تجربة السيّد فضل الله (رض) من الكتاتيب إلى الحوزة

تجربة السيّد فضل الله (رض) من الكتاتيب إلى الحوزة

يقول سماحة السيّد (رض): "في السّنّ الَّتي يتعلَّم فيها الإنسان القراءة والكتابة، أُرسلت إلى أحد الكتاتيب الكائن في إحدى الغرف من الطبقة العلويّة لمقام الإمام عليّ (ع) في النجف الأشرف، وكانت طريقة الدّراسة قائمة على أن يعلّم أحدُ التَّلاميذ المتقدّمين التّلميذَ الآخر.. ثمَّ نُقلت إلى كُتّاب ثانٍ قريب من بيتنا، وكان المشرف عليه شيخًا كبير السّنّ، وقد تعلّمت القراءة والكتابة في شكلٍ تقليديّ، حيث كنّا نأخذ الألواح ونكتب بالطّبشور عليها"(1).
ويتابع سماحته: 
"إلى جانب ذلك، فإنّني أتذكّر أنّني عندما أُدخلت إلى "الكتاتيب" من أجل تعلّم القراءة والكتابة والقرآن، اختزلت في داخل نفسي الحالة السلبيَّة العنيفة ضدّ الأسلوب المـّتبع في التربية والتعليم، لأنّه كان أسلوبًا عنيفًا يحطّم نفسية الطالب الطفل عندما يخطئ خطًا بسيطًا، فيضعه الشيخ في "الفلقة" ويبدأ بضربه أمام عيون رفاقه الطلَّاب حيث تتحطّم نفسيّته، إضافةً إلى تحطّم حالته الجسديّة. كما أنَّ الطريقة التقليديَّة الَّتي كانت تُمارَس، لا تستطيع أن تعطي الطَّالب انفتاحًا في هذا المجال. وكنّا نلاحظ أنَّ "الشَّيخ" الَّذي يُشرف على الكُتّاب، يعمل على تفضيل بعض الطلَّاب عن الآخرين، لأنَّ هذا من عائلة غنيَّة أو من عائلة الوجهاء، ممّا كان يُثقل روحيّة الطلَّاب"(2).
 ويردف سماحته: "لم أمكث كثيرًا في هذه "الكتاتيب"، وانتقلت بعد ذلك إلى مدرسة (عصريَّة) أنشأتها جمعيَّة دينيَّة، وهي "جمعيَّة منتدى النشر" على الطريقة الحديثة، وقُبلت في الصفّ الثَّالث، وانتقلت منه إلى الرابع، ثمَّ تركت المدرسة، ولا أدري ما هي الظّروف الَّتي دفعتني لأتركها في هذه السنّ المبكرة"(3)... "رغم نجاحي وتفوّقي، لعلَّ الإمكانات الماديَّة لم تكن تسمح بذلك"(4).
وينتقل سماحته إلى الدراسة الحوزوية، فيقول: "بدأت طلب العلم الدّيني في سنّ مبكرة جدًّا، أظنّ أنّها كانت في سنّ التَّاسعة من عمري، حيث كنت أقرأ "الأجروميَّة" الَّتي تُعتبر أوّل كتابٍ في النَّحو، وبعدها كتاب "قطر النَّدى وبلّ الصَّدى" لابن هشام، وهذا الكتاب من الكتب النَّحْوية الجيّدة، ولكنّها لا تتناسب حسب مصطلحاتها العلميَّة مع ذهنيَّة الطلَّاب في بداية قراءة النَّحو، وهذا مأخذنا على الدراسات القديمة، ولكنّنا كنّا مع كلّ هذه الصّعوبات، نعمل على أن ننجح هذه الدراسة"(5).
وهنا بدأتْ مرحلةٌ جديدة من مراحل حياة السيّد (رض)، يقول: "إنّ المرحلة التي كنّا نعيشها، كانت تتحرّك في نطاق الأجواء العلميَّة في النجف الأشرف، حيث كانت الطريقة بأن يحضّر التلميذ درسه تمامًا كما يحضّر الأستاذ دروسه، ونطالع ما هناك من شروحاتٍ وحواشٍ في الكتاب، وينطلق الطالب بعد درسه ليذاكر طالبًا آخر زميلًا له، ليلقي أحدُهما على الآخر شرح الدَّرس كما لو كان أستاذًا له، وليأتي الآخرُ في اليوم الثَّاني ليلقي شرح الدَّرس الثَّاني وما إلى ذلك.
وكنّا نجتمع كطلّاب في ليالي الخميس والجمعة، حيث كانت تُقام مجالس بعنوان "مجالس التَّعزية" الَّتي يلتقي فيها العلماء والطلَّاب لدى بعض العلماء الَّذين يقيمون هذه المجالس، فكنّا نذهب إلى هناك، وقد حضّر كلُّ واحد منّا بعض الإشكالات والمناقشات الَّتي يوجّهها إلى أساتذته، وكانت المناقشات تحتدُّ بشكلٍ يرتفع فيه الصّياح، وكانت (النقاشات) تمتدّ لستّ ساعات أو أكثر، حيث يكتشف الإنسان في نفسه بعض الإمكانات الفكريَّة التي يلتفت إليها في أثناء المناقشة. ومن هنا، قد يحصل الإنسان على نتائج فكرية مهمَّة لم يكن قد فكّر بها من قبل، وهذه قد جعلت من الطَّالب النجفي عميقًا في تفكيره، لأنّه تعوّد على أن لا يستظهر الأفكار، بل يصنعها.
لقد كان أساتذتنا يعلّموننا ذلك منذ الطّفولة، وهذا ما تعلّمته من المرحوم عمّي السيّد محمَّد سعيد فضل الله (رحمه الله)، إذ كان يقول لي إنّه ينبغي أن يكون لك رأي ذاتيّ في كلّ درس تدرسه، بحيث لا تحاول أن تأخذ رأي الأستاذ فقط، أو رأي صاحب الكتاب، بل تحاول أن تفكّر فيه لتقتنع به أو ترفضه، ولو بحجمك من الطَّاقة الفكريّة العلميّة"(6).
* من كتاب "أضـواء على حيـاة سماحة العلَّامة المرجع السيّد محمَّـد حسين فضـل الله - المرحلة النجفيَّة".
***
1- العلَّامة، سركيس نعوم، ص:11-12.
 2 - تحدّي الممنوع، علي سرور، ص25.
 3 - المصدر السابق، ص26.
 4 - العلّامة، سركيس نعوم، ص12.
 5 - تحدّي الممنوع، علي سرور، ص269.
 6 - تحدّي الممنوع، علي سرور، ص:43-44.
يقول سماحة السيّد (رض): "في السّنّ الَّتي يتعلَّم فيها الإنسان القراءة والكتابة، أُرسلت إلى أحد الكتاتيب الكائن في إحدى الغرف من الطبقة العلويّة لمقام الإمام عليّ (ع) في النجف الأشرف، وكانت طريقة الدّراسة قائمة على أن يعلّم أحدُ التَّلاميذ المتقدّمين التّلميذَ الآخر.. ثمَّ نُقلت إلى كُتّاب ثانٍ قريب من بيتنا، وكان المشرف عليه شيخًا كبير السّنّ، وقد تعلّمت القراءة والكتابة في شكلٍ تقليديّ، حيث كنّا نأخذ الألواح ونكتب بالطّبشور عليها"(1).
ويتابع سماحته: 
"إلى جانب ذلك، فإنّني أتذكّر أنّني عندما أُدخلت إلى "الكتاتيب" من أجل تعلّم القراءة والكتابة والقرآن، اختزلت في داخل نفسي الحالة السلبيَّة العنيفة ضدّ الأسلوب المـّتبع في التربية والتعليم، لأنّه كان أسلوبًا عنيفًا يحطّم نفسية الطالب الطفل عندما يخطئ خطًا بسيطًا، فيضعه الشيخ في "الفلقة" ويبدأ بضربه أمام عيون رفاقه الطلَّاب حيث تتحطّم نفسيّته، إضافةً إلى تحطّم حالته الجسديّة. كما أنَّ الطريقة التقليديَّة الَّتي كانت تُمارَس، لا تستطيع أن تعطي الطَّالب انفتاحًا في هذا المجال. وكنّا نلاحظ أنَّ "الشَّيخ" الَّذي يُشرف على الكُتّاب، يعمل على تفضيل بعض الطلَّاب عن الآخرين، لأنَّ هذا من عائلة غنيَّة أو من عائلة الوجهاء، ممّا كان يُثقل روحيّة الطلَّاب"(2).
 ويردف سماحته: "لم أمكث كثيرًا في هذه "الكتاتيب"، وانتقلت بعد ذلك إلى مدرسة (عصريَّة) أنشأتها جمعيَّة دينيَّة، وهي "جمعيَّة منتدى النشر" على الطريقة الحديثة، وقُبلت في الصفّ الثَّالث، وانتقلت منه إلى الرابع، ثمَّ تركت المدرسة، ولا أدري ما هي الظّروف الَّتي دفعتني لأتركها في هذه السنّ المبكرة"(3)... "رغم نجاحي وتفوّقي، لعلَّ الإمكانات الماديَّة لم تكن تسمح بذلك"(4).
وينتقل سماحته إلى الدراسة الحوزوية، فيقول: "بدأت طلب العلم الدّيني في سنّ مبكرة جدًّا، أظنّ أنّها كانت في سنّ التَّاسعة من عمري، حيث كنت أقرأ "الأجروميَّة" الَّتي تُعتبر أوّل كتابٍ في النَّحو، وبعدها كتاب "قطر النَّدى وبلّ الصَّدى" لابن هشام، وهذا الكتاب من الكتب النَّحْوية الجيّدة، ولكنّها لا تتناسب حسب مصطلحاتها العلميَّة مع ذهنيَّة الطلَّاب في بداية قراءة النَّحو، وهذا مأخذنا على الدراسات القديمة، ولكنّنا كنّا مع كلّ هذه الصّعوبات، نعمل على أن ننجح هذه الدراسة"(5).
وهنا بدأتْ مرحلةٌ جديدة من مراحل حياة السيّد (رض)، يقول: "إنّ المرحلة التي كنّا نعيشها، كانت تتحرّك في نطاق الأجواء العلميَّة في النجف الأشرف، حيث كانت الطريقة بأن يحضّر التلميذ درسه تمامًا كما يحضّر الأستاذ دروسه، ونطالع ما هناك من شروحاتٍ وحواشٍ في الكتاب، وينطلق الطالب بعد درسه ليذاكر طالبًا آخر زميلًا له، ليلقي أحدُهما على الآخر شرح الدَّرس كما لو كان أستاذًا له، وليأتي الآخرُ في اليوم الثَّاني ليلقي شرح الدَّرس الثَّاني وما إلى ذلك.
وكنّا نجتمع كطلّاب في ليالي الخميس والجمعة، حيث كانت تُقام مجالس بعنوان "مجالس التَّعزية" الَّتي يلتقي فيها العلماء والطلَّاب لدى بعض العلماء الَّذين يقيمون هذه المجالس، فكنّا نذهب إلى هناك، وقد حضّر كلُّ واحد منّا بعض الإشكالات والمناقشات الَّتي يوجّهها إلى أساتذته، وكانت المناقشات تحتدُّ بشكلٍ يرتفع فيه الصّياح، وكانت (النقاشات) تمتدّ لستّ ساعات أو أكثر، حيث يكتشف الإنسان في نفسه بعض الإمكانات الفكريَّة التي يلتفت إليها في أثناء المناقشة. ومن هنا، قد يحصل الإنسان على نتائج فكرية مهمَّة لم يكن قد فكّر بها من قبل، وهذه قد جعلت من الطَّالب النجفي عميقًا في تفكيره، لأنّه تعوّد على أن لا يستظهر الأفكار، بل يصنعها.
لقد كان أساتذتنا يعلّموننا ذلك منذ الطّفولة، وهذا ما تعلّمته من المرحوم عمّي السيّد محمَّد سعيد فضل الله (رحمه الله)، إذ كان يقول لي إنّه ينبغي أن يكون لك رأي ذاتيّ في كلّ درس تدرسه، بحيث لا تحاول أن تأخذ رأي الأستاذ فقط، أو رأي صاحب الكتاب، بل تحاول أن تفكّر فيه لتقتنع به أو ترفضه، ولو بحجمك من الطَّاقة الفكريّة العلميّة"(6).
* من كتاب "أضـواء على حيـاة سماحة العلَّامة المرجع السيّد محمَّـد حسين فضـل الله - المرحلة النجفيَّة".
***
1- العلَّامة، سركيس نعوم، ص:11-12.
 2 - تحدّي الممنوع، علي سرور، ص25.
 3 - المصدر السابق، ص26.
 4 - العلّامة، سركيس نعوم، ص12.
 5 - تحدّي الممنوع، علي سرور، ص269.
 6 - تحدّي الممنوع، علي سرور، ص:43-44.
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية