محاضرات
05/06/2026

يومُ الغديرِ: تجديدُ البيعةِ لعليٍّ (ع) بالالتزامِ بنهجِه

يومُ الغديرِ: تجديدُ البيعةِ لعليٍّ (ع) بالالتزامِ بنهجِه

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة: 67].

يومُ الولايةِ لعليٍّ (ع)

وكان النَّبيّ (ص) قد بلَّغ الرّسالة الَّتي أنزلها الله عليه كلّها؛ لم يبق هناك حكمٌ إلّا وبلَّغه، ولا مفهوم إلَّا وعرَّفه، ولا منهجٌ إلَّا وخطَّطه. ولكنَّ الله أرادَ له أن يبلِّغ شيئاً آخر هو من صلب الرّسالة، ولكنَّه يحمي الرِّسالة؛ يحميها من تحريف المحرِّفين، وتضليل المضلِّلين، وتشويه المشوِّهين، ولن يحمل هذه الرِّسالة بعد الرَّسول إلَّا الشَّخصُ الَّذي عاش كلَّ الرّسالة في عقله، وكلَّ أخلاقها في خُلُقه، وكلَّ روحانيَّتها في روحانيَّته، وكلَّ صلابتها في صلابته، وكلَّ زهدها في زهده، وكلَّ علمها في علمه.

مَنْ هناك؟ وليس هناك إلَّا شخص واحد: "عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ"أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها"، "أمَا ترضى أن تكونَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى؟ غيرَ أنَّه لا نبيَّ بعدي".

وقال الله له إنَّ الناس من الكافرين والمنافقين سيتحدّثون أنَّك أعطيت الإمامة لابن عمِّك وصهرك، فلا تخف، ولا تحزن، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.

ووقف، وكان الجوُّ محرقاً في حرارته في تلك الصَّحراء في وقت الظَّهيرة، ودعا بعليّ (ع)، ورفع يده بيده، حتَّى بان بياض إبطيهما للنَّاس، ثمَّ قال: "ألسْتُ أولى بالمؤمنينَ منْ أنفسِهِم؟ فقالوا: اللَّهمَّ بلى، قال (ص): فمن كنْتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللَّهمَّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، وانصرْ مَنْ نصرَهُ، واخذلْ مَنْ خذلَهُ".

ومن هناك، انطلق الوحي من جديد، يوم الغدير، يوم الولاية، يوم الامتداد الإسلاميّ في الإنسان الَّذي كان وحده بعد رسول الله يجسِّد الإسلام كلَّه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ - أكملت النبوَّة بالولاية الّتي هي خطٌّ ومنهجٌ وحركةٌ وإخلاصٌ وموقفٌ في الحياة - وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، نقف مع عليّ (ع)، لا في يوم الغدير فحسب، ولكنَّنا نقف مع عليّ في كلِّ يوم؛ نقف معه لأنَّه كان الفكر الَّذي أشرق بالإسلام في صفائه ونقائه، لأنَّه الإنسان الَّذي باع نفسه لله، فلم يبق لنفسه من نفسه شيء، لأنَّه الإنسان الَّذي أعطى الإسلامَ من عقله عقلا،ً ومن روحه روحاً، ومن حركته حركة.

بدأ مع رسول الله في طفولته الأولى، وغذَّاه رسول الله من خُلُقه، ومن علمه، ومن روحه، ومن كلِّ ابتهالاته، ما جعله يعيش روح رسول الله، ويعيش عقله وروحانيَّته وحركته.

وهكذا كان مع رسول الله في بيته، وكان مع رسول الله في مسجده، وكان مع رسول الله عندما ينزل عليه جبرائيل، وكان يقول له: "يا عليّ، إنَّكَ تسمعُ ما أسمعُ، وترى ما أرى، إلَّا أنَّكَ لسْتَ بنبيٍّ"، وكان مع رسول الله في حربه وسلمه، لأنَّه كان مع الله، ولأنَّه كان للإسلام كلّه.

مسؤوليَّةُ الالتزامِ بالولاية

أيُّها الأحبَّة، إنَّ التزامنا بولاية عليٍّ (ع) وولاية الأئمَّة من أهل بيته (ع)، هو التزامٌ بالإسلام كلِّه، والتزامٌ بالقرآن كلِّه، والتزامٌ بالسنَّة كلِّها، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أرادنا أن ننطلق معهم، لأنَّهم حملوا الكتاب بعدَ رسول الله (ص) كما لم يحمله أحد، ولأنَّهم حملوا السنَّة كما لم يحملها أحد.

ولهذا، فإنَّ الالتزام بعليٍّ (ع) يكلِّفنا كثيراً، لأنَّ عليّاً ليس عاطفةً تنبض بها قلوبنا، ولكنَّه خطٌّ يحكم كلَّ حياتنا، ومنهجٌ يحكم كلَّ حركتنا. إنَّ عليّاً يمثِّل الحقَّ كلَّه، فمن لم يلتزم الحقَّ في حياته، فلا علاقة له بعليّ، حتَّى لو هتف باسم عليّ، ولأنَّ عليّاً كان العدل كلَّه، فمن لم يلتزم العدل في حياته، فليس له علاقة بعليّ، حتَّى لو كان يهتف باسم عليّ. لقد كان عليّ مع الله، فمن لم يكن مع الله، فكيف يمكن أن يكون مع عليٍّ؟!

كان يقول للنَّاس من حوله: "لَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُم"، إنَّني أريدكم أن تعرفوا الله. ولذلك، عاش كلَّ حياته يثقِّف النَّاس بمعرفة الله، لأنَّه عرف الله حتَّى قال: "لوْ كُشِفَ ليَ الغطاءُ ما ازددْتُ يقيناً"، وكان يعمل على أن يثقِّف النَّاس بتقوى الله وبمنهجه وأحكامه.

مصلحةُ الإسلامِ أوّلاً

أيُّها الأحبَّة، إنَّ عليّاً (ع) عاش للإسلام كلّه، حتى إنَّه وقف أمام حقِّه، عندما جاءت التَّعقيدات التي أبعدته عن حقّه الَّذي هو الحقّ الحقّ، ولكنَّه لم يضعف، ولم يتزلزل، ولم يعش العقدة ضدَّ المسلمين، لأنَّ عليّاً لا يحمل العقدة لأحد، كان قلبه مفتوحاً للنَّاس كلِّهم، كان قلبه مفتوحاً لأعدائه ولأوليائه، وقد أوصانا (ع): "احصدِ الشَّرَّ من صدرِ غيرِكَ بقلعِهِ من صدرِكَ".

لذلك، لم يكن في صدر عليّ شرٌّ حتى للَّذين اضطهدوه، وحتى للذين أبعدوه، كان الخير كلّه، لأنَّ عليّاً كان مع الله، ومَنْ كان مع الله، لا يمكن إلَّا أن يعيش الخيرُ في عقلِهِ وقلبِهِ وحياتِهِ.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، تعالوا نغرف من بحرِ عليّ (ع)، تعالوا نتعلَّم من عليٍّ كيف نحفظ الإسلامَ والمسلمينَ من كلِّ عصبيَّاتنا، فقد كانَ عليٌّ (ع)، وهو صاحب الحقّ، لا يعيش العصبيَّة في نفسه لينغلق عن النَّاس، ونحنُ نعرفُ أنَّه عندما رأى أنَّ الواقع الإسلاميَّ قد وصل إلى حدٍّ لا يتحمَّل أيّ فتنة، جمَّد موقفه ولم يلغه، جمَّد المطالبة بحقِّه، ولم يتنازل عن حقِّه، وقال: "لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إلَّا عليَّ خاصَّة"، فإذا كنت أنا المظلوم فلا مشكلة، المهمّ أن لا يُظلَمَ الإسلامُ ولا يُظلَمَ المسلمون.

وهكذا، أعطى النَّصيحة لمن تقدَّمه، وأعطى الرَّأي لمن أبعده، وعاش فترة خمسٍ وعشرين سنة، وهو يحلُّ المشكلات الجديدة الَّتي واجهت المسلمين بعد الفتوحات، وهو يعالج القضايا الصَّعبة، وهو الَّذي يتحمَّل ما تحمَّل، وهذا ما عبَّر عنه في الخطبة الشَّقشقيَّة الَّتي نفث فيها ما في نفسه من آلامٍ وهموم، ولكنَّه بقي للحقِّ كلِّه، حتَّى قال عنه عمر بن الخطّاب آنذاك: "لولا عليٌّ لهلكَ عمر"، "معضلةٌ ولا أبا حسنٍ لها"، وحتّى قال (ع)، وهو يعالج مسألة الشّورى: "حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ، جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا لَلَّهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ، لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا...".

كان (ع) يقول: "لوْ وليَها عَليٌّ لحَمَلَهُم عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ"، فلو وليَ عليٌّ (ع) الخلافة، لحملَ النَّاسَ على الطَّريقِ الأبيضِ الَّذي لا ظلمةَ فيه ولا اعوجاج.

خطُّ الحاكمِ عندَ عليٍّ (ع)

وعندما عاش (ع) تجربة الخلافة بعد أن صارت الخلافة الفعليَّة إليه، كان يتحدَّث مع أصحابه هؤلاء الَّذين خرَّبوا عليه خطَّته، وكان ينفتح على الله، ويبيِّن لنا خطَّ الحاكم في الإسلام.

استمعوا إليه في هذه الخطبة القصيرة الّتي تتحرَّك في أكثر من موقع.

يقول (ع)، وهو يتحدَّث مع أصحابه الَّذين أثاروا الكثير من الخلافات حوله: " أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ - الَّتي يتحرَّك كلّ واحد فيها في طريق يختلف عن الآخر - الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ! – يعني إني أراكم في أبدان صحيحة، ولكنَّ مشكلتكم أنّكم لا تعيشون مع عقولكم، بل تعيشون مع غرائزكم، كالكثرين من النَّاس الذين يتحركون بفعل غرائزهم ولا يتحركون بفعل عقولهم - أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ – وأظأركم يعني أدعوكم إلى الحقّ، ولكنّكم تنفرون عنه كما تنفر المعزى عندما يقبل عليها الأسد - هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ - يعني أن أؤكِّد العدل من خلالكم – أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ".

ثمَّ صرف نظره عنهم، وبدأ يناجي ربَّه، وهو يتحدَّث مع النَّاس، أراد أن يشهد ربَّه على خلفيَّات مطالبته بالحكم، وأنَّ مطالبته بالحكم ليسَتْ شهوةً وليسَتْ طموحاً، وليسَتْ طمعاً، ولكنَّها رسالة، أراد أن يشهد ربَّه على ذلك، ويشكو لربِّه ذلك، وكأنَّه يقول: يا ربّ، إنَّك تعلم ما في نفسي، ولكنَّ مشكلتي أني أعيش في مجتمعٍ لا يفهمني جيّداً، وفي مجتمعٍ لا يعرف عمق عليٍّ وصفاءه، ولا يعرف الأفق الواسع الرَّحب الَّذي يعيش فيه عليّ:

"اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا – من المطالبة بحقّنا - مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ – كما يتنافس السّلاطين، ليعمل هذا أو ذاك على أن يزيل الآخر ليجلس مكانه -  وَلَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ - حتَّى نحصل على مالٍ أو متاعٍ من حطام الدّنيا - وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ – نحن نطلب الحكم  من أجل أن نؤكِّد معالم الدّين وخطوطه وكلَّ مواقعه وكلّ مفاصله  - وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ – لأنَّنا نجد هناك فساداً في الفكر، وفي العمل، وفي المنهج، وفي الذهنيَّة، ونحن نعمل على أن نظهر الإصلاح من خلال الحكم الَّذي نتطلّبه، والّذي نخطِّط له أن يجري في الخطِّ المستقيم -  فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ – إنَّنا نريد أن نظهر الإصلاح، أن نرد المعالم من دينك، من أجل أن يأمن المظلومون من عبادك أنَّ حقَّهم لا بدَّ أن يصل إليهم، وأنَّ ظلامتهم لا تبقى من دون حلّ ومن دون عدل.

- وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ – وينفَّذ القانون الَّذي يعطي لكلِّ حقٍّ حقَّه، ويقف بالنَّاس عندَ النِّظام العام الَّذي يشملهم جميعاً.

- اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ – أوَّل من رجع إليك عندما دعا رسول الله النَّاس - وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ (ص) بِالصَّلَاةِ – كان رسول الله هو أوَّل من صلَّى لك، وكنْتُ الثَّاني الَّذي صلَّى لك. لذلك، إنَّ علاقتي بك، يا ربّ، هي علاقتي بالصَّلاة الّتي تمثِّل هذا العروجَ الرُّوحيَّ للإنسان أمام الله سبحانه وتعالى.

المُؤْتَمَنُ عَلَى الحُكْمِ

ثمَّ بدأ يبيِّن للنَّاس مَنْ هو المؤتمن على الحكم، والمؤتمن على إمامةِ النَّاس:

- وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِمِ وَالْأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ – إذا كان الحاكم من البخلاء، والبخيل عادةً يجمع المال ويحرص عليه، فيأخذ أموال النَّاس، ولكنّه لا يعطيهم منها - وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ – لا بدَّ أن يكون الوالي على المسلمين إنساناً عالماً، يستطيع أن يعطي المسلمين من علمه، حتَّى يهديهم بعلمه، كما يتحرَّك بهم بعدله - وَلَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ - الإنسان الّذي يعيش حالة الجفاء والقسوة - وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ – الإنسان الَّذي يجور على النَّاس - فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ - فيفضِّل قوماً دونَ قوم - وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ، فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ – لأنَّه يعطي الحكم لمن يعطيه الرَّشوة أكثر-  وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ، وَلَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ" .

وهكذا كان عليّ (ع) في كلِّ حياته.

تجديدُ البيعةِ لعليّ (ع)

أيُّها الأحبَّة، إنَّ عليَّاً كان مع الحقّ في كلّ مواقعه، وكان مع الحقّ في كلِّ خطواته، وكان مع الحقّ في كلِّ كلماته. فإذا أردنا أن نجدِّد البيعة لعليّ (ع) في يوم الولاية، فعلينا أن نقول له: يا أمير المؤمنين، لقد كنْتَ أوَّلَ القوم إسلاماً، وأقدمَهم إيماناً، وها نحن نبايعك على أن نكون المسلمين كما هو الإسلام الَّذي جاء به رسول الله، ونبايعك على الإيمان الَّذي جاء به رسول الله. يا عليّ، لقد كانت حياتك كلّها مع الحقّ، ونحن نعاهدك على أن نكون مع الحقّ كلّه؛ في العقيدة، وفي الشَّريعة وفي المنهج، ومع الحقّ في السياسة، وفي الحياة الاجتماعيَّة العامَّة. يا عليّ، انظر إلينا من عليائك، واطلب لنا من ربِّك أن يثبِّتنا على الإيمان.

إنَّ عليّاً يكلِّف الَّذين يوالونه كثيراً، إنَّ عليّاً (ع) لا يمكن أن يستقبلنا إذا كان بعضنا يظلم بعضاً، وإذا كان بعضنا يمزِّق بعضاً، لا يمكن أن يستقبلنا عنده غداً يوم القيامة، وهو قسيم الجنَّة والنَّار، عندما يجدنا وقد مزَّقنا واقع المسلمين بعصبيَّاتنا وحزبيَّاتنا وكلِّ غرائزنا، عندما يجدنا نقف مع الظَّالمين والمستكبرين، ونترك العادلين والمتواضعين.

 أيُّها الأحبَّة، من جديد، إنَّ علينا أن نقترب من عليّ (ع)، وأن لا نضيِّعه كما ضيَّعه الَّذين عاشوا معه، وأن نعمل على نقرأه جيِّداً، وأن نفهمه جيِّداً، وأن نتَّبعه جيِّداً. وتذكَّروا ما قاله الإمام محمَّد الباقر (ع) مما روي عنه: "حسب الرَّجلِ أنْ يقولَ أحبُّ عليّاً وأتولَّاه ثمَّ لا يكون مَعَ ذَلِكَ فَعَّالاً؟ فَلَوْ قَالَ إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اَللَّهِ، وَرَسُولُ اَللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، ثُمَّ لَا يَعْمَلُ بِعَمَلِهِ، وَلَا يَتَّبِعُ سُنَّتَهُ، مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً... مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، وَمَاْ تُنَالُ ولاَيَتُنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَاَلْعَمَلِ".

هذا هو خطُّ الولاية؛ أن تفعل ما أمرك الله به، وأن تترك ما نهاك الله عنه، إنَّك بهذا تسير في خطِّ الولاية، وتجسِّد الولاية، الولاية ليست كلمة، ولكنَّها فكر وقلب وموقف وحركة وحياة.

يَاْ سَمَاءُ اشْهَدِي ويَاْ أَرْضُ قرِّي         واخْشَعِي إِنَّني ذكرْتُ عَلِيّا

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 09/04/ 1999م.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة: 67].

يومُ الولايةِ لعليٍّ (ع)

وكان النَّبيّ (ص) قد بلَّغ الرّسالة الَّتي أنزلها الله عليه كلّها؛ لم يبق هناك حكمٌ إلّا وبلَّغه، ولا مفهوم إلَّا وعرَّفه، ولا منهجٌ إلَّا وخطَّطه. ولكنَّ الله أرادَ له أن يبلِّغ شيئاً آخر هو من صلب الرّسالة، ولكنَّه يحمي الرِّسالة؛ يحميها من تحريف المحرِّفين، وتضليل المضلِّلين، وتشويه المشوِّهين، ولن يحمل هذه الرِّسالة بعد الرَّسول إلَّا الشَّخصُ الَّذي عاش كلَّ الرّسالة في عقله، وكلَّ أخلاقها في خُلُقه، وكلَّ روحانيَّتها في روحانيَّته، وكلَّ صلابتها في صلابته، وكلَّ زهدها في زهده، وكلَّ علمها في علمه.

مَنْ هناك؟ وليس هناك إلَّا شخص واحد: "عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ"أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها"، "أمَا ترضى أن تكونَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى؟ غيرَ أنَّه لا نبيَّ بعدي".

وقال الله له إنَّ الناس من الكافرين والمنافقين سيتحدّثون أنَّك أعطيت الإمامة لابن عمِّك وصهرك، فلا تخف، ولا تحزن، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.

ووقف، وكان الجوُّ محرقاً في حرارته في تلك الصَّحراء في وقت الظَّهيرة، ودعا بعليّ (ع)، ورفع يده بيده، حتَّى بان بياض إبطيهما للنَّاس، ثمَّ قال: "ألسْتُ أولى بالمؤمنينَ منْ أنفسِهِم؟ فقالوا: اللَّهمَّ بلى، قال (ص): فمن كنْتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللَّهمَّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، وانصرْ مَنْ نصرَهُ، واخذلْ مَنْ خذلَهُ".

ومن هناك، انطلق الوحي من جديد، يوم الغدير، يوم الولاية، يوم الامتداد الإسلاميّ في الإنسان الَّذي كان وحده بعد رسول الله يجسِّد الإسلام كلَّه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ - أكملت النبوَّة بالولاية الّتي هي خطٌّ ومنهجٌ وحركةٌ وإخلاصٌ وموقفٌ في الحياة - وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، نقف مع عليّ (ع)، لا في يوم الغدير فحسب، ولكنَّنا نقف مع عليّ في كلِّ يوم؛ نقف معه لأنَّه كان الفكر الَّذي أشرق بالإسلام في صفائه ونقائه، لأنَّه الإنسان الَّذي باع نفسه لله، فلم يبق لنفسه من نفسه شيء، لأنَّه الإنسان الَّذي أعطى الإسلامَ من عقله عقلا،ً ومن روحه روحاً، ومن حركته حركة.

بدأ مع رسول الله في طفولته الأولى، وغذَّاه رسول الله من خُلُقه، ومن علمه، ومن روحه، ومن كلِّ ابتهالاته، ما جعله يعيش روح رسول الله، ويعيش عقله وروحانيَّته وحركته.

وهكذا كان مع رسول الله في بيته، وكان مع رسول الله في مسجده، وكان مع رسول الله عندما ينزل عليه جبرائيل، وكان يقول له: "يا عليّ، إنَّكَ تسمعُ ما أسمعُ، وترى ما أرى، إلَّا أنَّكَ لسْتَ بنبيٍّ"، وكان مع رسول الله في حربه وسلمه، لأنَّه كان مع الله، ولأنَّه كان للإسلام كلّه.

مسؤوليَّةُ الالتزامِ بالولاية

أيُّها الأحبَّة، إنَّ التزامنا بولاية عليٍّ (ع) وولاية الأئمَّة من أهل بيته (ع)، هو التزامٌ بالإسلام كلِّه، والتزامٌ بالقرآن كلِّه، والتزامٌ بالسنَّة كلِّها، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أرادنا أن ننطلق معهم، لأنَّهم حملوا الكتاب بعدَ رسول الله (ص) كما لم يحمله أحد، ولأنَّهم حملوا السنَّة كما لم يحملها أحد.

ولهذا، فإنَّ الالتزام بعليٍّ (ع) يكلِّفنا كثيراً، لأنَّ عليّاً ليس عاطفةً تنبض بها قلوبنا، ولكنَّه خطٌّ يحكم كلَّ حياتنا، ومنهجٌ يحكم كلَّ حركتنا. إنَّ عليّاً يمثِّل الحقَّ كلَّه، فمن لم يلتزم الحقَّ في حياته، فلا علاقة له بعليّ، حتَّى لو هتف باسم عليّ، ولأنَّ عليّاً كان العدل كلَّه، فمن لم يلتزم العدل في حياته، فليس له علاقة بعليّ، حتَّى لو كان يهتف باسم عليّ. لقد كان عليّ مع الله، فمن لم يكن مع الله، فكيف يمكن أن يكون مع عليٍّ؟!

كان يقول للنَّاس من حوله: "لَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُم"، إنَّني أريدكم أن تعرفوا الله. ولذلك، عاش كلَّ حياته يثقِّف النَّاس بمعرفة الله، لأنَّه عرف الله حتَّى قال: "لوْ كُشِفَ ليَ الغطاءُ ما ازددْتُ يقيناً"، وكان يعمل على أن يثقِّف النَّاس بتقوى الله وبمنهجه وأحكامه.

مصلحةُ الإسلامِ أوّلاً

أيُّها الأحبَّة، إنَّ عليّاً (ع) عاش للإسلام كلّه، حتى إنَّه وقف أمام حقِّه، عندما جاءت التَّعقيدات التي أبعدته عن حقّه الَّذي هو الحقّ الحقّ، ولكنَّه لم يضعف، ولم يتزلزل، ولم يعش العقدة ضدَّ المسلمين، لأنَّ عليّاً لا يحمل العقدة لأحد، كان قلبه مفتوحاً للنَّاس كلِّهم، كان قلبه مفتوحاً لأعدائه ولأوليائه، وقد أوصانا (ع): "احصدِ الشَّرَّ من صدرِ غيرِكَ بقلعِهِ من صدرِكَ".

لذلك، لم يكن في صدر عليّ شرٌّ حتى للَّذين اضطهدوه، وحتى للذين أبعدوه، كان الخير كلّه، لأنَّ عليّاً كان مع الله، ومَنْ كان مع الله، لا يمكن إلَّا أن يعيش الخيرُ في عقلِهِ وقلبِهِ وحياتِهِ.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، تعالوا نغرف من بحرِ عليّ (ع)، تعالوا نتعلَّم من عليٍّ كيف نحفظ الإسلامَ والمسلمينَ من كلِّ عصبيَّاتنا، فقد كانَ عليٌّ (ع)، وهو صاحب الحقّ، لا يعيش العصبيَّة في نفسه لينغلق عن النَّاس، ونحنُ نعرفُ أنَّه عندما رأى أنَّ الواقع الإسلاميَّ قد وصل إلى حدٍّ لا يتحمَّل أيّ فتنة، جمَّد موقفه ولم يلغه، جمَّد المطالبة بحقِّه، ولم يتنازل عن حقِّه، وقال: "لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إلَّا عليَّ خاصَّة"، فإذا كنت أنا المظلوم فلا مشكلة، المهمّ أن لا يُظلَمَ الإسلامُ ولا يُظلَمَ المسلمون.

وهكذا، أعطى النَّصيحة لمن تقدَّمه، وأعطى الرَّأي لمن أبعده، وعاش فترة خمسٍ وعشرين سنة، وهو يحلُّ المشكلات الجديدة الَّتي واجهت المسلمين بعد الفتوحات، وهو يعالج القضايا الصَّعبة، وهو الَّذي يتحمَّل ما تحمَّل، وهذا ما عبَّر عنه في الخطبة الشَّقشقيَّة الَّتي نفث فيها ما في نفسه من آلامٍ وهموم، ولكنَّه بقي للحقِّ كلِّه، حتَّى قال عنه عمر بن الخطّاب آنذاك: "لولا عليٌّ لهلكَ عمر"، "معضلةٌ ولا أبا حسنٍ لها"، وحتّى قال (ع)، وهو يعالج مسألة الشّورى: "حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ، جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا لَلَّهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ، لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا...".

كان (ع) يقول: "لوْ وليَها عَليٌّ لحَمَلَهُم عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ"، فلو وليَ عليٌّ (ع) الخلافة، لحملَ النَّاسَ على الطَّريقِ الأبيضِ الَّذي لا ظلمةَ فيه ولا اعوجاج.

خطُّ الحاكمِ عندَ عليٍّ (ع)

وعندما عاش (ع) تجربة الخلافة بعد أن صارت الخلافة الفعليَّة إليه، كان يتحدَّث مع أصحابه هؤلاء الَّذين خرَّبوا عليه خطَّته، وكان ينفتح على الله، ويبيِّن لنا خطَّ الحاكم في الإسلام.

استمعوا إليه في هذه الخطبة القصيرة الّتي تتحرَّك في أكثر من موقع.

يقول (ع)، وهو يتحدَّث مع أصحابه الَّذين أثاروا الكثير من الخلافات حوله: " أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ - الَّتي يتحرَّك كلّ واحد فيها في طريق يختلف عن الآخر - الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ! – يعني إني أراكم في أبدان صحيحة، ولكنَّ مشكلتكم أنّكم لا تعيشون مع عقولكم، بل تعيشون مع غرائزكم، كالكثرين من النَّاس الذين يتحركون بفعل غرائزهم ولا يتحركون بفعل عقولهم - أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ – وأظأركم يعني أدعوكم إلى الحقّ، ولكنّكم تنفرون عنه كما تنفر المعزى عندما يقبل عليها الأسد - هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ - يعني أن أؤكِّد العدل من خلالكم – أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ".

ثمَّ صرف نظره عنهم، وبدأ يناجي ربَّه، وهو يتحدَّث مع النَّاس، أراد أن يشهد ربَّه على خلفيَّات مطالبته بالحكم، وأنَّ مطالبته بالحكم ليسَتْ شهوةً وليسَتْ طموحاً، وليسَتْ طمعاً، ولكنَّها رسالة، أراد أن يشهد ربَّه على ذلك، ويشكو لربِّه ذلك، وكأنَّه يقول: يا ربّ، إنَّك تعلم ما في نفسي، ولكنَّ مشكلتي أني أعيش في مجتمعٍ لا يفهمني جيّداً، وفي مجتمعٍ لا يعرف عمق عليٍّ وصفاءه، ولا يعرف الأفق الواسع الرَّحب الَّذي يعيش فيه عليّ:

"اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا – من المطالبة بحقّنا - مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ – كما يتنافس السّلاطين، ليعمل هذا أو ذاك على أن يزيل الآخر ليجلس مكانه -  وَلَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ - حتَّى نحصل على مالٍ أو متاعٍ من حطام الدّنيا - وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ – نحن نطلب الحكم  من أجل أن نؤكِّد معالم الدّين وخطوطه وكلَّ مواقعه وكلّ مفاصله  - وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ – لأنَّنا نجد هناك فساداً في الفكر، وفي العمل، وفي المنهج، وفي الذهنيَّة، ونحن نعمل على أن نظهر الإصلاح من خلال الحكم الَّذي نتطلّبه، والّذي نخطِّط له أن يجري في الخطِّ المستقيم -  فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ – إنَّنا نريد أن نظهر الإصلاح، أن نرد المعالم من دينك، من أجل أن يأمن المظلومون من عبادك أنَّ حقَّهم لا بدَّ أن يصل إليهم، وأنَّ ظلامتهم لا تبقى من دون حلّ ومن دون عدل.

- وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ – وينفَّذ القانون الَّذي يعطي لكلِّ حقٍّ حقَّه، ويقف بالنَّاس عندَ النِّظام العام الَّذي يشملهم جميعاً.

- اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ – أوَّل من رجع إليك عندما دعا رسول الله النَّاس - وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ (ص) بِالصَّلَاةِ – كان رسول الله هو أوَّل من صلَّى لك، وكنْتُ الثَّاني الَّذي صلَّى لك. لذلك، إنَّ علاقتي بك، يا ربّ، هي علاقتي بالصَّلاة الّتي تمثِّل هذا العروجَ الرُّوحيَّ للإنسان أمام الله سبحانه وتعالى.

المُؤْتَمَنُ عَلَى الحُكْمِ

ثمَّ بدأ يبيِّن للنَّاس مَنْ هو المؤتمن على الحكم، والمؤتمن على إمامةِ النَّاس:

- وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِمِ وَالْأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ – إذا كان الحاكم من البخلاء، والبخيل عادةً يجمع المال ويحرص عليه، فيأخذ أموال النَّاس، ولكنّه لا يعطيهم منها - وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ – لا بدَّ أن يكون الوالي على المسلمين إنساناً عالماً، يستطيع أن يعطي المسلمين من علمه، حتَّى يهديهم بعلمه، كما يتحرَّك بهم بعدله - وَلَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ - الإنسان الّذي يعيش حالة الجفاء والقسوة - وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ – الإنسان الَّذي يجور على النَّاس - فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ - فيفضِّل قوماً دونَ قوم - وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ، فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ – لأنَّه يعطي الحكم لمن يعطيه الرَّشوة أكثر-  وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ، وَلَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ" .

وهكذا كان عليّ (ع) في كلِّ حياته.

تجديدُ البيعةِ لعليّ (ع)

أيُّها الأحبَّة، إنَّ عليَّاً كان مع الحقّ في كلّ مواقعه، وكان مع الحقّ في كلِّ خطواته، وكان مع الحقّ في كلِّ كلماته. فإذا أردنا أن نجدِّد البيعة لعليّ (ع) في يوم الولاية، فعلينا أن نقول له: يا أمير المؤمنين، لقد كنْتَ أوَّلَ القوم إسلاماً، وأقدمَهم إيماناً، وها نحن نبايعك على أن نكون المسلمين كما هو الإسلام الَّذي جاء به رسول الله، ونبايعك على الإيمان الَّذي جاء به رسول الله. يا عليّ، لقد كانت حياتك كلّها مع الحقّ، ونحن نعاهدك على أن نكون مع الحقّ كلّه؛ في العقيدة، وفي الشَّريعة وفي المنهج، ومع الحقّ في السياسة، وفي الحياة الاجتماعيَّة العامَّة. يا عليّ، انظر إلينا من عليائك، واطلب لنا من ربِّك أن يثبِّتنا على الإيمان.

إنَّ عليّاً يكلِّف الَّذين يوالونه كثيراً، إنَّ عليّاً (ع) لا يمكن أن يستقبلنا إذا كان بعضنا يظلم بعضاً، وإذا كان بعضنا يمزِّق بعضاً، لا يمكن أن يستقبلنا عنده غداً يوم القيامة، وهو قسيم الجنَّة والنَّار، عندما يجدنا وقد مزَّقنا واقع المسلمين بعصبيَّاتنا وحزبيَّاتنا وكلِّ غرائزنا، عندما يجدنا نقف مع الظَّالمين والمستكبرين، ونترك العادلين والمتواضعين.

 أيُّها الأحبَّة، من جديد، إنَّ علينا أن نقترب من عليّ (ع)، وأن لا نضيِّعه كما ضيَّعه الَّذين عاشوا معه، وأن نعمل على نقرأه جيِّداً، وأن نفهمه جيِّداً، وأن نتَّبعه جيِّداً. وتذكَّروا ما قاله الإمام محمَّد الباقر (ع) مما روي عنه: "حسب الرَّجلِ أنْ يقولَ أحبُّ عليّاً وأتولَّاه ثمَّ لا يكون مَعَ ذَلِكَ فَعَّالاً؟ فَلَوْ قَالَ إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اَللَّهِ، وَرَسُولُ اَللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، ثُمَّ لَا يَعْمَلُ بِعَمَلِهِ، وَلَا يَتَّبِعُ سُنَّتَهُ، مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً... مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، وَمَاْ تُنَالُ ولاَيَتُنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَاَلْعَمَلِ".

هذا هو خطُّ الولاية؛ أن تفعل ما أمرك الله به، وأن تترك ما نهاك الله عنه، إنَّك بهذا تسير في خطِّ الولاية، وتجسِّد الولاية، الولاية ليست كلمة، ولكنَّها فكر وقلب وموقف وحركة وحياة.

يَاْ سَمَاءُ اشْهَدِي ويَاْ أَرْضُ قرِّي         واخْشَعِي إِنَّني ذكرْتُ عَلِيّا

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 09/04/ 1999م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية