يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[البقرة: 197- 202].
مدرسةُ الحجّ
في هذا اليوم، يستعدّ النَّاس لينطلقوا إلى عرفات، وإلى مِنى في الطَّريق إلى عرفات. ولا بدَّ لنا، ونحن نعيش هذه المناسبة من بعيد، أن ننفتح على أجوائها، فقد أراد الله الحجَّ في أشهر معلومات {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ - يبدأ فيها الحاجّ حجَّه لينتهي به في هذ الأيَّام.
والله سبحانه وتعالى أراد للإنسان في الحجّ أن يتعلَّم كيف يمنع نفسه من كلّ فحش في القول والعمل، وأن يمنع نفسه من كلّ معصية من المعاصي الَّتي يتمرّد فيها الإنسان على ربّه، كما أنَّ الله أراد له أن لا يدخل في الخصومات الَّتي تثير الجدل والعداوة والبغضاء - فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ - فالحجّ في خطّ الإسلام، هو ساحة يتدرَّب فيها الإنسان على أن يكون إنساناً طيّباً، مسالماً، صالحاً، طائعاً لله، تقيّاً في كلّ أعماله وأقواله، يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالَّتي هي أحسن، ويقول الَّتي هي أحسن، ويدفع بالَّتي هي أحسن، أن يكون إنساناً يراقب ربَّه في علاقاته مع النَّاس، كما يراقبه في علاقته بنفسه، يراقبه في كلماته كما يراقبه في أفعاله، وهذا ما عرَّفنا الله إيَّاه في قوله سبحانه وتعالى - وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ - إنَّ كلَّ خير تفعله، سواء كان خيراً في القول، أو خيراً في العمل، فإنَّ الله يطَّلع عليه، سواء عملت به سرّاً أو جهراً، لأنَّ الله هو المطَّلع على كلّ السّرّ والعلانية.
زاد التَّقوى
- وَتَزَوَّدُوا - وأنتم في الدّنيا؛ تزوَّدوا لأنفسكم إذا كنتم في الحجّ، وبعد أن ترجعوا منه، وتزوَّدوا لأنفسكم وأنتم تعيشون حياتكم، في ليلكم ونهاركم، فلا ينقضي يوم عليكم من عمركم، إلَّا وقد حصلتم منه على زاد. ولكنَّ هذا الزَّاد يختلف عمَّا تعرفونه من زاد تتزوَّدونه في أسفاركم؛ إنَّ زاد الآخرة يختلف عن زاد الدّنيا، فزاد الدّنيا هو طعام تأكلونه، وشراب تشربونه، ولذَّة تستذلّونها، ومال تجمعونه، أمَّا زاد الآخرة، فهو التَّقوى - فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ - أن تتَّقي الله في كلماتك، فلا تقول كلمة إلَّا إذا علمت أنَّ لله فيها رضا، وأن تتَّقي الله في أعمالك، فلا تقوم بعمل إلَّا وتعلم أنَّ لله فيه رضا، وفي مواقفك، فلا تقف أيّ موقف، سواء كان موقف تأييد أو رضا، حتَّى تعلم أنَّ لله فيه رضا، وأن تراقب الله قبل أن تقول الكلمة، وقبل أن تفعل الفعل وتتَّخذ الموقف.
ثمّ يؤكّد الله سبحانه - وَاتَّقُونِ - أنا ربّكم وخالقكم، وصاحب النّعمة عليكم، أنا الَّذي أملك حياتكم وموتكم، أنا الَّذي أملك ضركم ونفعكم، أنا الَّذي أحييتكم ثمَّ أميتكم ثمَّ أبعثكم، لتقفوا غداً بين يديَّ لتقدّموا حسابكم على أعمالكم، يوم لا ينجو إلَّا المتَّقون.
- يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} يا من تملكون العقول، لأنَّ عقلك يقول لك اتَّق ربَّك، تحرَّك في كلّ شيء ينفعك، وتحرَّك بعيداً من كلّ شيء يضرّك، وكلّ حركة لا تنتفع بها عند الله لا قيمة لها، وكلّ حركة لا تبتعد بك عن عقاب الله فليس فيها خير، قالها رسول الله (ص): "مَا خَيْرٌ بِخَيْر بَعْدَهُ النَّارُ"، خذ الخير كلَّه، ليكن لك مال الدنيا، ولتكن لك كلّ شهوات الدّنيا، وأشهى الطَّعام وألذّ الشَّراب، ولكن إذا كانت النَّار في آخرها، فستحرق لك كلَّ لذَّاتك وشهواتك.. أمَّا إن تحمَّلت الألم والصّعاب في خطّ الله، وصبرت على الابتلاءات، فإنَّك في النّهاية ستنال الأجر والرّضا الإلهيّ، ويأتيك النّداء: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَّة مَرْضِيَّة * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27 – 30]، وذلك هو النَّعيم كلّ النَّعيم، وستنسى بذلك كلّ آلامك ومصائبك وأحزانك، لأنَّ الله يقول: {إِنَّ الَّذينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[فصّلت: 30].
الانتفاع في الحجّ!
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ - أن تحقّقوا بعض الانتفاعات الشَّخصيَّة في الحجّ، لا أن يكون حجُّكم للتّجارة، ولكن لو كنتم في الحجّ، وصادف أن تنتفعوا لما فيه، فليس عليكم جناح في ذلك، لأنَّ الله قال: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}، سواء كانت منافع خاصَّة أو عامَّة.
الدّعاء وذكر الله
- فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ – إذا وقفتم في عرفات، وعشتم مع الله دعاءً وابتهالاً وحساباً للنّفس، وتذكّراً لما أسلفتموه من سيّئات تستغفرون الله منها، واستحضاراً لما تقبلون عليه من حياة تسألون الله أن يوفّقكم لطاعته فيها، فإذا أفضتم منه، وانطلقتم بعيداً منه لمرحلة جديدة، بعد أن تزوَّدتم بالتَّقوى، وعرفتم الله أكثر، وخفتم منه أكثر، وأحببتموه أكثر، وانفتحتم عليه أكثر، وتبتم إليه من أعمالكم السيّئة أكثر، وقرَّرتم أن تعملوا من أجل طاعته في المستقبل أكثر، فإذا أفضتم من عرفات، فلا تعتبروا أنَّ المسألة انتهت، وأنَّ عليكم أن تنسوا ما حصلتم عليه، وأن تنسوا ربّكم..
- فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ - ستنطلق الرّحلة بكم إلى المشعر الحرام، وهو الوقفة الثَّانية الَّتي يعطيك الله فيها الحريَّة أن تجلس إليه، وأن تخشع بين يديه، وأن تدعوه في ليلة العيد وفي يوم العيد، حيث تقف هناك في المشعر الحرام بين الفجر وشروق الشَّمس، لتطلب من الله أن يغفر لك ما بقي من ذنوبك، وأن يهيّئ لك السَّعادة في دنياك وآخرتك، ولتطلب منه تعالى أن ينالك برحمة منه وفضل ورضوان.
- وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ – اذكروا ربَّكم من خلال ما هداكم إلى الإسلام، وليقل كلّ واحد منكم هناك وهنا: "الحمد لله الَّذي هدانا لهذا، وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله"، لأنَّ هدى الله نعمة، بل هي أكبر نعمة، لأنَّ من اهتدى بهدى الله فقد أمسك بسعادة الدّنيا والآخرة، ومن لم يهتد بهداه، فقد عاش شقاء الدّنيا والآخرة، فاذكروا الله كما هداكم - وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ - من قبل هذا الموقف - لَمِنَ الضَّالِّينَ}.
مواجهة الشّيطان
{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ – انطلقوا مع النَّاس ومع هذه المسيرة جماعات، لا تنفردوا عن النَّاس، اعتبروا أنفسكم جزءاً من كلّ هذه المسيرة الإسلاميَّة في الحجّ، الَّتي تنطلق من عرفات إلى المشعر الحرام، وتنطلق من المشعر الحرام إلى منى، من أجل أن تواجه الشَّيطان هناك؛ من أجل أن تواجه الشَّيطان الأكبر في جمرة العقبة، قبل أن تتخفَّف من إحرام الحجّ. حاولوا أن تنطلقوا جماعات، لأنَّ الشَّيطان الأكبر يملك قوَّة كبرى، ولذلك عليكم أن تعيشوا جماعات جماعات، لأنَّ كلَّ واحد منكم إذا انفرد بنفسه، فإنَّه يمكن أن يسقط تحت تأثير قوَّة الشَّيطان، أمَّا إذا انطلقتم جماعاتٍ جماعات، فإنَّكم بذلك تحقّقون معنى الرَّمز الرّوحيّ لرمي الشَّيطان في الجمرة الكبرى الَّتي تمثّل رمز الشَّيطان الأكبر.
- وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} استغفروه من ذنوبكم.. قبل أن ترجموا الشَّيطان، حاولوا أن تطهّروا أنفسكم من كلّ قذارات الذّنوب.. استغفروه، توبوا إليه، قولوا: يا ربّ، اغفر لنا وارحمنا واغفر لنا خطايانا، فإنَّنا آتون إليك، لنكون من عبادك الطَّائعين المخلصين العابدين السَّائحين، الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر والحافظين لحدود الله.
الذّكر الدّائم لله
{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ – إذا انتهت المناسك، فهل يكون كلّ تركيزكم متى ترجعون إلى أهلكم، أو كيف تحضّرون هداياكم، أم أن يكون فكركم كيف تتقرَّبون إلى ربّكم أكثر، وكيف تحصلون منه على كلّ الخير في الدّنيا والآخرة أكثر، وكيف تحتفظون بهذا الزَّاد الَّذي حصَّلتموه من الحجّ أكثر؟!
- فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ – هل تنسى أباك أو أمَّك؟ اذكر ربَّك كذكرك أباك وأمَّك - أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا - لأنَّ الله هو الَّذي خلقك وخلق أباك وأمَّك، وهو الَّذي رزقك ورزق أباك وأمَّك، وهو الَّذي جعل أباك وأمَّك الوسيلة إلى وجودك، فهو ربُّك الَّذي أوجدك، والَّذي أنعم عليك وينعم عليك، وهو الَّذي أحياك ويميتك ويبعثك..
اذكر الله أشدّ من ذكرك لأبيك، لأنَّك قد تفارق أباك عندما يموت قبلك أو تموت قبله، ولكنَّك لن تفارق ربَّك، فهو معك منذ كنت نطفة، وكان معك وأنت علقة، وكان معك وأنت مضغة، ثمَّ كان معك عندما خلقك خلقاً آخر، وما زال معك في طفولتك وشبابك وكهولتك وشيخوختك، يرعاك برعايته، ويعطيك في كلّ يوم من نعمه فضلاً ورحمةً ولطفاً، حتَّى إذا مُتَّ وتركك أهلك، كان ربّك معك في قبرك.. بعض النَّاس يخافون القبر ويستوحشونه، ولكنَّ الله الّذي كان أنس المؤمنين في هذه الدّنيا، هو الأنس لهم في قبورهم، والأنس لهم في حشرهم، وعندما يقفون بين يديه، يوم يقوم النَّاس لربّ العالمين.
الدّعاء للدّنيا والآخرة
ثمَّ يبيّن الله للنَّاس في الحجّ وغيره كيف يدعونه، وقد فتح الله لهم المجال لأن يدعوه بما يريدون وبما يشتهون، لأنَّه سبحانه يقول: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}[الكهف: 109]. اطلب من ربّك كلَّ شيء، لا تستح من الصَّغير، ولا تتعقَّد من الكبير، فربُّك لا تفنى خزائنه. ومع ذلك، بعض النَّاس عندما يدعو ربَّه، يقول: أعطني مالاً، وإذا لم يكن متزوّجاً، أعطني زوجة، وإذا لم يكن عنده أولاد، أعطني أولاداً، أو أعطني مسكناً، وما إلى ذلك، لكن أن يدعو: أعطني جنّةً أو رضواناً، أعطني سعادة في الآخرة، فهذا ما لا يفكّر فيه.
- فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا – وينسى الآخرة - وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}.
أمَّا الواعون الَّذين يعيشون التَّوازن في أحلامهم، فلهم أحلامهم في الدّنيا، ولهم أحلامهم في الآخرة، لأنَّ الآخرة هي الدَّار الَّتي تمثّل الأحلام السَّعيدة والرّاحة الأبديّة {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً – لأنَّنا نريد أن نعيش في الدَّنيا براحة - وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً – لأنَّنا نريد أن نحقّق سعادة المصير هناك - وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
{أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا - هؤلاء الواعون الَّذين يعرفون أنَّ الإسلام هو دين التَّوازن، فهو لم يجعل الدّنيا خارج نطاق الآخرة، ولم يجعل الآخرة خارج نطاق الدّنيا، "ليس منَّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه"، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 77].
- وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}، فلا يحتاج إلى وقت ليحاسبك، فاعرف كيف تقف غداً بين يدي ربّك، وكيف ترتّب حساباتك وتنظّمها، وفكّر كيف تدافع عن نفسك أمامه {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}[الانفطار: 19].
التَّواصي بالحقّ
أيُّها الأحبَّة، هذه هي رسالة الله لنا في الحجّ، ليكون عمرنا كلّه حجّاً إليه؛ حجّاً إلى بيته هناك، وحجّاً إلى بيوت العبادة هنا، وحجّاً إلى كلّ مواقع طاعته، وحجّاً إلى كلّ مواقع رضاه، وحجّاً إلى كلّ السَّاحات الَّتي يريد الله منَّا أن نجاهد فيها بأموالنا وأنفسنا، وأن نصبر على كلّ الأذى الَّذي نلاقيه في سبيل ربّنا، وأن نتواصى بالحقّ؛ الحقّ في العقيدة، والحقّ في الشَّريعة والسياسة، والحقّ في الأمن والاجتماع، وأن لا نسمح لأيّة جهة أن تضعف الحقَّ فينا، لتقول لنا إنَّ الحقَّ في دائرة أخرى، أو لتحاول تخويفنا، لتنطلق بنا نحو الباطل، لأنَّ الباطل يريحنا أكثر، ولأنَّ الكفر يمكن أن يحقّق لنا شهواتنا أكثر، أن لا نضعف أمام النَّاس الَّذين يريدون لنا أن ننحرف نحو الباطل، لأنَّ الباطل لا يكلّفنا جهداً، ويكرّهوننا بالحقّ، لأنَّ الحقَّ يكلّفنا تعباً وخسارةً وألماً وتضحيةً..
علينا أن نتواصى بالحقّ؛ أن يوصي كلّ إنسان صاحبه: يا فلان، لا يخدعنَّك النَّاس عن الحقّ، كن واعياً، حتَّى تظلّ مع الحقّ، تماماً كما كان عليّ (ع)، كانت قضيّته هي أنَّه كان صاحب الحقّ، وقالها رسول الله (ص): "عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور معه حيثما دار"، وقالها عليّ وهو يعاني ويتألَّم ويُبعَدُ عن حقّه، وهو يواجه المارقين والقاسطين والنَّاكثين، قال مشكلتي أنَّه "ما ترك لي الحقّ صديقاً". كانت قضيَّته (ع) هي أنَّه كان يريد الحقّ، وكان يريد النَّاس لله، قال لهم: "لَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِدًا؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ".
وهكذا، لا بدَّ لنا أن نتعلّم منه (ع)؛ من صلابته وقوَّته، ومن شدَّته في الله، ومن ثباته في الموقف، بالرّغم من كلّ الآلام الَّتي تحمَّلها، فعليٌّ (ع) تحمَّل الكثير من الآلام النَّفسيَّة والجسديَّة، كانت حياته كلّها تعباً وحرباً وجهاداً وصراعاً ومواجهةً وتعليماً وتربيةً واحتضاناً للنَّاس كلّهم، كانت حياته كلّها للحقّ، ولذلك كان تجسيد الحقّ.
التّواصي بالصّبر
وعلينا، أيُّها الأحبَّة، أن نتواصى بهذا الحقّ، وإذا ضعف أحد منَّا أمام الآلام والأحزان والبلاء، وأمام ما يضغط به الكفر والباطل علينا لكي نضعف ونترك الحقّ، فإنَّ علينا أن يوصي بعضنا بعضاً بالصَّبر، وأن يقول بعضنا لبعض: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[لقمان: 17]، {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}[آل عمران: 120]، لأنَّ الآخرين، أيُّها الأحبَّة، ولا سيَّما المستكبرين في الأرض، يعملون على أساس أن يضغطوا على المستضعفين في اقتصادهم وأمنهم وفي كلّ أوضاعهم، ليقدّموا التَّنازلات من حقّهم، ومن موقفهم، ومن قضاياهم الكبرى، وهذا ما نعيشه وعشناه في هذه المرحلة الصَّعبة من حياتنا وتاريخنا..
* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 8 ذو الحجَّة 1416هـ/ الموافق: 26 نيسان 1996م.