في حياتنا هذه، وأمام كلّ ما نواجهه من قسوة التَّحدّيات واشتداد البلاء، في حياتنا هذه، نحتاج إلى النَّاس الَّذين يمثّلون عفويّة الصّدق وأريحيَّة الطّيبة، والانفتاح على النَّاس كلّهم؛ انفتاح العقل والقلب والشّعور والحركة.
ولذلك، فإنَّنا عندما نفتقد هذا الإنسان الطيّب من دون سذاجة، الصَّادق في كلمته وفي موقفه وفي انفتاحه على النَّاس، نشعر أنَّنا فقدنا لطفًا نستروح فيه أنفاس الخير، وأنفاس الصّدق، وأنفاس الإنسانيَّة المنفتحة.
لأنَّ مشكلتنا، أيُّها الأحبَّة، هي أنَّنا من خلال كلّ التَّعقيدات الَّتي اقتحمت إنسانيَّتنا، ومن خلال كلّ الألاعيب الّتي أتقنها الكثيرون، والَّتي أحاطت بكلّ تركيبتنا، أصبحنا نعيش القلوب المغلقة الَّتي لا تنفتح للمحبَّة، ولكنَّها تنغلق على الحقد.. أصبحنا نعيش العقول المغلقة الَّتي لا تنفتح على الحوار، وإنَّما تعيش الذَّاتيَّة المفرطة.. أصبحنا نتحرَّك من دون أن نجد في الكثيرين منَّا شخصيَّة البطل، لأنَّ الكثيرين منَّا اختزنوا في ذاتهم شخصيَّة الممثّل.. أصبحت كلمات الحبّ استهلاكًا، وكلمات القضايا الكبرى تمثيلًا.
لذلك، أن نفتقد طيّبًا صادقًا لطيفًا، فذلك شيء نحسّ معه بالفجيعة.
ونحن، أيُّها الأحبَّة، في كلّ هذه الحياة الَّتي نحياها ونعيش فيها أثقال المرحلة، وأثقال المسؤوليَّات، وأثقال الضّغوط الَّتي تطبق علينا من كلّ جانب، ما هو الموقف؟
سلبيّة المتفرّجين
هناك مشكلة تعيش في أكثر مواقعنا في الشَّرق أو في العالم الثَّالث، وهي مشكلة المتفرّجين الَّذين لا يملكون إلَّا أن يقفوا على التّلّ ليتفرَّجوا على المحرومين وهم يسقطون في كلّ مشاكل الحرمان، وعلى المجاهدين وهم يسقطون في كلّ ساحات الجهاد، وعلى الَّذين يدخلون الصّراع بكلّ قوَّة في ساحات المواجهة بين الحقّ والباطل، وبين العدل والظّلم... إنّ الكثيرين منَّا يعيشون حالة المتفرّج على كلّ هذا الواقع.
وهناك منَّا مَنْ يتألَّمون، ومَنْ يُحرَمون، ومَنْ تُصادَر حريَّاتهم، ومَن تُصادر أوطانهم، ومَن يعيشون تحت ضغط الظّلم والاستكبار والاحتلال، من أصحاب القضيَّة الَّذين استطاعت كلّ الأوضاع الَّتي تحيط بهم أن تترك في حياتهم جراحًا.. حتَّى هؤلاء، أصبحوا يواجهون حرمانهم بصمت، ويواجهون ظلمهم بلا مبالاة، لأنَّ هناك رعبًا يحاول الإعلام أن يضخّمه في الواقع، ولأنَّ هناك خوفًا يحاول الكثيرون من الدَّاخل والخارج أن ينتجوه، ليقال للمتألّم إنَّ عليك أن تصبر، وليقال للمحروم إنَّ عليك أن تسكت، لأنَّ التَّحدّيات كبيرة، ولأنَّ الضّغوط الَّتي تتحرَّك من خلال النّظام العالميّ الجديد خطيرة خطيرة.
سرّ قوّة العدوّ وضعفنا!
وبهذا استطاعت الأكثريَّة في واقعنا أن تنتقل من صفوف الّذين يتحرّكون إلى صفوف الَّذين يتفرَّجون.. أمَّا الآخرون، فإنَّهم تحركوا على أساس أن ينطلقوا جميعًا من موقع واحد، في خطّ واحد، وقضيَّة واحدة.
أتعرفون، أيُّها الأحبَّة، لماذا انتصرت إسرائيل؟ لماذا انتصر اليهود في فلسطين؟ لأنَّ كلَّ يهوديّ في العالم كان يؤمن بقضيَّة اليهوديَّة، ولم يكن يسمح لنفسه أن يأخذ دور المتفرّج، بينما يتحرّك اليهود من أجل أن يستولوا على فلسطين.
إنَّ كلَّ يهوديّ في العالم، سواء كان في المواقع الإعلاميَّة، أو في المواقع الماليَّة المتقدّمة في العالم، أو في المواقع السياسيَّة أو الأمنيَّة أو الثَّقافيَّة، إنَّ كلّ يهوديّ في العالم يعمل من أجل إسرائيل. لذلك، كان هناك لوبي يهودي في أمريكا، ولوبي يهودي في فرنسا، ولوبي يهودي في بريطانيا.. فقد انطلق اليهود في العالم لأنَّهم اعتبروا أنَّ اليهوديَّة قضيَّة.
أمَّا نحن في العالم أو في بلادنا هذه، فقد تحركنا تحت عناوين كثيرة؛ تحركنا تحت العنوان الفلسطيني، وتحركنا تحت العنوان العربي، وتحركنا تحت العنوان الإسلامي، وتحركنا تحت عنوان قضايا التَّحرّر وما إلى ذلك.. لقد استهلكنا كلّ العناوين، ورفعنا كلّ العناوين، ولكنَّ العناوين كانت تفتقد جمهورها، جمهورها الّذي يكتفي بأن يصفّق لها ويتحمّس لها، ولا ينطلق من أجل أن يواجه تحدّياتها، ويتحرّك في الطَّريق الَّتي تنطلق نحوها.
القصَّة أنَّ اليهوديَّ في العالم إنسان منتم يخلص لانتمائه، أمَّا نحن، فإنَّ الكثيرين منَّا يعيشون دور اللَّا منتمي، لأنَّ الانتماء لا يمثّل عمقًا في الفكر، ولا يمثّل امتدادًا في الرّوح، ولا يمثّل انطلاقةً في الحركة.
لهذا، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا أن نقف أمام كلّ هذه الأوضاع الّتي تهزّ الأرض من تحت أقدامنا، والَّتي تتحرَّك من أجل أن تصادرنا، وتصادر كلَّ العناوين في وجودنا.
مؤتمر مدريد: تغييب العرب
في مؤتمر مدريد، عندما انطلق هذا المؤتمر، مُنِعَ العرب أن يتحركوا كعرب، لذلك، لم يسمح لهم أن يفاوضوا كعرب في وجه إسرائيل، سُمِحَ لهم أن يفاوضوا كسوريّين، كلبنانيّين، كأردنيّين، ولم يسمح لهم أن يفاوضوا كعرب، لأنَّ إسرائيل لم تكن تريد لهم أن يعتبروا أنَّ هناك قضيَّة عربيَّة تشمل العالم العربيَّ كلّه.. كانوا يريدون لهم أن يفهموا أنَّ هناك قضيَّة ثنائيَّة سوريَّة إسرائيليَّة، وقضيَّة ثنائيَّة لبنانيَّة إسرائيليَّة، وقضيَّة ثنائيَّة أردنيَّة إسرائيليَّة.. حتَّى إنَّهم لم يسمحوا للجامعة العربيَّة أن تشارك في مؤتمر مدريد بصفة مراقب.. سُمِحَ للاتحاد المغاربي أن يحضر بصفة مراقب، وسُمِحَ لمجلس التَّعاون الخليجي أن يحضر بصفة مراقب، كما سُمِحَ للمجموعة الأوروبيَّة وللأمم المتَّحدة ذلك.. أمَّا الجامعة العربيَّة، فلم يُسمح لها بذلك، لأنّها تمثّل عنوانًا عربيًّا، في حين أنَّ ما يراد للمنطقة العربيَّة في هذه المرحلة، هو إلغاء العالم العربيّ سياسيًّا.
حتَّى إنَّنا نراقب مرحلة قادمة لا يسمح فيها للعرب بأن يدافعوا عن أمنهم، فلن يكون هناك شيء اسمه الأمن العربي، فالخليج تدافع عنه دول الغرب، وما بعد ذلك، سوف تدخل إسرائيل في الجسم الشَّرق الأوسطي.. لقد استبدلوا كلمة العالم العربي بكلمة الشَّرق الأوسطي، فنحن أوسطيّون ولسنا عربًا.
وسوف ترون من خلال المخطَّطات، أنَّ تركيا ستنضمّ إلى إسرائيل في عمليَّة أمن المنطقة، وسوف يدخل العرب في التَّفاصيل. تلك هي المسألة..
لن يسمح لهم، لأنَّه لا يراد للعالم العربيّ أن يُنتَج من جديد، ولا يراد لفلسطين أن تبرز كعنوان.. في مؤتمر مدريد، لم يكن هناك وفد فلسطينيّ، بل كان تحت مظلَّة الوفد الأردني، وحتَّى مع الحكم الذَّاتيّ، ليست هناك شخصيَّة لفلسطين، أمريكا لا توافق على دولة فلسطينيَّة، وإسرائيل لا توافق على دولة فلسطينيَّة.. الفلسطينيّون شعب يعيش كأقليَّة دون أن يكون له أيّ شيء.
وحتّى اتّفاق غزّة - أريحا لم يغيّر من ذلك شيئًا، فقد أعطى الفلسطينيّين إدارة حياتهم الدَّاخليَّة فقط، حتّى إنَّ وزير خارجيَّة العدوّ قال: نحن لم نتنازل عن أرض، وإنَّما تنازلنا عن تجمّع بشريّ مزعج.
استهداف الإسلام الحركيّ
ثمَّ بعد ذلك، عندما نريد أن نحرّك العنوان الإسلاميّ سياسيًّا، فإنّنا نرى أنّه لا يتمثّل في كلّ هؤلاء الملوك والأمراء والرّؤساء الَّذين يتحركون تقليديًّا فيما هو الإسلام.. إنَّ الإسلام في بعده السياسي المتحرك في خطّ الحريَّة والعدالة باسم الله، الإسلام المنفتح على الرّسالات الإلهيَّة ليتكامل معها في القضايا الكبرى ولا ينغلق عنها، الإسلام الَّذي يتكامل مع المسيحيَّة في قيمها، ويتكامل مع كلّ قضايا الحريَّة والعدالة، الإسلام هذا يمثّله المسلمون الحركيون الَّذين يقفون ضدّ كلّ موقع للظّلم، وضدّ كلّ موقع للاستكبار، وكلّ موقع للعبوديَّة.
ماذا يتحدَّث النَّاس عن هؤلاء؟ يقولون هؤلاء أصوليّون متطرّفون إرهابيّون متعصّبون...! لا بدَّ لإسرائيل أن تقوم بحلف وجبهة مع الدول العربيَّة من أجل أن تواجه هذا الخطر المشترك، ولا بدَّ أن تُشنَّ عليهم حرب عالميَّة على مستوى العالم!
لا يراد لعروبة أن تتحرَّك بقوَّة، ولا يراد لفلسطينيَّة أن تتحرَّك بثبات، ولا يراد لإسلام أن يتحرك بانفتاح.
حتَّى المسيحيَّة، لو انطلقت في السَّاحة كما كانت تنطلق في أمريكا اللاتينيَّة وغيرها على أساس مواجهة التحدّيات، فسوف يحدّثونك عن المسيحيَّة الأصوليَّة وعن التطرف المسيحي وما إلى ذلك.، لأنَّ القضيَّة، أيُّها الأحبَّة، ليست هي مسألة الأصوليَّة في الإسلام، أو التَّطرّف لدى المسلمين، القضيَّة هي أنَّ كلَّ من يقف في مواجهة الاستكبار العالميّ الَّذي يريد أن يضطهد العالم الثالث كلّه، بمسلميه وبمسيحيّيه، وبكلّ أحراره.. كل من يقف في وجهه هو متطرّف.
عندما انطلق عبد النَّاصر في المنطقة، كانت القوميَّة العربيَّة هي الخطر، وعندما انطلق الماركسيّون، كانت الماركسيَّة هي الخطر، وعندما انطلق الإسلام كان الإسلام هو الخطر.. كلّها خطر عندما تتحرّك في مواجهة منع المستكبرين من أن يسيطروا على مقدّرات المنطقة الثَّقافيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة.
النّظام العالميّ الجديد!
لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّنا نواجه ما يسمَّى النظام العالميّ الجديد، الَّذي ينطلق عنوانه من حركة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، للضَّغط على كلّ الدّول الدَّائمة العضويَّة في مجلس الأمن، وعلى كلّ الدّول في الأمم المتّحدة، من أجل أن توافق على كلّ القرارات السياسيّة للولايات المتحدة الأمريكيَّة، حتَّى إذا تأخَّرت الأمم المتحدة عن إصدار قرارها، فإنَّ أمريكا تسبقها، وهذا ما رأيناه في الصّومال، فقد استطاعت أمريكا أن تنطلق في مسألة الصّومال قبل أن تصدر الأمم المتَّحدة قراراتها وترسل جيشها إلى هناك.
بناء القوَّة ومواجهة الاستكبار
لهذا، علينا أيُّها الإخوة، بعيدًا من كلّ الحماس، فأنا لا أكلّمكم حماسًا، وبعيدًا من كلّ الانفعال، وبعيدًا من كلّ الغرق في التَّفاصيل، علينا أن يخاطب كلّ واحد منَّا نفسه، وأن يسائلها: هل نحن شعب يريد أن يشعر بوجوده في هذا الكون؟ هل نحن أمَّة تريد أن يكون لها موقع كبير بين الأمم؟ هل نحن خطٌّ يريد أن يتحرّك مع كلّ الخطوط الَّتي تنطلق في العالم، أو أنَّنا مجرَّد كميَّات مهملة، يستعمرنا هذا، ويستضعفنا ذاك، ويسحقنا هذا؟
أيُّها الأحبَّة، القصَّة هي أن تخرجوا من صفوف النّظَّارة، ولا أقول إلى صفوف الممثّلين، ولكن إلى صفوف الأبطال، لا أبطال الرّواية، ولكن أبطال الواقع.
ليكن لكلّ واحد منكم رأيه، وليكن لكلّ واحد منكم موقفه، ولتكن لكلّ واحد منكم قناعاته.. لننطلق على أساس أن يكون لنا عمق الانتماء إلى إسلامنا، وإلى أرضنا، وإلى واقعنا.. وليكن لنا انفتاح المؤمن على الله سبحانه وتعالى.
إنَّ القوم بشر، لا يخوّفْكم القوم بالقوم، {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}[الأعراف: 194]، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 139 - 140].
ليست هناك قوَّة خالدة للأقوياء، وليس هناك ضعف خالد للضّعفاء.
القضيَّة هي أن ننطلق، ليأخذ كلّ واحدٍ منَّا موقعه، وليحاول أن يربط موقعه بالموقع الآخر، لنتكامل جميعًا. أمَّا الأنانيَّات والذاتيَّات والعصبيَّات والحزبيَّات والطَّائفيَّات، فلن تستطيع أن تحلَّ لنا المشكلة الكبرى، بل إنَّها لن تزيدها إلَّا تعقيدًا.
تعالوا ننفتح على المستقبل انفتاح الأمَّة الَّتي تريد أن تصنع المستقبل.. تعالوا لنفكّر معًا، تعالوا لنخطّط معًا، تعالوا لنجاهد معًا.. أن ننطلق لنتخَّفف من كل الفواصل التي تفصلنا، أن ننطلق لنتحرر من كل الحواجز التي تحجزنا.
أيُّها النَّاس، إنَّ الاستكبار العالميّ قد بدأ حربه العالميَّة على كلّ المستضعفين، فتعالوا لنخرج من هذا الاستضعاف، لا لنكون مستكبرين، ولكن لنكون الأقوياء.. إنَّ هذا عالم لا يربح فيه إلَّا الأقوياء، إنَّ هذا عالم لا مكان فيه إلّا للقوَّة، فإمَّا أن نكون أقوياء في عمليَّة التَّخطيط للقوَّة، وفي عمليَّة صنع القوَّة، وإمَّا أن نكون مجرَّد أشياء تسحقها الأقدام، الأقدام الغازية، والأقدام الفاتحة والمستكبرة.
أيُّها الأحبَّة، موقفٌ للفكر، "تَفَكُّرُ ساعةٍ خَيْرٌ مِنْ عبادةِ سَنَةٍ"، فتعالوا نتعبّد لله، بالفكر نحركه، وبالتَّخطيط نبرمجه، وبالحركة ننطلق فيها.
والحمد لله ربّ العالمين.
* كلمة سماحته في أسبوع الشّهيد حسن أيّوب في تمنين الفوقا، بتاريخ: 05/12/1993م.