الَّتي تقف في مواجهة كلّ الَّذين يصنعون المأساة فيها، ولتكونوا الأمَّة الَّتي تتناسى خلافاتها وعصبيَّاتها وما يفرّقها، أمام الَّذي يريد أن يفترس الأمَّة كلّها، في كلّ قضاياها الكبيرة والصَّغيرة.

إنَّنا، أيُّها الأحبَّة، نعيش في هذه الأيَّام وفي هذا الأسبوع، قضايا أصبحت تهزّ عمق الإنسانيَّة في إنسانيَّتنا، لأنَّ الاستكبار قد تحرَّك وانطلق من أجل أن يضغط على الواقع الإسلامي كلّه، وعلى الواقع المستضعف كلّه، مستغلّاً هذا الضّعف الَّذي يحاول بعضنا أن يوحي به إلى الآخر؛ أصبحنا يضعّف بعضنا بعضاً، وإذا انطلقت فينا أيّة قوَّة، نعمل على إسقاطها، لأنَّنا أدمنَّا الضّعف ونسينا القوَّة، فأصبحنا مجرَّد مزق متناثرة، يلتقطها كلّ طامع وطامح هنا وهناك.

الوحشيَّة الأمريكيَّة ضدّ العراق

أيُّها الأحبَّة، في الأسبوع الفائت، انطلقت الوحشيَّة الأمريكيَّة مع الدَّولة الَّتي تعيش على هامش أمريكا، وهي بريطانيا، انطلقت لتقصف العراق بكلّ ما تملك من الصَّواريخ ومن الأسلحة المدمّرة، لتدمّر أسلحته وقدرته العسكريّة، بينما تحتفظ هي بالأسلحة المدمّرة لنفسها ولحلفائها، وفي مقدَّمهم إسرائيل، من أجل أن تدمّر الشّعوب المستضعفة، ولا سيَّما الشّعوب العربيَّة والإسلاميَّة، لتدمّر اقتصادها وأمنها، ولتدمّر سياستها، كما نراه في كلّ سياستها في العالم.

إنَّ مشكلة أمريكا أنّها أصبحت تعيش الضَّخامة في شخصيَّتها، وتصرّح من مسؤول إلى مسؤول، أنَّها أصبحت قائدة العالم، فلا يجوز لأيّ شعب من شعوب العالم أن يتمرَّد عليها، أو أن يعارض سياستها، أو أن يسيء إلى مصالحها، وأصبح مجلس الأمن بيدها مجرَّدَ آلةٍ تسخّرها كيفما شاءت، لتحاصر هذا البلد، وتفرض على ذلك البلد حصاراً اقتصاديّاً وسياسيّاً، أو تضغط على ذلك البلد.

ونحن نعرف، أيُّها الأحبَّة، أنَّ الشَّعب العراقيّ قد ابتلي بحاكمه، وأنَّه عاش لأكثر من ربع قرن تحت تأثير هذا الحاكم الطَّاغية الَّذي قتل العلماء والمجاهدين، وحتّى إنّه قتل رفاقه، والَّذي يعيش جنون العظمة في شخصيَّته، ويتحرَّك في مغامرة تلو المغامرة، ليجلب إلى شعبه الكثير من الأذى والمشاكل والحروب. نحن نعرف ذلك، ولكن نحن نعرف أيضاً، أنَّ أمريكا هي الَّتي وظَّفته من أجل أن يقوم بهذا الدَّور في الدَّاخل، ومن أجل أن يقوم بهذا الدَّور ضدّ جيرانه.. إنَّ حربه مع إيران بعد الثَّورة الإسلاميَّة كانت حرب أمريكا وحرب الاستكبار العالميّ، وإنَّ حربه في الكويت كانت بإشارة من أمريكا، بحسب الدّراسات السياسيَّة الدَّقيقة في هذا المجال، وإنَّ الَّذي أنقذه من انتفاضة الشَّعب العراقيّ ضدّه هو أمريكا، عندما رأت أنَّ الشَّعب العراقيَّ في انتفاضته المجيدة بعد حرب الكويت كاد أن يسقط نظام هذا الطَّاغية، فتدخَّلت بنفسها، وأعطته وأعطت جيشه ما استطاع أن يقمع به الانتفاضة الشَّعبيَّة الَّتي حدثت في العراق. فأمريكا هي الَّتي أعطته قوَّة السّلاح، وهي الَّتي عملت على أن تدمّر هذا السَّلاح، لا لتنقذ المنطقة منه، لكن لتبقى إسرائيل الدَّولة الأقوى في السّلاح.

لذلك، نحن نقول إنَّ أمريكا عندما تقوم بهذا، فإنَّها لا تسيء إلى الطّاغية، فهو موجود في كلّ الأماكن المحصَّنة، وهو يأكل أفضل الطّعام، ويعيش أفضل العيش، ولكنَّ الشَّعب العراقيّ هو الَّذي فُرِضَ عليه أن يجوع بالحصار الأمريكيّ والبريطانيّ باسم مجلس الأمن، وهو الَّذي فرض عليه أن يموت أطفاله، لأنَّه لا دواء يمكن أن يعطَى للمرضى من هؤلاء الأطفال.

الدَّولة الأكثر إرهاباً

إنَّ أمريكا الآن تتحدَّث حول العالم بأنّها تريد أن تضرب برامج أسلحة التَّدمير الشَّامل في العراق، وتريد أن تحمي المصالح القوميَّة للولايات المتَّحدة الأمريكيَّة ومصالح شعوب الشَّرق الأوسط والعالم، على حدّ تعبير كلينتون. ونحن نعرف أنَّ العراق أصبح أضعف من أن يسيء إلى أيّ جار من جيرانه من ناحية السّلاح والقوَّة، ولكنَّ أمريكا تريد أن تجعل منه "بعبعاً"، حتَّى تبرّر ما تقوم به ضدَّ الشَّعب العراقيّ، وهي تعمل الآن على أن تجرّب فيه أسلحتها النَّوعيَّة الجديدة الّتي لم تجرّبها بعد.

ولذلك، فإنَّنا نعتقد أنَّ أمريكا تمثَّل الدَّولة الأكثر إرهاباً في العالم والأكثر وحشيَّة، لأنَّها تستخدم كلَّ ما عندها من سلاح في سبيل فرض سيطرتها على الشّعوب المستضعفة.

إنَّها تصرّح أنَّها لا تستهدف في هذا العمل إسقاط النّظام ولا إسقاط الطَّاغية، فإن لم تكن تستهدف ذلك، فماذا تريد إذاً؟ هل تريد أن تقتل الشَّعب العراقيّ الَّذي عاش مشكلة بين طاغيته وبين القصف الأمريكيّ والحصار الأمريكيّ وما إلى ذلك؟!

إنَّ أمريكا تعمل على تثبيت وجودها في الخليج برّاً وبحراً وجوّاً، حتَّى تثبت للخليجيّين، من خلال إثارة قضايا هذا الطَّاغية بين وقت وآخر، أنَّهم لا يزالون مستهدفين منه، وأنّهم بحاجة إلى حمايتها، ولذلك تحاول أن تستنزف آخر قرش عندهم، باستنزاف آخر قطرة من البترول لحسابها.

إنَّ الخطَّة الجديدة هي أن ترهن أمريكا بترول الخليج لمدَّة عشر سنوات، بحيث لا يصل إلى النَّاس من هذا البترول إلَّا بعض القطرات الصَّغيرة. هذه هي المسألة.

لدعم الشَّعب العراقيّ

لذلك، نحن نعتقد أنَّ من الضّروريّ لكلّ الشّعوب العربيَّة والإسلاميَّة وكلّ أحرار العالم، أن تقف لتستنكر هذه العمليَّة العسكريَّة الأمريكيَّة البريطانيَّة على العراق، والوقوف مع الشّعب العراقيّ المظلوم، لينطلق الصَّوت واحداً: ارفعوا أيديكم عن شعب العراق، فقد كفى ما لاقاه من ظلم في الدّاخل والخارج.

إنَّنا ننظر بكثير من السّخرية إلى كلام كلينتون الَّذي يتحدَّث كما لو كان من الأتقياء، فهو يقول إنّهم قصفوا قبل شهر رمضان، لأنَّ لشهر رمضان حرمة، ولا يريدون هتك هذه الحرمة! ونحن نقول لهم إنَّ حرمة الإنسان في الإسلام هي أعظم من حرمة شهر رمضان وأعظم من حرمة الكعبة، لأنَّ للمؤمن حرمة تفضل عن حرمة الكعبة سبعين مرّة، فإذا كنتم تريدون احترام هذا الشَّهر، فاحترموا الإنسان الَّذي ينطلق ويتحرَّك في هذا الشَّهر.

فشلٌ أمريكيٌّ في فلسطين

إنَّ مشكلة هذا الرَّئيس الأمريكيّ أنَّه فشل في فلسطين، بعد أن ضغط على الفلسطينيّين أن يتنازلوا عن الميثاق الوطني الفلسطيني في تدمير إسرائيل، وإرجاع الشَّعب الفلسطيني إلى بلده، وبعد أن أعطى إسرائيل ما تريده، وعاد بفشل فرضته عليه إسرائيل، فأراد أن يغطّي فشله ويغطّي مشكلته في مشروع العزل الَّذي يمكن أن يطاله بعد أيَّام، فحاول أن يضرب العراق، ليشغل الأمريكيّين والعالم بذلك، حتَّى لا يفكّر العالم في موقف إسرائيل من اتّفاق "واي ريفر" وموقفهم ضدّ الفلسطينيّين.

لقد تصرّف كلينتون كما ذلك الشَّخص الَّذي أراد أن يشعل سيجارته فأحرق البلد بتلك النَّار. هذه هي المسألة، ونحن نعتقد أنَّ على الشَّعب الفلسطيني أن يؤكّد وجوده وحركته في تقرير مصيره.

مجازر الجزائر: من يقف خلفها؟

ونحن في هذا الوقت، وفي شهر رمضان، نلاحظ تجدّد المجازر الوحشيَّة في الجزائر، ونعلم أنَّ وراء هذه المجازر أجهزة خفيَّة، تختفي وراءها السّلطة وبعض الأجهزة الأمنيَّة، لتوجيه الاتهام إلى الإسلاميّين. ونحن نقول إذا كان الإسلاميّون وراء تلك المجازر، فلماذا تزداد في شهر رمضان؛ هل يُعقل أن يستقبل المسلم شهر رمضان بذلك؟ إنَّ القضيَّة هي أنَّهم يحاولون بكلّ ما عندهم من طاقة لتشويه صورة الإسلاميّين هناك.

تحدّيات أمام إيران

وعندما نقف عند الأحداث الأخيرة في الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، نرى هناك ظاهرة جديدة، وهي اغتيال بعض الكتَّاب والمفكّرين وبعض المعارضين السياسيّين القدامى، وقد وقفت الجمهوريَّة الإسلاميَّة، قيادةً ورئاسةً ومسؤولين، ضدَّ هذه الظَّاهرة، واعتبرت أنَّ هذه الظَّاهرة تنطلق من خلال إيحاءات خارجيَّة إلى بعض النَّاس المعقَّدين في الدَّاخل الَّذين يقومون بهذه الأعمال، ليظهروا أنَّ النّظام الإسلاميّ لا يتحمَّل الَّذين يعارضونه فكريّاً أو سياسيّاً، من أجل إيجاد حرب إعلاميَّة جديدة على إيران، من خلال الاستكبار العالميّ هنا وهناك.

