محاضرات
30/03/2026

الالتزام بالإسلام ... التزام بالوحدة الاسلامية

الالتزام بالإسلام  ... التزام بالوحدة الاسلامية

هل بَقِيَ لنا مجالٌ للاستهلاك، ونحن أمّةٌ تحوّلت إلى أمّة مستهلكة بدلًا من أن تكون أمّةً منتجة؟ هل بقي هناك مجالٌ للاستهلاك في الوحدة الإسلاميَّة لنتحدّث عنه؟ هل بقيت هناك كلمات؟...

 

أين الإسلام فينا؟!

ربّما يشعر الإنسان في كثيرٍ من قضايانا الَّتي نعيشها، مما تهتزّ معها الأرض تحت أقدامنا، بأنَّ المسألة ليست مسألة ماذا ننظّر؟ ومسألة ماذا نُطلق من شعارات؟ ولكنَّ المسألة هي: هل نحن في كلّ قضايانا نعيش إسلامنا خارج دوائر ذواتنا؟

ربّما يبدأ الإسلام في عقولنا كقضيَّة، ولكنَّه ينتهي إلى ذات؛ ذات الشَّخص، ذات الجمعيَّة، ذات الحزب، الحركة، الطَّائفة... بحيث تكون المسألة: كيف تسلم الذَّات لأنّها تختصر الإسلام في داخلها، وكيف يسلم الحزب أو الحركة أو المنظّمة لأنّها تختصر الإسلام في داخلها.. فليسقط الإسلام خارج نطاق الذَّات الشَّخصيّة والجماعيَّة، ولتبق الذَّات هي الَّتي تحمي الإسلام!

المسألة مسألةٌ أخلاقيّةٌ في معنى القيمة، وليست مسألةً إسلاميّةً، أنا لا أريد أن أوزّع الاتّهامات، فقد أكون من بين هؤلاء الَّذين أتحدّث عنهم، بأنَّ على الإنسان أن ينقد نفسه، تمامًا كما قال الشَّاعر محمّد رضا الشَّبيبي:

كُلُّنا يَطلُبُ ما لَيسَ لَهُ           كُلُّنا يَطلُبُ ذا حَتَّى أَنا

القضيَّة، أيُّها الأحبَّة، قبل الوحدة، ما هو الإسلام فينا؟ هل نحن ننفتح على الإسلام في رحابته؟ كيف ينفتح على الإسلام مَن يعمل لتدمير مسلمين آخرين، لأنَّه يختلف معهم في قضيَّة كلاميَّة أو في قضيَّة فقهيَّة؟ كيف يمكن أن يكون لنا إسلامٌ ونحن ورثنا حتّى التَّمزّق وهذه الأنانيَّة الذَّاتيَّة، من المذاهب الفقهيَّة والكلاميَّة، إلى الحركات الإسلاميَّة؟

أن تكون حركيًّا، أن تعمل لأسلمة العالم، يعني أن يكون الإسلام أفقك، تمامًا كما هو العالم كلّه أفقك.. أمَّا أن تظلَّ تعيش من أجل أن تكون حركتك الإسلاميَّة هي الحركة، وترى أنَّ الآخرين لا بدَّ أن يبتعدوا عن السَّاحة، بحيث تعقّدهم، وتحاصرهم، وتعمل من أجل أن تخرّب خططهم، وأنت لا تستطيع أن تملك السَّاحة، فإنَّ ذلك يؤدّي إلى أن تسقط السَّاحة كلّها، ويسقط الإسلام فيها!

 

نهج التَّكاذب والعصبيَّة!

أيُّها الأحبَّة، القضيَّة هي: هل نحن جادّون في مسألة الإسلام؟! لو أردنا أن ندرس واقعنا الإسلاميّ المذهبيّ، وواقعنا الإسلاميّ الحركيّ، فهل هناك إسلامٌ أخلاقيٌّ في معنى القيمة في علاقات بعضنا مع بعض؟ إنَّنا نتكاذب! حتّى إنَّنا نستعمل التَّقيَّة بعضنا مع بعض، ويستعملها حتّى مَن لا يجعل التَّقيَّة عنوانًا له، لأنَّ اللّعبة السياسيّة أصبحت هي لعبة الحركات الإسلاميَّة.

كنّا نقول: لا بدَّ لنا أن نكون واقعيّين، بأن نعيش السياسة على أساس الواقع لا على أساس المثال الخياليّ، ولكن ليس معنى أن تكون واقعيًّا أن تخضع للأمر الواقع، ولا أن تجعل مسألة الصّدق استثناءً في سياستك، لتكون مسألة الكذب بالعنوان الثَّانويّ والثَّالثي هي القاعدة، لأنَّ هناك مصلحةً تفرض كذبًا هنا، وكذبًا هناك!

قولوا، أيُّها الأحبَّة، وأنا من بينكم: هل نملك أن نتصارح فيما بيننا؟ هل يفتح أحدنا قلبه للآخر فيما يتحسَّسه معه؟ أنا أشكّ أنَّ السَّاحة تقبل الصَّراحة، لا فيما بين المسلمين على مستوى التنوّع المذهبيّ، ولا فيما بينهم على أساس التنوّع الحركيّ، بل حتّى داخل كلّ حركة وكلّ مذهب!

لقد أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نجادل أهل الكتاب بالَّتي هي أحسن، فهل يستطيع العنصر في هذا المذهب أو ذاك المذهب، أو في هذه الحركة أو تلك الحركة، أن يجادل الَّذين معه بالَّتي هي أحسن؟ هل نقبل ذلك؟ هل هناك حرّيَّة في داخل المذهب لأتباع المذهب ليصحّحوا ما يفسد هنا ويفسد هناك؟ هل هناك حريَّة في داخل الحركات الإسلاميَّة لتنقد القاعدةُ القمَّةَ، أو لتنقد القمَّةُ بعضها بعضًا؟ حتّى في قراراتنا، ربّما يكون بعضها خاضعًا للمزايدات، وحتّى في أوضاعنا في داخل المذهب الواحد، قد لا يملك أحد حرّيَّة ذلك.

إنَّنا ننعى على بعض النَّاس أنّهم يُكفّرون مذهبًا في مواقع المذهب، ونحن نكفّر بعضنا بعضًا، حتّى أصبحت أساليب التَّكفير والتَّزندق والانحراف، وكذلك أساليبنا الغوغائيَّة، هي الَّتي نستعملها في السَّاحة. مَن الَّذي يقف عند قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء: 36] في علاقة بعضنا ببعض؟ مَن الَّذي يراقب ربّه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات: 6]؟

هناك فرقٌ بين الالتزام وبين التَّعصّب؛ نحن لسنا ملتزمين، لأنَّ الالتزام يربطك بالفكرة، ويحرّكك في خطّها، وينفتح بك على أهدافها. أمَّا التَّعصّب، فإنّه يخنق الفكرة في داخلك، لتنطلق الذَّات من خلال ذلك الواقع.

وقد حدَّد الإمام زين العابدين (ع) معنى العصبيَّة بقوله: "العَصَبِيَّةُ الَّتي يَأثَمُ عَلَيها صاحِبُها، أن يَرَى الرَّجُلُ شِرارَ قَومِهِ خَيرًا مِن خِيارِ قَومٍ آخَرينَ، ولَيسَ مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَومَهُ، ولكِن مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُعينَ قَومَهُ عَلَى الظُّلمِ".

ألا نُعين قومنا على الظّلم؟ أيُّ محازبٍ أو مذهبيٍّ، إذا رأى فردًا من مذهبه أو من حزبه أو حركته، يصطدم مع إنسانٍ آخر - حتَّى لو كان الحقُّ مع ذاك، والباطلُ مع صاحبه – ألا يقف مع الَّذي من مذهبه وحزبه؟!

 

العلاقة مع الآخر!

أيُّها الأحبَّة، لا أريد أن أجعل من نفسي واعظًا، وقد أكون بحاجةٍ إلى الموعظة، ولكنّي أتحدَّث عن الواقع، وعمَّا أتحسَّسه في السَّاحة. لذلك، علينا أن نفكّر: هل نحن إسلاميّون، بحيث يعني الإسلام لنا شيئًا؟ لماذا يقبل الكفر الَّذي نرجمه بكلماتنا الآخرَ، في تنوّعاته السياسيَّة والفكريَّة، ونحن لا نقبله حتَّى لو كان مسلمًا؟

إنَّ الإسلام قبِلَ الآخر غير المسلم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران: 64]، اعترف بوجوده وتعايش معه، ونظَّم العلاقات الموضوعيَّة الإنسانيَّة معه، سواء كانت علاقات معاهدة أو ذمَّة أو ما إلى ذلك، ولكنَّنا نحن لا نعترف بالآخر!

في الغرب، الأحزاب يعترف بعضها ببعض، وربَّما أعطى هذا الحزب صوته لمشروعٍ يطرحه الحزب الآخر، لأنَّ المسألة عندهم هي مسألة مصلحة أوطانهم وليست مسألة العصبيَّة لأحزابهم. لقد تجاوزوا العصبيَّة وانفتحوا على الموضوعيَّة، ولذلك استطاعوا أن يتحاوروا في "الهواء الطَّلق"، وأصبح أحدهم لا يخاف على فكره من أن يناقشه الآخر حتَّى في أصوله، لأنَّ هناك نوعًا من أنواع الإيمان عندهم بالحقيقة الموضوعيَّة الَّتي يعيشونها، وعلى طريقتهم الخاصَّة. ونحن كمسلمين لا نقبل الآخر؛ السّنيُّ لا يقبل الشّيعيّ، والشّيعيُّ لا يقبل السّنيّ، حتَّى لو تحدَّثنا في الهواء الطَّلق بالوحدة الإسلاميَّة، لكن {وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ - شياطين المذهبيَّة - قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}]البقرة: 14].

ألا نقول ذلك بعضنا لبعض؟ ألا نقول ذلك وراء الكواليس؟ لماذا لم نستطع أن نصنع في داخل قاعدتنا الإسلاميَّة - نحن العلماء والمثقَّفين - تجذيرًا لمعنى "قبول الآخر" في الخطوط الإسلاميَّة الواحدة؟ إنَّنا نخاف من ذلك، ونخاف من أن تنفتح قاعدتنا السنيَّة على الشّيعة، وقاعدتنا الشّيعيَّة على السنَّة، كما نخاف أن تنفتح قاعدتنا الحركيَّة على القاعدة الأخرى، لأنَّهم قد يسلبوننا هذا وذاك!

 

روحيَّة الحركيَّة الإسلاميَّة

أيُّها الأحبَّة، الوحدة الإسلاميَّة "روحيَّة" قبل أن تكون مشروعًا، وهي روحيَّة ترتبط بالوجدان الإسلاميّ الَّذي يجعل المسلمين يشعرون بالقضايا الإسلاميَّة الثَّقافيَّة، ليقفوا من أجل حماية الإسلام الثّقافيّ في الأصول الأساسيَّة للعقيدة، وحماية الخطوط الإسلاميَّة في الشَّريعة الإسلاميَّة أمام الَّذين ينتقدونها، وليقفوا مع قضايا المسلمين الحيويَّة؛ محلّيّةً كانت أو إقليميَّة أو عالميَّة.. أن تشعر أنَّ الإسلام يعني لك شيئًا، بحيث تُثكَل إذا حدث أيّ اهتزازٍ لأيّ موقعٍ فيه.. أن نعيش المسألة الإسلاميَّة بجدّ..

ولذلك أنا أتساءل: لماذا لم نستطع في لبنان أن نجعل المقاومة الإسلاميَّة منفتحة على كلّ الواقع الإسلاميّ؟ لماذا يتحدَّث متحدّثٌ هنا أو هناك بأنَّها "مقاومة شيعيَّة"؟ لماذا لم نستطع، أيُّها الأحبَّة، أن نوجد اتّحادًا للحركات الإسلاميَّة؟ لأنَّ الوحدة قد نتصوَّرها طموحًا خياليًّا، فهل تقبل أيَّة حركة إسلاميَّة أن تدخل في اتّحادٍ جبهويٍّ أو أيّ شيء آخر على أساس خطوطٍ واضحة، على الأقلّ في المسألة السياسيَّة؟

لماذا نختلف عندما تكون هناك جولة انتخابيَّة، بحيث يذهب هذا الفريق الحركيّ هنا وذاك هناك، ولا يمكن التَّفاهم لا على الخطوط ولا على البرامج ولا على الأشخاص؟ ونحن جميعًا ندَّعي العمل من أجل قوَّة الإسلام وقوَّة الإنسان في لبنان!

إنَّ المفروض، أيُّها الأحبَّة، أنَّ الحركيّين هم الطَّليعة الواعية في الأمَّة، وهم الَّذين تجاوزوا الفواصل والتَّفاصيل، لأنَّهم يعملون لتكون كلمة الله هي العليا ولأسلمة العالم. أليس هذا هدفنا؟ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}]سبأ: 28[.

هل يحاول كلّ واحد منَّا أن يعيش في داخل إطاره ليكون لنا "إسلام لبنانيّ" و"إسلام جزائريّ" و"إسلام مصريّ"...، وما إلى ذلك، مما عمل الاستكبار العالميّ على تكريسه كشخصانيَّةٍ حركيَّة في هذه الحركة أو تلك؟!

إنَّ المطلوب أن تكون لنا "روحيَّة الحركيَّة الإسلاميَّة"، فإذا كانت لنا هذه الرّوح، كنَّا أناسًا لا يشعر أحدنا أنَّه يملك الحقيقة كلّها، بل يرى أنَّه يملك وجهة نظرٍ يقتنع بها في فهم الحقيقة، وعليه حينها أن يستمع إلى وجهة النَّظر الأخرى.

 

النَّهج القرآنيّ في الحوار

لقد كنَّا نتحدَّث دائمًا مع الكثير من المثقَّفين غير الإسلاميّين، أنَّ أسلوب الحوار في الإسلام لم يتقدَّمه أسلوبٌ في إنسانيَّته وموضوعيَّته، ولن يتقدَّمه أسلوب، لأنَّ قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[سبأ: 24]، قالها الله على لسان رسوله (ص) الَّذي {جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}[الزّمر: 33]، لكن قال له: عندما تتحاور مع الآخر، لا تدخل ذاتك، ولا تدخل إيمانك في عمق وجدانك في ساحة الحوار، قل للآخر: إنَّ هناك حقيقةً ضائعة بيننا، قد أكون أنا على ضلال وأنت على هدى، وقد أكون أنا على هدى وأنت على ضلال، فتعال ننطلق معًا لنتحاور، لعلَّنا نكتشف تلك الحقيقة معًا فنتوحَّد، أو يكتشفها أحدنا ليفهمها الآخر إن لم يقتنع بها.

هذا قرآنٌ، أيُّها الأحبَّة، فهل نحن قرآنيّون في هذا المستوى؟ إنَّها مسألة تتَّصل بالأخلاقيَّة الثَّقافيَّة الإسلاميَّة في الخطّ الثَّقافيّ الَّذي نريد أن نقابل به العالم في مضمون الفكرة وأسلوبها وأسلوب الحوار.

 

موانع الوحدة.. وصدق القاعدة

كلَّنا نعرف أنَّ الوحدة بين المسلمين هي من "الممنوعات الاستكباريَّة"، سواء كانت تبشيريَّة أو غير تبشيريّة. فإذا كنَّا نعرف أنَّ القوم يمنعون الوحدة، ليبقى العالم الإسلاميّ خاضعًا لاقتصادهم وسياستهم وأمنهم وثقافتهم، وإذا كنَّا نعرف أنَّ الكفر يعمل على اختراق بلدان المسلمين - كإندونيسيا وماليزيا وأفريقيا وغيرها - ليبعد المسلمين عن الإسلام إذا لم يستطع أن يدخلهم في غيره، إذا كنَّا نعرف هذا، ونعرف أنَّ الطَّريق لمواجهة هذا لا يمرّ عبر "التَّعصّب المذهبي" ولا "الشَّخصانيَّة الحركيَّة" ولا "عبادة الشَّخصيَّة".. إذا كنّا نعرف ذلك، فماذا ننتظر؟ هل ننتظر من يأتي من المرّيخ وغيره ليخلّصنا، ونحن نملك الأدوات والوسائل والقاعدة؟

إنَّ قاعدتنا الإسلاميَّة، هذا الشَّعب، هؤلاء المسلمون العاديّون التَّقليديّون الَّذين نشعر بعنفوان "فوقيّ" حين نتحدَّث عنهم، ونقول إنّهم مسلمون تقليديّون، وإنّنا مسلمون طليعيّون واعون.. هؤلاء لا يعوزهم الإخلاص، وإذا سمعوا كلمةً تنفتح على عمق الإخلاص، ورأوا هناك واقعيَّة، فإنَّهم يكونون أقرب إلى زوال التَّعصّب حتّى من العلماء والمثقَّفين.. نحن الَّذين نصنع التَّعصّب فيهم، ونثقّفهم ثقافةً عصبيَّة، ونحن الَّذين نقول لهم إنَّ "الآخر" ليس مسلمًا إلَّا في الظَّاهر! أليست المسألة كذلك؟

إنَّ لنا قاعدةً إسلاميَّة رائعة؛ انظروا إلى القاعدة الإسلاميَّة في فلسطين، حيث الشّابّ والمثقَّف والعاديّ، عندما آمن بالقضيَّة الفلسطينيَّة في بعدها الإسلاميّ - وأنا أعرف أنَّ الفلسطينيَّ العاديَّ يتحرَّك من عمق إسلامه تاريخيًّا وفكريًّا وشرعيًّا - انطلق حتَّى في غياب القيادة، وربَّما تنفتح عليه القيادة ويحدّق بهذه القيادة وتلك القيادة.. هؤلاء الشَّباب، شباب المقاومة الإسلاميَّة، الَّذين تختلف ثقافاتهم وأوضاعهم، وربما يكون أحدهم قد وُلد وفي فمه ملعقة ذهب، ومع ذلك، عاشوا الجهاد انطلاقًا من المفهوم الإسلاميّ.

وهذه الأمَّة الَّتي تتعاطف مع المجاهدين، هذه الأمَّة الإسلاميَّة الَّتي رأيناها في كلّ موقف من مواقف التّحدّيات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، رأيناها تقف وتجتمع بعيدًا من كلّ الإقليميَّات والقوميَّات.. إنَّ لنا أمَّة جيّدة لا يزال الإسلام فيها عاطفةً وحسًّا، ولكن، كيف نقودها إلى "مضمون" الإسلام وحركته؟ وكيف نفتح عقلها وقلبها على الإسلام في كلّ رحابته ومشاعره؟

 

القضيَّة في فخّ التَّفاصيل!

أيُّها الأحبَّة، لا أريد أن أطيل عليكم، لكنَّني عندما أرى أنَّ هناك حربًا عالميَّة استكباريَّة على الإسلام كلّه، وعلى العالم الإسلاميّ كلّه، والأرض تهتزُّ تحت أقدامنا، فيما نعيش حالة "انعدام وزن" سياسيّ واقتصاديّ وعسكريّ في واقعنا العربيّ والإسلاميّ، فإنّي أتساءل: إذا لم تهزّنا هذه التَّحدّيات الكبرى، فأيُّ شيء يهزّنا؟ هل نقول مع المتنبّي:

مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ       ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ

إذا لم تستطع جراحنا أن تهزّنا، فهل يمكن للكلمات والخطابات والقرارات وما إلى ذلك، أن تلامس شيئًا ولو سطحيًّا من مشاعرنا؟ هذه هي المسألة.

المسألة أنَّ هناك استلابًا للواقع؛ فبعد أن كانت القضيَّة قضيَّة فلسطين، أصبحت قضيَّة الخليل في تفاصيل شوارعها، وقضيَّة المسجد الأقصى وما حوله، وأصبحت القضيَّة في لبنان "جزّين" وما إلى ذلك.. لقد أدخلونا في آلاف التَّفاصيل حتّى ننسى القضيَّة، ونسينا القضيّة!

لم تَعُد كلمة "أنَّ لنا فلسطين بأجمعها" إلَّا كلمةً خارجةً عن الاعتدال السياسيّ وعن الواقعيَّة السياسيَّة، وأصبحت من كلمات المتطرّفين الَّذين يُحلّقون في الخيال! لقد أدخلونا في كلّ التَّفاصيل، حتّى طبَّعوا الأمَّة لتكون كلّ قضيّتها: متى تتمّ التّسوية، ومتى يمكن أن يكون الحلّ السّلميّ... وهكذا أصبحت الذّهنيَّة السياسيَّة للأمَّة - لا شعوريًّا - هي مسألة الحلّ السّلميّ، كأنّه المخرج الّذي يتخفَّفون به من عناء التّعب والمواجهة.

هل نقول إنَّنا تَعِبنا وأتعبنا الأمَّة معنا؟! لماذا فشلنا في أن نُبقي فلسطين في وجدان الإنسان المسلم العاديّ؟ لماذا تراجعت القضيَّة من حضورها الشَّامل لتُختزل في عنوان "الأراضي المحتلَّة"، ثمّ أصبحت مسألة "الاستيطان"؟!

 

تجمّع العلماء: تجربة رائدة

أيُّها الأحبَّة، إنّني في هذا الوقت، أقدّر حركة "تجمّع العلماء المسلمين"، فهي الحركة الوحيدة الموجودة في العالم الإسلاميّ الَّتي يلتقي فيها علماء السنّة والشّيعة في موقعٍ واحد، ويدرسون قضايا الأمَّة وواقعها بحجم إمكاناتهم، وبحجم تجمّعهم، وبحجم الحساسيّات المحيطة بهم.

إنّني أرجو أن يبقى هذا التَّجمّع، وأقول لأصدقائنا وأحبَّائنا من أعضائه: ليكن لكم الإصرار حتّى الشَّهادة في أن تبقى هذه التَّجربة، ربّما تواجهون الكثير من المشاكل الدَّاخليَّة والخارجيَّة، والكثير من الضّغوط هنا وهناك، لكن تذكَّروا أنَّ هذه التَّجربة الّتي مهما كان حجمها، تبقى نقطة الضَّوء في كلّ هذا الظَّلام العصبيّ في واقع المسلمين.

إنّني أريد لكلّ إخواننا من علماء الشّيعة والسنَّة، ولا سيَّما الحركيّين منهم، أن يعملوا في داخل هذا التّجمّع لا معه، لأنَّنا كلَّما استطعنا أن نجعل القاعدة أوسع، استطعنا أن نجعل الفكرة أعمق، وكلَّما استطعنا أن نجمع المخلصين من المفكّرين والمثقَّفين في الحركات الإسلاميَّة وغير الحركات الإسلاميَّة ممن هم حركيّون في وجدانهم، استطعنا أن نجعل من التَّجمّع ساحة حوارٍ علميٍّ موضوعيٍّ، ينطلق فيه العلماء من السنَّة والشّيعة ليصارح بعضهم بعضًا في كلّ شيء، حتّى فيما يجرح، لأنّنا قد نحتاج إلى أن نُخرج بعض "الدّماء السّوداء"، ليبقى الدَّم صافيًا نقيًّا في احمراره.

إذا بقينا نتكاذب ونتجامل، فسوف نجعل المشكلة أكثر تعقيدًا. لا مقدَّسات في الحوار؛ حاوروا بعضكم بعضًا في كلّ شيء، بشرط أن يكون الحوار موضوعيًّا عقلانيًّا على تقوى من الله، ومن خلال الهدف الكبير: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103].

هل نأمل ذلك؟ إنّني أرى أنَّ هذا التَّجمّع دِينٌ يُدانُ به، فهل لنا أن ننفتح عليه ونقوّيه ونعمّقه ونمتدّ به؟ فلعلَّه يكون بجهدنا وإخلاصنا وتعاوننا بعض السَّبيل لإيجاد صورةٍ، مجرَّد صورة، للوحدة الإسلاميَّة.

 

الوحدة.. ومسؤوليَّة العلماء

علينا أيُّها الأحبَّة، في كلّ هذه المشاريع والكلمات والنّظريَّات عن الوحدة الإسلاميَّة، أن نقدّم نموذجًا لها، ولا سيَّما في دائرة العلماء الَّذين كان البعض منهم هو الأساس في إسقاطها. فلنقدّم تجربة أنَّ العلماء مع الوحدة الإسلاميَّة في داخلهم وخارجهم، وأن لا يكون هناك "شياطين" نتكلَّم معهم بطريقة تختلف عمَّا نتكلّم به مع "الملائكة".. أن نبقى مع الملائكة، وإذا عشنا مع الشَّياطين، فلنعمل على تحويلهم إلى ملائكة.

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التَّوبة: 105].

{إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 92].

وحدة الله، ووحدة الأمَّة، ووحدة السَّير إلى الله.

 

* مؤتمر تحدّيات الوحدة الإسلاميَّة، بتاريخ: 29/10/1997م.

هل بَقِيَ لنا مجالٌ للاستهلاك، ونحن أمّةٌ تحوّلت إلى أمّة مستهلكة بدلًا من أن تكون أمّةً منتجة؟ هل بقي هناك مجالٌ للاستهلاك في الوحدة الإسلاميَّة لنتحدّث عنه؟ هل بقيت هناك كلمات؟...

 

أين الإسلام فينا؟!

ربّما يشعر الإنسان في كثيرٍ من قضايانا الَّتي نعيشها، مما تهتزّ معها الأرض تحت أقدامنا، بأنَّ المسألة ليست مسألة ماذا ننظّر؟ ومسألة ماذا نُطلق من شعارات؟ ولكنَّ المسألة هي: هل نحن في كلّ قضايانا نعيش إسلامنا خارج دوائر ذواتنا؟

ربّما يبدأ الإسلام في عقولنا كقضيَّة، ولكنَّه ينتهي إلى ذات؛ ذات الشَّخص، ذات الجمعيَّة، ذات الحزب، الحركة، الطَّائفة... بحيث تكون المسألة: كيف تسلم الذَّات لأنّها تختصر الإسلام في داخلها، وكيف يسلم الحزب أو الحركة أو المنظّمة لأنّها تختصر الإسلام في داخلها.. فليسقط الإسلام خارج نطاق الذَّات الشَّخصيّة والجماعيَّة، ولتبق الذَّات هي الَّتي تحمي الإسلام!

المسألة مسألةٌ أخلاقيّةٌ في معنى القيمة، وليست مسألةً إسلاميّةً، أنا لا أريد أن أوزّع الاتّهامات، فقد أكون من بين هؤلاء الَّذين أتحدّث عنهم، بأنَّ على الإنسان أن ينقد نفسه، تمامًا كما قال الشَّاعر محمّد رضا الشَّبيبي:

كُلُّنا يَطلُبُ ما لَيسَ لَهُ           كُلُّنا يَطلُبُ ذا حَتَّى أَنا

القضيَّة، أيُّها الأحبَّة، قبل الوحدة، ما هو الإسلام فينا؟ هل نحن ننفتح على الإسلام في رحابته؟ كيف ينفتح على الإسلام مَن يعمل لتدمير مسلمين آخرين، لأنَّه يختلف معهم في قضيَّة كلاميَّة أو في قضيَّة فقهيَّة؟ كيف يمكن أن يكون لنا إسلامٌ ونحن ورثنا حتّى التَّمزّق وهذه الأنانيَّة الذَّاتيَّة، من المذاهب الفقهيَّة والكلاميَّة، إلى الحركات الإسلاميَّة؟

أن تكون حركيًّا، أن تعمل لأسلمة العالم، يعني أن يكون الإسلام أفقك، تمامًا كما هو العالم كلّه أفقك.. أمَّا أن تظلَّ تعيش من أجل أن تكون حركتك الإسلاميَّة هي الحركة، وترى أنَّ الآخرين لا بدَّ أن يبتعدوا عن السَّاحة، بحيث تعقّدهم، وتحاصرهم، وتعمل من أجل أن تخرّب خططهم، وأنت لا تستطيع أن تملك السَّاحة، فإنَّ ذلك يؤدّي إلى أن تسقط السَّاحة كلّها، ويسقط الإسلام فيها!

 

نهج التَّكاذب والعصبيَّة!

أيُّها الأحبَّة، القضيَّة هي: هل نحن جادّون في مسألة الإسلام؟! لو أردنا أن ندرس واقعنا الإسلاميّ المذهبيّ، وواقعنا الإسلاميّ الحركيّ، فهل هناك إسلامٌ أخلاقيٌّ في معنى القيمة في علاقات بعضنا مع بعض؟ إنَّنا نتكاذب! حتّى إنَّنا نستعمل التَّقيَّة بعضنا مع بعض، ويستعملها حتّى مَن لا يجعل التَّقيَّة عنوانًا له، لأنَّ اللّعبة السياسيّة أصبحت هي لعبة الحركات الإسلاميَّة.

كنّا نقول: لا بدَّ لنا أن نكون واقعيّين، بأن نعيش السياسة على أساس الواقع لا على أساس المثال الخياليّ، ولكن ليس معنى أن تكون واقعيًّا أن تخضع للأمر الواقع، ولا أن تجعل مسألة الصّدق استثناءً في سياستك، لتكون مسألة الكذب بالعنوان الثَّانويّ والثَّالثي هي القاعدة، لأنَّ هناك مصلحةً تفرض كذبًا هنا، وكذبًا هناك!

قولوا، أيُّها الأحبَّة، وأنا من بينكم: هل نملك أن نتصارح فيما بيننا؟ هل يفتح أحدنا قلبه للآخر فيما يتحسَّسه معه؟ أنا أشكّ أنَّ السَّاحة تقبل الصَّراحة، لا فيما بين المسلمين على مستوى التنوّع المذهبيّ، ولا فيما بينهم على أساس التنوّع الحركيّ، بل حتّى داخل كلّ حركة وكلّ مذهب!

لقد أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نجادل أهل الكتاب بالَّتي هي أحسن، فهل يستطيع العنصر في هذا المذهب أو ذاك المذهب، أو في هذه الحركة أو تلك الحركة، أن يجادل الَّذين معه بالَّتي هي أحسن؟ هل نقبل ذلك؟ هل هناك حرّيَّة في داخل المذهب لأتباع المذهب ليصحّحوا ما يفسد هنا ويفسد هناك؟ هل هناك حريَّة في داخل الحركات الإسلاميَّة لتنقد القاعدةُ القمَّةَ، أو لتنقد القمَّةُ بعضها بعضًا؟ حتّى في قراراتنا، ربّما يكون بعضها خاضعًا للمزايدات، وحتّى في أوضاعنا في داخل المذهب الواحد، قد لا يملك أحد حرّيَّة ذلك.

إنَّنا ننعى على بعض النَّاس أنّهم يُكفّرون مذهبًا في مواقع المذهب، ونحن نكفّر بعضنا بعضًا، حتّى أصبحت أساليب التَّكفير والتَّزندق والانحراف، وكذلك أساليبنا الغوغائيَّة، هي الَّتي نستعملها في السَّاحة. مَن الَّذي يقف عند قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء: 36] في علاقة بعضنا ببعض؟ مَن الَّذي يراقب ربّه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات: 6]؟

هناك فرقٌ بين الالتزام وبين التَّعصّب؛ نحن لسنا ملتزمين، لأنَّ الالتزام يربطك بالفكرة، ويحرّكك في خطّها، وينفتح بك على أهدافها. أمَّا التَّعصّب، فإنّه يخنق الفكرة في داخلك، لتنطلق الذَّات من خلال ذلك الواقع.

وقد حدَّد الإمام زين العابدين (ع) معنى العصبيَّة بقوله: "العَصَبِيَّةُ الَّتي يَأثَمُ عَلَيها صاحِبُها، أن يَرَى الرَّجُلُ شِرارَ قَومِهِ خَيرًا مِن خِيارِ قَومٍ آخَرينَ، ولَيسَ مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَومَهُ، ولكِن مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُعينَ قَومَهُ عَلَى الظُّلمِ".

ألا نُعين قومنا على الظّلم؟ أيُّ محازبٍ أو مذهبيٍّ، إذا رأى فردًا من مذهبه أو من حزبه أو حركته، يصطدم مع إنسانٍ آخر - حتَّى لو كان الحقُّ مع ذاك، والباطلُ مع صاحبه – ألا يقف مع الَّذي من مذهبه وحزبه؟!

 

العلاقة مع الآخر!

أيُّها الأحبَّة، لا أريد أن أجعل من نفسي واعظًا، وقد أكون بحاجةٍ إلى الموعظة، ولكنّي أتحدَّث عن الواقع، وعمَّا أتحسَّسه في السَّاحة. لذلك، علينا أن نفكّر: هل نحن إسلاميّون، بحيث يعني الإسلام لنا شيئًا؟ لماذا يقبل الكفر الَّذي نرجمه بكلماتنا الآخرَ، في تنوّعاته السياسيَّة والفكريَّة، ونحن لا نقبله حتَّى لو كان مسلمًا؟

إنَّ الإسلام قبِلَ الآخر غير المسلم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران: 64]، اعترف بوجوده وتعايش معه، ونظَّم العلاقات الموضوعيَّة الإنسانيَّة معه، سواء كانت علاقات معاهدة أو ذمَّة أو ما إلى ذلك، ولكنَّنا نحن لا نعترف بالآخر!

في الغرب، الأحزاب يعترف بعضها ببعض، وربَّما أعطى هذا الحزب صوته لمشروعٍ يطرحه الحزب الآخر، لأنَّ المسألة عندهم هي مسألة مصلحة أوطانهم وليست مسألة العصبيَّة لأحزابهم. لقد تجاوزوا العصبيَّة وانفتحوا على الموضوعيَّة، ولذلك استطاعوا أن يتحاوروا في "الهواء الطَّلق"، وأصبح أحدهم لا يخاف على فكره من أن يناقشه الآخر حتَّى في أصوله، لأنَّ هناك نوعًا من أنواع الإيمان عندهم بالحقيقة الموضوعيَّة الَّتي يعيشونها، وعلى طريقتهم الخاصَّة. ونحن كمسلمين لا نقبل الآخر؛ السّنيُّ لا يقبل الشّيعيّ، والشّيعيُّ لا يقبل السّنيّ، حتَّى لو تحدَّثنا في الهواء الطَّلق بالوحدة الإسلاميَّة، لكن {وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ - شياطين المذهبيَّة - قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}]البقرة: 14].

ألا نقول ذلك بعضنا لبعض؟ ألا نقول ذلك وراء الكواليس؟ لماذا لم نستطع أن نصنع في داخل قاعدتنا الإسلاميَّة - نحن العلماء والمثقَّفين - تجذيرًا لمعنى "قبول الآخر" في الخطوط الإسلاميَّة الواحدة؟ إنَّنا نخاف من ذلك، ونخاف من أن تنفتح قاعدتنا السنيَّة على الشّيعة، وقاعدتنا الشّيعيَّة على السنَّة، كما نخاف أن تنفتح قاعدتنا الحركيَّة على القاعدة الأخرى، لأنَّهم قد يسلبوننا هذا وذاك!

 

روحيَّة الحركيَّة الإسلاميَّة

أيُّها الأحبَّة، الوحدة الإسلاميَّة "روحيَّة" قبل أن تكون مشروعًا، وهي روحيَّة ترتبط بالوجدان الإسلاميّ الَّذي يجعل المسلمين يشعرون بالقضايا الإسلاميَّة الثَّقافيَّة، ليقفوا من أجل حماية الإسلام الثّقافيّ في الأصول الأساسيَّة للعقيدة، وحماية الخطوط الإسلاميَّة في الشَّريعة الإسلاميَّة أمام الَّذين ينتقدونها، وليقفوا مع قضايا المسلمين الحيويَّة؛ محلّيّةً كانت أو إقليميَّة أو عالميَّة.. أن تشعر أنَّ الإسلام يعني لك شيئًا، بحيث تُثكَل إذا حدث أيّ اهتزازٍ لأيّ موقعٍ فيه.. أن نعيش المسألة الإسلاميَّة بجدّ..

ولذلك أنا أتساءل: لماذا لم نستطع في لبنان أن نجعل المقاومة الإسلاميَّة منفتحة على كلّ الواقع الإسلاميّ؟ لماذا يتحدَّث متحدّثٌ هنا أو هناك بأنَّها "مقاومة شيعيَّة"؟ لماذا لم نستطع، أيُّها الأحبَّة، أن نوجد اتّحادًا للحركات الإسلاميَّة؟ لأنَّ الوحدة قد نتصوَّرها طموحًا خياليًّا، فهل تقبل أيَّة حركة إسلاميَّة أن تدخل في اتّحادٍ جبهويٍّ أو أيّ شيء آخر على أساس خطوطٍ واضحة، على الأقلّ في المسألة السياسيَّة؟

لماذا نختلف عندما تكون هناك جولة انتخابيَّة، بحيث يذهب هذا الفريق الحركيّ هنا وذاك هناك، ولا يمكن التَّفاهم لا على الخطوط ولا على البرامج ولا على الأشخاص؟ ونحن جميعًا ندَّعي العمل من أجل قوَّة الإسلام وقوَّة الإنسان في لبنان!

إنَّ المفروض، أيُّها الأحبَّة، أنَّ الحركيّين هم الطَّليعة الواعية في الأمَّة، وهم الَّذين تجاوزوا الفواصل والتَّفاصيل، لأنَّهم يعملون لتكون كلمة الله هي العليا ولأسلمة العالم. أليس هذا هدفنا؟ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}]سبأ: 28[.

هل يحاول كلّ واحد منَّا أن يعيش في داخل إطاره ليكون لنا "إسلام لبنانيّ" و"إسلام جزائريّ" و"إسلام مصريّ"...، وما إلى ذلك، مما عمل الاستكبار العالميّ على تكريسه كشخصانيَّةٍ حركيَّة في هذه الحركة أو تلك؟!

إنَّ المطلوب أن تكون لنا "روحيَّة الحركيَّة الإسلاميَّة"، فإذا كانت لنا هذه الرّوح، كنَّا أناسًا لا يشعر أحدنا أنَّه يملك الحقيقة كلّها، بل يرى أنَّه يملك وجهة نظرٍ يقتنع بها في فهم الحقيقة، وعليه حينها أن يستمع إلى وجهة النَّظر الأخرى.

 

النَّهج القرآنيّ في الحوار

لقد كنَّا نتحدَّث دائمًا مع الكثير من المثقَّفين غير الإسلاميّين، أنَّ أسلوب الحوار في الإسلام لم يتقدَّمه أسلوبٌ في إنسانيَّته وموضوعيَّته، ولن يتقدَّمه أسلوب، لأنَّ قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[سبأ: 24]، قالها الله على لسان رسوله (ص) الَّذي {جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}[الزّمر: 33]، لكن قال له: عندما تتحاور مع الآخر، لا تدخل ذاتك، ولا تدخل إيمانك في عمق وجدانك في ساحة الحوار، قل للآخر: إنَّ هناك حقيقةً ضائعة بيننا، قد أكون أنا على ضلال وأنت على هدى، وقد أكون أنا على هدى وأنت على ضلال، فتعال ننطلق معًا لنتحاور، لعلَّنا نكتشف تلك الحقيقة معًا فنتوحَّد، أو يكتشفها أحدنا ليفهمها الآخر إن لم يقتنع بها.

هذا قرآنٌ، أيُّها الأحبَّة، فهل نحن قرآنيّون في هذا المستوى؟ إنَّها مسألة تتَّصل بالأخلاقيَّة الثَّقافيَّة الإسلاميَّة في الخطّ الثَّقافيّ الَّذي نريد أن نقابل به العالم في مضمون الفكرة وأسلوبها وأسلوب الحوار.

 

موانع الوحدة.. وصدق القاعدة

كلَّنا نعرف أنَّ الوحدة بين المسلمين هي من "الممنوعات الاستكباريَّة"، سواء كانت تبشيريَّة أو غير تبشيريّة. فإذا كنَّا نعرف أنَّ القوم يمنعون الوحدة، ليبقى العالم الإسلاميّ خاضعًا لاقتصادهم وسياستهم وأمنهم وثقافتهم، وإذا كنَّا نعرف أنَّ الكفر يعمل على اختراق بلدان المسلمين - كإندونيسيا وماليزيا وأفريقيا وغيرها - ليبعد المسلمين عن الإسلام إذا لم يستطع أن يدخلهم في غيره، إذا كنَّا نعرف هذا، ونعرف أنَّ الطَّريق لمواجهة هذا لا يمرّ عبر "التَّعصّب المذهبي" ولا "الشَّخصانيَّة الحركيَّة" ولا "عبادة الشَّخصيَّة".. إذا كنّا نعرف ذلك، فماذا ننتظر؟ هل ننتظر من يأتي من المرّيخ وغيره ليخلّصنا، ونحن نملك الأدوات والوسائل والقاعدة؟

إنَّ قاعدتنا الإسلاميَّة، هذا الشَّعب، هؤلاء المسلمون العاديّون التَّقليديّون الَّذين نشعر بعنفوان "فوقيّ" حين نتحدَّث عنهم، ونقول إنّهم مسلمون تقليديّون، وإنّنا مسلمون طليعيّون واعون.. هؤلاء لا يعوزهم الإخلاص، وإذا سمعوا كلمةً تنفتح على عمق الإخلاص، ورأوا هناك واقعيَّة، فإنَّهم يكونون أقرب إلى زوال التَّعصّب حتّى من العلماء والمثقَّفين.. نحن الَّذين نصنع التَّعصّب فيهم، ونثقّفهم ثقافةً عصبيَّة، ونحن الَّذين نقول لهم إنَّ "الآخر" ليس مسلمًا إلَّا في الظَّاهر! أليست المسألة كذلك؟

إنَّ لنا قاعدةً إسلاميَّة رائعة؛ انظروا إلى القاعدة الإسلاميَّة في فلسطين، حيث الشّابّ والمثقَّف والعاديّ، عندما آمن بالقضيَّة الفلسطينيَّة في بعدها الإسلاميّ - وأنا أعرف أنَّ الفلسطينيَّ العاديَّ يتحرَّك من عمق إسلامه تاريخيًّا وفكريًّا وشرعيًّا - انطلق حتَّى في غياب القيادة، وربَّما تنفتح عليه القيادة ويحدّق بهذه القيادة وتلك القيادة.. هؤلاء الشَّباب، شباب المقاومة الإسلاميَّة، الَّذين تختلف ثقافاتهم وأوضاعهم، وربما يكون أحدهم قد وُلد وفي فمه ملعقة ذهب، ومع ذلك، عاشوا الجهاد انطلاقًا من المفهوم الإسلاميّ.

وهذه الأمَّة الَّتي تتعاطف مع المجاهدين، هذه الأمَّة الإسلاميَّة الَّتي رأيناها في كلّ موقف من مواقف التّحدّيات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، رأيناها تقف وتجتمع بعيدًا من كلّ الإقليميَّات والقوميَّات.. إنَّ لنا أمَّة جيّدة لا يزال الإسلام فيها عاطفةً وحسًّا، ولكن، كيف نقودها إلى "مضمون" الإسلام وحركته؟ وكيف نفتح عقلها وقلبها على الإسلام في كلّ رحابته ومشاعره؟

 

القضيَّة في فخّ التَّفاصيل!

أيُّها الأحبَّة، لا أريد أن أطيل عليكم، لكنَّني عندما أرى أنَّ هناك حربًا عالميَّة استكباريَّة على الإسلام كلّه، وعلى العالم الإسلاميّ كلّه، والأرض تهتزُّ تحت أقدامنا، فيما نعيش حالة "انعدام وزن" سياسيّ واقتصاديّ وعسكريّ في واقعنا العربيّ والإسلاميّ، فإنّي أتساءل: إذا لم تهزّنا هذه التَّحدّيات الكبرى، فأيُّ شيء يهزّنا؟ هل نقول مع المتنبّي:

مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ       ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ

إذا لم تستطع جراحنا أن تهزّنا، فهل يمكن للكلمات والخطابات والقرارات وما إلى ذلك، أن تلامس شيئًا ولو سطحيًّا من مشاعرنا؟ هذه هي المسألة.

المسألة أنَّ هناك استلابًا للواقع؛ فبعد أن كانت القضيَّة قضيَّة فلسطين، أصبحت قضيَّة الخليل في تفاصيل شوارعها، وقضيَّة المسجد الأقصى وما حوله، وأصبحت القضيَّة في لبنان "جزّين" وما إلى ذلك.. لقد أدخلونا في آلاف التَّفاصيل حتّى ننسى القضيَّة، ونسينا القضيّة!

لم تَعُد كلمة "أنَّ لنا فلسطين بأجمعها" إلَّا كلمةً خارجةً عن الاعتدال السياسيّ وعن الواقعيَّة السياسيَّة، وأصبحت من كلمات المتطرّفين الَّذين يُحلّقون في الخيال! لقد أدخلونا في كلّ التَّفاصيل، حتّى طبَّعوا الأمَّة لتكون كلّ قضيّتها: متى تتمّ التّسوية، ومتى يمكن أن يكون الحلّ السّلميّ... وهكذا أصبحت الذّهنيَّة السياسيَّة للأمَّة - لا شعوريًّا - هي مسألة الحلّ السّلميّ، كأنّه المخرج الّذي يتخفَّفون به من عناء التّعب والمواجهة.

هل نقول إنَّنا تَعِبنا وأتعبنا الأمَّة معنا؟! لماذا فشلنا في أن نُبقي فلسطين في وجدان الإنسان المسلم العاديّ؟ لماذا تراجعت القضيَّة من حضورها الشَّامل لتُختزل في عنوان "الأراضي المحتلَّة"، ثمّ أصبحت مسألة "الاستيطان"؟!

 

تجمّع العلماء: تجربة رائدة

أيُّها الأحبَّة، إنّني في هذا الوقت، أقدّر حركة "تجمّع العلماء المسلمين"، فهي الحركة الوحيدة الموجودة في العالم الإسلاميّ الَّتي يلتقي فيها علماء السنّة والشّيعة في موقعٍ واحد، ويدرسون قضايا الأمَّة وواقعها بحجم إمكاناتهم، وبحجم تجمّعهم، وبحجم الحساسيّات المحيطة بهم.

إنّني أرجو أن يبقى هذا التَّجمّع، وأقول لأصدقائنا وأحبَّائنا من أعضائه: ليكن لكم الإصرار حتّى الشَّهادة في أن تبقى هذه التَّجربة، ربّما تواجهون الكثير من المشاكل الدَّاخليَّة والخارجيَّة، والكثير من الضّغوط هنا وهناك، لكن تذكَّروا أنَّ هذه التَّجربة الّتي مهما كان حجمها، تبقى نقطة الضَّوء في كلّ هذا الظَّلام العصبيّ في واقع المسلمين.

إنّني أريد لكلّ إخواننا من علماء الشّيعة والسنَّة، ولا سيَّما الحركيّين منهم، أن يعملوا في داخل هذا التّجمّع لا معه، لأنَّنا كلَّما استطعنا أن نجعل القاعدة أوسع، استطعنا أن نجعل الفكرة أعمق، وكلَّما استطعنا أن نجمع المخلصين من المفكّرين والمثقَّفين في الحركات الإسلاميَّة وغير الحركات الإسلاميَّة ممن هم حركيّون في وجدانهم، استطعنا أن نجعل من التَّجمّع ساحة حوارٍ علميٍّ موضوعيٍّ، ينطلق فيه العلماء من السنَّة والشّيعة ليصارح بعضهم بعضًا في كلّ شيء، حتّى فيما يجرح، لأنّنا قد نحتاج إلى أن نُخرج بعض "الدّماء السّوداء"، ليبقى الدَّم صافيًا نقيًّا في احمراره.

إذا بقينا نتكاذب ونتجامل، فسوف نجعل المشكلة أكثر تعقيدًا. لا مقدَّسات في الحوار؛ حاوروا بعضكم بعضًا في كلّ شيء، بشرط أن يكون الحوار موضوعيًّا عقلانيًّا على تقوى من الله، ومن خلال الهدف الكبير: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103].

هل نأمل ذلك؟ إنّني أرى أنَّ هذا التَّجمّع دِينٌ يُدانُ به، فهل لنا أن ننفتح عليه ونقوّيه ونعمّقه ونمتدّ به؟ فلعلَّه يكون بجهدنا وإخلاصنا وتعاوننا بعض السَّبيل لإيجاد صورةٍ، مجرَّد صورة، للوحدة الإسلاميَّة.

 

الوحدة.. ومسؤوليَّة العلماء

علينا أيُّها الأحبَّة، في كلّ هذه المشاريع والكلمات والنّظريَّات عن الوحدة الإسلاميَّة، أن نقدّم نموذجًا لها، ولا سيَّما في دائرة العلماء الَّذين كان البعض منهم هو الأساس في إسقاطها. فلنقدّم تجربة أنَّ العلماء مع الوحدة الإسلاميَّة في داخلهم وخارجهم، وأن لا يكون هناك "شياطين" نتكلَّم معهم بطريقة تختلف عمَّا نتكلّم به مع "الملائكة".. أن نبقى مع الملائكة، وإذا عشنا مع الشَّياطين، فلنعمل على تحويلهم إلى ملائكة.

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التَّوبة: 105].

{إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 92].

وحدة الله، ووحدة الأمَّة، ووحدة السَّير إلى الله.

 

* مؤتمر تحدّيات الوحدة الإسلاميَّة، بتاريخ: 29/10/1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية