يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}[المائدة: 67].
تبليغٌ بطلبٍ إلهيّ
نزلت هذه الآية، كما يقول الكثيرون من المفسّرين ومن الرّواة، بعد أن ترك النّبيّ (ص) مكَّة في حجَّة الوداع، ومعه المسلمون، وكان هذا التَّجمّع مع النَّبيّ (ص) أكبرَ تجمّع عاشه المسلمون معه في الحجّ.
وكان النَّبيّ يسير نحو المدينة، ونزل عليه جبرائيل، كما جاء في الروايات المستفيضة والمتواترة، وقال له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، فهناك قضيَّة لا تحتمل التَّأخير، وهناك مسألة تحتاج إلى الاستعجال، لأنَّها من القضايا الَّتي ترتكز عليها سلامة المسيرة الإسلاميَّة، لأنَّك ستلقى وجه ربّك، ولا بدَّ للمسلمين من وليّ ومن أمير، ومن إمام يحمي الرّسالة ويصونها ويحفظها ويقوّيها، ويعطيها من فكره فكراً، ومن قوَّته قوّة، وأن تكون نفسُهُ نفسَكَ، ويكون الأمين على الإسلام كلّه، من خلال التَّجربة الحيَّة.
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} في إمامة عليّ وولايته {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، لأنَّك إن لم تفعل ذلك، تكون كمن أسَّس أساساً، ثمَّ تركه للعوامل والظّروف، من دون أن يُقيم عليه من يحفظه ويثبّته ويركّزه.
وإن كنت تخاف من قول النَّاس إنَّه ولَّى ابن عمّه، وإنَّ المسألة مسألة قرابة وليست مسألة كفاءة، فإنَّك تعلم، كما نحن نعلم، أنَّ القضيَّة أبعد من ذلك، فلديك أكثر من ابن عمّ، ولكنَّ عليّاً هو الأكفأ، هو الَّذي قلتَ فيه: "أَنْتَ مِنِّي بمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى، إِلَّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي"، وهو باب مدينة علمك، وهو "مع الحقّ، والحقّ معه، يدور معه حيثما دار".. فلا تخف كلام النَّاس، فقد عصمك الله منهم منذ أن انطلقت في رسالتك، وسيعصمك منهم بعد أن تكمل الرّسالة بولاية عليّ (ع).
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} الَّذين سوف يتحدَّثون بكلام غير مسؤول، ليشوّهوا موقعك وصورتك.
ونادى منادي رسول الله (ص)، كما تقول السّيرة، أن ينزل النَّاس من رواحلهم، وكان الوقت وقت ظهيرة، والشَّمس حادَّة حادَّة، فنزلوا في غدير خمّ، ولم يكن هناك ماء، وأمر النَّبيّ (ص) أن يُنصَبَ له منبرٌ من أحداج الإبل، وتحيَّر النَّاس لماذا أنزلهم رسول الله (ص) في هذا المكان غير المعتاد للنّزول، ولكنَّه ربَّما كان مفترق الطّرق، فقد أراد رسول الله أن يبلّغهم الرّسالة بأمر من الله سبحانه وتعالى، قبل أن يتفرّقوا كلٌّ إلى بلده ومكانه.
عليٌّ (ع) وليُّ المسلمين
ووقف (ص)، وقال للنَّاس بعد حديث طويل إنَّه يوشك أن يدعى فيجيب، وإنَّ أيَّامه باتت معدودة. ثمَّ قال: " أَلَسْتُ أَوْلىٰ بِالمُؤمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟"، ألست الحاكم الَّذي أعطاني الله سبحانه وتعالى سلطة الحكم في قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}[الأحزاب: 6]؟ أليست لي صلاحيَّة أن أفرض عليكم باسم الله كلَّ الأشياء الَّتي أرى فيها مصلحة لكم، كما يتصرَّف الوليّ فيمن وُلِّيَ عليه؟ فللنَّبيّ سلطة الحكم كما له رسالة النّبوَّة. " أَلَسْتُ أَوْلىٰ بِالمُؤمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قَالُوا اللَّهُمَّ بَلَى، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ"، ثم أخذ بكتف عليّ (ع) ورفعه، حتَّى بان بياض إبطيهما للنَّاس، حتَّى لا يقول شخص لم أر، وقال: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَأَدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُما دارَ".
وتقول كتب السّيرة إنَّ النَّبيَّ (ص) أراد أن يؤكّد هذه الولاية في وعي المسلمين، بعد أن كان قد أثارها في نفوسهم في أحاديثه الكثيرة عن عليّ (ع)، بما يوحي بأنَّه الإنسان الَّذي يريد أن يستخلفه من بعده. ونصب له خيمة، كما تقول الرّواية، ودعا المسلمين المجتمعين هناك أن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، وجاءه من جاءه ممن أبعدوه عن حقّه، وقالوا له: "بَخٍ بَخٍ لَكَ يا عَلِيُّ، أَصْبَحْتَ مَوْلايَ وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ"، وانطلق شاعر النَّبيّ حسَّان بن ثابت ليؤكّد في شعره هذه المسألة، ونزلت الآية الكريمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة: 3].
لقد بلَّغ النَّبيُّ كلَّ شيء، وكانت الولاية آخر ما يبلّغه للنَّاس، والولاية إنّما تتحرَّك في خطّ النّبوَّة، فكراً وجهاداً وانفتاحاً على المسؤوليَّة عن النَّاس كلّهم.. كانت النُّبوَّة هي البداية، وكانت الولاية هي النّهاية.. ليست الولاية نبوَّة، ولكنَّها تحفظ ما انطلقت النّبوَّة فيه، وتحرسه وترعاه، وبذلك كان عليّ (ع) الَّذي باع نفسه لله في كلّ حروب الإسلام، وفي كلّ مواقف الإسلام، وفي كلّ المهمَّات الَّتي كان يوكلها النَّبيّ إليه في كلّ القضايا، كان هو الوليّ والمؤتمن على الرّسالة بعد رسول الله (ص). لذلك حمل (ع) مسؤوليَّة الإسلام على كتفيه، ورأى أنَّه مسؤول أن يحفظه في عقيدته وشريعته وحركته.
كان عليّ (ع) شيئاً آخر غير كلّ المسلمين، ولكلّ من المسلمين شأنه، ولكلّ منهم درجته، ولكنَّ عليّاً كان شيئاً آخر، كان (ع) قمَّةً لا يمكن أن يصلها أحد منهم، وكان يقول عن نفسه في خطبة "الشَّقشقيَّة": "يَنْحَدِرُ عَنّي السَّيْلُ، وَلَا يَرْقَى إليَّ الطَّيْرُ". كان عليّ شيئاً آخر غير كلّ المسلمين، لأنَّه كان يملك العلم كلّه: "أَنا مَدينَةُ العِلمِ وَعَلِيٌّ بابُها"، ولأنَّه كان يقول: "عَلَّمَني أَلْفَ بابٍ، كُلُّ بابٍ يَفْتَحُ أَلْفَ بابٍ".. لم يسأل عليّ في كلّ حياته غير رسول الله، لم يحتج أن يسأل أحداً من المسلمين، وكلُّ المسلمين سألوه؛ مَنْ كان في الخلافة سأله، ومن كان في القاعدة سأله، وهذا ما عبَّر عنه الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو أستاذ سيبويه، ومخترع علم العروض، وأوَّل من وضع قاموساً في اللّغة العربيَّة، قالوا له: لم فضَّلت عليّاً على غيره؟ فأجابهم: "احْتِياجُ الكُلِّ إِلَيْهِ، وَاسْتِغْناؤُهُ عَنِ الكُلِّ، دَليلٌ أَنَّهُ إِمامُ الكُلِّ".
ليس الإمامُ هو الَّذي يتقدَّم النَّاس في الأرض، ولكنَّه الَّذي يتقدَّمهم في علمه وتجربته وخبرته وشجاعته وبطولته، وكان عليّ (ع) ذلك كلّه.
حفظُ الإسلامِ منَ الفتنة
ولهذا، عندما انطلق عليّ (ع)، كان همّه الأساس أن يحفظ الإسلام، ولم تكن الخلافة لديه طموحاً ذاتيّاً ولا غاية، بل كانت وسيلة، ومنذ أن انطلق (ع) مع رسول الله وهو طفل، لم يكن يفكّر في نفسه، بل كان يفكّر في رسالته وإسلامه، كان الإسلام كلَّ حياته، لأنَّه باع نفسه لله.
ولذلك، بعد وفاة الرّسول (ص)، كان عليٌّ (ع) مشغولاً بتجهيزه؛ بتكفينه وتغسيله ودفنه، فيما كان القوم مشغولين في سقيفة بني ساعدة، وكان (ع) يشعر بمسؤوليَّته أن يجهّز رسول الله، حتَّى يفرغ للمهمَّة الَّتي أوكلها الرسول إليه، ولكن كان هناك أمر دُبّر بليل، وأُبْعِدَ عليّ (ع)، وهوجم بيته حتَّى يبايع قهراً، وحدثت أمور وأمور، وجاء أبو سفيان للعبَّاس بن عبد المطلب عمّ النَّبيّ وعمّ عليّ، يقول له: امض بنا إلى ابن أخيك لنبايعه، فأنا لا أزال أملك الرّجال، ولا يزال بنو أميَّة معي، ولا تزال قريش تحنّ إليّ، "والله، لَئِنْ شِئْتَ لَأَمْلَأَنَّها عَلَيْهِ خَيْلاً وَرجلاً".
وارتاح العبَّاس لذلك، فهذا وجه قريش يأتي لينصر عليّاً (ع) في حقّه. وجاء العبّاس إلى عليّ (ع) يعرض عليه ذلك، وعليّ يعرف الأشخاص جيّداً، ويعرف أنَّ أبا سفيان لم يأت إليه لأنَّه يريد أن ينصر الحقّ، بل ليستغلَّ المسألة، وليعبث بالواقع الإسلاميّ الَّذي كان لا يتحمَّل آنذاك أيّ هزّة، وأيّ صراع عنيف في داخله، لأنَّ فَقْدَ رسول الله (ص) أضعَفَ المسلمين، فقد كان (ص) يمثّل القوَّة المعنويَّة في حياتهم، فهو الَّذي كان ينزل عليه الوحي من الله، فيعطي المسلمين في كلّ يوم قوّة ووعياً، لذلك ضَعُفَ المسلمون عندما فقدوه.
وكانت هناك دولتان كبيرتان معقَّدتان من الإسلام، هما دولتا الفرس والرّوم، وكانتا تستعدَّان لأيّ حالة ضعف في الواقع الإسلاميّ لكي تجهزا عليه، ولذلك قال عليّ (ع)، كما تقول كتب السّيرة: "ارْجِعْ يا أَبا سُفْيانَ، فَوَاللهِ ما تُريدُ اللهَ بِما تَقولُ، وَما زِلْتَ تَكيدُ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ". إنَّ عليّاً ليس إنساناً تجتذبه السّلطة من ناحية ذاتيَّة، فأنا أدرس الواقع الإسلاميَّ من كلّ جوانبه، وأدرس مصلحة الإسلام والمسلمين قبل أن أدرس ما أريده لنفسي. وطرد أبا سفيان، ولم يقبل بما عرضه عليه.
مصلحةُ الإسلامِ أوّلاً
ثمَّ انطلق بعد ذلك مع الّذين أبعدوه عن الخلافة، فكان يشاركهم الرَّأي، ويمنحهم النَّصيحة، ويعطيهم من علمه ما كانوا يحتاجونه، لأنَّ المسلمين الَّذين جاؤوا بفعل الفتوحات، كانوا أصحاب ثقافات متنوّعة، ولم يكن بمسلمي المدينة عهد بتنوّعاتهم الثَّقافيَّة، وكان عليّ يجيب عن كلّ مسألة، ويحلّ كلَّ شبهة، ويعطي الرَّأي الصَّحيح، حتَّى قال عمر بن الخطَّاب: "لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَر"، وقال: "لَا كُنْتُ لمُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو الحَسَن".
كانوا يحتاجون عليّاً (ع)، ولم يكن عليٌّ معقَّداً، فلم يفكّر كما يفكّر الكثيرون من النَّاس، عندما تأتي المعارضة لتحكم، أو عندما يحكم خصمهم، أن يسقط خصمه، وأن يمنعه رأيه، لأنَّ القضيَّة ليست قضيَّة خصمه بالذَّات، ولكنَّها قضيَّة الإسلام الَّذي أصبح خصمُهُ يمثّل موقعاً متقدّماً فيه.
حتّى إنَّنا نقرأ في "نهج البلاغة"، أنَّه عندما حدثت الحرب بين الفرس والمسلمين، وذهب المسلمون ليحاربوا الفرس، أرسل قائدُ المسلمين في الجبهة إلى عمر، وكان الخليفة آنذاك، يطلب منه أن يأتي إلى الجبهة ليقوّيها. واستشار عُمَر المسلمين، وأشاروا عليه بالذّهاب، وعندما استشار عليّاً (ع)، قال له لا أنصحك بذلك، لأنَّك إذا ذهبت إلى هناك، فسوف تتَّجه كلّ قوَّة العدوّ نحوك ليقتلوك ويسقطوك، وإذا سقطت سقط الجيش كلّه، لذلك ابق هنا، وأرسل الجنود من كلّ مكان، فإنَّنا لم نكن ننتصر بالكثرة، وإنما كنَّا نقاتل بالنَّصر والمعونة. وهكذا كان.
فلو أنَّ عليّاً (ع) كان يفكّر من موقع العقدة والذَّات، لقال لنفسه إنّها الفرصة، فليذهب وليُقتَل، وسيكون هو الَّذي يلي الخلافة من بعده. ولكنَّ عليّاً كان يفكّر في المسلمين، وكان يحمل مسؤوليَّة أن ينتصروا ولا ينكسروا، كان يحمل مسؤوليَّة أنَّ هذا الرَّجل حتَّى لو كان غاصباً للخلافة، فهو رمز الآن، قد لا يكون رمزاً يمثّل الواقع، ولكنَّه رمز، وعندما يسقط الرَّمز في معركة مع أعداء الإسلام، فإنَّ الواقع يسقط.
وهكذا كانت آفاق عليّ الواسعة، وكانت كلمته الخالدة: "لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً". فأن أكون أنا المظلوم فلا مشكلة، المهمّ أن لا يُظلَم الإسلام والمسلمون، وأن لا يضعف الإسلام والمسلمون. وهذا ما عبَّر عنه في حديثه في كتابه إلى أهل مصر، وقد كرَّرت عليكم هذه الكلمات من عليّ، حتَّى تعيش في وعيكم، حتَّى يفهم الَّذين ينتمون إلى عليّ ما هي آفاقه، وحتّى يعرف المسلمون عندما يواجهون التحدّيات أمام الكفر والاستكبار، كيف يجمّدون خلافاتهم، وكيف يقفون بكلّ قوَّة جميعاً للتَّضحية بالقضايا الجزئيَّة لمصلحة القضايا الكبرى.
تجميدُ الخلافات
استمعوا إليه بعقول مفتوحة، وبقلوب واعية. يقول (ع) في كتابه إلى أهل مصر، وهو موجود في "نهج البلاغة":
"فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ - ويقصد أبا بكر - يُبَايِعُونَهُ - وهو لا يعتقد شرعيَّة هذه البيعة - فَأَمْسَكْتُ يَدِي – يعني وقفت موقفاً سلبيّاً، حتَّى أعبّر عن عدم رضاي عن هذا الواقع - حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ - بدأت الرّدَّة في الإسلام، وبدأ النَّاس يرتدّون عن الدّين، وأصبح الموقف يستدعي أن أتدخَّل بطريقة إيجابيَّة حاسمة - يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ (ص) - يريدون إسقاط الدّين، حيث صار هناك إسلام وكفر، ولم تعد القضيَّة أنا وأبو بكر، وأنا الَّذي بذلت كلَّ حياتي مجاهداً بسيفي وعقلي في سبيل الإسلام، كيف أسمح أن يسقط الإسلام، كيف يمكن أن أبقى على موقفي السَّلبيّ، فلا أعطي رأياً، ولا أقدّم حركةً وفكراً؟!
- فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ - إذا لم أخرج من سلبيَّتي إلى الإيجابيَّة والنَّصرة والوقوف موقف الإنسان الَّذي يواجه التَّحدّيات ضدَّ الإسلام بقوَّة - أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ – فبين أن يسقط الإسلام وأحصل أنا على الولاية، وبين أن أبقى خارج نطاق الولاية، وأقوّي خصومي الَّذين أخذوا موقعي، على أن يبقى الإسلام، اخترت سلامة الإسلام... ولاحظوا تعبير "المصيبة"، متى يردّد الإنسان هذه الكلمة؟ عندما تكون المسألة تمثّل كلَّ حياته - الَّتي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ – وأشرت وشاركت ونصحت - فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ، حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ".
غايتُهُ (ع) منَ السّلطة
وانقطع شسع نعله مرّة، فراح (ع) يعمل على إصلاحه بنفسه، وكان خليفة المسلمين آنذاك من ناحية فعليَّة، ورآه ابن عبَّاس، فاستغرب من فعله، فقال (ع): "واللهِ لَهيَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ إِمْرَتِكِمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً، أَوْ أَدْفَعَ باطلاً". فالخلافة والإمرة بالنّسبة إليَّ إنَّما هما وسيلة لإقامة الحقّ وإزهاق الباطل.
وقال (ع) في آخر الخطبة الشَّقشقيَّة، وقد عاش المرارة بعد التَّطوّرات الَّتي تسارعت عقب رحيل رسول الله (ص):
"لَولا حُضُورُ الحاضِرِ، وقِيامُ الحُجَّةِ بِوُجودِ النَّاصِرِ، وَمَا أخَذَ اللّهُ عَلَى العُلَماءِ - الَّذين يتحمَّلون المسؤوليَّة، والَّذين لا يجوز لهم أن يبقوا خارج نطاق السَّاحة، عندما يكون هناك ظلم واستكبار وكفر - أنْ لا يُقارُّوا على كِظَّةِ ظالِمٍ - ترف الظَّالم وبطره - وَلا سَغَبِ مَظلومٍ – حرمان المظلوم وجوعه. فلولا مسؤوليَّتي في أن أقف مع المظلوم أيّاً كان المظلوم، وضدَّ الظَّالم أيّاً كان الظَّالم - لأَلقَيتُ حَبلَها على غاربِهِا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ".
هذا هو عليّ (ع)، وقد عانى (ع)، كما لم يعان أحد قبل أن يُستخلَف، وعانى (ع) في خلافته: "فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ، نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[القصص: 83]. بَلَى وَاللَّهِ، لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا".
وكان عليّ يرفض الدّنيا، ويقول: "يا دُنيا غُرِّي غَيْري، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لا رَجْعَةَ لي بَعْدَها أَبَداً".
وكان (ع) يريد للنَّاس أن يعينوه، لا بمال، ولكن أن يعينوه على أنفسهم، ومن أجل أن يكونوا المسلمين الأتقياء والأعفَّاء، المنفتحين على السّداد في الرَّأي، وعلى الاجتهاد في الطَّاعة: "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمومٍ إماماً يَقتَدي بِهِ، ويَستَضيءُ بِنورِ عِلْمِهِ، أَلَا وإنَّ إمامَكُم قَدِ اكتَفى مِن دُنياهُ بِطِمرَيهِ، وَمِن طُعمِهِ بِقُرصَيهِ، أَلَا وإنَّكُم لا تَقدِرونَ عَلى ذلِكَ، ولكِن أعينوني بِوَرَعٍ وَاجتِهادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدادٍ".
فعليّ (ع) يريد للنَّاس أن ينطلقوا معه ليتحركوا في خطّ الإمامة، في مسؤوليَّتهم تجاه أنفسهم وتجاه النَّاس من حولهم.
وعندما أراد النَّاس منه أن يميّز بعض الشّخصيّات بالعطاء ليقرّبهم إليه، قال لهم: "أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً! لَوْ كَانَ الْمَالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ!".
رفضُ أسلوبِ الغدر
هذا هو عليّ (ع). كانوا يقولون له أنت تملك فكراً عبقريّاً رائعاً، فلماذا لا تعمل فكرك في الحيلة، وفي اللَّعب على الحبال، وفي المكر والغدر، إنَّ معاوية يملك الحيلة وينتهز الفرص، فلماذا لا تنتهز الفرص وتحرّك الحيلة؟ قال لهم: "قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْه الْحِيلَةِ، ودُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّه ونَهْيِه، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، ويَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَه فِي الدِّينِ"، وكان (ع) يقول: "وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلاَ كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ، لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ".
كان (ع) يريد للنَّاس أن يتعلَّموا منه، وأن يسألوه، وكان يقول لهم: "سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ"، "إنَّ هَهُنا لَعِلْماً جَمّاً - وأشار إلى صدره - لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً". ولكنَّه كان في مجتمع جاهل لا يريد أن يتعلَّم، وأن ينتهز فرصة وجود عليّ فيه، كالكثير من المجتمعات الَّتي يعيش فيها العلماء والمفكّرون والمخلصون، ولا يتعلّم النّاس منهم، كان (ع) يعيش مرارة ذلك، وكم في قلبه من مرارة! كانت حياته ألماً في كلّ مواقع الألم، ولكنَّها كانت سعادة لأن يتألم في ذات الله، وكان يقولها بمرارة: "مَا تَرَكَ لِيَ الحَقُّ مِنْ صَدِيق". كان صديقه الله والإسلام، ولذلك كان يقول: "ٱلذَّليلُ عِندِي عَزيزٌ حَتّى آخُذَ ٱلْحَقَّ لَهُ، وَٱلْقَوِيُّ عِندِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ ٱلْحَقَّ مِنْهُ".
الابتعادُ عنِ الفتنة
أيُّها الأحبَّة، في يوم الغدير الَّذي يصادف الإثنين القادم، نحتفل بعيد عليّ (ع)، عيدنا، عيد الولاية الَّتي لا بدَّ لنا أن نعيشها في حياتنا وأعمالنا؛ ولاية عليّ، وولاية الأئمَّة الطَّاهرين من أهل بيته. وليست الولاية عاطفة، ولا هي كلمات؛ الولاية موقف، وأن تتحرَّك حيث تحرَّك عليّ (ع)، وأن تقف حيث وقف، أن تتحسَّس نفسك كمسؤول عن الإسلام والمسلمين في كلّ مواقفهم، سواء كانت مواقف ثقافيَّة أو سياسيَّة أو عسكريَّة أو ما إلى ذلك، أن تشعر بأنَّ همَّ المسلمين هو همّك، أن لا تعيش لذاتك، فإنَّ عليّاً لم يعش لذاته، أن تعيش لقضيَّة الإسلام ولأمَّتك، أن تعتبر نفسك جزءاً من أمَّة، أن تفكّر كيف يمكن أن تحمي المظلوم من ظالمه، وكيف يمكن أن تُسقِط قوَّة الظَّالم، أن تعمل على أن لا تعيش حياتك في موقع الانفعال، فإذا رأيت النَّاس قد عاشوا الفتنة، فعليك أن لا تكون شريكاً فيها، فعندما يعيش النَّاس الفتنة المذهبيَّة أو الطَّائفيَّة، فإنَّ عليك أن لا تكون يداً في الفتنة.
وقد قالها عليّ (ع): "كـُنْ في الفتـْنَةِ - الفتنة الَّتي يراد فيها تمزيق النَّاس وإسقاطهم ومصادرة قضاياهم - كابْنِ اللَّبُوْنِ - وهو ولد النَّاقة الَّذي دخل في عامه الثَّاني، فلا تقدر أن تركبه لأنَّ ظهره لا يزال ضعيفاً، ولا تقدر أن تحلبه، لأنَّه ذكر وليس أنثى - لا ظهْرٌ فـَيُرْكـَبَ – فلا يستغلّك أحد في تحريك الفتنة - ولا ضَرْعٌ فـُيحْلبَ"، لا يستطيع أحد أن يستفيد من مالك وجاهك وقوَّتك في سبيل الفتنة.
فعندما تكون القضيّة قضيّة الفتنة، فلا تدخل فيها، ولكن عندما تكون القضيَّة قضيَّة الحقّ والمواجهة، عندها "كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً". كن إيجابيّاً في هذا الخطّ، وسلبيّاً في مواقع الفتنة.
معنى الوحدةِ الإسلاميَّة
وعندما نتحدَّث، أيُّها الأحبَّة، عن الوحدة الإسلاميَّة، فنحن نتحدَّث من وحي عليّ (ع)، والوحدة الإسلاميَّة لا تعني أن يترك المسلم مذهبه باسم الوحدة، بحيث يترك الشّيعيّ تشيّعه، أو يترك السنّيّ سنّيّـته. وإذا كان بعض النَّاس يتَّهمون الدَّاعين الى الوحدة الإسلاميَّة بأنَّهم يريدون أن يجعلوا النّاس يتنازلون عن مذهبيَّتهم وعن محبَّة أهل البيت (ع)، فإنَّ المسألة ليست كذلك، الوحدة الإسلاميَّة هي أن نلتقي كمسلمين على ما اتَّفقنا عليه، أن نلتقي على أساس "لا إله إلا الله محمَّد رسول الله"، وأن نلتقي على العبادات، فكلّنا نصلّي، وإن اختلفنا في بعض جزئيَّات الصّلاة، وكلَّنا نصوم في شهر رمضان، وكلّنا نحجّ إلى بيت الله، وإن اختلفنا في بعض التَّفاصيل، وكلّنا نؤمن بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وكلّنا نؤمن بالجهاد في سبيل الله...
لذلك، فإنّنا نتّفق كمسلمين في القضايا الأساسيَّة المفصليَّة في الواقع الإسلاميّ. وعلينا أن نمتلك وعياً إسلاميّاً، وأن نتعلَّم من القرآن الكريم، فقد علَّمنا القرآن في حديثنا مع اليهود والنَّصارى - وكم هناك من فرق بين الإسلام وبين اليهود والنَّصارى في العقيدة! - أن نقول لهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}[آل عمران: 64]. فإذا كان الله يطلب منّا أن نقف مع أهل الكتاب على ما نلتقي عليه معهم، حتّى لو اختلفنا في التَّفاصيل، فكيف لا نقول يا أهل القرآن {تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}؟!
بعض النَّاس عندما تحدّثه عن المسلمين في الطَّرف الآخر، تراه يفضّل الكافرين عليهم، كما كان اليهود يقولون عن المشركين بالمقارنة مع المسلمين: {هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذينَ آمَنُوا سَبِيلًا}[النساء: 51]. نعم، هناك مشاكل موجودة بين المسلمين، ولكن هناك الاستكبار العالميّ الّذي يحاول أن يوظّف هذه المشاكل الموجودة بينهم، سواء في خلافات الإمامة، أو في القضايا الفرعيَّة الفقهيَّة، حتَّى يكفّر المسلمون بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويقاتل بعضهم بعضاً، وهذا كلّه لخدمة الاستكبار العالميّ.
ونحن نعرف، أيُّها الأحبَّة، أنَّ الاستكبار العالميّ، وفي مقدَّمه الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، قد وظَّف في واقعنا الإسلاميّ ملوكاً وأمراء ورؤساء جمهوريَّات ورؤساء وزارات ووزراء، من أجل أن لا يسمحوا للوحدة الإسلاميَّة بأن تعيش بين المسلمين، أن لا يلتقي المسلمون على قضيَّة واحدة من قضاياهم السياسيَّة، وأن لا يتَّفقوا على قضيَّة واحدة من قضاياهم الفكريَّة والثَّقافيَّة، ولذلك أصبح المسلمون يعيشون تمزّقاً، بحيث إنَّه يأكل بعضهم بعضاً، بالرّغم من أنَّهم يملكون عدداً كبيراً ويشكّلون خمس العالم أو ربعه.
ويبقى الحوار بيننا وبين المسلمين الآخرين، على أساس أنَّنا إذا تنازعنا في شيء، فنردّه إلى الله ورسوله {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النّساء: 59]، وليبق كلّ طرف على قناعته إذا أراد، لكن عندنا قناعات مشتركة، فلنلتق عليها، ولنتحاور بالنّسبة إلى القضايا الأخرى...
هكذا كان عليّ (ع) وهو صاحب الحقّ في الخلافة. ونحن عندما نتنازع مع المسلمين الآخرين، فإنَّنا نتنازع باسم حقّ عليّ (ع) في الخلافة، فلنعرف كيف واجه عليٌّ والمسلمون معه هذه القضيَّة في تلك الفترة، وكيف حفظوا الإسلام من السّقوط أمام الخلاف، لأنَّ مصلحة الإسلام والمسلمين فوق كلّ اعتبار.
*
من خطبة الجماعة لسماحته للرّجال في مسجد بئر العبد، بتاريخ: 03/05/1996م.