إنَّنا نريد للشَّعب الإيرانيّ المسلم الَّذي وقف مع الثَّورة منذ بدايتها، ولا يزال يقف معها في كلّ مشاكلها، وفي كلّ الضّغوط الَّتي تطبق عليها، أن يكون واعياً وقويّاً أمام التحدّيات الجديدة، وهو يواجه اليوم مشكلتين، المشكلة الَّتي ذكرناها، والّتي يراد من خلالها تخريب الأمن وتشويه صورة الجمهوريَّة الإسلاميَّة، والمشكلة الأخرى هي مشكلة انخفاض أسعار البترول الَّتي تركت تأثيرها على الكثير من الواقع الاقتصاديّ في إيران. إنَّنا نريد لهذا الشَّعب أن يصبر على هذه المشكلة الجديدة، وأن يواجهها بوعي، وأن يكون كلُّ مواطن إيرانيّ خفيراً يحرس بلده ودولته، وأن يقف مع قيادته من أجل أن يتجاوز هذه المشكلة الجديدة الَّتي يتحرَّك الاستكبار الأمريكيّ والعالميّ من خلالها ليثير الضَّباب والغبار حول الجمهوريّة الإسلاميَّة. إنّنا نتصوَّر أنَّ الشَّعب كلّما كان واعياً أكثر، استطاع أن يقوى وينتصر ويثبّت أقدامه على أرض صلبة.

البيان الوزاريّ وانتظار التَّطبيق

أمَّا على المستوى اللّبنانيّ الدَّاخليّ، فإنَّنا سمعنا الكثير من البيان الوزاريّ الّذي أعطى عناوين كبيرة للقضايا الملحَّة في الواقع اللّبنانيّ، ونحن ننتظر الخطوات العمليَّة للحكومة في تنفيذ بيانها الوزاريّ على أساس التَّخطيط المدروس الشَّامل للمشاكل الحيويَّة، ولا سيَّما المعيشيَّة، من دون فرض ضرائب جديدة، وتشجيع فرص العمل، بالتَّأكيد على إعادة الحياة إلى الدَّورة الاقتصاديَّة في كلّ المجالات، ولا سيَّما القطاعين الصّناعيّ والزراعيّ، ولا بدَّ من تطمين النَّاس في موضوع الخصخصة، بأنَّ الهروب من الارتهان للدّيون، لن يكون بارتهان المؤسَّسات الَّتي نخشى أن تصبح شركات خارجيَّة لها أكثر من امتداد، في أكثر من مشروع دوليّ معارض، في ظلّ ظروف سياسيَّة واقتصاديَّة صعبة قد تحدث في المستقبل.

إنَّنا نجدّد ارتياحنا للإعلان عن دعم المقاومة ومسيرة التَّحرير بشكل واضح وصريح، منتظرين أن ينعكس ذلك إيجاباً في العلاقة مع المجاهدين والمعتقلين، وتحسين ظروفهم وظروف عوائلهم الاقتصاديَّة، لأنَّ الَّذي بذل دمه في سبيل بلده وأمَّته، لا بدَّ أن يُكافَأ بتعزيز كرامته وعيشه الكريم.

والحمد لله ربّ العالمين.

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 18/12/1998م.
 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}[البقرة: 185].

ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183].

نستقبلُ يوم الأحد القادم أوّل أيّام شهر رمضان المبارك، وذلك استنادًا إلى المعطيات الفلكيَّة الدّقيقة الَّتي تؤكّد استحالة رؤية الهلال في هذه اللَّيلة، ليلة السّبت، لأنّه يولد بعد منتصف اللَّيل. ولذلك، فإنَّ أوّل هذا الشَّهر الكريم، بعون الله تعالى، هو يومَ الأحد القادم، إن شاء الله.

ولا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نعيش هذا الشَّهر من خلال ما تحدَّث به رسول الله (ص) في آخر جمعة من شعبان، حسب بعض الرّوايات، وكما تحدَّث به عنه الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) في دعائه. ولذلك، نحن نحتاج إلى أن نستمع إلى هذا وهذا، حتَّى يكون دخولنا في شهر رمضان دخولاً واعياً، تنفتح فيه عقولنا على الله، حتَّى لا يبقى فيها شيء من الباطل، وتنفتح فيه قلوبنا على الله، حتَّى لا يبقى فيها شيء من الشَّرّ والحقد والبغضاء، وتنفتح فيه حياتنا على الحقّ والخير، حتَّى لا نتحرَّك إلَّا بالخير وللخير، وإلَّا بالحقّ وللحقّ.

أفضل الشّهور

في خطبة رسول الله (ص) الَّتي استقبل بها شهر رمضان، قال على ما روي عنه:

"أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ – فقد جاء محمَّلاً بالبركات الَّتي تنمّي أعماركم وأجسادكم وأموالكم وكلَّ طاقاتكم، وبالرَّحمة الَّتي يفيضها الله عليكم، فيعطيكم من رحمته بحجم جوده وكرمه، وهو الجواد الكريم الَّذي لا حدَّ لعطائه، وبالمغفرة الَّتي ينظر الله فيها إلى عباده وهم يدعونه ويبتهلون إليه، ويصومون شهره، ويتلون كتابه، فيقول لهم: لقد غفرت لكم، فاستأنفوا العمل من جديد. وهكذا، فشهر رمضان أيضاً هو أبرك الشّهور، فقد جعله الله أكثر الشّهور بركة.

- شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ - فلكلّ يوم فيه خصوصيَّة وسرّ ومعنى يختلف عن أيام الشّهور الأخرى.

 - وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي - فهي اللَّيالي الَّتي تفيض فيها الرَّوحانيَّة على النَّاس، فيعيشون فيها مع الله، ويشعرون بالسَّعادة بين يديه تعالى، ويأخذون منها روحانيَّةً لأرواحهم، وبركةً لحياتهم، وحناناً ربَّانيّاً إلهيّاً يشعر فيه الإنسان بالسَّكينة والطّمأنينة.

- وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ - أي أنَّ على الإنسان في هذا الشَّهر أن يجلس مع كلّ ساعة، فعندما تنظر إلى السَّاعة وهي تتحرَّك، فعليك أن تشعر أنَّ هذه السَّاعة هي ساعة خير وبركة، فاملأها بالخير والحقّ، وبكلّ ما يرضي الله، وكلّ ما يفتح لك أبواب الجنَّة، وقد قال رسول الله (ص): "تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنة"، عندما تجلس في هذه السَّاعة لتفكّر في ماضيك وحاضرك ومستقبلك، ماذا قدَّمت لغد، وما أسلفت في الأمس، وكيف تعيش في الحاضر، فإنَّ هذا التَّفكير الَّذي يفتح عقلك وقلبك وحياتك على الله هو أفضل من عبادة سنة.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ رسول الله (ص) يريدنا أن نعيش الإحساس بالزَّمن، أن نشعر أنَّ كلَّ قطعة من الزَّمن؛ دقيقةً كانت أو ساعةً أو يوماً أو شهراً أو سنةً، هي جزء من عمرنا يزول، ليدفعنا ذلك إلى أن نقبض على هذه القطعة من عمرنا، لنجعلها وسيلةً إلى يوم حشرنا، عندما يقوم النَّاس لربّ العالمين.

في ضيافة الله

- هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ - وضيافة الله ليست أكلاً ولا شرباً، ولكنَّها رحمة ومغفرة وعطف وحنان وعاطفة - وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ.

- أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ - هذا النَّفَس الَّذي يعلو ويهبط، فعندما تكون مؤمناً بعقلك وقلبك وحياتك، فإنَّ أنفاسك تكون أنفاس الإيمان والحقّ والعدل، إنَّ أنفاسك تمثّل سرَّ حياتك في امتدادها، فإذا كنت مؤمناً، وكان جسدك مطيعاً لله، فإنَّ أنفاسك سوف تكون تسبيحة لله سبحانه، لأنَّها تنطلق من معنى التَّسبيح في داخل ذاتك.

- وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ - لأنَّك تنام وقد أجهدت من صلاتك ودعائك وتلاوتك، فالنَّوم يمثّل امتداداً لهذه الرّوح الَّتي عشتها في عبادتك، وتريد أن تستقبل من خلال راحة الجسد عبادة أخرى - وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ.

الدّعاء المستجاب

- وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ - فإذا كان الله أعطاكم كلَّ هذا الجوّ الرَّائع العظيم، المليء بالبركة والرَّحمة والمغفرة والعطاء، فما هو تكليفكم؟

- فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ - اجعلوا نيّاتكم في كلّ ما تنطلقون فيه نيّات صدق، بحيث إذا اطَّلع الله عليك وأنت تدعوه، واطّلع عليك وأنت تنفتح على النَّاس وعلى الحياة، يراك صادقاً في مشاعرك وأحاسيسك ودوافعك ونيَّاتك.

- وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ - ليس فيها شيء من قذارة الكفر والشّرك والحقد والعداوة والبغضاء والشّرّ والظّلم للنَّاس..

اسألوا الله - أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ - ففي صيامه غفران الله سبحانه - وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ - ففي تلاوة كتابه القرب منه تعالى والانفتاح عليه.

- فَإِنَّ الشَّقِيَّ - الَّذي يبلغ القمَّة في الشَّقاوة في مقابل السَّعادة - مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ - الشَّقيّ هو الَّذي يقضي شهر رمضان باللَّهو وبمعصية الله، هؤلاء الَّذين ينطلقون في شهر رمضان ليكون شهرهم رقصاً ولعباً وغناءً ولهواً، يحدّثونك عن خيام الهناء، وهي خيام البؤس والشَّقاء، لأنّها تمنع الإنسان من أن ينفتح على ربّه، وتربطه بأحطّ غرائزه. إنَّ مشكلة الكثير من البلدان الإسلاميَّة، أنَّها تستقدم كلّ فرق الرَّقص والغناء، وتفتح الكثير من زجاجات الخمور في شهر رمضان، حتَّى إنَّك تذهب إلى بعض البلدان الإسلاميَّة، لترى الشَّوارع مملوءة بفرق الرَّقص والغناء، لأنَّهم يخافون على النَّاس أن ينفتحوا على الله، ولذا يستقدمون للنَّاس أكثر من نموذج للشَّيطان هنا وهناك.

قيمةُ الجوعِ والعطش

- وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ، جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ – فالصَّائم ينتظر وقت الإفطار، وقد وجد من جهَّز له في البيت ما لذَّ وطاب من الطَّعام، حتّى إنَّ النَّاس في شهر رمضان يصابون بالتّخمة، لأنّهم يأكلون كثيراً خوفاً من الجوع، فيجمعون كلَّ ما يصيبهم بعسر الهضم وما إلى ذلك من الأشياء، ليبخّروا كلّ نتائج الصّوم بذلك. لكن عندما تجوع، وجوعك هنا محدود، فاذكر جوع يوم القيامة، حيث لا مطاعم، ولا مطابخ، ولا من يطبخ لك ويعدّ لك الطّعام، وحيث كلّ امرئ مشغول بنفسه، فلا أحد يغني عن أحد؛ لا أب ولا زوج ولا زوجة ولا ولد ولا أيّ أحد آخر {یَوۡمَ یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ * وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِیهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}[عبس: 34- 37]، في ذلك الوقت، إذا جعت، لن يقدّم إليك أحد شيئاً، وكلَّما طال وقوفك، امتدَّ جوعك وعطشك. لهذا، اختصر المسألة، فلا تجعل أعمالك تسبّب لك وقوفاً طويلاً يوم القيامة، بل اجعل أعمالك كلّها صافية ونقيَّة، عندما يقال لك: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، لأنَّ الإنسان كلّما كان خفيفاً، جاز بشكل أسرع.

أيُّها الأحبَّة، نحن ننسى يوم القيامة، لأنَّ ما عندنا من أشغالنا ولهونا وعبثنا ومطامعنا، يجعلنا نخلد إلى الأرض والدّنيا وننسى ذلك اليوم، مع أنَّ يومنا الأكبر هو يوم مواجهة المصير {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[الحجّ: 1 -2].

وصايا أخلاقيَّة

- وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ - فالصَّدقة تدفع البلاء، وتجلب المغفرة، وتعطيك الكثير من الخير.

- وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ - لا يكن هناك صراع بين الجيل الجديد والجيل القديم، فلا يضطهد الجيلُ القديمُ الجيلَ الجديد، ولا يحتقرُ الجيلُ الجديدُ الجيلَ القديم.. "وَقّرُوا كِبَارَكُمْ" لأنَّهم أسلموا لله قبلكم، ولأنَّهم صلّوا لله قبلكم، ولأنَّهم عاشوا تجارب الحياة قبل أن تعيشوا أنتم تجاربها. "وارْحَمُوا صِغَارَكَمْ"، ارحموا ذهنيَّتهم وأحلامهم وآمالهم، لا تفرضوا أنفسكم عليهم، "لا تُؤَدِّبوا أوْلادَكُمْ بِأخْلاقِكُمْ، لأنَّهُمْ خُلِقوا لِزَمانٍ غَيْرِ زَمانِكُمْ‏"، وطبعاً المقصود هنا الأخلاق المتحركة وليس الأخلاق الثّابتة.

- وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ - حتَّى لو كانوا قاطعين لكم - وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لا يَحِلُّ الاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ - لأنَّ هناك أشياء أراد الله أن نغضَّ أبصارنا وأسماعنا عنها.

- وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ، يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ - الَّذين فقدوا آباءهم، وربَّما فقدوا أمَّهاتهم، لأنَّه قد يأتي وقت تتركون أيتاماً من بعدكم، فإذا انطلقتم بالتَّحنّن على أيتام النَّاس، فسوف يجعل الله في قلوبِ الخلق حناناً لأيتامكم، ويرزقهم من عطفه وعطف عباده.

التَّوبة والدّعاء

- وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ - وأنتم مثقلون بالذّنوب الكبيرة والصَّغيرة، بذنوب اللّسان والعين والبصر، وذنوب اليد والرّجل، وذنوب الفم، وكلّ الذّنوب الَّتي تتَّصل بالجسد أو بالعقل.

فعندما تقفون في شهر رمضان، وهو شهر المغفرة، اجلسوا مع ربّكم، وتذكَّروا كلّ ذنوبكم، وافتحوا قلوبكم لله، وتوبوا توبةً نصوحة. ليس من الضَّروريّ أن تذهب إلى شيخ أو سيّد تعترف له بذنوبك، فلربَّما كان بحاجة إلى المغفرة أكثر منك، بل افتح قلبك لله، فلا واسطة بينك وبينه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186]، {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[الشّورى: 25]. إذا كنت صادقاً في التَّوبة، فإنَّ التَّوبة عندما تنطلق من قلبك ولسانك، يتقبَّلها الله، ويقول لك: قد قبلت توبتك، لقد أصبحت صفحتك بيضاء، فلا تملأها بالسَّواد من جديد.  

- وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلاتِكُمْ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ – ففي أوقات الدّعاء والتّسبيح، يطلّ الله عليكم بحنانه وعطفه ورحمته - يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ؛ يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ".

الأخلاقُ الاجتماعيَّةُ والإيمانيَّة

ثمَّ يبدأ (ص) بالجانب الاجتماعيّ الآخر، وبعض النَّاس عندما يصوم تسوء أخلاقه بدل أن يحسّنها، بحيث إذا دخل إلى البيت، يسبّ زوجته وأولاده، ويتصرَّف بطريقة لا أخلاقيَّة تحت عنوان أنّه صائم.

يقول (ص): "أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ - والصّراط أدقّ من الشّعرة وأحدّ من السَّيف، فإذا كانت أخلاقك طيّبة مع عائلتك وزوجتك وجيرانك ومع الموظَّفين ومع زملائك ومع كلّ النَّاس، إذا كنت حسن الخلق، فعندما تصل إلى يوم القيامة، تأخذ الجواز بالمرور على الصّراط بشكل ميسّر، كلّ ما نحتاج إليه هو أن نضغط على أعصابنا، ونوسّع صدورنا، ونركّز إنسانيّتنا.

- وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ – فإذا خفَّفت فيه عن موظَّفيك، عن عمَّالك، عن زوجتك، عن أولادك في البيت، عن كلّ من كان تحت يمينك، ممن تملك أمره وعمله وما إلى ذلك - خَفَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً، أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ.

- وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ - بعض النَّاس يقول إنَّ الأرحام عقارب، وفلان من أرحامي تكلّم عليّ أو أساء إليّ وما أشبه ذلك، ولا أريد أن أتواصل معه، ولكنَّك يوم القيامة ستحتاج إلى رحمة الله. فلنفترض أنَّ أحداً قال لك إذا تواصلت مع قريبك الَّذي لا تريد أن تتواصل معه، وأحسنت إليه، سيكون لك في كلّ شهر ألف دولار، ألا تتكلَّم معه؟ هل تبقى مقاطعاً له؟ فكيف برحمة الله الَّتي يعطيك بها الجنَّة وسعادة الدّنيا والآخرة؟! {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}[الأعراف: 156].

- وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلاةٍ - صلَّى الصَّلاة المستحبَّة - كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيَّ، ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ - بأعمالكم السيّئة - وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ".

اغتنامُ الموسم

هذا شهر رمضان في أجوائه الرّوحيَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة والعباديَّة، فاغتنموه، فلعلَّنا لا نبلغ شهر رمضان الآخر، لأنَّ الإنسان لا يدري متى يأتيه الأجل.

أيُّها الأحبَّة، إنَّ شهر رمضان هو الموسم، ومن خسر في الموسم، فهل يربح في موقع آخر! لذلك، لا تستعدّوا لشهر رمضان بما تختزنونه من طعام وما إلى ذلك، بل افرشوا للشَّهر الكريم مائدة الرّوح في قلوبكم، ومائدة الخير في حياتكم، فلعلَّ الله ينظر إلينا وقد انفتحنا عليه، ليعطينا خير الدّنيا والآخرة.

الخطبة الثَّانية

عباد الله {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...}[آل عمران: 102 - 103]، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصفّ: 4].

اتَّقوا الله في كلّ ما تتحرَّك فيه الأحداث من حولكم، وما تضغط فيه الضّغوط في ساحاتكم، وما تنفتح به عليكم من أبواب المشاكل والأزمات والتَّعقيدات، لتكونوا الأمَّة الَّتي تقف في مواجهة كلّ الَّذين يصنعون المأساة فيها، ولتكونوا الأمَّة الَّتي تتناسى خلافاتها وعصبيَّاتها وما يفرّقها، أمام الَّذي يريد أن يفترس الأمَّة كلّها، في كلّ قضاياها الكبيرة والصَّغيرة.

إنَّنا، أيُّها الأحبَّة، نعيش في هذه الأيَّام وفي هذا الأسبوع، قضايا أصبحت تهزّ عمق الإنسانيَّة في إنسانيَّتنا، لأنَّ الاستكبار قد تحرَّك وانطلق من أجل أن يضغط على الواقع الإسلامي كلّه، وعلى الواقع المستضعف كلّه، مستغلّاً هذا الضّعف الَّذي يحاول بعضنا أن يوحي به إلى الآخر؛ أصبحنا يضعّف بعضنا بعضاً، وإذا انطلقت فينا أيّة قوَّة، نعمل على إسقاطها، لأنَّنا أدمنَّا الضّعف ونسينا القوَّة، فأصبحنا مجرَّد مزق متناثرة، يلتقطها كلّ طامع وطامح هنا وهناك.

الوحشيَّة الأمريكيَّة ضدّ العراق

أيُّها الأحبَّة، في الأسبوع الفائت، انطلقت الوحشيَّة الأمريكيَّة مع الدَّولة الَّتي تعيش على هامش أمريكا، وهي بريطانيا، انطلقت لتقصف العراق بكلّ ما تملك من الصَّواريخ ومن الأسلحة المدمّرة، لتدمّر أسلحته وقدرته العسكريّة، بينما تحتفظ هي بالأسلحة المدمّرة لنفسها ولحلفائها، وفي مقدَّمهم إسرائيل، من أجل أن تدمّر الشّعوب المستضعفة، ولا سيَّما الشّعوب العربيَّة والإسلاميَّة، لتدمّر اقتصادها وأمنها، ولتدمّر سياستها، كما نراه في كلّ سياستها في العالم.

إنَّ مشكلة أمريكا أنّها أصبحت تعيش الضَّخامة في شخصيَّتها، وتصرّح من مسؤول إلى مسؤول، أنَّها أصبحت قائدة العالم، فلا يجوز لأيّ شعب من شعوب العالم أن يتمرَّد عليها، أو أن يعارض سياستها، أو أن يسيء إلى مصالحها، وأصبح مجلس الأمن بيدها مجرَّدَ آلةٍ تسخّرها كيفما شاءت، لتحاصر هذا البلد، وتفرض على ذلك البلد حصاراً اقتصاديّاً وسياسيّاً، أو تضغط على ذلك البلد.

ونحن نعرف، أيُّها الأحبَّة، أنَّ الشَّعب العراقيّ قد ابتلي بحاكمه، وأنَّه عاش لأكثر من ربع قرن تحت تأثير هذا الحاكم الطَّاغية الَّذي قتل العلماء والمجاهدين، وحتّى إنّه قتل رفاقه، والَّذي يعيش جنون العظمة في شخصيَّته، ويتحرَّك في مغامرة تلو المغامرة، ليجلب إلى شعبه الكثير من الأذى والمشاكل والحروب. نحن نعرف ذلك، ولكن نحن نعرف أيضاً، أنَّ أمريكا هي الَّتي وظَّفته من أجل أن يقوم بهذا الدَّور في الدَّاخل، ومن أجل أن يقوم بهذا الدَّور ضدّ جيرانه.. إنَّ حربه مع إيران بعد الثَّورة الإسلاميَّة كانت حرب أمريكا وحرب الاستكبار العالميّ، وإنَّ حربه في الكويت كانت بإشارة من أمريكا، بحسب الدّراسات السياسيَّة الدَّقيقة في هذا المجال، وإنَّ الَّذي أنقذه من انتفاضة الشَّعب العراقيّ ضدّه هو أمريكا، عندما رأت أنَّ الشَّعب العراقيَّ في انتفاضته المجيدة بعد حرب الكويت كاد أن يسقط نظام هذا الطَّاغية، فتدخَّلت بنفسها، وأعطته وأعطت جيشه ما استطاع أن يقمع به الانتفاضة الشَّعبيَّة الَّتي حدثت في العراق. فأمريكا هي الَّتي أعطته قوَّة السّلاح، وهي الَّتي عملت على أن تدمّر هذا السَّلاح، لا لتنقذ المنطقة منه، لكن لتبقى إسرائيل الدَّولة الأقوى في السّلاح.

لذلك، نحن نقول إنَّ أمريكا عندما تقوم بهذا، فإنَّها لا تسيء إلى الطّاغية، فهو موجود في كلّ الأماكن المحصَّنة، وهو يأكل أفضل الطّعام، ويعيش أفضل العيش، ولكنَّ الشَّعب العراقيّ هو الَّذي فُرِضَ عليه أن يجوع بالحصار الأمريكيّ والبريطانيّ باسم مجلس الأمن، وهو الَّذي فرض عليه أن يموت أطفاله، لأنَّه لا دواء يمكن أن يعطَى للمرضى من هؤلاء الأطفال.

الدَّولة الأكثر إرهاباً

إنَّ أمريكا الآن تتحدَّث حول العالم بأنّها تريد أن تضرب برامج أسلحة التَّدمير الشَّامل في العراق، وتريد أن تحمي المصالح القوميَّة للولايات المتَّحدة الأمريكيَّة ومصالح شعوب الشَّرق الأوسط والعالم، على حدّ تعبير كلينتون. ونحن نعرف أنَّ العراق أصبح أضعف من أن يسيء إلى أيّ جار من جيرانه من ناحية السّلاح والقوَّة، ولكنَّ أمريكا تريد أن تجعل منه "بعبعاً"، حتَّى تبرّر ما تقوم به ضدَّ الشَّعب العراقيّ، وهي تعمل الآن على أن تجرّب فيه أسلحتها النَّوعيَّة الجديدة الّتي لم تجرّبها بعد.

ولذلك، فإنَّنا نعتقد أنَّ أمريكا تمثَّل الدَّولة الأكثر إرهاباً في العالم والأكثر وحشيَّة، لأنَّها تستخدم كلَّ ما عندها من سلاح في سبيل فرض سيطرتها على الشّعوب المستضعفة.

إنَّها تصرّح أنَّها لا تستهدف في هذا العمل إسقاط النّظام ولا إسقاط الطَّاغية، فإن لم تكن تستهدف ذلك، فماذا تريد إذاً؟ هل تريد أن تقتل الشَّعب العراقيّ الَّذي عاش مشكلة بين طاغيته وبين القصف الأمريكيّ والحصار الأمريكيّ وما إلى ذلك؟!

إنَّ أمريكا تعمل على تثبيت وجودها في الخليج برّاً وبحراً وجوّاً، حتَّى تثبت للخليجيّين، من خلال إثارة قضايا هذا الطَّاغية بين وقت وآخر، أنَّهم لا يزالون مستهدفين منه، وأنّهم بحاجة إلى حمايتها، ولذلك تحاول أن تستنزف آخر قرش عندهم، باستنزاف آخر قطرة من البترول لحسابها.

إنَّ الخطَّة الجديدة هي أن ترهن أمريكا بترول الخليج لمدَّة عشر سنوات، بحيث لا يصل إلى النَّاس من هذا البترول إلَّا بعض القطرات الصَّغيرة. هذه هي المسألة.

لدعم الشَّعب العراقيّ

لذلك، نحن نعتقد أنَّ من الضّروريّ لكلّ الشّعوب العربيَّة والإسلاميَّة وكلّ أحرار العالم، أن تقف لتستنكر هذه العمليَّة العسكريَّة الأمريكيَّة البريطانيَّة على العراق، والوقوف مع الشّعب العراقيّ المظلوم، لينطلق الصَّوت واحداً: ارفعوا أيديكم عن شعب العراق، فقد كفى ما لاقاه من ظلم في الدّاخل والخارج.

إنَّنا ننظر بكثير من السّخرية إلى كلام كلينتون الَّذي يتحدَّث كما لو كان من الأتقياء، فهو يقول إنّهم قصفوا قبل شهر رمضان، لأنَّ لشهر رمضان حرمة، ولا يريدون هتك هذه الحرمة! ونحن نقول لهم إنَّ حرمة الإنسان في الإسلام هي أعظم من حرمة شهر رمضان وأعظم من حرمة الكعبة، لأنَّ للمؤمن حرمة تفضل عن حرمة الكعبة سبعين مرّة، فإذا كنتم تريدون احترام هذا الشَّهر، فاحترموا الإنسان الَّذي ينطلق ويتحرَّك في هذا الشَّهر.

فشلٌ أمريكيٌّ في فلسطين

إنَّ مشكلة هذا الرَّئيس الأمريكيّ أنَّه فشل في فلسطين، بعد أن ضغط على الفلسطينيّين أن يتنازلوا عن الميثاق الوطني الفلسطيني في تدمير إسرائيل، وإرجاع الشَّعب الفلسطيني إلى بلده، وبعد أن أعطى إسرائيل ما تريده، وعاد بفشل فرضته عليه إسرائيل، فأراد أن يغطّي فشله ويغطّي مشكلته في مشروع العزل الَّذي يمكن أن يطاله بعد أيَّام، فحاول أن يضرب العراق، ليشغل الأمريكيّين والعالم بذلك، حتَّى لا يفكّر العالم في موقف إسرائيل من اتّفاق "واي ريفر" وموقفهم ضدّ الفلسطينيّين.

لقد تصرّف كلينتون كما ذلك الشَّخص الَّذي أراد أن يشعل سيجارته فأحرق البلد بتلك النَّار. هذه هي المسألة، ونحن نعتقد أنَّ على الشَّعب الفلسطيني أن يؤكّد وجوده وحركته في تقرير مصيره.

مجازر الجزائر: من يقف خلفها؟

ونحن في هذا الوقت، وفي شهر رمضان، نلاحظ تجدّد المجازر الوحشيَّة في الجزائر، ونعلم أنَّ وراء هذه المجازر أجهزة خفيَّة، تختفي وراءها السّلطة وبعض الأجهزة الأمنيَّة، لتوجيه الاتهام إلى الإسلاميّين. ونحن نقول إذا كان الإسلاميّون وراء تلك المجازر، فلماذا تزداد في شهر رمضان؛ هل يُعقل أن يستقبل المسلم شهر رمضان بذلك؟ إنَّ القضيَّة هي أنَّهم يحاولون بكلّ ما عندهم من طاقة لتشويه صورة الإسلاميّين هناك.

تحدّيات أمام إيران

وعندما نقف عند الأحداث الأخيرة في الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، نرى هناك ظاهرة جديدة، وهي اغتيال بعض الكتَّاب والمفكّرين وبعض المعارضين السياسيّين القدامى، وقد وقفت الجمهوريَّة الإسلاميَّة، قيادةً ورئاسةً ومسؤولين، ضدَّ هذه الظَّاهرة، واعتبرت أنَّ هذه الظَّاهرة تنطلق من خلال إيحاءات خارجيَّة إلى بعض النَّاس المعقَّدين في الدَّاخل الَّذين يقومون بهذه الأعمال، ليظهروا أنَّ النّظام الإسلاميّ لا يتحمَّل الَّذين يعارضونه فكريّاً أو سياسيّاً، من أجل إيجاد حرب إعلاميَّة جديدة على إيران، من خلال الاستكبار العالميّ هنا وهناك.

إنَّنا نريد للشَّعب الإيرانيّ المسلم الَّذي وقف مع الثَّورة منذ بدايتها، ولا يزال يقف معها في كلّ مشاكلها، وفي كلّ الضّغوط الَّتي تطبق عليها، أن يكون واعياً وقويّاً أمام التحدّيات الجديدة، وهو يواجه اليوم مشكلتين، المشكلة الَّتي ذكرناها، والّتي يراد من خلالها تخريب الأمن وتشويه صورة الجمهوريَّة الإسلاميَّة، والمشكلة الأخرى هي مشكلة انخفاض أسعار البترول الَّتي تركت تأثيرها على الكثير من الواقع الاقتصاديّ في إيران. إنَّنا نريد لهذا الشَّعب أن يصبر على هذه المشكلة الجديدة، وأن يواجهها بوعي، وأن يكون كلُّ مواطن إيرانيّ خفيراً يحرس بلده ودولته، وأن يقف مع قيادته من أجل أن يتجاوز هذه المشكلة الجديدة الَّتي يتحرَّك الاستكبار الأمريكيّ والعالميّ من خلالها ليثير الضَّباب والغبار حول الجمهوريّة الإسلاميَّة. إنّنا نتصوَّر أنَّ الشَّعب كلّما كان واعياً أكثر، استطاع أن يقوى وينتصر ويثبّت أقدامه على أرض صلبة.

البيان الوزاريّ وانتظار التَّطبيق

أمَّا على المستوى اللّبنانيّ الدَّاخليّ، فإنَّنا سمعنا الكثير من البيان الوزاريّ الّذي أعطى عناوين كبيرة للقضايا الملحَّة في الواقع اللّبنانيّ، ونحن ننتظر الخطوات العمليَّة للحكومة في تنفيذ بيانها الوزاريّ على أساس التَّخطيط المدروس الشَّامل للمشاكل الحيويَّة، ولا سيَّما المعيشيَّة، من دون فرض ضرائب جديدة، وتشجيع فرص العمل، بالتَّأكيد على إعادة الحياة إلى الدَّورة الاقتصاديَّة في كلّ المجالات، ولا سيَّما القطاعين الصّناعيّ والزراعيّ، ولا بدَّ من تطمين النَّاس في موضوع الخصخصة، بأنَّ الهروب من الارتهان للدّيون، لن يكون بارتهان المؤسَّسات الَّتي نخشى أن تصبح شركات خارجيَّة لها أكثر من امتداد، في أكثر من مشروع دوليّ معارض، في ظلّ ظروف سياسيَّة واقتصاديَّة صعبة قد تحدث في المستقبل.

إنَّنا نجدّد ارتياحنا للإعلان عن دعم المقاومة ومسيرة التَّحرير بشكل واضح وصريح، منتظرين أن ينعكس ذلك إيجاباً في العلاقة مع المجاهدين والمعتقلين، وتحسين ظروفهم وظروف عوائلهم الاقتصاديَّة، لأنَّ الَّذي بذل دمه في سبيل بلده وأمَّته، لا بدَّ أن يُكافَأ بتعزيز كرامته وعيشه الكريم.

والحمد لله ربّ العالمين.

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 18/12/1998م.
 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية