في هذه الأيَّام، هناك عدَّة مناسبات إسلاميَّة، يتَّصل بعضها بالشَّخصيَّات الإسلاميّة الَّتي تمثّل مواقع العظمة والرّوحانيَّة والسّموّ والإخلاص لله ولرسوله والجهاد في سبيل الله. وهناك مناسبة تتَّصل بانفتاح الإنسان على الله، وانفتاح الله على البشر كلّهم من خلال كتابه، ومن خلال ملائكته، ومن خلال عطفه ولطفه.
في الخامس عشر من هذا الشَّهر، كانت ولادة الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام)، وهو أوَّل وليد لفاطمة وعليّ (عليهما السّلام).
الإمامُ الحليمُ
ويتحدَّث المؤرّخون عن الإمام الحسن (ع) بأنَّه كان الإنسان الحليم الَّذي إذا انفتح على النَّاس الَّذين يؤذنونه، يتّسع صدره لهم، فلا يجازيهم بما قدَّموا إليه أو يقدّمونه من إساءات، بل كان يصبر ويعفو ويحسن، حتَّى يحوّل هذا الإنسان إلى صديق، أو حتَّى يجمّد المشكلة الَّتي يحاول هذا الإنسان أن يثيرها في المجتمع، لأنَّ بعض النَّاس ربما يتعمّدون الإساءة إلى إنسان، من أجل أن يذلّوه، أو من أجل أن يؤذوه، انطلاقًا من عقدة نفسيَّة لديهم، فهم ينفّسون عن العقدة في ذلك، ولكنَّ بعض النَّاس يكون هدفهم أن يستفزّوا الإنسان بالكلام السيّئ أو بالعمل السيّئ، من أجل أن يستثيروه، حتَّى يتحرَّك بعنف، ويكونون قد حضّروا لأجواء المشكلة، ليواجهوا العنف بمثله. فهناك من النَّاس من يسبّوننا حتَّى نسبّهم، وإذا شتمناهم، يكونون في جوّ التّحضير للمشكلة، بحيث يكونون مستعدّين لها، بينما لا نكون نحن مستعدّين.
فلذلك، مسألة الحلم الَّتي يصف الله بها نفسه، هي من المسائل الَّتي تتَّصل بطبيعة القيمة الرّوحيَّة لدى الإنسان من خلال العفو عمَّن أساء إليه، وتتَّصل بوعي الإنسان للواقع، بحيث لا يسمح لأحد بأن يجرّه إلى مشكلة يريد من خلالها أن يصنع فتنة أو حربًا أو ما إلى ذلك.
الحلمُ في مواجهةِ التّحدّيات
لذلك، الإنسان الحليم الَّذي يمثّل سعة الأفق وسعة الصّدر، هو الإنسان الواعي للواقع، والَّذي يفكّر في الحياة دائمًا أن يكسب لنفسه أصدقاء، وأن يحوّل أعداءه إلى أصدقاء، والّذي يفكّر أن لا يفرض عليه أحد أن يخطئ، لأنَّ الإنسان عندما يكون انفعاليًّا وغضوبًا، فإنَّ من السَّهل أن نوقعه في الخطأ، وذلك عندما يُعمَل على إثارته، وبعض النَّاس لمجرَّد أن يستثاروا، تراهم يثورون وينفتحون على السّباب والضَّرب والشَّتائم وما إلى ذلك. أمَّا الإنسان العاقل الواعي، فلا يسمح لأحد بأن يوقعه في أيّ خطأ من الأخطاء، لأنَّه عندما يسمع الكلمة، يفكّر فيها من أين انطلقت وإلى أين تتَّجه، وعندما يدرس حركة الكلمة أو الوضع الَّذي يكون عليه هذا الإنسان أو ذاك، فإنَّه يعرف كيف يواجهها ويجابهها.
والإمام عليّ (ع) في بعض كلماته القصيرة في "نهج البلاغة" - وغالبًا ما أوصي بأن نحفظ هذه الكلمات وندقّق فيها، لأنَّها تمثّل تجارب الحياة، وخطَّ الحكمة في الحياة - يقول (ع): "إذا لم تكن حليمًا – يعني إذا كان الإنسان بحسب طبيعته ضيّق الصَّدر، ولا يتحمَّل كثيرًا - فتحلَّم – بمعنى أن يمثّل دور الحليم، وأن يتشبّه بالحلماء - فإنَّه قلَّ أن تشبَّه أحدٌ بقوم إلَّا وأوشكَ أن يكونَ منهم". بمعنى أنَّ الإنسان إذا لم يكن في طبيعة شخصيَّته يملك صفة الحلم، فليتطبّع بها، وكما قال ذاك الشَّاعر:
فتشبَّهوا إنْ لم تكونُوا مثلَهم إنَّ التَّشبُّهَ بالكرامِ فلاحُ
فالإنسان في كثير من الحالات، يمكن أن يصنع لنفسه طبيعة ثانية غير طبيعته الّتي هو عليها، فهو يستطيع أن يتشبَّه بالنَّاس الَّذين يملكون سعة الصَّدر، ومع التَّمرين على الموضوع، يصبح واسع الصَّدر بشكل طبيعيّ.
وهناك موقفان للإمام الحسن (ع) في حياته نتوقّف عندهما؛ موقف له في حياته، وموقف له لما بعد وفاته، يمثّل أعلى درجات الحلم المنطلق من سعة الصَّدر ومن وعي الموقف.
أمَّا في حياته، فيتمثَّل في نقطتين:
قصَّتُهُ (ع) مع الشَّاميّ
النّقطة الأولى: في ذلك الشَّاميّ الَّذي مرَّ على موكب الإمام الحسن (ع) في المدينة، ولم يكن يعرفه، فسأل: من هذا؟ فقالوا له: هذا هو الحسن بن عليّ بن أبي طالب. وكان هذا الشَّاميّ ممن ربَّاهم معاوية على بغض الإمام وبغض أهل بيته، وسبّه وسبّ أهل البيت (ع)، لأنَّه كان مرسومًا في دائرة سلطة معاوية أن يُسبَّ عليٌّ (ع) بعد كلّ صلاة، وكانوا عقب كلّ صلاة جمعة، كما يصلّي النَّاس على النَّبيّ، يسبّون عليًّا (ع). ويقال إنَّ الصَّحابيّ الجليل ابن عبَّاس قال لمعاوية بعد وفاة الإمام (ع): "أسألُكَ أنْ تُمسكَ عنْ سبّ هذا الرَّجلِ. قالَ: لا واللّهِ، لا أُمْسِكُ حتَّى ينشأَ عليْهِ الصَّغيرُ، ويهرمَ عليْهِ الكبيرُ"، فقد أراد أن يجعل من سبّ عليّ (ع) عادةً من العادات الَّتي يتحرَّك فيها النَّاس أطفالًا وشبابًا وشيوخًا، من خلال الحقد الَّذي كان يحمله في نفسه تجاه الإمام (ع).
هذا الشَّاميّ، عندما قيل له هذا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، رأسًا وبدون أيّ مناسبة، بدأ يسبّه ويشتمه. والحسن (ع) عندما كان يمشي، لم يكن يمشي وحده، بل كان يمشي في موكب، وكانت له هيبة، وحوله أصحابه وأخوه الحسين وأبو الفضل العبّاس (ع) وأولاده، فكان يسير في موكب عزَّة، فاستنفر بنو هاشم من خلال هذا الجوّ، ولكنَّ الإمام (ع) أومأ إليهم أن يتمهّلوا. ثمَّ قال للشَّاميّ فيما تقول الرّواية: "أيُّها الشَّيخُ، أظنُّكَ غريبًا، ولعلَّكَ شَبَّهْتَ؛ فلو استعْتَبْتنا أعتبْناكَ، ولو سألْتَنا أعطيْناكَ، ولو استرشَدْتنا أرشدْناكَ، ولو استحْمَلْتنا أحملْناكَ، وإن كنْتَ جائعًا أشبعْناكَ، وإن كنْتَ عريانًا كسوْناكَ، وإن كنْتَ محتاجًا أغنيْناكَ، وإن كنْتَ طريدًا آويناكَ، وإن كانَ لكَ حاجةٌ قضيناها لكَ، فلو حرَّكْتَ رحلَكَ إلينا، وكنْتَ ضيفَنا إلى وقتِ ارتحالكَ، كانَ أعودَ عليكَ".
ثمَّ دعا (ع) أولاده أن يذهبوا به إلى المنزل، ويحسنوا مطعمه ومشربه، ويكرموا ضيافته، فأخذوه إلى بيت الإمام الّذي هو بيت عبادة وكرم وتقوى وأخلاق، وأحسنوا وفادته، فصار هذا الشَّخص يوازن بين ما كان يسمعه وهو في الشّام، وبين الَّذي يراه الآن على الطَّبيعة.
الأخلاقُ الَّتي تهزمُ الحقدَ
إنَّ الأخلاق العالية تمثّل سعة الأفق وليس فقط سعة الصّدر، فسعة الصَّدر تعني أنَّ الإنسان لا يستثار بمجرَّد أن يثار، أمَّا سعة الأفق، فتعني أن يفهم الإنسان طبيعة المسألة وطبيعة العلاج. والإمام الحسن (ع) أدرك أنَّ هذا الرَّجل الَّذي لا يعرفه، لا يمكن أن يسبَّه هكذا بلا سبب وبلا مناسبة، وأنّه خاضع لعمليَّة غسل دماغ، كما نقول في هذه الأيّام، يعني أنَّه خاضع لحملة إعلاميَّة مضادَّة ضدَّ الإمام الحسن (ع) وضد عليّ بن أبي طالب (ع)، بحيث لا يمكنه أن يتصوَّر الإمام الحسن (ع) ولا الإمام عليًّا (ع) أبدًا، فهو معتاد منذ طفولته على سبّهما. إذًا، هذا الرَّجل عاش فكرة خطأً من خلال إعلام حاقد ومضادّ. فما الطَّريقة للرَّدّ عليه؛ هل هي بضربه أو بقتله؟ وهذا ما سيخلق مشكلة أكبر، ولن يحلّ المشكلة أبدًا، إنَّ الطَّريقة الطبيعيَّة هي أن نفتح له الآفاق ليستطيع أن يعرف فيها طبيعة الموضوع ويكتشف الخطأ. وهكذا فعل الإمام (ع)، فعندما دفع به إلى بيته، رأى الإكرام والاحترام والتَّقوى والأخلاق العالية وسلوك أهل البيت (ع)، فمن دون أن يقولوا له شيئًا، خرج وهو يقول: "اللهُ أعلمُ حيثُ يَجعلُ رسالتَهُ".
وهذا أمر نحتاجه كثيرًا، فكثير من النَّاس قد يحملون عنَّا فكرة سيّئة، من خلال كلام سمعوه عنّا، أو كلام أسيء فيه إلينا، فتراهم يسبّوننا ويشتموننا، ولكن إذا لم نقابلهم بمثل ذلك، وتركنا لهم فرصة حتَّى يراجعوا أنفسهم ويطَّلعوا على الواقع، عند ذلك نكون قد ربحنا صديقًا، بدل أن نعقّد الأمور أكثر. إلَّا أنَّ هذا الأمر يحتاج إلى الصَّبر، كما يقول الله سبحانه: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[فصّلت: 35]، وبالتَّجربة، نستطيع أن نحوّل الأعداء إلى أصدقاء، لكنَّ الأمر يحتاج إلى سعة صدر وطول نفس وصبر.
تجربةٌ شخصيَّةٌ
وأظنُّ أنَّكم تعرفون أنّي صاحب تجربة في هذا الموضوع، فكم من أشخاص كانت تسبّني وتشتمني، وهذا يقول عنّي إني أذبّح المسلمين، وأصدر فتاوى فيهم، وأعمل وكذا وكذا، وأشخاص كثيرون يأتون بعدها إليَّ يطلبون المسامحة منّي، وأنا أساسًا أسامحهم.
وأنا أذكر ذلك كتجربة، فالإنسان ضيّق الصَّدر يمكن أن يكثّر أعداءه، لكنّ سعة الصَّدر تحوّل الأعداء إلى أصدقاء، ولكنّ ذلك يحتاج إلى صبر من الإنسان. هذه نقطة.
السّموُّ فوقَ الأذى
النّقطة الثَّانية، وهي الأهمّ في حياته (ع)، أنتم تعرفون أنَّ الإمام الحسن (ع) كان متزوّجًا امرأةً اسمها جعدة بنت الأشعث. والأشعث هو رجل من كبار المنافقين، وكان قد نسَّق مع ابن ملجم في قتل الإمام عليّ (ع)، ونسَّق مع معاوية في مسألة إرباك جيش الإمام الحسن (ع) حتَّى فرض عليه الصّلح بعد ذلك. أمَّا ما هي المناسبة لكي يتزوَّج الإمام (ع) من ابنته، فهو غير معروف لنا.
المهمّ أنَّ هذه المرأة كانت معقَّدة من الإمام الحسن (ع)، فأغراها معاوية، وأرسل إليها: إذا قدَّمتِ هذا السّمّ إلى الحسن، فأنا مستعدّ أن أعطيك المال، وأزوّجك من ابني يزيد. ويزيد سيصبح خليفة المسلمين بعد ذلك. وهذه المرأة لربّما كان عقلها صغيرًا، أو عندها حقد، أو لربّما بسبب ضرّة فضّلها عليها، أو أيّ شيء... فقدَّمت السّمّ إلى الإمام الحسن (ع) وكانت بها شهادته. والإمام الحسن (ع) كان يعرف أنّها هي من فعلت ذلك، وقد توسَّله أخوه الإمام الحسين (ع) أن يعرّفه مَنِ الَّذي سمَّه، ولكنَّ الإمام الحسن (ع) امتنع عن أن يتحدَّث مع أخيه عن اسم زوجته في هذا الموضوع، وقال له: مَنْ سمّني أقف معه أمام الله سبحانه، ولا أريد أن أكون سبب أذيّة أحد، وهذه أعلى درجات سعة الصَّدر والعفو والحلم.
وقد كان من وصيَّة الإمام الحسن (ع)، أن يُجدَّد به عهدٌ عند قبر جدّه رسول الله (ص)، بمعنى أن يزوّروه قبر جدّه رسول الله (ص) عند تشييع جنازته، وأن يدفن هناك. ولكنّ الإمام الحسن (ع) قال لأخيه الحسين (ع)، إنّ بني أميَّة قد يمنعونكم من ذلك، وقد يخلقون بسبب ذلك مشكلة، "وبالله، أقسمُ عليْكَ أنْ لا تُهرقَ في أمري ملءَ محجمةٍ دمًا".
وبعد وفاة الإمام الحسن (ع)، أراد الحسين (ع) وبنو هاشم أن يشيّعوه، وأن يأتوا به إلى قبر رسول الله (ص) ليجدّدوا به عهدًا، ولكنَّ مروان بن الحكم، الَّذي كان معقَّدًا من الإمام عليّ وأهل البيت (ع)، ذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة، وقال لها: هل ستسمحين بأن يدفن الحسن عند قبر جدّه؟ إنَّ عليك أن لا تقبلي بذلك، وحرّضها على الأمر.
فيُقال إنَّها خرجت على بغل وقالت: "مالي ولكم يا بني هاشم، تريدون أن تُدخِلُوا بيتي مَنْ لا أُحِبُّ". فاستنفر بنو هاشم، واستنفر بنو أميَّة، وكادت شرارة المعركة تنطلق بينهما، فبنو هاشم على سيوفهم، وبنو أميَّة على سيوفهم، وإذا حدثت المعركة، سيسقط الكثير من القتلى والجرحى. ولكنَّ الإمام الحسين (ع) طلب الالتزام بوصيَّة أخيه الحسن (ع)، لأنَّه إذا ترك المجال للعصبيَّة، سيسقط قتلى وجرحى، والإمام الحسن (ع) وصَّى أن لا يسقط دم، مهما كان قليلًا، في هذه القضيَّة.
وبذلك هدأ الموضوع، ولم تدخل جنازة الإمام الحسن (ع) على قبر النَّبيّ (ص)، ودفن في البقيع.
لاحظوا الأفق الواسع للإمام الحسن (ع) الَّذي يعلّمنا كيف نتعاطى مع بعض القضايا العاطفيَّة، فلو فرضنا أنَّ شخصًا يريد أن يدفن أحد أحبَّائه في مكان معيَّن، ولكنَّ عائلة ثانية في البلد لا تقبل أن يُدفَن في هذه المقبرة أو هذا المكان، لأنَّه توجد بينهما مشاكل وقضايا. وقد تستنفر هذه العائلة وتلك العائلة، وبسبب عاطفة الميت العزيز والحبيب، تكون القلوب ملهوفة والأعصاب متوتّرة، وبطبيعة الحال، يستنفر الشَّباب والكبار، وعندها تحدث المشكلة.
مسؤوليَّةُ تفادي الفتن
هنا، على الإنسان أن يحاول لجم عاطفته، ويواجه القضيَّة بمسؤوليَّة، مسؤوليَّة أن نقدّم تنازلات في سبيل أن نمنع الفتنة، وفي سبيل أن نمنع الدَّم. وهذا ما نحتاجه في هذه الأيَّام الّتي يختلف فيها النَّاس على صورة هنا، ولافتة هناك، وشعار هنا أو هناك وما إلى ذلك. فإذا رأينا أنَّ هذه الأمور ستخلق مشكلة، فلنمتنع عن تعليق الصّورة أو اللَّافتة أو الشّعار، حتَّى لا نخلق مشكلة ونهرق دمًا وتحدث فتنة من أجل أشياء تعتبر في النّهاية بلا قيمة.
نعم، إذا أراد الإنسان أن يقف ويركّز موقفه، فليكن ذلك في القضايا المصيريَّة. فإذا أرادت إسرائيل أن تحاربنا، نقف أمامها، وإذا أرادت أمريكا أن تواجهنا، نقف أمامها، أمَّا أن نحارب أحدًا من ناسنا وأهلنا وإخوتنا أو من أهل بلدنا... بسبب حساسيَّات حزبيَّة أو عائليَّة، فهذا ما لا ينبغي لنا أن نفعله. فهل ينزل، مثلًا، مقام صاحب الصّورة إذا لم نعلّق له صورته، أو إذا لم نعلّق هذه اللَّافتة؟ إنَّ علينا أن نتفادى القضايا الَّتي تخلق فتنة، مهما أمكن، وأن نتواصى بالصَّبر، ونحاول أن نمنع الَّذين يريدون أن يوقظوا الفتنة من أن يصلوا إلى أهدافهم.
إنَّ علينا أن نعرف أنَّ الفتنة غالبًا لا تثار بشكل طبيعيّ، بل هناك أجهزة مخابرات، فهناك أجهزة مخابرات محليَّة، وهناك أجهزة مخابرات إسرائيليَّة، وأجهزة مخابرات عربيَّة ودوليَّة، دورها أن تلعب على الحساسيَّات، وأن تثير العصبيَّات، وأن تصنع من الحبَّة قبَّة وتصنع الفتن.
هذا الدَّرس نأخذه من الإمام الحسن (ع) الَّذي كان عنده أفق واسع، بحيث أوصى أن لا تنفَّذ وصيّته إذا كان سينتج من تنفيذها فتنة تسقط فيها الدّماء. والإمام الحسين (ع) كان في مستوى المسؤوليَّة أيضًا، فعلى الرّغم من حزنه الشَّديد على أخيه، وهما اللَّذان عاشا معًا في حياتهما، وكان الإمام الحسن (ع) إمامَ الحسين (ع)، والإمام المفترض الطَّاعة، ومع ذلك، عندما واجه المسؤوليَّة، أوقف كلَّ شيء في هذا المجال.
فهذه النّقطة عن الإمام الحسن (ع) هي ما نحتاجه في حياتنا؛ أن نتعوَّد على الحلم، والحلم هو سعة الصَّدر، وسعة الصَّدر من سعة الأفق، وكلاهما من عمق الإيمان.
المرونةُ في مواجهة المشاكل
إنَّ الإنسان في الحياة – وأعتقد أنَّ كلّ واحدة منكنّ عندها تجربة في هذا المجال – لا يمكن أن يحقّق كلّ الأشياء الَّتي يحبّها في حياته، فليس من أحد يستطيع أن يحقّق كلّ رغباته وأحلامه.
كذلك عندما نعيش مع النَّاس، فليس من الضّروريّ أن نكون على تفاهم مع النّاس كلّهم، فبعض النَّاس يمكن أن يفهمونا بشكل خطأ، والبعض قد يعتبرون أنّنا نقف حاجزًا ضدّ تقدّمهم، وبعضهم ربّما يكون عندهم عقد، قد تكون عقدة حسد، أو عقدة حقد، فهناك عقد موجودة. فإذا فرضنا صار بِناؤنا أن نردَّ على كلّ كلمة بانفعال، وأن نثير من كلّ موقف إشكالًا، فسيصبح العيش صعبًا.
الآن، تصوَّروا بيتًا فيه أمّ وأب وأولاد، فلو كان كلّ واحد منهم لا يسمع أيّ كلمة من الآخر، ألا تحدث مشاكل بينهم؛ بين الأمّ والأب، وبين الأمّ والأب والأولاد؟ فإذا كان بناؤنا في اللَّيل والنَّهار أن لا يصبر أحد منَّا على كلمة أو أذيَّة، فسيتحوَّل البيت إلى جحيم، والحياة تحتاج من هذا أن يصبر، ومن ذاك أن يتحمَّل، وهكذا الأمر أيضًا في المجتمع؛ الجيران بعضهم مع بعض، وبين الطَّوائف، وبين الأحزاب، فعلينا أن نحاول دائمًا أن نقلّل، مهما أمكن، من المشاكل.
هناك من يعيش حياته بحيث يخلق في كلّ يوم مشكلة، مع هذا وذاك، وهنا وهناك، فهل هذه حياة؟ البعض يقول أنا لا أتحمَّل أبدًا، وإذا سكتَّت فسينفجر صدري، وأنا أقول لا أحد ينفجر صدره أبدًا من هذا الموضوع، بل علينا أن نفتح له منافذ. عندما تأتي السّيول ويصير هناك طوفان، ماذا نعمل؟ ألا نفتح لها منفذًا من هنا ومنفذًا من هناك، وبذلك تراها تنفّس ويخفّ الضّغط؟! كذلك الإنسان، عندما تحدث له مثل هذه الحالة النَّفسيَّة الصَّعبة، عليه أن يفتح لها منافذ؛ أن يذكر الله، أن يفكّر في المصلحة، أن يقدّم بعض التَّنازلات. وهذا كلّه نحتاج أن نتعلَّمه من الإمام الحسن (ع).
عليّ (ع) وحبُّ الله
وفي التّاسع عشر من شهر رمضان، سنلتقي باليوم الَّذي جُرح فيه الإمام عليّ (ع) وهو في محرابه، والحديث عن الإمام عليّ (ع) لا ينتهي أبدًا.
لذلك، علينا في هذه الجلسة السَّريعة أن نلتقط نقطة أساسيَّة في حياة الإمام عليّ (ع)، وهذه النّقطة الأساسيَّة هي حبّه لله. الإمام عليّ (ع) عاش حياته منذ انطلق وإلى أن استشهد، مع الله. ونحن نلاحظ في كلّ أدعيته، وفي كلّ كلماته، أنَّه ينطلق من خلال الله سبحانه وتعالى، فهو يقول، مثلًا، في دعاء كميل: "فهَبني يا إلهي وَسَيِّدي وَمَولايَ وَرَبّي، صَبَرتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيفَ أصبِرُ عَلى فِراقِكَ، وَهَبني صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ، فَكَيفَ أصبِرُ عَنِ النَّظَرِ إلى كَرامَتِكَ، أم كَيفَ أسكُنُ في النّارِ وَرَجائي عَفوُكَ؟".
فهو يقول قد يمكنني أن أتحمَّل عذابك يا ربّ، لكنّي لا أتحمَّل فراقك، لأنّك عندما تعذّبني، فمعنى ذلك أنَّك طردتني من رحمتك، وأنّي لن أستطيع أن أتكلّم معك، وأن أناجيك، أو أن أدعوك، فأنا يمكن أن أتحمَّل العذاب، لكن لا يمكنني أن أتحمَّل فراقك، ويمكنني أن أتحمَّل حرَّ النَّار، لكن لا أستطيع أن أتحمَّل أن أُحرم من النَّظر إلى كرامتك، وأن أُحرم من عطفك وحبّك وحنانك.
فأيّ درجة من الحبّ هي هذه؟ أن يشعر الإنسان أنَّ علاقته بالله سبحانه وتعالى، بحيث لا يستطيع أن يتحمَّل فراقه في مناجاته، ولا أن يتحمَّل البعد عن عطف الله وحنانه وكرامته؟! وهذا يدلُّ على عمق في الموضوع.
كان (ع) يقول للنَّاس وهو خليفة المسلمين: "ليس أمري وأمركم واحدًا؛ إنَّني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم"، فأنا أريدكم أن تطيعوا الله سبحانه وتتقرَّبوا منه، ولكنّكم تريدونني لأنفسكم، حتّى يحقّق كلّ واحد منكم رغباته من خلالي، وهذا الفرق بينه وبينهم.
وهو الَّذي كانت المسألة عنده في كلّ حياته، كيف يستجيب لنداء الله، وكيف يطيع الله سبحانه وتعالى. حتَّى إنَّنا نراه وهو في موقعة بدر الَّتي كانت أوَّل معركة للمسلمين، وأوَّل معركة يخوضها الإمام (ع)، من حبّه لله وحبّه لرسوله، استطاع أن يجعل من نفسه بطلًا من أقوى الأبطال، في الوقت الَّذي لم يكن قد خاض أيَّ تجربة قتاليَّة سابقة، فهو لم يدخل أيَّ دورة تدريبيَّة عسكريَّة أبدًا، ولم يكن قد خاض من قبل أيَّ قتال، ومع ذلك، عندما خاض القتال في معركة بدر، قتل نصف من قُتِلَ من المشركين، وشارك المسلمين في النّصف الباقي، حتَّى قيل إنَّ جبرائيل جاء إلى النَّبيّ (ص) وقال له: إنَّ الملائكة ذهلوا من بطولة عليّ، وكان يقول: "لا فتى إلَّا عليّ، لا سيف إلَّا ذو الفقار".
وفي الوقت نفسه، وبينما كان يقاتل، كان يعود من وقت إلى آخر ليطمئنَّ على النَّبيّ (ص)، فهو يحبّ الله فينصر الله في المعركة، ويحبّ النَّبيّ فيرعاه في المعركة، وكان يقول إنّي بين وقت وآخر، كنت أعود إلى النّبيّ لأطمئنّ عليه، فأراه ساجدًا، وهو يردّد: "يا عليُّ يا عظيمُ".
ولذلك أعطاه النَّبيّ (ص) الوسام الأكبر، عندما قال في واقعة خيبر: "لأعطينَّ الرَّاية غدًا رجلًا يحبُّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرَّار غير فرَّار، لا يرجع حتَّى يفتح الله على يديه". ومحلّ الشَّاهد هنا: "يحبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ"، فهذا هو الأساس في شخصيَّة المؤمن، وهذا الَّذي يجب أن نتعلَّمه من الإمام عليّ (ع).
الحبُّ المكلفُ
وإذا راجع كلّ واحد منَّا نفسه، رجالًا ونساءً، ففي ماذا يرى نفسه يفكّر؟ يفكّر في أنّه يريد لفلان أن يحبّه، أو يريد لفلانة أن تحبّه، أن يحصل على رضا فلان ورضا فلانة. أليس هذا هو الحال عادةً؟ فكلٌّ منّا يفكّر كيف يحبّه النَّاس، وكيف يرضون عنه، ولكن كم في المائة منّا مَنْ يفكّر أن يحبّه الله؟
أليس هناك من الشَّباب والصَّبايا من يتعقَّدون من الحبّ من جانب واحد؛ أن يحبّ الشّخص إنسانًا ولا يحبّه ذاك الإنسان؟ وهذه مشكلة تعقّد الحياة، وتخلق أوضاعًا عاطفيّة ونفسيّة صعبة. ونحن قد نريد أن يحبَّنا الله، ولكن من دون أن نحقّق شيئًا من عوامل حبّ الله لنا.
أمَّا أن نحبَّ نحن الله، فهذا صعب! لأنَّ محبَّة الله تكلّف؛ تكلّف طاعة الله، وتكلّف البعد عن معصيته، وتكلّف موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه. وهذا الإنسان يعرف أنَّ فلانًا عدوّ الله، لكن يقول أنا لي مصلحة عنده، ويعرف أنَّ فلانًا حبيب الله، لكن لا يعجبه.. هذه الأكلة حرام ولكنّي أشتهيها، وهذا العمل واجب، ولكن لا مزاج عندي للقيام به، لا مراء لي في أن أصلّي أو أصوم أو أحجّ، لا مصلحة لي في هذا الموضوع، والفتاة تقول لا مصلحة لي في أن أتحجَّب، أو من يقول لا مصلحة لنا في أن نترك هذا الحرام أو ذاك الحرام...!
ونحن في حياتنا، كم نراعي الأشخاص الَّذين نحبّهم؟ وترانا نرصدهم، فلان الّذي نحبّه نظر إلينا اليوم نظرة جيّدة، فترى الدّنيا لا تسعنا من الفرح، لأنَّ فلانًا نظر إلينا نظرة فيها بعض الحبّ، لكن أن ينظر الله إلينا نظرة سخط، فهذه ليست مشكلة عندنا! ونحن نحتاج أن نحبّ الله وأن نطلب منه أن يحبّنا، أن نحبّ رسول الله ونطلب منه أن يحبّنا.
حبٌّ ليس فوقه حبّ
ونحن لماذا نحبّ الله؟ لأنَّ الله موضع الحبّ، ولا ينبغي أن نحبّ أحدًا كما نحبّ الله سبحانه. نحن لماذا نحبّ النَّاس؟ نحبّ شخصًا لأنَّه خدمنا وأعطانا، أو لأنَّه جميل، أو لأنَّه عالم، أو لأنَّه قويّ... ولكنَّ الله سبحانه وتعالى ليس فقط أعطانا، بل إنَّ وجودنا كلَّه هو من عطائه، فهو الّذي خلقنا ورزقنا وأنعم علينا وتعهَّدنا ودبَّر لنا أمورنا ورعانا وما زال يرعانا في الحياة. الله هو الجميل الَّذي خلق كلَّ الجمال، وهو الجليل الَّذي أعطى كلَّ شيء جلاله، وهو القويّ الَّذي أعطى كلَّ شيء قوَّته، وهو العليم الَّذي أعطى كلَّ شيء علمه...
فمن الّذي يمكن أن نقيسه بالله سبحانه وتعالى؟ فإذا كنَّا نحبّ هذه الصّفات في النَّاس، فعلينا أن نحبّ الله أكثر. وهذا هو الإمام عليّ (ع)، تحدَّث عنه فقال: "عَظُمَ الخالقُ في أنفسِهم، فصغُرَ ما دونَهُ في أعينِهم". لـمَّا رأوا عظمة الله بهذا الحجم، صارت كلّ الأشياء في أعينهم صغيرة أمام الله سبحانه وتعالى.
لذلك، يجب أن نحبَّ الله أوَّلًا على أساس عظمته ونعمته. وثانيًا، أن نحبَّه لأنَّه الوحيد الَّذي يبقى لنا، فكلّ الَّذين نحبّهم؛ آباؤنا، أمَّهاتنا، أصدقاؤنا، أزواجنا، أولادنا... لا يبقون لنا، فإمَّا أن يفارقونا، وإمَّا أن نفارقهم، لكن من الّذي يبقى لنا؟ {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}[الرّحمن: 26 - 27].
فالَّذي يجب أن نقيم الصَّداقة معه، وأن نوثّق العلاقة والمحبَّة معه، هو الَّذي رعانا ونحن أجنَّة في بطون أمَّهاتنا، ورعانا أطفالًا وشبابًا وشيوخًا، ويرعانا ونحن في القبر، ويرعانا ونحن بين يديه يوم القيامة.
فهل هناك وقت ننفصل فيه عن الله، أو وقت لا نحتاج فيه إلى الله؟ فعندما يفكّر الإنسان في ذلك، عند ذلك يستطيع أن يجعل قلبه ينفتح على محبَّة الله سبحانه وتعالى.
كيف يحبُّنا الله؟!
أمَّا كيف يحبّنا الله؟ وكيف نحصّل محبَّة الله لنا؟ الله ركَّز لنا الإجابة في القرآن: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[آل عمران: 31]، فالله يحبّنا إذا أطعناه، وإذا اتَّبعنا نبيَّه: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[الحشر: 7].
وهذه الأمور كلّها تحتاج أن يفرّغ الإنسان نفسه ويفكّر فيها، لأنَّنا في حياتنا مندمجون بالجوّ، مشغول بعضنا ببعض من الصَّباح إلى اللّيل؛ فالأمّ مشغولة بأولادها وزوجها، والزَّوج مشغول بأولاده وبالعمل وبالمناسبات الاجتماعيَّة والزيارات والحقوق وما إلى ذلك، فلا نجد وقتًا لنقعد مع أنفسنا ومع ربّنا ساعة. وحتَّى عندما نريد أن نصلّي، نصلّي ونحن نسرح من مكان إلى مكان، ونذهب في "جولة حول العالم"، وعندما يقول المصلّي: "السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، يرجع إلى قواعده سالمـًا.
نحن نحتاج إلى وقت لنفهم فيه من نحن، ونحتاج إلى وقت لنفهم فيه من هو ربّنا، ونحتاج أن نفهم مسؤوليَّتنا، ونفهم إلى أين نسير.
السَّعادةُ الكبرى
هذه نقطة وعاها الإمام عليّ (ع)، ولذلك لاحظنا أنَّه (ع) عندما ذكر له رسول الله (ص) ما سيُستحلّ منه في هذا الشَّهر، ويُقال إنَّ النَّبيّ (ص) كان يتكلَّم في خطبة آخر جمعة من شعبان فبكى، فقال له عليّ: "يا رسول الله، ما يبكيك؟" فقال (ص): "يا عليّ، أبكي لما يستحلّ منك في هذا الشَّهر، كأنّي بك وأنت تصلّي لربّك، وقد انبعث أشقى الأوّلين والآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك فخضَّب منها لحيتك".
والإمام (ع) لم يحسب حساب أيّ شيء إلّا شيئًا واحدًا: قال: "وذلك في سلامة من ديني؟ قال (ص): "في سلامة من دينك"...
فليست المشكلة أن يموت الإنسان، بل إنَّ المهمّ في المسألة أن يموت والله راضٍ عنه، هذه هي السَّعادة الكبرى. ويُقال إنَّ الإمام الحسين (ع) كان يتمثَّل بهذا البيت:
ولسْتُ أُبالي حينَ أُقتلُ مسلمًا على أيّ جنْبٍ كانَ في الله مصرعي
فالمشكلة ليست في كيفيَّة الموت، ما دام الإنسان يموت مسلمًا مؤمنًا.
وهنا، أنا أحبّ ما يُقال من كلمات من بعض الجماعات في لبنان عندما يعزّون، فهم لا يعزّون مثلما نعزّي نحن، نحن دائمًا نقول - وأنا دائمًا أنبّه على هذه النّقطة - عندما نصافح شخصًا نقول له: "خاتمة الأحزان". هل تعرفون ما معنى "خاتمة الأحزان"؟ معناها أنَّك تقول له: إن شاء الله يكون هذا الحزن آخر حزن لك، وهذا يعني أنَّك تدعو عليه أن يموت قبل كلّ أحبابه وأقربائه، حتَّى لا يحزن مرَّة أخرى! فكيف يكون هذا خاتمة أحزانه والنَّاس لن تتخلَّد؟ معنى هذا الدّعاء هو أن يموت قبل كلّ أهله، وهذا لا يصحّ، لكن في بعض المناطق يقولون عبارة: "بسلامة الدّين والإيمان"، يعني أنَّك تدعو الله له أن يسلم له دينه وإيمانه بعد هذه الفاجعة، وهذه عبارة جميلة وموجودة في بعض مناطق لبنان.
في نهاية المطاف، الإمام عليّ (ع) عندما ضربه ابن ملجم على رأسه وهو يصلّي بين يدي الله، قال: "بسمِ الله، وباللهِ، وعلى ملَّةِ رسولِ الله، فزْتُ وربّ الكعبة"، فقد كان يعيش حالة الفرح أن يموت وهو بين يدي الله، ويقال إنَّ هذه الآية نزلت في حقّ عليّ (ع): {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة: 207].
هذا هو الدَّرس الَّذي نتعلَّمه؛ أن نحبّ الله أكثر حتَّى يحبّنا الله أكثر، كما أحبَّ الإمام عليّ (ع) الله أكثر فأحبَّه الله أكثر، وأن نبيع أنفسنا لله، لنكون من عباده المخلصين في الدنيا والآخرة. هذه هي النّقطة الثَّانية.
ليلةُ القدر
أمَّا المناسبة الثَّالثة، فهي ليلة القدر {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}[سورة القدر]، ليلة القدر تنفتح فيها السَّماء، وتنزل الملائكة، وكلّ منهم له مهمَّة، ويقال إنَّه تحدَّد فيها الأعمار والآجال والأرزاق، فباب السّماء في ليلة القدر يكون مفتوحًا، وهو كناية عن رحمة الله، والله ينزل الملائكة والرّوح، وهو خلق عظيم، ينزّلهم بكلّ ما يحتاجه النَّاس {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}[الدّخان: 3 - 5]. والبعض يقول إنّهم ينزلون بميزانيَّة السَّنة من الأعمار والأرزاق وما إلى ذلك.
والمفروض علينا في ليلة القدر الّتي تختصر ألف شهر، أن ننفتح على الله؛ أن نفتح عقولنا لله حتَّى لا يكون فيها أيّ تخطيط للشّرّ، وأن نفتح قلوبنا لله حتَّى لا يكون فيها أيّ نبضة من نبضات الحقد والعداوة والبغضاء، وأن نفتح حياتنا لله حتَّى تكون كلّها طاعةً له سبحانه وتعالى.
وعلى الإنسان في ليلة القدر أن يفتح قلبه لكلّ ما في القرآن، فكما أنَّ الله أنزل القرآن علينا ولنا، فعلينا أن نفتح قلوبنا له في هذا المجال.
ليالٍ للقدر أم ليلة؟!
وهناك نقطة يجب أن تعرفوها، فنحن نقرأ في كتب الأدعية عنوان "ليالي القدر"، وقد يتبادر إلى أذهاننا أنّها عدّة ليالي، ولكنَّ الحقيقة أنّها ليلة واحدة فقط. ولكن لماذا يحيي النَّاس ليلة التَّاسع عشر، والحادي والعشرين، والثَّالث والعشرين؟ وهناك أيضًا روايات عند الإخوة من أهل السنّة ترجّح أنّها ليلة السَّابع والعشرين، بل وتوجد في بعض رواياتنا إشارات تحتمل هذا الاحتمال كذلك، وإن لم يكن هو الرَّأي المشهور عندنا... إنّما نحيي هذه اللّيالي لأنَّ الروايات الواردة لم تعيّن لنا اللَّيلة بدقّة قاطعة، وقيل إنَّ الله أخفاها حتَّى يستعدَّ النَّاس ويتعبَّدوا في كلّ هذه اللّيالي لينالوا فضل ليلة القدر. وهناك حديث يقول: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِر"، أي في ليالي الواحد والعشرين، والثَّالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسَّابع والعشرين، والتّاسع والعشرين.
إذًا هي ليلة واحدة، لكن اختلاف الرّوايات هو الَّذي جعل النَّاس يحتفلون بعدَّة ليالٍ، فلا يوجد لدينا ثلاث ليالٍ للقدر، بل ليلة واحدة لا نعرف تحديدًا أيّ هي، وإن كان الأقوى لدى علماء المسلمين الشّيعة أنَّها ليلة الثَّالث والعشرين، ولكن ينبغي للإنسان أن يحتاط حتّى يدرك ليلة القدر.
فعلينا أن نستعدَّ لليلة القدر في اللَّيالي المحتملة جميعها، بأن نفرّغ عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا وحياتنا لله، حتَّى يفتح لنا أبواب رحمته. أمَّا حكاية أن ينظر أحد إلى السَّماء، ويرى إذا كان سيُفتح له باب فيها، فهذا كلّه كلام فارغ، وعلينا أن نتطلَّع إلى الله لينزل علينا من رحمته.
وكذلك القول بأنَّ فلانًا - أو فلانة - ظهرت على وجهه ليلة القدر، فهذا كلّه كلام لا أساس له من الصحَّة. فأن تظهر علينا ليلة القدر، هي بأن يرحمنا الله ويغفر لنا، ونستطيع من خلال أعمالنا أن نُرضي الله.
والحمد لله ربّ العالمين.
*خطبة الجماعة لسماحته للنّساء، في مسجد بئر العبد، بتاريخ: 12/03/1993م.