شهادةٌ في السيّد فضل الله (رض): أنبهُ مَنْ رأيْت مِن أقرانه

شهادةٌ في السيّد فضل الله (رض): أنبهُ مَنْ رأيْت مِن أقرانه

أثناء بحثي في مكتبة السيّد فضل الله، وقعتُ على الجزء الثَّامن من موسوعة "شعراء الغريّ"، المعروفة أيضًا بـ "النَّجفيّات"، للمرحوم الأستاذ علي الخاقاني، صاحب مجلّة "البيان" النَّجفيّة، والصَّادرة عام 1955. وفي هذا الجزء، يؤرّخ الأستاذ الخاقاني (رحمه الله) لعددٍ من كبار شعراء النَّجف الأشرف في خمسينيّات القرن الماضي، ومن بينهم السيّد فضل الله (رض)، الّذي كان قد بدأ نظم الشّعر وهو في العاشرة من عمره، وقد أورد الخاقاني اسمه في الموسوعة إلى جانب كبار شعراء النَّجف.
وتحت عنوان: "هو أَنْبَهُ مَنْ رأيتُ من أقرانه"، كتب الأستاذ علي الخاقاني عن السيّد (رض)، فيقول: "هو السيّد محمّد حسين بن السيّد عبد الرؤوف بن السيّد نجيب بن محي الدّين الحسني الشَّهير بآل فضل الله.. أديبٌ فاضل وشاعرٌ مجيد...
وُلِد في النجف عام 1354 هـ، ونشأ بها على أبيه، فلقَّنه مقدّمات العلوم من نحو وصرف ومعانٍ وبيانٍ ومنطق وفقه وأصول، ولما نضُج ونال قسطًا من الإحاطة على صغره، صار يختلف على بعض الحلقات، أمثال حلقة الإمام أبي القاسم الخوئي في الفقه والأصول..
والمـُـترجَم له - أي السيّد فضل الله - شابٌّ حَدَث السّنّ، رُزق ذكاءً مفرطًا وحسًّا مرهفًا وعاطفةً جيّاشة، والتهب قلبُه عندما رأى النّور يغمرُ بأشعّته الدنيا، ولاح منه سَنًا (ضياء) ضعيفٌ على سماء النَّجف، غير أنّه لم يقنع به، بل كان مأخوذًا بجمال بلده لبنان ومناظره، ويجيش خياله الخصب حينما يقرأ نتاجَ لبنان الَّذي أثّر في نفسه وفي شعره..
شاهدته - هكذا يقول المرحوم الأستاذ علي الخاقاني - وهو يلقي قصيدةً في جمعيّة التَّحرير الثقافي بمناسبة ذكرى يوم الغدير، وكنت أرى في إشراق صورته، وحسن ديباجته، إلى جنب صغر سنّه، إنسانًا موهوبًا، وشخصًا له من القابليَّة والاستعداد ما يذهب به إلى مراحل طويلة في الحياة"...
ويضيف الخاقاني (رحمه الله): "وعندما أرى القيودَ التي حفّت به، والمثاليَّة الَّتي اتّصف بها، والطَّريق الوعر الَّذي سار عليه، أرجع فأنعى على المحيط خسرانه لهؤلاء عندما يُصدمون بواقع الحياة.. وإذ أبديتُ له إعجابي وإكباري لمواهبه، وواصلت ثنائي عليه ودعمي لنفسيّته، بعد أن لاقى من عَنَتَ الجهلاء المتمرّدين، والَّذين لا ينظرون إلى الفضيلة بمنظار الاحترام، صار يركن إلى شخصي بين حينٍ وآخر، ويتصيّد الوقتَ الَّذي يراني فيه..
سألته يومًا متى نظمتَ الشّعر؟ فقال السيّد فضل الله: أتذكّر أنّي قلته في العاشرة من عمري، وأوّل قولي:
 
فمن كانَ في نَظْمِ القريضِ مُفَاخِرًا      ففخريَ طُرًّا بالعُلى والفضائلِ 
ولست بآبائي الأُباةِ مُفَاخِرًا  ولست بمن يبكي لأجل المنازلِ
فإن أكُ في نيل المعالي مقصّرًا   فلا رَجَّعَتْ باسمي حداةُ القوافلِ
سأنهجُ نهجَ الصَّالحينَ وأرتدي  رداء العُلى السَّامي بشتّى الوسائلِ 
وأُجهدُ نفسي أن أعيشَ معزَّزًا
وليس طِلابُ العزِّ سهلَ التّناولِ
 
وطبيعيّ أنَّ هذه السّنّ لا يقوى على النَّظم فيها إلَّا القلائل من النَّاس.... أمّا يوم شاهدتُه يلقي غديريّته، فكان في سنّ السَّادسة عشرة، وبذلك أصبح مرموقًا في نفسي..
والشَّابُّ الشَّاعر - أي السيّد فضل الله - لم يُخْفِ حسّه في شعره، فقد ظهر فيه بألوان وأساليبَ مختلفة، ملاحظًا موقفه من أبيه - أي المرحوم المقدّس السيّد عبد الرؤوف فضل الله - الَّذي كفل عيشه، ومراقبًا محيطه الَّذي هو أمامه كريشةٍ في مهبِّ الريح، وفاهمًا أنَّ الظّروف الَّتي مرّت على الأكياس من النَّاس والمرموقين من السياسيّين، أقعدتهم في حظيرة الانعزال، وهو مع ذلك كلّه، كان لا يكتم شعوره تجاه عروبته ودينه ووطنه، وتجاه الروحيَّة المترجرجة المرتبكة، والَّتي أشعرته بفقدان الغاية [في هذا المحيط]، وهو يرى خصوبة الجهل متفشّية بين قومه في جنوب لبنان، وفي الأوساط الَّتي عاش آباؤه فيها ويعيشها هو بعدهم.
لقد كشف لي روحه النَّقيّ وذهنه المعتدل من وراء شعره، ونقده لحوزة الدّين الَّتي أصبحت خالية من مسؤول وزعيم، وخالية من مدافع وحارس لها، وخواطره الّتي تطرّق إليها في رثاء المصلحين وتأبين الزعماء العاملين، ونقده للمتشدّقين الَّذين لم يعرفوا سوى الالتواء سلاحًا... كشف لي يقظته وعمق إحساسه، ولعلّ أصدق صورة توقفك على رأيي هذا، مرثيّته للحُجّة الشيخ محمد كاشف الغطاء، والزعيم الخالد السيّد محسن الأمين..
والشّابّ الشَّاعر هو أنبه مَنْ رأيت من أقرانه الَّذين لم يقطعوا العقد الثَّاني، كما تجلّى لي أنّه أشعر من رأيت منهم أيضًا، فقد جمع بين رقّة لبنان ولهجة العراق، وبين خيال الأرز وظلّ النَّخيل.. فَهِمَ الحياة فهمًا خاصًّا جعله لا يناوئ أفراد مجتمعه وإن اختلفوا معه في الرأي، ولا يبتعد عن الجهلاء وإن احتقرهم في قرارة نفسه، كما لم يمتنع من أيِّ تكليف يُلقى عليه"...
 
* من كتاب "أضـواء على حيـاة سماحة العلَّامة المرجع السيّد محمّـد حسين فضـل الله - المرحلة النجفيَّة".
أثناء بحثي في مكتبة السيّد فضل الله، وقعتُ على الجزء الثَّامن من موسوعة "شعراء الغريّ"، المعروفة أيضًا بـ "النَّجفيّات"، للمرحوم الأستاذ علي الخاقاني، صاحب مجلّة "البيان" النَّجفيّة، والصَّادرة عام 1955. وفي هذا الجزء، يؤرّخ الأستاذ الخاقاني (رحمه الله) لعددٍ من كبار شعراء النَّجف الأشرف في خمسينيّات القرن الماضي، ومن بينهم السيّد فضل الله (رض)، الّذي كان قد بدأ نظم الشّعر وهو في العاشرة من عمره، وقد أورد الخاقاني اسمه في الموسوعة إلى جانب كبار شعراء النَّجف.
وتحت عنوان: "هو أَنْبَهُ مَنْ رأيتُ من أقرانه"، كتب الأستاذ علي الخاقاني عن السيّد (رض)، فيقول: "هو السيّد محمّد حسين بن السيّد عبد الرؤوف بن السيّد نجيب بن محي الدّين الحسني الشَّهير بآل فضل الله.. أديبٌ فاضل وشاعرٌ مجيد...
وُلِد في النجف عام 1354 هـ، ونشأ بها على أبيه، فلقَّنه مقدّمات العلوم من نحو وصرف ومعانٍ وبيانٍ ومنطق وفقه وأصول، ولما نضُج ونال قسطًا من الإحاطة على صغره، صار يختلف على بعض الحلقات، أمثال حلقة الإمام أبي القاسم الخوئي في الفقه والأصول..
والمـُـترجَم له - أي السيّد فضل الله - شابٌّ حَدَث السّنّ، رُزق ذكاءً مفرطًا وحسًّا مرهفًا وعاطفةً جيّاشة، والتهب قلبُه عندما رأى النّور يغمرُ بأشعّته الدنيا، ولاح منه سَنًا (ضياء) ضعيفٌ على سماء النَّجف، غير أنّه لم يقنع به، بل كان مأخوذًا بجمال بلده لبنان ومناظره، ويجيش خياله الخصب حينما يقرأ نتاجَ لبنان الَّذي أثّر في نفسه وفي شعره..
شاهدته - هكذا يقول المرحوم الأستاذ علي الخاقاني - وهو يلقي قصيدةً في جمعيّة التَّحرير الثقافي بمناسبة ذكرى يوم الغدير، وكنت أرى في إشراق صورته، وحسن ديباجته، إلى جنب صغر سنّه، إنسانًا موهوبًا، وشخصًا له من القابليَّة والاستعداد ما يذهب به إلى مراحل طويلة في الحياة"...
ويضيف الخاقاني (رحمه الله): "وعندما أرى القيودَ التي حفّت به، والمثاليَّة الَّتي اتّصف بها، والطَّريق الوعر الَّذي سار عليه، أرجع فأنعى على المحيط خسرانه لهؤلاء عندما يُصدمون بواقع الحياة.. وإذ أبديتُ له إعجابي وإكباري لمواهبه، وواصلت ثنائي عليه ودعمي لنفسيّته، بعد أن لاقى من عَنَتَ الجهلاء المتمرّدين، والَّذين لا ينظرون إلى الفضيلة بمنظار الاحترام، صار يركن إلى شخصي بين حينٍ وآخر، ويتصيّد الوقتَ الَّذي يراني فيه..
سألته يومًا متى نظمتَ الشّعر؟ فقال السيّد فضل الله: أتذكّر أنّي قلته في العاشرة من عمري، وأوّل قولي:
 
فمن كانَ في نَظْمِ القريضِ مُفَاخِرًا      ففخريَ طُرًّا بالعُلى والفضائلِ 
ولست بآبائي الأُباةِ مُفَاخِرًا  ولست بمن يبكي لأجل المنازلِ
فإن أكُ في نيل المعالي مقصّرًا   فلا رَجَّعَتْ باسمي حداةُ القوافلِ
سأنهجُ نهجَ الصَّالحينَ وأرتدي  رداء العُلى السَّامي بشتّى الوسائلِ 
وأُجهدُ نفسي أن أعيشَ معزَّزًا
وليس طِلابُ العزِّ سهلَ التّناولِ
 
وطبيعيّ أنَّ هذه السّنّ لا يقوى على النَّظم فيها إلَّا القلائل من النَّاس.... أمّا يوم شاهدتُه يلقي غديريّته، فكان في سنّ السَّادسة عشرة، وبذلك أصبح مرموقًا في نفسي..
والشَّابُّ الشَّاعر - أي السيّد فضل الله - لم يُخْفِ حسّه في شعره، فقد ظهر فيه بألوان وأساليبَ مختلفة، ملاحظًا موقفه من أبيه - أي المرحوم المقدّس السيّد عبد الرؤوف فضل الله - الَّذي كفل عيشه، ومراقبًا محيطه الَّذي هو أمامه كريشةٍ في مهبِّ الريح، وفاهمًا أنَّ الظّروف الَّتي مرّت على الأكياس من النَّاس والمرموقين من السياسيّين، أقعدتهم في حظيرة الانعزال، وهو مع ذلك كلّه، كان لا يكتم شعوره تجاه عروبته ودينه ووطنه، وتجاه الروحيَّة المترجرجة المرتبكة، والَّتي أشعرته بفقدان الغاية [في هذا المحيط]، وهو يرى خصوبة الجهل متفشّية بين قومه في جنوب لبنان، وفي الأوساط الَّتي عاش آباؤه فيها ويعيشها هو بعدهم.
لقد كشف لي روحه النَّقيّ وذهنه المعتدل من وراء شعره، ونقده لحوزة الدّين الَّتي أصبحت خالية من مسؤول وزعيم، وخالية من مدافع وحارس لها، وخواطره الّتي تطرّق إليها في رثاء المصلحين وتأبين الزعماء العاملين، ونقده للمتشدّقين الَّذين لم يعرفوا سوى الالتواء سلاحًا... كشف لي يقظته وعمق إحساسه، ولعلّ أصدق صورة توقفك على رأيي هذا، مرثيّته للحُجّة الشيخ محمد كاشف الغطاء، والزعيم الخالد السيّد محسن الأمين..
والشّابّ الشَّاعر هو أنبه مَنْ رأيت من أقرانه الَّذين لم يقطعوا العقد الثَّاني، كما تجلّى لي أنّه أشعر من رأيت منهم أيضًا، فقد جمع بين رقّة لبنان ولهجة العراق، وبين خيال الأرز وظلّ النَّخيل.. فَهِمَ الحياة فهمًا خاصًّا جعله لا يناوئ أفراد مجتمعه وإن اختلفوا معه في الرأي، ولا يبتعد عن الجهلاء وإن احتقرهم في قرارة نفسه، كما لم يمتنع من أيِّ تكليف يُلقى عليه"...
 
* من كتاب "أضـواء على حيـاة سماحة العلَّامة المرجع السيّد محمّـد حسين فضـل الله - المرحلة النجفيَّة".
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية